النص المفهرس

صفحات 141-160

٣١ - كتاب المكاتب
(٧) باب
(١٢٨٠) حديث
فَلَمَّا رَأَى ذُلِكَ الْفُرَافِصَةُ، قَبَضَ الْمَالَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ
مِنْ نُجُومِهِ. قَبْلَ مَحِلِّهَا. جَازَ ذُلِكَ لَهُ. وَلَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْبَى
ذُلِكَ عَلَيْهِ.
بصيغة الخطاب أي صرت حراً، ولعله فعل ذلك اتباعاً لما سبقه إليه عثمان -
رضي الله عنه - كما سيأتي عنه في آخر الحديث، وقد سبقهما إلى ذلك عمر -
رضي الله عنه -.
(فلما رأى ذلك الفرافصة قبض المال) قال الباجي(١): كان لمروان جبره
على قبضه، ووضع الكتابة في بيت المال؛ لأنه يؤمن عدم الأداء فيه، ومثل
هذا يجوز فعله إذا رآه الإمام؛ لأنه يقوم مقام الجزء المقصود بتعجيل الأداء،
وهو إنفاذ العتق، ولذلك جاز للمكاتب تعجيل ما عليه من الكتابة، وإن كانت
عروضاً، لما في ذلك من تعجيل العتق، ولأنه ليس بدين ثابت، اهـ.
(قال مالك: فالأمر عندنا) بالأثر الماضي وما في معناه (أن المكاتب إذا
أدى جميع ما عليه من نجومه) من بدل الكتابة (قبل محلها جاز ذلك له) أي
يجوز أداؤه (ولم يكن لسيده أن يأبى ذلك عليه) قال صاحب ((المحلى)): وبه
قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لو عَجَّل النجم قبل محله، لم يجبر السيد على
القبول، إن كان له في الامتناع غرض، كمؤنة حفظه، أو خوف عليه وإلا
فيجبر، كذا في ((المنهاج))، اهـ.
وقال الموفق(٢): إذا عجل المكاتبُ الكتابةَ قبل محلها، فالمنصوص عن
أحمد أنه يلزم قبولها، ويعتق المكاتب، وذكر أبو بكر فيه رواية أخرى أنه لا
يلزم قبول المال إلا عند نجومه؛ لأن بقاء المكاتب في هذه المدة في ملكه حقٌّ
(١) ((المنتقى)) (٢٩/٧).
(٢) (١٤/ ٤٦١).
١٤١

٣١ - كتاب المكاتب
(٧) باب
(١٢٨٠) حديث
له، ولم يرض بزواله، فلم يزل، كما لو علق عتقه على شرط لم يعتق قبله،
والصحيح في المذهب الأول، وهو مذهب الشافعي، إلا أن القاضي، قال:
أطلق أحمد والخرقي هذا القول، وهو مقيد بما لا ضرر في قبضه قبل محله،
كالذي لا يفسد، ولا يختلف قديمه وحديثه، ولا يحتاج إلى مؤنة في حفظه،
ولا يدفعه في حال خوف يخاف ذهابه، فإن اختلّ أحد هذه الأمور لم يلزمه
قبوله .
قال القاضي: والمذهب عندي أن في قبضه تفصيلاً على حسب ما ذكرنا
في السَّلِم، ولأنه لا يلزم أخذه، وذكر أبو بكر أنه يلزمه قبوله من غير تفصيل.
اعتماداً على إطلاق أحمد القول في ذلك، لما روى الأثرم بإسناده عن
أبي بكر بن حزم أن رجلاً أتى عمر - رضي الله عنه -، فقال: يا أمير المؤمنين
كاتبت على كذا وكذا، وأيسرت بالمال، فأتيته به، فزعم أنه لا يأخذها إلا
نجوماً، فقال عمر - رضي الله عنه -: يايرفأ!، خُذْ هذا المالَ، فاجعله في بيت
المال وأَدِّ إليه نجوماً في كل عام، وقد عتق هذا، فلما رأى ذلك سيده أخذ
المال، وعن عثمان - رضي الله عنه - بنحو هذا، ورواه سعيد بن منصور في
((سننه)) عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - جميعاً، ولأن الأجل حقٌّ لمن
عليه الدين، فإذا قدمه فقد رضي بإسقاط حقه فسقط كسائر الحقوق.
فإن قيل: إذا عَلَّق عتق عبده على فعل في وقت، ففعله في غيره لم
يعتق، فكذلك إذا قال: إذا أديتَ إليّ ألفاً في رمضان، فأدّاه في شعبان لم
يعتق، قلنا: تلك صفة مجردة لا يعتق إلا بوجودها، والكتابة معاوضة يبرأ فيها
بأداء العوض، فافترقا، والأولى إن شاء الله ما قاله القاضي، في أن ما كان في
قبضه ضررٌ لم يلزمه قبضه، ولم يعتق ببذله، وخبر عمر - رضي الله عنه - لا
دلالةَ فيه على وجوب قبض ما فيه ضرر، ولأن أصحابنا قالوا: لو لقيه في بلدٍ
آخر، فدفع إليه نجوم الكتابة أو بعضها فامتنع من أخذها لضرر فيه من خوف
١٤٢

٣١ - كتاب المكاتب
(٧) باب
(١٢٨٠) حديث
وذُلِكَ أَنَّهُ يَضَعُ عَنِ الْمُكَاتَبِ بِذَلِكَ كُلَّ شَرْطِ، أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ.
أو مؤنةٍ حمل لم يلزمه قبوله، لما عليه من الضرر فيه، وإن لم یکن فيه ضرر،
لزمه قبضه كذا ههنا، وكلام أحمد رحمه الله محمول إذا لم يكن في قبوله
ضرر، اهـ.
وروى البيهقي في كتاب ((المعرفة)) عن أنس بن سيرين عن أبيه قال:
كاتبني أنس بن مالك على عشرين ألف درهم، فأتيته بكتابته، فأبى أن يقبلها
مني إلا نجوماً، فأتيت عمر - رضي الله عنه -، فذكرت ذلك له، فقال: أراد
أنس الميراث، وكتب إلى أنس أن يقبلها من الرجل فقبلها، وروي عن عثمان
- رضي الله عنه - أيضاً نحو ذلك.
قال أبو عمر: أظن مروان بلغه ذلك، فقضى به، روى عبد الرزاق عن
أبي قلابة قال: كاتب عبد على أربعة آلاف أو خمسة، فجاء بها إلى سيده،
فأبى سيده أن يأخذها إلا في كل سنة نجماً رجاء أن يرثه، فأتى عثمان،
فدعاه، فعرض عليه أن يقبلها فأبى، فقال للعبد: ائتني بما عليك، فأتاه،
فجعله في بيت المال، وكتب له عتقاً، وقال للمولى: إنتني في كل سنة، فخذ
نجماً، فلما رأى ذلك أخذ ماله، وكتب له عتقه، قاله الزرقاني(١).
(وذلك أنه) السيد (يضع) أي يحظُ (عن المكاتب بذلك كل شرط) شرط
عليه يعني إذا شرط على المكاتب شرطاً آخر غير بدل الكتابة يسقط عنه ذلك
الشرط بتعجيل أداء بدل الكتابة كما سيأتي قريباً في الشرط في المكاتب (أو
خدمة أو سفر) شرطهما عليه.
قال ابن رشد (٢): إذا اشترط في الكتابة شرطاً من خدمة أو سفر أو
نحوه، وقوي على أداء نجومه قبل محل أجل الكتابة، هل يعتق أم لا؟ فقال
(١) ((شرح الزرقاني)) (١١٦/٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٨٦/٢).
١٤٣

٣١ - كتاب المكاتب
(٧) باب
(١٢٨٠) حديث
لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ عَتَاقَةُ رَجُلٍ وَعَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِنْ رِقِّ. وَلَا تَتِمُّ حُرْمَتُهُ. وَلَا
تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. وَلَا يَجِبُ مِيرَاتُهُ. وَلَا أَشْبَاهُ هُذَا مِنْ أَمْرِهِ. وَلَا
يَنْبَغِي لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِدْمَةً بَعْدَ عَتَاقَتِهِ .
مالك وجماعة: ذلك الشرط باطل، ويعتق إذا أدَّى جميع المال، وقالت
طائفة: لا يعتق حتى يؤدي جميع المال، ويأتي بذلك الشرط، وهو مروي عن
عمر - رضي الله عنه - أنه أعتق رقبة الإمارة، وشرط عليهم أن يخدموا الخليفة
بعدي ثلاث سنين، ولم يختلفوا أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنين،
أنه لا يتم عتقه إلا بخدمة تلك السنين، ولذلك القياس قول من قال: إن الشرط
لازم، اهـ.
(لأنه لا تتم عتاقة رجل و) الحال أن (عليه بقية من رق)، وإذا بقي عليه
شيء من الشروط بقي أثر من الرق، (و)حينئذ (لا تتم حرمته) أي حرمة العتق
(ولا تجوز شهادته، ولا يجب ميراثه، ولا أشباه هذا من أمره) لأنه عبد بعد إذ
بقيت عليه بقية من الرق، ويشترط لهذه الأمور الحرية (ولا ينبغي لسيده) أي لا
يجوز له (أن يشترط عليه عملاً ولا (١) خدمة بعد عتاقة) لأن شرط الخدمة ينافي
العتق، فإذا بقي عليه شرط الخدمة بقي الرق، وإذا تحققت العتاقة انتفى شرط
الخدمة .
قال الباجي(٢): ووجه ذلك ما احتجَّ به من أنه لا تتم عتاقته إن بقي عليه
شيء من أسباب الرق، وما شرط عليه من سفر أو خدمة، فذلك كله من
أسباب الرق، يمنع قبول شهادته، وتمام حرمته وموارثة الأحرار.
قال القاضي أبو محمد: وفي ذلك روايتان: إحداهما التي تقدمت، وهي
رواية ابن المواز عن مالك، وهي في ((العتبية)) رواية أشهب عن مالك.
(١) هكذا في نسخة الشارح.
(٢) ((المنتقى)) (٢٨/٧).
١٤٤

٣١ - كتاب المكاتب
(٧) باب
(١٢٨٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي مُكَاتَبِ مَرِضَ مَرَضاً شَدِيداً. فَأَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ
نُجُومَهُ كُلَّهَا إِلَى سَيِّدِهِ. لِأَنَّ يَرِثَهُ وَرَثَةٌ لَهُ أَحْرَارٌ. وَلَيْسَ مَعَهُ، فِي
كِتَابَتِهِ، وَلَدٌ لَهُ.
ووجه ذلك أن ما شرط عليه تابع للكتابة نفسها، فإذا عجلت سقط ما
يتبعها، ووجه الرواية الثانية، وهي ثبوت ذلك عليه أنه بعض العوض في عتق
الرقبة، فلم تسقط كالكتابة نفسها، فإذا قلنا: لا تسقط، فيتخرَّج ما يلزمه على
روايتين، إحداهما: أنه يؤديه بعينه، قال أبو القاسم: ولا يعتق إلا بأدائه،
والأخرى: يؤدي قيمة ذلك، قال أبو القاسم: مع كتابته معجلاً، ولا يؤخره،
وهذه رواية أشهب عن مالك، وقال محمد: هذا ليس بشيء، وقد رجع عنه
مالك، وجميع أصحابه على أنه لا يحلّ به عوضاً، وقال أحمد بن ميسر:
القياس رواية أشهب، اهـ.
وقال الموفق(١): إن شرط عليه خدمة معلومة بعد العتق جاز، وبه قال
عطاء وابن شبرمة، وقال الزهري، ومالك: لا يصح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد،
أشبه ما لو شرط ميراثه، ولنا، أنه رُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه أعتق كل
من يصلي من سبي العرب، وشرط عليهم أنكم تخدمون الخليفة بعدي ثلاث
سنوات(٢)، ولأنه اشترط خدمة في عقد الكتابة أشبه ما لو شرطها قبل العتق،
ولأنه شرط نفعاً معلوماً أشبه ما لو شرط عوضاً معلوماً، ولا نسلم أنه ينافي
مقتضى العقد، فإن مقتضاه العتق عند الأداء، وهذا لا ينافيه اهـ.
(قال مالك في مكاتب، مرض مرضاً شديداً) يخاف منه الموت (فأراد)
المكاتب لخوف الموت (أن يدفع نجومه كلها إلى سيده) ويتعجل العتق (لأن
يرثه ورثة له أحرار) فإنهم يرثون بعد العتق دون قبله (وليس معه في كتابته ولد
له) فإنه لو كان معه ولد في الكتابة لعتق بعد الموت أيضاً.
(١) ((المغني)) (٥٧١/١٤).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٣٨٠/٨).
١٤٥

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ. لِأَنَّهُ تَتِمُّ بِذَلِكَ حُرْمَتُهُ. وَتَجُوزُ
شَهَادَتُهُ. وَيَجُوزُ اعْتِرَافُهُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ دُيُونِ النَّاسِ. وَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ.
وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَقُولَ: فَرَّ مِنِّي بِمَالِهِ.
(٨) باب ميراث المكاتب إذا عتق
(قال مالك) في الصورة المذكورة: إن (ذلك) أي تعجيل الأداء (جائز له
لأنه تتم بذلك) أي تعجيل الأداء (حرمته وتجوز شهادته) للحرية (ويجوز اعترافه)
أي إقراره (بما عليه من ديون الناس) فإن في اعتراف المكاتب تفاصيل، ذكرها
الدردير وغيره (وتجوز وصيته) فإن المكاتب لا تجوز له الوصية، قال الموفق:
ولا يوصي ماله، ولا يحّ عن المشتري شيئاً ولا يقرض، ولا يضمن، ولا
يتكفل بأحد، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي، اهـ.
(وليس لسيده أن يأبى ذلك) أي قبول تعجيل الكتابة (عليه بأن يقول: فرَّ)
بصيغة الماضي أي المكاتب (مني بماله) بالتعجيل ليخرج عن الرقِّ بداراً، قال
الباجي(١): هذا على ما قال: أن حال المرض في ذلك كحال الصحة، إذا أراد
أن يدفع كتابته، ويُعَجِّلها حال مرضه جاز له ذلك، ولزم السيد قبضها منه،
ويتم عتقه بأدائها حال مرضه كما يتم عتقه بأدائها حال صحته، فتجوز بذلك
شهادته ويوارث الأحرار، اهـ.
(٨) ميراث المكاتب إذا عتق
تقدم شيء من الكلام على ذلك في ((باب القضاء في المكاتب)).
قال الموفق(٢): المكاتب إن لم يملك قدر ما عليه فهو عبدٌ لا يرث ولا
يورث، وإن ملك قدر ما يؤدي، ففيه روايتان؛ إحداهما: أنه عبد ما بقي عليه
(١) ((المنتقى)) (٢٩/٧).
(٢) («المغني)) (١٢٤/٩).
١٤٦

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
درهم، لا يرث ولا يورث، يروى ذلك عن عمر، وزيد بن ثابت، وابن عمر،
وعائشة، وأم سلمة، وعمر بن عبد العزيز، والشافعي، وأبي ثور وعن
ابن المسيب، وشريح، والزهري، نحوه لحديث: ((المكاتب عبد ما بقي عليه
درهم)) وعن محمد بن المنكدر، وعمر بن عبد الله مولى غفرة، وعبد الله بن
عبدة، أن النبي وَ لّ قال لعتاب بن أسيد: ((من كاتب مكاتباً، فهو أحق به حتى
يقضي کتابته)).
وقال القاضي وأبو الخطاب: إذا أدى المكاتب ثلاثة أرباع كتابته، وعجز
عن الربع عتق؛ لأن ذلك يجب إيفاؤه للمكاتب، فلا يجوز إبقاؤه على الرق
لعجزه عما يجب ردّه إليه، والرواية الثانية: أنه إذا ملك ما يؤدي، فقد صار
حراً، يرث ويورث، فإذا مات من يرثه ورث، وإن مات فلسيده بقية كتابته،
والباقي لورثته لحديث أم سلمة مرفوعاً عند أبي داود(١): ((إذا كان لإحداكن
مكاتب، وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)) وروى الحكم عن علي وابن مسعود
وشريح: يعطى سيده من تركته ما بقي من كتابته. فإن فَضَل شيء كان لورثة
المکاتب، وروي نحوه عن الزهري.
وبه قال ابن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والنخعي، والشعبي،
والحسن، ومنصور، ومالك، وأبو حنيفة، غير أن مالكاً جعل من كان معه في
الكتابة أحق ممن لم يكن معه، قال في مكاتب هلك، وله أخ معه في الكتابة،
وله ابن، قال: ما فضل من كتابته لأخيه دون ابنه، وجعله أبو حنيفة عبداً ما
دام حياً، فإذا مات أدّي من تركته باقي كتابته، والباقي لورثته.
ورُوي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: إنكم مكاتبون
مكاتبين، فأيهم أدّى النصف فلا رقّ عليه، وعن علي - رضي الله عنه - إذا أدّى
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٨).
١٤٧

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
(١٢٨١) حديث
١٠/١٢٨١ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيد بْنَ الْمُسَيَّب
سُئِلَ عَنْ مُكَاتَبٍ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ. فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. فَمَاتَ
الْمُكَاتَبُ. وَتَرَكَ مَالاً كَثِيراً. فَقَالَ: يُؤَدَّى إِلَى الَّذِي تَمَاسَكَ بِكِتَابَتِهِ،
الَّذِي بَقِيَ لَهُ. ثُمّ يَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ بِالسّوِيَّةِ.
النصف فهو حرٌّ، وعن عروة نحوه، وعن الحسن إذا أدى الشطر فهو غريم،
وعن ابن مسعود وشريح نحوه، وعن ابن مسعود إذا أدى ثلثاً أو ربعاً فهو
غريم، وعن ابن عباس، إذا كتب الصحيفة فهو غريم، وعن علي قال: تجري
العتاقة في المكاتب في أول نجم يعني يعتق منه بقدر ما أدّى، وعنه أنه قال:
يرث، ويحجب، ويعتق منه بقدر ما أدى، وعن ابن عباس مرفوعاً (١)، ((إذا
أصاب المكاتب حداً أو ميراثاً ورث بحساب ما عتق منه وأقيم عليه الحد
بحساب ما عتق منه))، قال يحيى بن أبي كثير: وكان علي ومروان بن الحكم
يقولان ذلك، والحديث الذي رويناه لقولنا أصح منه، ولا أعلم أحداً من
الفقهاء قال بهذا، وما ذكرناه أولاً أولى، اهـ. قلت: وحديث ابن عباس هذا
تقدم في جراح المكاتب.
٨/١٢٨١ - (مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب سئل) ببناء المجهول
(عن مكاتب كان بين رجلين) كاتباه (فأعتق أحدهما نصيبه، فمات المكاتب،
وترك مالاً كثيراً، فقال) ابن المسيب: (يؤدى) ببناء المجهول (إلى الذي تماسك
بكتابته) وهو الشريك الآخر الذي لم يعتق حصته (الذي بقي له) من بدل
الكتابة، وهو نائب فاعل يؤدى (ثم يقتسمان) أي المعتق والمتماسك (ما بقي)
من مال المكاتب (بالسويّة)، أي على قدر حصصهما .
قال الباجي(٢): هذا يقتضي أن المكاتب إذا عَجَّلَ أحد سيديه عتقه،
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٨٢)، والنسائي (٤٨٢٦)، والترمذي (١٢٥٩).
٦
(٢) ((المنتقى)) (٣٥/٧).
١٤٨

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
(١٢٨١) حديث
لم يُقَوَّمْ عليه، خلافاً للشافعي في قوله: يقوّم عليه، والدليل على ما نقوله
أنهما قد عقدا عقد العتق في حال، وهو وقت الكتابة، فما أتى به بعد هذا
أحدُهما من عتق نصيبه، فليس بعتق، وإنما هو إسقاطٌ؛ لما كان له عليه
من الكتابة، اهـ.
قلت: ووافق الشافعي أحمد، كما ذكره الموفق بحثاً في المكاتب بين
رجلين أن الضرر المرضيّ به من جهة المضرور لا عبرة به، كما لو باشره
بالعتق، أو أبرأه من مال الكتابة، فإنه يعتق عليه، ويسري عتقه، ويغرم
لشریکه، اهـ.
وقال أيضاً (١): إن الكتابة لا تنفسخ بموت السيد، لا نعلم فيه بين أهل
العلم خلافاً، فالمكاتب يؤدي ما بقي منها إلى ورثته؛ لأنه دين لموروثهم،
ويكون مقسوماً بينهم على قدر مواريثهم، فإن أدّى إلى بعضهم دون بعض لم
يعتق، كما لو كان بين شركاء، فأدّى إلى بعضهم، وإن أذن بعضهم له في
الأداء إلى الآخر، فأدى إلى الآخر جميع حقه عتق نصيبه.
فإن كان معسراً لم يسر إلى نصيب شريكه، وإن كان موسراً عتق عليه
كله، وقوّم عليه باقيه، كما لو كان بين شريكين، فأعتق أحدهما نصيبه، وهذا
ظاهر كلام الخرقي، وهو أحد قولي الشافعي، وقال القاضي: لا يسري عتقه،
وإن كان موسراً، وهو القول الثاني للشافعي، وإن أبرأه بعضهم عتق نصيبه،
وكذلك إن أعتق نصيبه منه عتق. والخلاف فيه كالخلاف فيما إذا أدى إلى
بعضهم بإذن الآخر، اهـ.
وقال أيضاً: إذا كاتب أحد الشريكين نصيبه، وأعتق الآخر حصته منه،
وهو موسِرٌ عتق، وسرى العتق إلى باقيه، فصار كله حراً، ويضمن لشريكه قيمة
(١) ((المغني)) (٤٦٩/١٤).
١٤٩

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
(١٢٨١) حديث
حصته منه، ويكون المرجوع بقيمته مكاتباً يبقى على ما بقي من كتابته؛ لأن
الرجوع عليه بقيمة ما أتلف، وإنما أتلف مكاتباً، وإن كان المعتق معسراً لم
يسر العتق على ما مضى في العتق، وقال أبو بكر، والقاضي: لا يسري العتق
في الحال، لكن ينظر، فإن أدّى كتابته عتق باقيه بالكتابة، وكان ولا ؤه بينهما،
وإن فسخت كتابته لعجزه سرى العتق، وقُوَّمَ عليه حينئذ؛ لأن سراية العتق في
الحال مُفضية إلى إبطال الولاء الذي انعقد سببه، اهـ.
فما في ((المحلى)) بعد أثر ابن المسيب: ولا خلاف فيه، مشكل، وفي
((البدائع)): مكاتب بين اثنين أعتقه أحدهما، قال أبو حنيفة: لا ضمان عليه في
ذلك لشريكه موسراً كان أو معسراً؛ لأن نصيب الآخر مكاتب على حال، لكون
العتق متجزّئاً عنده، فإن أدى عتق، والولاء بينهما لوجود الإعتاق منهما، وإن
عجز، صار كعبد بين اثنين أعتقه أحدهما، والحكم فيه تقدم في الإعتاق،
وعلى قولهما عتق كله؛ لأن الإعتاق لا يتجزأ عندهما والولاء له، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): إن كانا كاتباها، ثم أعتقها أحدهما، وهو موسر، ثم
عجزت، يضمن المعتق لشريكه نصف قيمتها، ويرجع بذلك عليها عند
أبي حنيفة، وقالا: لا يرجع عليها؛ لأنها لما عجزت، ورُدَّتْ في الرقّ، تصير
كأنها لم تزل قِنَّةً، والجواب فيه على الخلاف في الرجوع، والخيارات
وغيرها، كما هو في مسألة تجزئ الإعتاق، وقد قررناه في ((كتاب العتاق))، اهـ.
قلت: وتقدم ذلك مبسوطاً أن الشريك الآخر مخير عند الإمام إن شاء
أعتق، وإن شاء ضمن شريكه، وإن شاء استسعى، وعندهما، ليس له إلا
الضمان مع اليسار، والسعاية مع الإعسار، وذلك مبنيٌ على تجزئ العتق عنده
خلافاً لهما .
(١) (٣٨٤/٦/٣).
١٥٠

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
(١٢٨١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَاتَبَ الْمُكَاتَبُ فَعَتَقَ. فَإِنَّمَا يَرِثُهُ أَوْلَى النَّاسِ
بِمَنْ كَاتَبَهُ مِنَ الرِّجَالِ، يَوْمَ تُوُفِّيَ الْمُكَاتَبُ، مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهذَا أَيْضاً فِي كُلِّ مَنْ أُعْتِقَ. فَإِنَّمَا مِيرَاتُهُ لِأَقْرَب
النَّاسِ مِمّنْ أَعْتَقَهُ. مِنْ وَلَدٍ أَوْ عَصَبَةٍ مِنَ الرِّجَالِ. يَوْمَ يَمُوتُ
الْمُعْتَقُ. بَعْدَ أَنْ يَعْتِقَ. وَيَصِيرَ مَوْرُوثاً بِالْوَلَاءِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْإِخْوَةُ فِي الْكِتَابَةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ. إِذَا كُوتِبُوا جَمِيعاً
كِتَابَةً وَاحِدَةً .
(قال مالك: إذا كاتب المكاتب فعتق فإنما يرثه أولى الناس) أي أقربهم
(بمن كاتبه) وبذلك قالت الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، كما تقدم في ميراث
الولاء (من الرجال) قيّد بذلك؛ لأن النساء لا يرثن من الولاء، إلا ما أعتقن،
أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن، أو كاتب من كاتبن، وبذلك قال جمهور العلماء
من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة إلا ما حُكِي عن قول مرجوح لأحمد
وشريح، كما في ((المغني))(١) (يوم توفي المكاتب) أي أقربهم إلى السيد يوم
وفاة المكاتب (من ولد أو عصبة) بيان لأولى.
(قال مالك: وهذا) الحكم يجري (أيضاً في كل من) أي رقيق (أعتق) ببناء
المجهول يعني لا يختصُّ بالمكاتب، بل يعمُّ كل معتق بأي سبب كان العتق،
(فإنما ميراثه) أي المعتق بالفتح (لأقرب الناس ممن أعتقه من ولد أو) من (عصبة
من الرجال يوم يموت المعتق) بفتح التاء (بعد أن يعتق ويصير) بالنصب بالعطف
على يعتق أي بعد أن يصير (موروثاً بالولاء) فإن الوراثة بالولاء لأقرب
العصبات إلى المعتق كما تقدم، كرره تأكيداً وتوضيحاً، قال صاحب
((المحلى)): وهو قول أبي حنيفة، اهـ.
(قال مالك: والإخوة) بالكسر جمع أخ (في الكتابة بمنزلة الولد إذا كوتبوا
جميعاً كتابة واحدة) وقيد وحدة الكتابة شرط عند الإمام مالك، كما تقدم في
(١) (٢٣٨/٩).
١٥١

٣١ - كتاب المكاتب
(٨) باب
(١٢٨١) حديث
إِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَدْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ أَوْ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ. أَوْ
كَاتَبَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ هَلَكَ أَحَدُهُمْ وَتَرَكَ مَالاً. أُدِّيَ عَنْهُمْ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِمْ
مِنْ كِتَابَتِهِمْ. وَعَتَقُوا. وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ لِوَلَدِهِ دُونَ إِخْوَتِهِ .
أول ((باب الحمالة في الكتابة)) (إذا لم يكن لأحد منهم) أي من الإخوة (ولد
ولدوا) ببناء المجهول (في كتابته أو) عطف على ولدوا (كاتب عليهم فإن الإخوة
يتوارثون) يعني إذا مات أحد منهم يرثه الإخوة المذكورون الذين كانوا معه في
الكتابة، فإن مذهب الإمام مالك، كما تقدم مراراً، أن ميراث المكاتب لمن
دخل معه في الكتابة فقط لا لغيره.
قال الدردير(١): وإذا أديت حالّةً وفَضُلَ بعد الأداء شيءٌ مما تركه ورثه
من كان معه في الكتابة فقط دون من ليس معه، ولو ابناً ممن يعتق عليه كفرعه
وأصله وإخوته دون من لم يعتق عليه، فلو كان له ولد ليس معه في الكتابة وأخ
معه فيها فالذي يرثه الأخ الذي معه، اهـ.
(فإن كان لأحد منهم ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ثم هلك
أحدهم) أي أحد الإخوة (وترك مالاً، أدي) ببناء المجهول أي أدي بذلك المال
(عنهم جميع ما عليهم من كتابتهم) لأن بعضهم حملاء عن بعضهم، كما تقدم
في أول الحمالة (وعتقوا) جميعاً بعد أداء ما عليهم (وكان فضل المال) أي
المال الباقي بعد أداء الكتابة (لولده) أي ولد الميت (دون إخوته) لأن الولد
أقرب العصبات إلى الميت، فإن الولد يحجب الإخوة.
ثم العبارة هكذا في النسخ الهندية، وفي جميع النسخ المصرية هكذا؛
قال مالك: الإخوة في الكتابة بمنزلة الولد إذا كوتبوا جميعاً كتابة واحدة إذا لم
يكن لأحد منهم ولد كاتب عليهم، أو ولدوا في كتابته، أو كاتب عليهم، ثم
هلك أحدهم، وترك مالاً أدّي عنهم جيمع ما عليهم من كتابتهم، وعتقوا،
وكان فضل المال بعد ذلك لولده دون إخوته، اهـ.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٩٩/٤).
١٥٢

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
(٩) باب الشرط في المكاتب
١١/١٢٨٢ - حدّثني مَالِكٌ، فِي رَجُلِ كَاتَبَ عَبْدَهُ بِذَهَبِ أَوْ
وَرِقٍ. وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ فِي كِتَابَتِهِ سَفَراً
قال الباجي(١): قوله: الإخوة في الكتابة بمنزلة الولد يريد إذا كوتبوا
جميعاً كتابة واحدة، فمات أحد الإخوة عن مال وولد معه في كتابته، فإن
جميعهم يستوي في ذلك المال الإخوة والولد، وما فضل منه فهو لولده دون
إخوته، قال عيسى: لا يرجع الولد على الإخوة بشيء مما عتقوا به في قول
مالك، ووجه ذلك أن المال لأخيهم وهم ممن يعتق عليه، ولا يرجع عليه بما
أدى عنهم، وإنما يرجع بما فضل من المال إلى الولد، قال مالك في
((المدنية)): وكذلك لو لم يكن له ولد لأدى إخوتُه مالَه عن أنفسهم، فيعتقوا به،
ولم يتبعهم السيد بشيء منه، فجعل مالك المالَ للهالك.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع المال للولد، ويرجعون على أعمامهم
بما أدوا عنهم، فيعتقوا به، ولو لم يكن معهم ولد لعتقوا به، ورجع عليهم
السيد بما عتقوا به، قال في ((المدنية)) أصبغ: إذا كانت التأدية من مال الميت
لم يرجع إخوته بشيء، وإن كانت التأدية من مال الولد رجعوا على أعمامهم،
لأنهم لا يعتقون عليهم، اهـ. وتقدم قريباً في آخر باب ((سعي المكاتب)) شيء
من الكلام على رجوع بعضهم على بعض.
(٩) الشرط في المكاتب
يعني إذا اشترط في الكتابة شرطاً هل يجب الوفاء به أم لا؟
١١/١٢٨٢ - (قال مالك، في رجل كاتب عبده بذهب أو ورق) أي
الدنانير أو الدراهم المتعينة (واشترط عليه) أيضاً (في كتابته سفراً) إلى موضع
(١) ((المنتقى)) (٣٠/٧).
١٥٣

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
أَوْ خِدْمَةً أَوْ ضَحِيَّةً: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ سَمَّى بِاسْمِهِ. ثُمَّ قَوِيَ
الْمُكَاتَبُ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِ كُلِّهَا قَبْلَ مَحِلَّهَا .
قَالَ: إِذَا أَدَّى نُجُومَهُ كُلَّهَا وَعَلَيْهِ هُذَا الشَّرْطُ عَتَقَ فَتَمَّتْ حُرْمَتُهُ.
وَنُظِرَ إِلَى مَا شَرَطَ عَلَيْهِ مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرِ. أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِمَّا يُعَالِجُهُ
هُوَ بِنَفْسِهِ. فَذْلِكَ مَوْضُوعُ عَنْهُ. لَيْسَ لسَيِّدِهِ فِيهِ شَيْءٌ. وَمَا كَانَ مِنْ ضَحِيَّةٍ
أَوْ كِسْوَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُؤَدِّيهِ. فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ وَالذَّرَاهِم. يُقَوَّمُ ذُلِكَ
عَلَيْهِ. فَيَدْفَعُهُ مَعَ نُجُومِهِ. وَلَا يَعْتِقُ حَتَّى يَدْفَعَ ذُلِكَ مَعَ نُجُومِهِ .
(أو خدمة) إلى أجل (أو ضحية) يأتيه بها (إن كل شيء من ذلك) أي الشرط (سمى)
السيد (باسمه) أي كل شرط اشترطه السيد، وسماه في المكاتبة من الشروط
المذكورة وغيرها (ثم قوي المكاتب على أداء نجومه كلها قبل محلها) أي قبل وقت
الأداء (قال) مالك في الصورة المذكورة: (إذا أدّى) المكاتب (نجومه كلّها و) بقي
(عليه هذا الشرط) الذي سمى باسمه (عتق) أي يتم عتقه بأداء النجوم، ولا يلتفت
إلى بقاء الشرط الذي لم یتم بعد (فتمت حرمته) بسبب عتقه.
(ونُظِرَ) ببناء المجهول (إلى ما شرط) السيد (عليه) أي على المكاتب (من
خدمة أو سفر أو ما أشبه ذلك مما يعالجه هو) المكاتب (بنفسه) أي يأتيه
المكاتب من الخدمات البدنية (فذلك موضوع) أي كله ساقط (عنه) أي عن
المكاتب (وليس لسيده فيه شيء، وما كان) من الشرائط المالية (من ضحية أو
كسوة) مثلاً (أو شيء) آخر (يؤديه) إلى السيد من الماليات (فإنما هو بمنزلة
الدنانير والدراهم يُقَوَّمُ) ببناء المجهول (ذلك) الذي اشترط (عليه) أي على
المكاتب (فيدفعه) أي يدفع المكاتب المشروط أو قيمته (مع نجومه، ولا يعتق
حتى يدفع ذلك) أي يؤديه المكاتب (مع نجومه)(١) لأن ذلك لما كان مالاً،
فكان عقد المكاتبة وقع على ذلك أيضاً مع النجوم.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٢٨/٢٣).
١٥٤

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
قال الباجي(١): وهذا على ما ذكر من أن العمل المشترط في الكتابة يثبت منه
ما كان قبل أداء الكتابة، وأما ما تعجلت الكتابة قبله، فإنه يفوت على أحد القولين
بالحرية سواء عَظُمَ قدره أو صَغُر، وذلك أنه على هذا القول ليس بمالٍ، ولا
مقصود في الكتابة، وهذا يقتضي أنه ليس بعتق معلّقٍ بصفة، وإنما يجري مجرى
البيع للرقبة بشرط العتق، وهذا مقتضى قول ابن القاسم، وإذا قلنا: إنه من العتق
المعلق بشرطٍ لم ينفذ عتقه، إلا بإتيان كل ما شرط عليه من العمل، وعلى هذا،
ينتظم القول الثاني أن عليه أن يأتي بما شرط عليه من العمل، كما عليه أن يأتي بما
شرط عليه من المال، ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن ما شرط عليه من مال
كالضحايا والكسوة، فإن عليه الإتيان به، وهو بمنزلة أن يكاتبه بعين وعوض، فعليه
أن یأتي بهما، وبذلك تتم عتاقته، اهـ.
وتقدم اختلاف الروايات عن مالك في ذلك في باب ((عتق المكاتب إذا
أدى ما عليه قبل محله)) وتقدم فيه أيضاً ما قال الموفق: إنه يصح هذا الشرط
عندهم، وقال أيضاً: وتصح الكتابة على خدمة ومنفعة مباحة؛ لأنها أحد
العوضين في الإجارة، فجاز أن تكون عوضاً في الكتابة، كالأثمان، ويشترط
العلم بها، كما يشترط في الإجارة، فإن كاتبه على خدمة شهر ودینار، صحَّ،
ولا يحتاج إلى ذكر الشهر، وكونه عقيب العقد، مثل أن يكاتبه في المحرم على
خدمته في رجب ودينار، صح، وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز على شهر لا
يتصل بالعقد. ويشترطون ذكر ذلك، ولا يجوِّزون إطلاقه بناءً على قولهم في
الإجارة، اهـ (٢).
وقال صاحب ((البدائع))(٣): أما الذي يرجع إلى نفس الركن من شرائط
(١) ((المنتقى)) (٣١/٧).
(٢) («المغني)) (١٤/ ٤٥٥).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٦٠٨/٣).
١٥٥

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
الصحة، فخلوه عن شرط فاسد، وهو الشرط المخالف لمقتضى العقد الداخل
في صلب العقد من البدل، فإن لم يخالف مقتضى العقد جاز الشرط والعقد،
وإن خالف مقتضى العقد، لكنه لم يدخل في صلبه يبطل الشرط، ويبقى العقد
صحيحاً، وعلى هذا، إذا كاتب جارية على ألف درهم على أن يطأها ما دامت
مكاتبة، فالكتابة فاسدة؛ لأنه شرط فاسد لكونه مخالفاً مقتضى العقد؛ لأن عقد
الكتابة يوجب حرمة الوطء، وأنه دخل في صلب العقد لدخوله في البدل حيث
جعل البدل الألف والوطء، ففسدت الكتابة.
ولو كاتبه على ألف درهم على أن لا يخرج من المصر أو على أن لا
يسافر، فالشرط فاسد؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن العقد يقتضي انفكاك
الحجر وانفتاح طريق الإطلاق له إلى أي بلد ومكان شاء، فيفسد الشرط لكن
لا يفسد عقد الكتابة؛ لأنه شرط لا يرجع إلى صلب العقد، فلو أنها أدت
الألف في المسألة الأولى عتقت في قول عامة العلماء.
وقال بشر بن غياث المريسي: لا تعتق، وجه قوله أن المولى جعل شرط
العتق شيئين الألف والوطء، والمعلق بشرطين لا ينزل عند وجود أحدهما،
ولنا، أن الوطء لا يصلح عوضاً في المكاتبة، فلا يتعلق العتق به، فألحق ذكره
بالعدم، ثم إذا أدّت فعتقت ينظر إلى قيمتها، فإن كانت قيمتها ألف درهم فلا
شيء للمولى عليها، ولا لها على المولى؛ لأنها مضمونة بالقيمة لكونها
مقبوضة بحكم عقد فاسد، والمقبوض بحكم عقد فاسد مضمون، لأنه يجب
عليه ردّه، وهو عاجز عن رد عينه، فيرد القيمة لقيامها مقام العين، كذا ههنا
وجب عليها رد نفسها وقد عجزت لنفوذ العتق فيها، فترد القيمة وهي ألف
درهم، وقد وصل بتمامه إلى المولى، فلا يكون لأحدهما بعد ذلك على
صاحبه سبیل.
وإن كانت قيمة الجارية أكثر من ألف رجع المولى عليها بما زاد على
١٥٦

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ،
أَنَّ الْمُكَاتَبَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ. بَعْدَ خِدْمَةِ عَشْرٍ سِنِينَ. فَإِذَا
هَلَكَ سَيِّدُهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ قَبْلَ عَشْرٍ سِنِينَ. فَإِنَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ، مِنْ
خِدْمَتِهِ، لِوَرَثَتِهِ. وَكَانَ وَلَا ؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ عِنْقَهُ. وَلِوَلَدِهِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ
الْعَصَبَةِ .
الألف، وإن كانت قيمتها أقل من الألف، وأدت الألف، وعتقت، هل ترجع
على المولى بالزيادة؟ قال أصحابنا الثلاثة: ليس لها ذلك، وقال زفر: لها أن
ترجع، لأن المولى أخذ منها زيادةً على ما يستحقه، فيجب ردّها، ولنا، أنها
لو رجعت عليه لأدّى إلى إبطال العتق؛ لأنها عتقت بأداء المكاتبة، فلو لم
يسلم المؤدى للمولى لا يسلم العتق للمكاتبة، والعتق سالم لها، فيسلم المؤدى
للمولى، وكذا لو كاتب عبده على الألف درهم وعلى أن يخدمه، ولم يبين
مقدار الخدمة فأدَّى الألف عتق لما قلنا، ثم ينظر إلى قيمته وإلى الألف على
ما وصفنا، اهـ.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا الذي لا اختلاف فيه) تأكيد لقوله:
المجتمع عليه (أن المكاتب) الذي كاتبه سيده على خدمة عشر سنين (بمنزلة عبد
أعتقه سيده بعد خدمة عشر سنين) يعني علّق سيده عتقه على خدمة عشر سنين
(فإذا هلك سيده الذي أعتقه) أي علق عتقه على هذا الشرط (قبل عشر سنين)
ظرف لقوله: هلك (فإن ما بقي عليه) أي على العبد، وفي حكمه المكاتب
المذكور (من خدمته) أي خدمة المولى يكون (لورثته)، ويعتق بعد وفاء الشرط،
ويكون الخدمة لجميع الورثة، لا تخصيص فيها للعصبات (وكان ولاؤه) بعد
العتق (الذي عقد عتقه) وهو السيد (ولولده من الرجال أو العصبة) الأخر بعد
موت السيد لما تقدم قريباً أن الولاء لأقرب العصبات إلى السيد المعتق.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن العبد إذا كاتبه سيده ثم مات،
(١) ((المنتقى)) (٣١/٧).
١٥٧

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
ورثه ورثته، فإنه يؤدي إليهم ما كاتبه عليه سيده، وبذلك يعتق، وولاؤه لمن
عقد كتابته، وذلك مثل ما تقدم من امرأة تركت مكاتباً وزوجاً وابناً، فإن
المكاتب يؤدي للزوج والابن على قدر مواريثهم، فإن عتق لم يجر الولاء إلا
للابن خاصة، وإن عجز رجع رقيقاً للابن والزوج على حسب مواريثهم بمنزلة
من أعتق عبده بشرط خدمة عشر سنين، ثم يموت السيد، فإن الخدمة لجميع
ورثته من زوج أو بنت أو غيرهم، وولاؤه لمن ينجر إليه الولاء، فقد أشار في
هذه المسألة إلى أنه بمنزلة عتقٍ معلقٍ بصفة، وذلك يقتضي لزوم الخدمة له،
كما يلزمه في العتق المعلق بصفة، اهـ.
وفي ((الهداية)): من أعتق عبده على خدمته أربع سنين، فقبل العبد،
فعتق، ثم مات المولى من ساعته، فعليه قيمة نفسه في ماله عند أبي حنيفة وأبي
يوسف، وقال محمد: عليه قيمة خدمته أربع سنين، أما العتق فلأنه جعل
الخدمة في مدة معلومة عوضاً، فيتعلق العتق بالقبول، وقد وجد، ولزمه خدمة
أربع سنين؛ لأنه يصلح عوضاً، فصار كما إذا أعتقه على ألف درهم.
قال ابن الهمام(١): أما العتق فلأنه جعل الخدمة، وهي معلومة، إذ هي
خدمة البيت المعتاد في مدة معلومة عوضاً، فتعلق العتق بقبولها كما في غيره
من المعاوضات؛ لأنه صلح عوضاً؛ لأن المنفعة أخذت حكم المال بالعقد،
ولذا صحت مهراً، ثم إذا مات العبد أو المولى قبل حصول ما عقد عليه تحقق
الخلاف المذكور، ولم يقل أحد: إنه ترجع الورثة في موت المولى بعين
الخدمة، قيل: لأن الناس يتفاوتون في الاستخدام، وقيل: بل الخدمة هي
المعتادة من خدمة البيت، لكن لأن الخدمة منفعة، وهي لا تورث ..
وجه قول محمد، وهو قول الشافعي وزفر أن الخدمة جعلت بدل ما ليس
(١) ((فتح القدير)) (٣١٣/٤).
١٥٨

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
.
بمال، وهو العتق، وقد حصل العجز عن تسليم البدل، ولا يمكن الفسخ، إذ
العتق لا يفسخ، فتجب قيمته، أو مثله لو كان مثلياً، ووجه قولهما أنهما بدل
ما هو مال، وهو العبد، وإن كان لا يملك نفسه، كما إذا اشترى عبداً أقرّ
بحريته، لا يملكه، وهو معاوضة مال بمال؛ لأن العبد مال بالنسبة إلى السيد
حيث أخذ مالاً في مقابلة إخراجه مالاً عن ملكه.
نعم، ههنا ملاحظة أخرى، وهي اعتبار ما أخذ في مقابلة ما به خرج
المال عن ملكه، وهو تلفظه بالإعتاق، وهذا الاعتبار لا ينفي الأمر الثابت في
نفس الأمر، وهو خروج مال عن ملكه بذلك العوض، فصار كما إذا باع عبداً
بجارية، ثم استحقت، إنما يرجع بقيمة العبد، ثم لو خدمه سنة مثلاً، ثم مات
أحدهما أخذ بقيمة خدمته ثلاث سنين عند محمد، وعندهما بقيمة ثلاثة أرباع
رقبته، وعلى هذه النسبة قِسْ، اهـ.
وقال الموفق(١): إذا قال لعبده: أنت حرٌّ وعليك ألف عتق، ولا شيء
عليه؛ لأنه أعتقه بغير شرط، وجعل عليه عوضاً لم يقبله فيعتق، ولم يلزمه
الألف، هكذا ذكر المتأخرون من أصحابنا، ونقل جعفر بن محمد عن أحمد
إن لم يرض العبد لا يعتق، إنما قال له على أن يؤدي إليه ألف درهم، فإن لم
يؤدِّ فلا شيء، وإن قال: أنت حر على ألف، فكذلك في إحدى الروايتين؛ لأن
((على)) ليست من أدوات الشرط، فأشبه قوله: وعليك ألف، والرواية الثانية،
إن قبل العبد عتق، ولزمته الألف، وإن لم يقبل لم يعتق، وهذا قول مالك
والشافعي وأبي حنيفة؛ لأنه أعتقه بعوض، فلم يعتق بدون قبوله، وهذه الرواية
أصحُّ؛ لأن ((على)) تستعمل للشرط والعوض.
فأما إذا قال: أعتقتك على أن تخدمني سنة فقبل، ففيها الروايتان؛ كالتي
(١) ((المغني)) (٤٠٦/١٤).
١٥٩

٣١ - كتاب المكاتب
(٩) باب
(١٢٨٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَنَّكَ لَا تُسَافِرُ وَلَا
تَنْكِحُ وَلَا تَخْرُجُ مِنْ أَرْضِي إِلَّا بِإِذْنِي. فَإِنْ فَعَلْتَ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ بِغَيْرِ
إِذْنِي، فَمَحْوُ كِتَابَتِكَ بِيدِي.
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ مَحْوُ كِتَابَتِهِ بِيَدِهِ، إِنْ فَعَلَ الْمُكَاتَبُ شَيْئاً مِنْ
ذُلِكَ.
قبلها، وقيل: إن لم يقبل العبد لم يعتق رواية واحدة، فعلى هذا إذا قبل العبد
عتق في الحال، ولزمته خدمة سنة، فإن مات السيد قبل كمال السنة رجع على
العبد بقيمة ما بقي من الخدمة؛ وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: تُقَسَّط
قيمية العبد على خدمة السنة، فيقسّط منها بقدر ما مضى، ويرجع عليه بما بقي
من قيمته، ولنا، أن العتق عقد لا يلحقه الفسخ، فإذا تعذّرَ فيه استيفاء العوض
رجع إلى قيمته، كالخلع في النكاح، والصلح في دم العمد، اهـ.
(قال مالك، في الرجل يشترط على مكاتبه أنك لا تسافر ولا تنكح ولا
تخرج من أرضي إلا بإذني فإن فعلت) بصيغة الخطاب (شيئا من ذلك) الذي
منعتك عنه (بغير إذني فمحو) مصدر مضاف إلى مفعوله أي إبطال (كتابتك
بيدي، قال مالك) في الصورة المذكورة: (ليس محو كتابته بيده إن فعل
المكاتب شيئاً من ذلك) المذكور يعني إن فعل المكاتب خلاف شرطه المذكور،
فليس للسيد فسخ الكتابة .
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: من شرط على مكاتبه إن فعل فعلاً،
فللسيد محو كتابته، فإن هذا الشرط غير لازم، وليس للسيد محو كتابته، ولا
تأثير لهذا الشرط في الكتابة؛ لأنه يبطل، وتصح الكتابة؛ لأنه ضد مقتضى
الكتابة، فإن مقتضاها اللزوم، فإذا شرط فيها ضد ذلك من الخيار للسيد أو
لغيره لم يصح الشرط، وتثبت الكتابة على مقتضاها، كما أن من عقد الكتابة
(١) ((المنتقى)) (٣٢/٧).
١٦٠