النص المفهرس
صفحات 121-140
٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث ٧/١٢٧٨ - قَالَ مَالِكٌ: إنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مُكَاتَبَ الرَّجُلِ: أَنَّهُ لَا يَبِيعُهُ. إِذَا كَانَ كَاتَبَهُ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ. إِلَّا بِعَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ يُعَجِّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ. لِأَنَّهُ إِذَا أَخَّرَهُ كَانَ دَيْناً بِدَيْنٍ. وَقَدْ نُهِيَ عَنِ الْكَالِيِّ بِالْكَالِيِّ. بيع جزء منه كسائر المبيعات، ووجه رواية المنع، أن ذلك يؤدي إلى أن يؤدي المكاتب كتابته أدائين مختلفين، اهـ. ٧/١٢٧٨ - (قال مالك: أحسن ما سمعت) بصيغة المتكلم، وفي نسخة ((إن أحسن ما سمع)) بصيغة الغائب، وفيه دليل على أنه سمع عن السلف في ذلك الأقوال المختلفة (في الرجل يشتري مكاتب الرجل) الآخر أي كتابته كما تقدم قريباً (أنه) أي السيد (لا يبيعه) أي بدل الكتابة، (إذا كان) قد (كاتبه بدنانير أو دراهم إلا بعرض من العروض) لا بنقد من الدراهم والدنانير، إذ لو باعه بذلك يكون بيع صرف؛ لأن بدل الكتابة، وهو المبيع حينئذ أيضاً نقد، والثمن الذي اشترى به المشتري أيضاً نقد، والصرف لا يجوز إذاً، لأنه يؤدي إلى الربا (يُعَجِّلُه ولا يؤخره) وهذا شرط آخر لصحة هذا البيع، والمعنى أنه يأخذ الثمن الذي هو العروض في مجلس البيع. (لأنه إذا أخره) ولا يعجله في هذا المجلس (كان) بيعه هذا (ديناً بدين) لأن أحد العوضين، وهو بدل الكتابة دين على العبد لا محالة، فإن كان العوض الثاني، وهو العرض المذكور أيضاً ديناً يكون بيع الكالئ بالكالئ (وقد نُهِي) ببناء المجهول، أو المعروف، فيكون الفاعل النبي وَلّ للعلم به والعرف (عن) بيع (الكالئ بالكالئ) بالهمزة، وهو الدين بالدين، يقال: كلا الدين كلؤاً، فهو كالئ إذا تأخر، قال الحافظ في ((الدراية)): حديث ((نهي عن بيع الكالئ بالكالئ)) [رواه] إسحاق وابن أبي شيبة والبزار عن ابن عمر، ((نهى رسول الله وله أن يباع كالئ بكالئ» يعني ديناً بدين. ١٢١ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث قَالَ: وَإِنْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ بِعَرْضٍ مِنَ الْعُرُوضِ. مِنَ الْإِبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَم أوِ الرَّقِيقِ. فَإِنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيهُ بِذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ عَرْضِ مُخَالِفٍ لِلْعُرُوضِ الَّتِي كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ عَلَيْهَا . يُعَجِّلُ ذُلِكَ وَلَا يُؤَخِّرُهُ. (قال) مالك: (وإن كاتب المكاتب سيده بعرض من العروض) ثم فسر العرض ببعض أمثلته، فقال: (من الإبل أو البقر أو الغنم أو الرقيق فإنه يصلح) أي يجوز (للمشتري أن يشتريه بذهب أو فضة) لأن أحد العوضين عرض فلا يكون صرفاً (أو عرض مخالف للعروض التي كاتبه سيده عليها) واشترط في العرض المخالفة احترازاً عن اتحاد جنس العوضين المؤدي إلى الربا (يعجل ذلك ولا يؤخره) يعني لا يجوز التأخير في هذه الصورة أيضاً تحرزاً عن بيع الكاليء بالكاليء. قال الباجي(١): وإن كانت الكتابة بعرض من إبل وغيره جاز أن يبيعه بذهب أو فضة أو عرض مخالف له يعجل ذلك، ولا يؤخره، ولا يجوز بيعها، وهي ذهب بورق؛ لأنه يدخله ذهب بورق إلى أجل، ولا يبيعها وهي عرض بعرض من جنسه أكثر منه إلى أجل؛ لأنه يدخله الزيادة مع النسأ في الجنس، وذلك ممنوع، وهذا إذا باع الكتابة من غير العبد، فأما إذا باعها من العبد نفسه، فذلك جائز من كل وجه، فينقله من ذهب إلى ورق، ومن عرض إلى جنسه أكثر منه وأقل؛ لأنه لم ينقل شيئاً من ذمة إلى ذمة، وإنما ترك ما عامله علیه وعدل عنه، اهـ. ثم قال الباجي: إذا ثبت ذلك، فإن أدّى المكاتب عتق، وولاؤه للذي عقد الكتابة، ثم باعه، وبهذا قال مالك، وقال الشافعي: ولاؤه للمشتري، وبه قال عطاء والنخعي وابن حنبل، والدليل على ما نقوله قوله وقال: ((الولاء لمن (١) ((المنتقى)) (٢٣/٧). ١٢٢ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الْمُكَاتَبِ: أَنَّهُ إِذَا بِيعَ كَانَ أَحَقَّ بِاشْتِراءِ كِتَابَتِهِ مِمَّنِ اشْتَرَاهَا. إِذَا قَوِيَ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى سَيِّدِهِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ نَقْداً. وَذُلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَهُ نَفْسَهُ عَتَاقَةٌ. وَالْعَتَاقَةُ تُبَدَأُ عَلَى مَا كَانَ مَعَهَا مِنَ الْوَصَايَا. وَإِنْ بَاعَ بَعْضُ مَنْ كَاتَبَ الْمُكَاتَبَ نَصِيبَهُ مِنْهُ. فَاعَ أعتق)) والذي أعتق هو الذي عقد الكتابة، وذلك لا ينقض إلا بالعجز، وهذا حكم الكتابة، وأما بيع المكاتب فلا يجوز، وبه قال الشافعي في أحد قوليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال الزهري وربيعة: إن كان بإذن المكاتب جاز، ولا يجوز مع عدم إذنه، وقال عيسى عن ابن القاسم: من باع مكاتبه ردّ إلا أن يعتقه المبتاع فيمضي، اهـ. (قال مالك: أحسن ما سمعت في المكاتب أنه إذا بيع) أي بيعت كتابته كما هو المعمول في الباب (كان) اسمه الضمير إلى المكاتب وخبره (أحق باشتراء كتابته ممن اشتراها) وممن مفضل عليه، والمعنى أن المكاتب أحق بشراء نفسه من غيره (إذا قوي) المكاتب (أن يؤدي إلى سيده الثمن الذي باعه) أي باع السيد المكاتب (به نقداً) أي يؤديه في الحال (وذلك) أي وجه كون المكاتب أحق بشراء نفسه من غيره (أن اشتراءه) أي المكاتب (نفسه عتاقة) بفتح العين مصدر، يعني يعتق المكاتب بشرائه نفسه. قال الباجي(١): إن العتق مقدم على الملك، والمكاتب إذا اشترى كتابته عتق بنفس الشراء، فكان ذلك أولى من اشتراء غيره له، فإن ذلك الشراء أي شراء الغير ربما أدّى إلى تملك واسترقاق، اهـ. (وإن العتاقة تبدأ) أي تقدم من التبدئة، وهو التقديم (على ما كان معها) أي مع الكتابة (من الوصايا) لأن لتشوف الشرع للحرية أقوى من مطلق الوصية (وإن باع بعض من كاتب المكاتب نصيبه منه فباع) وهذا تفصيل لبعض أمثلة (١) ((المنتقى)) (٢٤/٧). ١٢٣ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث نِصْفَ الْمُكَاتَبِ أَوْ ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ. أَوْ سَهْماً مِنْ أَسْهُم الْمُكَاتَبِ. فَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ فِيمَا بِيعَ مِنْهُ شُفْعَةٌ. وَذُلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْقَطَاعَةِ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاطِعَ بَعْضَ مَنْ كَاتَبَهُ. إِلَّا بِإِذْنِ شُرَكَائِهِ . النصيب (نصف المكاتب أو ثلثه أو ربعه أو سهماً) آخر (من أسهم المكاتب) كالثمن والسدس وغيرهما (فليس للمكاتب فيما بيع منه شفعة). قال ابن رشد(١): اختلفوا في بيع الكتابة، فقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك، وأجازها مالك، ورأى الشفعة فيها للمكاتب، ومن أجاز ذلك شبّه بيعها ببيع الدين، ومن لم يجز ذلك رآه من باب الغرر، وكذلك شبّه مالك الشفعة فيها بالشفعة في الدين، وفي ذلك أثر عن النبي ◌ُّر. أعني في الشفعة في الدين، اهـ. (وذلك) أي وجه أن لا شفعة فيها للمكاتب مع أن مالكاً قائل بالشفعة للمكاتب (إنما يصير بمنزلة القطاعة) يعني أن بيع النصيب منه بمنزلة القطاعة (وليس له أن يقاطع بعض من كاتبه إلا بإذن شركائه). قال الباجي(٢): إن كان المكاتب لشريكين، لم يكن لأحدهما بيع حصته دون شريكه، قاله مالك في ((العتبية)) و((الموازية))، قال في ((العتبية)): وإن أذن في ذلك شريكه إلا أن يبيعاه جميعاً، قال ابن القاسم: وكذلك المكاتب لا يشتري نصيب أحد الشريكين فيه إلا أن يشتري جميعه، قال عبد الملك في ((الموازية)): أما من المكاتب فلا يجوز إلا برضا شريكه وأما من غيره فيجوز وإن كره شريكه، وجه رواية الجواز أنها معاوضة مقصودة تجوز في جميع العبد، فجازت في بعضه كالبيع والإجارة، ووجه الرواية الثانية ما قدمناه، وأما من العبد نفسه، فقال محمد: إنها كالقطاعة. (١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٥/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٣/٧). ١٢٤ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث وَأَنَّ مَا بِيعَ مِنْهُ لَيْسَتْ لَهُ بِهِ حُرْمَةٌ تَامَّةٌ. وَأَنَّ مَالَهُ مَحْجُورٌ عَنْهُ. وَأَنَّ اشْتِرَاءَهُ بَعْضَهُ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنْهُ الْعَجْزُ. لِمَا يَذْهَبُ مِنْ مَالِهِ. وَلَيْسَ ذُلِكَ بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ الْمُكَاتَبِ نَفْسَه كَامِلًا. إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ مَنْ بَقِيَ لَهُ فِيهِ كِتَابَةٌ. فَإِنْ أَذِنُوا لَهُ كَانَ أَحَقَّ بِمَا بِيعَ مِنْهُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ بَيْعُ نَجْم مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ. وَذُلِكَ أَنَّهُ غَرَرٌ. إِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ بَطَلَ مَا عَلَيْهِ. وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ. لَمْ يَأْخُذِ الَّذِي اشْتَرَى نَجْمَهُ بِحِصَّتِهِ مَعَ غُرَمَائِهِ شَيْئاً. ثم ذكر المصنف وجوهاً أخر لنفي الشفعة للمكاتب فقال: (وأن ما بيع منه) أي من المكاتب وهو سهم من أسهمه (ليست له) أي للمكاتب (به) أي بهذا الجزء (حرمة تامة) يعني لا يصير حراً بهذا الجزء بخلاف شرائه نفسه كاملاً، فيصير به حراً (وأن ماله) أي مال المكاتب (محجور عنه) لعدم عتقه بعد (وأن اشتراءه) أي المكاتب (بعضه يخاف عليه منه العجز) في الباقي (بما يذهب من ماله) في شراء النصيب (وليس ذلك بمنزلة اشتراء المكاتب نفسه كاملاً) لأنه يعتق بمجرد شرائه، فلم تبق فيه هذه المحظورات المذكورة. ثم ذكر الاستثناء في المسألة المذكورة، فقال: (إلا أن يأذن له) أي للمكاتب (من بقي له) الضمير إلى من، وهو فاعل يأذن (فيه كتابة) وهو الشريك الآخر واحداً كان أو أكثر (فإن أذنوا له) أي الشركاء كلهم (كان) المكاتب (أحق بما بيع منه) من غيره. (قال مالك: لا يحل بيع نجم من نجوم المكاتب) وهو القدر المعين الذي يؤديه المكاتب في وقت معين، كما تقدم (وذلك) أي وجه عدم الجواز (أنه غرر) لأنه لا يعلم ما يكون ماله لأنه (إن عجز المكاتب) بعد ذلك (بطل ما عليه) من مال الكتابة، ويعود رقيقاً (وإن مات) المكاتب (أو أفلس، وعليه ديونٌ للناس لم يأخذ) أي لا يجوز أن يأخذ (الذي اشترى نجمه بحصته مع غرمائه شيئاً) بل الغرماء يأخذون ديونهم، وهذا المشتري لا يشترك معهم في الدين، ١٢٥ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حدیث وَإِنَّمَا الَّذِي يَشْتَرِي نَجْماً مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ. بِمَنْزِلَةِ سَيِّدِ الْمُكَاتَب. فَسَيِّدُ الْمُكَاتَبِ لَا يُحَاصُّ بِكِتَابَةِ غُلَامِهِ غُرَمَاءَ الْمُكَاتَب وَكَذْلِكَ الْخَرَاجُ أَيْضاً يُجْتَمَعُ لَهُ عَلَى غُلَامِهِ. فَلَا يُخَاصُّ، بِمَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْخَرَاجِ، غُرَمَاءَ غُلَامِهِ. ثم بَيَّنَ وجه عدم شركته معهم، فقال: (وإنما الذي يشتري نجماً من نجوم المكاتب بمنزلة سيد المكاتب) لأن مشتري الكتابة يقوم مقام السيد كما تقدم (فسيد المكاتب لا يحاصُّ بكتابة غلامه) أي لا يشترك في دين الكتابة (غرماءَ المكاتب) مفعول لقوله: لا يحاص، يعني لا يشتركهم في الدين، فكذلك المشتري منه لا یشترکهم في الدین. قال الباجي(١): قوله: لا يحلّ بيع نجم من نجوم المكاتب، يريد نجماً معيناً لما فيه من الغرر؛ لأنه إن كان النجم الذي باعه أول نجم فَقَبَضَه، ثم عجز المكاتب رَقَّ جميعُه، وبطل حكم ذلك النجم، وإن اشترى الثاني ربما عجز العبد قبله، فلا يدري ما يصير إليه، وأما إن اشترى نجماً غير معين فإنه يجوز، قاله مالك وابن القاسم وأشهب في ((العتبية))، قالوا: لأن بيعه نجماً غير معين يرجع إلى بيع جزء من الكتابة، وذلك جائز على رواية الإجازة، وهي الأظهر من قول أصحابنا، وأما على رواية المنع من بيع الجزء، فيجب أن لا يجوز بيع نجم غیر معین، اهـ. (وكذلك الخراج أيضاً) بالخاء والجيم المعجمتين في النسخ الهندية وأكثر المصرية، قال الزرقاني(٢): هو المجعول من السيد على العبد كل يوم مثلاً، اهـ. وفي بعض النسخ المصرية ((الجراح)) بالجيم، فحاء مهملة، والأول أظهر (يجتمع له) أي للسيد ببناء المجهول (على غلامه فلا يحاصّ) السيد (بما اجتمع له من الخراج) بيان لما (غرماء غلامه) مفعول لقوله: لا يحاصّ، يعني يكون (١) ((المنتقى)) (٢٤/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١١٤/٤). ١٢٦ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ بِعَيْنِ أَوْ عَرْضٍ مُخَالِفٍ لِمَا كُوتِبَ بِهِ مِنَ الْعَيْنِ أَوِّ الْعَرْضِ. أَوْ غَيْرِ مُخَالِفٍ مُعَجَّلٍ أَوْ مُؤَخَّرٍ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُكَاتَبِ يَهْلِكُ وَيَتْرُكُ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلداً لَهُ صِغَاراً. مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. فَلَا يَقْوَوْنَ الغرماء مقدماً على الخراج، وتقدم في القطاعة أن السيد لا يحاصّ الغرماء في الديون التي له عليه، وتقدم هناك خلاف العلماء فيه. (قال مالك: لا بأس بأن يشتري المكاتب كتابتَه بعين) ذهبٍ أو فضةٍ (أو عرض) غير العين حيواناً كان أو غيره (مخالف) صفة لعرض (لما كوتب به من العين أو العرض) بيان لما يعني يشتري نفسه بالعرض، وقد كوتب بالعين مثلاً أو بالعكس (أو غير مخالف) بل موافق لما كوتب به كأن يشتري بالعين، وقد كوتب به، وكذا في العروض (معجل أو مؤخر) بالجر فيهما يعني سواء كان الشراء بثمن معجل أو مؤجلٍ، يجوز ذلك كله، وذلك لما تقدم أن مالكاً يجيز بين العبد وسيده من جنس الربا ما لا يجيز لأجنبي، وتقدم اختلاف الأئمة فيه. قال الزرقاني(١): وذلك؛ لأن الكتابة ليست كالديون الثابتة، ولا كالمعاوضة المحضة، فيجوز فيها ما منع في ذلك، وهو فسخ ما على المكاتب في شيء مؤخر عليه، وفسخ ما عليه من ذهب في ورق وعكسه، ومثله التعجيل على إسقاط بعض ما عليه وهو ضَعْ، وتعجل، وسلف يجرُّ منفعة ونحو ذلك، وظاهره سواء عجل العتق أم لا، وهو قول مالك وابن القاسم، ومنعه سحنون إلا بشرط تعجيل العتق، اهـ. (قال مالك في المكاتب يهلك) بكسر اللام أي يموت (ويترك أم ولد له، و) يترك (ولداً له صغاراً منها) أي من أم ولد (أو من غيرها، فلا يقوون) أي لا (١) ((شرح الزرقاني)) (١١٤/٤). ١٢٧ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث عَلَى السَّعْيِ. وَيُخَافُ عَلَيْهِمُ الْعَجْزُ عَنْ كِتَابَتِهِمْ. قَالَ: تُبَاعُ أُمُّ وَلَدِ أَبِيهِمْ. إِذَاَ كَانَ فِي ثَمَنِهَا مَا يُؤَدَّى بِهِ عَنْهُمْ جَمِيعُ كِتَابَتِهِمْ. أَمَّهُمْ كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أُمِّهِمْ. يُؤَدَّى عَنْهُمْ وَيَعْتِقُونَ. لِأَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ لَا يَمْنَعُ بَيْعَهَا إِذَا خَافَ الْعَجْزَ عَنْ كِتَابَتِهِ: فَهُؤُلَاءِ إِذَا خِيفَ عَلَيْهِمُ الْعَجْزُ بِيعَتْ أُمُّ وَلَدِ أَبِيِهِمْ. فَيُؤَدَّى عَنْهُمْ ثَمَنُها. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ثَمَنِهَا مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ. وَلَمْ تَقْوَ هِيَ وَلَا هُمْ عَلَى السَّعْي. رَجَعُوا جَمِيعاً رَقِيقاً لِسَيِّدِهِمْ. يقدرون (على السعي) لصغرهم وعجزهم (ويخاف عليهم العجز عن) أداء بدل (كتابتهم، قال) مالك في الصورة المذكورة: (تباع أم ولد أبيهم) المذكورة (إذا كان في ثمنها ما يؤدى به) ببناء المجهول، وضمير المجرور إلى الموصول (عنهم) أي عن الأولاد الصغار (جميع كتابتهم) نائب الفاعل يعني إذا كان في ثمن أم الولد وفاءٌ لبدل الكتابة (أمهم كانت أو غير أمهم) يعني سواء كانت هذه أم الولد أم الأولاد المذكورة أو غيرها تباع بكل حال؛ لأجل أداء بدل الكتابة (يؤدى عنهم) بدل الكتابة بعد بيعها بقيمتها (ويعتقون) أي الأولاد بعد أداء الكتابة بثمنها . (لأن أباهم) لو كان حيّاً (كان لا يمنع بيعها إذا خاف العجز عن) أداء (كتابته، فهؤلاء) الأولاد حينئذ بمنزلته، فلا بد أنهم (إذا خِيف عليهم العجزُ بيعت أم ولد أبيهم فيؤدى عنهم) وفي النسخ الهندية ((فأدي)) بصيغة الماضي أي يؤدى عنهم بدل الكتابة بثمنها (فإن لم يكن في ثمنها ما يؤدى عنهم) بل يكون ثمنها أقل من بدل الكتابة (ولم تقدر) وفي النسخ المصرية ((لم تقو)) (هي ولا هم) أي أم الولد ولا الأولاد (على السعي) في بدل الكتابة (رجعوا) أي عادوا (جميعاً رقيقاً لسيدهم) وبطلت الكتابة. قال الباجي(١): في المكاتب يهلك، ويترك أم ولد، وولداً له صغاراً منها (١) ((المنتقى)) (٢٤/٧). ١٢٨ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث أو من غيرها، فلا يقدرون على السعي، تباع أم ولد، إذا كان يتهيّأ من ثمنها جميع الكتابة على ما قاله، والمكاتب إذا ترك أم ولد، لا يخلو أن يكون لها ولد أو لا، فإن لم يكن لها ولدٌ، لم تستسع ولم تعتق، وإن ترك أضعاف الكتابة؛ لأنها لم تنعقد عليها كتابة، فإنما هي بمنزلة مال المكاتب، يصير إلى السيد بموته، فإن كان معها ولد صغير منها أو من غيرها يخاف عليهم العجز لضعفهم عن السعي، بيعت أم الولد. ووجه ذلك ما قدمناه أنها بمنزلة مال أبيهم، فلذلك لم يثبت لها حكم الكتابة، فتعتق بالأداء، وإنما أثبت لها حكم المال، ولذلك يجوز للمكاتب أن يبيعها إذا خاف العجز، وذلك أن يؤدي منها الكتابة، فيعتق بذلك من ثبت له حكم الكتابة، وشارك فيها من عقدها، ولو ترك المكاتب مالاً تؤدى منه الكتابة عتق جميعهم. وروى سحنون عن ابن القاسم في ((العتبية)): لا يرجع عليها ولد المكاتب بشيء، وإن لم تكن أمهم، ووجه ذلك أن أم الولد لا تباع لغير ضرورة، وإنما تباع للضرورة وخوف العجز، فلا بد أن تعتق، وإنما تعتق على المكاتب، فلا يرجع عليها بشيء مما عتقت به؛ لأن المكاتب إذا عتقت عليه أم ولده، لم يرجع عليها بشيء. وقوله: فإذا لم يكن في ثمنها ما يؤدى إلخ، يريد أن ولد المكاتب يرقُّون إذا لم يمكنهم الأداء بما يخلفه أبوهم، ولا بسعيهم، يريد أنه ليس في ثمنها ما يؤدى عنهم حتى يبلغوا السعي، وأما إن كان في ثمنها ما يؤدى عنهم حتى يبلغوا السعي، ففي ((الموازية)) عن عيسى: تباع، ويُؤَدَّى عنهم من ثمنها نجومُهم حتى يبلغوا السعي، فإن أدوا عتقوا، وإن عجزوا رَقُّوْا، وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع: لا تباع لهم إلا أن يكون في ثمنها إن بيعت ما يعتقون به. وجه القول الأول: أنها مالٌ للمكاتب، فجاز أن تباع في الأداء عن بنيه، ١٢٩ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث كما لو كان في ثمنها ما يعتقون به، ولأن كل ما يُبَاع في أداء جميع ما عليهم بِيْعَتْ في أداء بعض ما عليهم، كسائر أمواله ورقيقه، وجه القول الثاني: أن هذا يلحقها العتق، وتعتق مع الولد، فلا تباع مع السلامة كسائر من انعقد له الكتابة، اهـ. وقال ابن رشد (١) في أم ولد المكاتب: إذا مات المكاتب، وترك بنين، لا يقدرون على السعي، وأرادت الأم أن تسعى عليهم، فقال مالك: لها ذلك، وقال الشافعي والكوفيون: ليس لها ذلك، وعمدتهم، أن أم الولد إذا مات المكاتب مالٌ من مال السيد، وأما مالك فيرى أن حرمة الكتابة التي لسيدها صائرة إليها وإلى بنيها، ولم يختلف قول مالك إن المكاتب إذا ترك بنين صغاراً لا يستطيعون السعي، وترك أم ولد لا تستطيع السعي أنها تباع، ويؤدى منها باقي الكتابة، وعند أبي يوسف ومحمد بن الحسن لا يجوز بيع المكاتب لأم ولده، ويجوز عند أبي حنيفة والشافعي. واختلف أصحاب مالك في أم ولد المكاتب إذا مات المكاتب، وترك بنين ووفاء كتابته، هل تعتق أم ولده أم لا؟ فقال ابن القاسم: إذا كان معها ولد عتقت وإلا رقّت، وقال أشهب: تعتق على كل حال، وعلى أصل الشافعي، كل ما ترك المكاتب مالٌ من مال سيده لا ينتفع به البنون في أداء ما عليهم من كتابته، كانوا معه في عقد الكتابة، أو ولدوا في الكتابة، وإنما عليهم السعي، وعلى أصل أبي حنيفة يكون حراً ولا بد، ومذهب ابن القاسم كأنه استحسان، اهـ. وفي ((البدائع))(٢): لو مات المكاتب، ولم يترك وفاء لكنه ترك أم ولد، (١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٢/٢). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٦٣١/٣). ١٣٠ ٣١ - كتاب المكاتب (٥) باب (١٢٧٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الَّذِي يَبْتَاعُ كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ. ثُمَّ يَهْلِكُ الْمَكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُؤدِّيَ كِتَابَتَهُ: أَنَّهُ يَرِثُهُ الَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ. وَإِنْ عَجَزَ فَلَهُ رَقَبَتُهُ. وَإِنْ أَذَّى الْمُكَاتَبُ كِتَابَتَهُ إِلَى الَّذِي اشْتَرَاهَا وَعَتَقَ. فَوَلَا ؤُهُ لِلَّذِي عَقَدَ كِتَابَتَهُ. لَيْسَ لِلَّذِي اشْتَرَى كِتَابَتَهُ مِنْ وَلَائِهِ شَيْءٌ . فإن لم يكن معها ولد بيعت في المكاتبة، وإن كان معها ولد استسعت فيها على الأجل الذي كان للمكاتب، صغيراً كان ولدها أم كبيراً، بناء على أن المكاتب إذا اشترى أم ولد، وليس معها ولد، فإنها لا تدخل في مكاتبته، وكان له أن يبيعها عند أبي حنيفة، وكذا الموالاة عندهما: تدخل في مكاتبته، فكذلك بعد موته تكون بمنزلته، لما دخلت في الكتابة. وإذا كان معها ولد، فإنها تتبع ولدها في الكتابة عند أبي حنيفة، ولا يجوز بيعها، فكذا بعد الموت، إذا كان معها ولد، ولدته في الكتابة، ويصير كأنه قائم؛ لأن الابن قام مقامه، وعلى قولهما: لا فرق بين وجود الولد وعدمه . (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) وليس في النسخ المصرية لفظ ((المجتمع عليه)) (في الذي يبتاع) أي يشتري (كتابة المكاتب، ثم يهلك) أي يموت (المكاتب قبل أن يؤدي) بدل (كتابته) إلى الذي اشتراها (أنه يرثه) أي يأخذ مالَ المكاتب الميت (الذي اشترى كتابته) فاعل يرثه (وإن عجز) المكاتب (فله) أي للمشتري (رقبته) أي يملكه المشتري (وإن أَدَّى المكاتب كتابته إلى الذي اشتراها وعتق) بعد أداء الكتابة (فولاؤه للذي عقد كتابته) وهو البائع (ليس للذي اشترى كتابته من ولائه شيء). قال الباجي(١): قوله: فيمن اشترى كتابة المكاتب، ثم مات أنه يرثه، يريد أنه أحقُّ بماله ليس على وجه الميراث؛ لأن الرقَّ ينافي التوارث، ولكن (١) ((المنتقى)) (٢٥/٧). ١٣١ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حديث (٦) باب سعي المكاتب ٨/١٢٧٩ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ بمعنى استحقاق السيد مال عبده، ولو عجز المكاتب، لكانت رقبته لمن اشتراه؛ لأنه لا خلاف أنه يسترقّ بالعجز، ولا يجوز أن يسترقّه البائع؛ لأنه لا يجتمع له الثمن ورقبة العبد. وقوله: إن أَدَّىُ الكتابةَ فولاؤه للذي عقد الكتابة، خلافاً للشافعي في قوله: الولاء للمشتري، وبه قال ابن حنبل والنخعي، ومعنى ذلك أن المكاتب إنما عتق بالعتق الذي تضمنه عقد الكتابة، وقد ثبت الولاء لمن أعتقه؛ لما رُوي أن النبي وَلّ قال: ((إنما الولاء لمن أعتق)). وأما ما رُوي عنه وٍَّ: ((إنما الولاء لمن أعطى الورق))، فإن ذلك في قصة بعينها كان فيها المعتق، هو الذي أعطى الورق، ويحتمل أن يخرج على الغالب، فإن الغالب أن معطى الورق هو المعتق، وأما من يشتري الكتابة فقليلٌ، ثم لو ابتدأ المشتري عتقه بعد عجزه واسترقاقه لبطل حكم ما تقدم من الكتابة، وكان ولاؤه بالعتق الثاني للمشتري، اهـ. قلت: ما حكى الباجي من خلاف الشافعي، وابن حنبل في الولاء للمشتري هو فيما إذا اشترى المشتري رقبة المكاتب، وأما شراء كتابة المكاتب، فلا يصحُّ عندهما، كما تقدم في أول الباب، وأما عند الحنفية فلا يصحُ بيع الكتابة، ولا بيع المكاتب، ولو بيع المكاتب برضاه ينفسخ الكتابة، كما تقدم في محله. (٦) سعي المكاتب ومن معه في الكتابة في أداء بدل الكتابة وبيان الفروع في ذلك ٨/١٢٧٩ - (مالك أنه بلغه) ولفظ محمد في ((موطئه))(١) أخبرني الثقة (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٥٦/٣). ١٣٢ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حدیث أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ سُئِلَا عَنْ رَجُلِ كَاتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بَنِيهِ. ثُمَّ مَاتَ. هَلْ يَسْعَى بَنُو الْمُكَاتَبِ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِمْ أَمْ هُمْ عَبِيدٌ؟ فَقَالَا: بَلْ يَسْعَوْنَ فِي كِتَابَةِ أَبِيهِمْ. وَلَا يُوَضَعُ عَنْهُمْ، لِمَوْتِ أَبِيهِمْ، شَيْءٌ . قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانُوا صِغَارَاً لَا يُطِيقُونَ السَّعْيَ. لَمْ يُنْتَظَرْ بِهِمْ أَنْ يَكْبَرُوا. وَكَانُوا رَقِيقاً لِسَيِّدِ أَبِيهِمْ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُكَاتَبُ تَرَكَ مَا يُؤَدَّى بِهِ عَنْهُمْ نُجُومُهُمْ. إِلَى أَنْ يَتَكَلِّفُوا السَّعْيَ. عندي (أن عروة بن الزبير) الفقيه (وسليمان بن يسار) الهلالي (سئلا) ببناء المجهول (عن رجل كاتب على نفسه وعلى بنيه) يعني أشركهم في كتابته (ثم مات) الأب (هل يسعى بنو المكاتب في كتابة أبيهم) ويؤدون بعد السعي بدل كتابة أبيهم (أم هم عبيد؟) أي صاروا قِنّاً فلا يسعون (فقالا: بل) البنون (يسعون في كتابة أبيهم ولا يوضع) ببناء المجهول أي لا يحط (عنهم لموت أبيهم شيء) من بدل الكتابة، بل يؤدون جميع بدل الكتابة الذي انعقد عليه العقد، قليلاً كان الباقي أو جميعاً، قال محمد في ((موطئه)) بعد ذلك: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، فإذا أدوا عتقوا جميعاً، اهـ. (قال مالك): هذا الذي نقل عنهما إذا كانوا قادرين على السعي (وإن كانوا صغاراً لا يطيقون السعي) لا يقدرون عليه لصغرهم أو ضعفهم (لم ينتظر) ببناء المجهول (بهم أن يكبروا) بفتح الموحدة (وكانوا رقيقاً) أي عادوا إلى الرق (لسيد أبيهم إلا أن يكون ترك) أبوهم الميت (المكاتب ما يؤدى) ببناء المجهول (به) الضمير إلى الموصول (عنهم نجومهم) أي إلا أن يكون الأب ترك مقداراً يكون كافياً لنجوم زمان صغرهم (إلى أن يتكلفوا السعي) أي يقدروا عليه. مثلاً كانت المكاتبة على ألف دينار في كل سنة مائة دينار، والأب الهالك ترك خمسمائة دينار، وهؤلاء يقدرون ويقوون على السعي بعد خمس سنين، فالأب حينئذ ترك مقدار أداء النجوم إلى أن يقدروا. ١٣٣ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حديث فَإِنْ كَانَ فِيمَا تَرَكَ مَا يُؤَدَّى عَنْهُمْ. أُدِّيَ ذُلِكَ عَنْهُمْ. وَتُرِكُوا عَلَى حَالِهِمْ. حَتَّى يَبْلُغُوا السَّعْيَ. فَإِنْ أَدَّوْا عَتَقُوا. وَإِنْ عَجَزُوا رَقُوا . (فإن كان فيما ترك) الأب (ما يؤدى عنهم أَدْيَ ذلك عنهم) يعني نجوم صغرهم في أيام النجوم (وتركوا) ببناء المجهول (على حالهم) أي تركوا مكاتبين (حتى يبلغوا السعي) أي يقدروا عليه (فإن أدوا) ما بقي بعد ذلك (عتقوا وإن عجزوا) عن أداء الباقي (رقّوا) أي عادوا رقيقاً للسيد. قال الباجي(١): قوله: في المكاتب يموت، وله بنون أنه لا يحطّ عنهم شيء من الكتابة التي لزمت أباهم، ويسعون في أداء ذلك كله، يقتضي أن الكتابة على حكم الحمالة يحملها المكاتبون بعضهم عن بعض، فمن ثبت له حكم الكتابة ثبت له، وعليه حكم الحمالة، فلا يعتق أحد من شركائه في الكتابة إلا بعتقه، ويؤدى عمن عجز من أهل الكتابة ما عجز عنه لموت أو عجز عن سعاية، فمن مات من أهل الكتابة أدي عنه ما كان ينوبه من الكتابة من شركه فيها، ولو استحق أحد المكاتبين بحرية سقط عن الباقين بقدر ما ينوبه من الكتابة . والفرق بينه وبين من يموت أن من مات قد لزمته الكتابة، وتعلقت به تعلق حقيقة، وأما المستحق بحرية فلم يكن شيء من ذلك لازماً له ولا متعلقاً به، فلم يضمن سائر من كان معه في الكتابة ما ينوبه منها؛ لأنه لم يلزمه شيء منه بعقد الكتابة. وقوله: وإن كانوا صغاراً إلخ، يريد إذا لم يترك أبوهم ما يؤدى به الكتابة، أو يؤدى به نجومها إلى أن يبلغوا السعي، فإن ترك ما يؤدى عنهم إلى أن يبلغوا السعي أدّي عنهم وانتظر بهم، ووجه ذلك أن المكاتب المتوفى كان أيضاً ضامناً له ما على بنيه، وغيرهم من الكتابة بحق مشاركته لهم فيها، فإذا ترك ما يؤدى عنهم وعجزوا هم كان ذلك في ماله الذي تركه، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢٦/٧). ١٣٤ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُكَاتَبِ يَمُوتُ وَيَتْرُكُ مَالاَ لَيْسَ فِيهِ وَفَاءُ الْكِتَابَةِ. وَيَتْرُكُ وَلَداً مَعَهُ فِي كِتَابَتِهِ. وَأَمَّ وَلَدٍ. فَأَرَادَتْ أُمُّ وَلَدِهِ أَنْ تَسْعَى عَلَيْهِمْ: إِنَّهُ يُدْفَعُ إِلَيْهَا الْمَالُ إِذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً عَلَى ذُلِكَ، .... وقال الموفق(١): إذا مات، ولم يُخَلِّفْ وفاءً، فلا خلاف في المذهب أن الكتابة تنفسخ بموته، ويموت عبداً، وما في يده لسيده، وهو قول أهل الفتوى من أئمة الأمصار إلا أن يموت بعد أداء ثلاثة أرباع الكتابة عند أبي بكر والقاضي ومن وافقهما، فإنه يموت حراً في مقتضى قولهم، وقال مالك: إن كان له ولدٌ حُرُّ انفسخت الكتابة، وإن كان له مملوك في كتابته أجبر على دفع المال كله، إن كان له مال، وإن لم يكن له مال أجبر على الاكتساب والأداء، اهـ. وقال ابن رشد: (٢) أما حكم المكاتب، إذا مات قبل أن يؤدي الكتابة، فاتفقوا على أنه إذا مات دون ولد قبل أن يؤدي من الكتابة شيئاً أنه يرقّ، واختلفوا إذا مات عن ولد، فقال مالك: حكم ولده كحكمه، فإن ترك مالاً فيه وفاء للكتابة أدوه وعتقوا، وإن لم يترك مالاً، وكانت لهم قوة على السعي بقوا على نجوم أبيهم حتى يعجزوا أو يعتقوا، وإن لم يكن عندهم لا مال ولا قدرة على السعي رقّوا، اهـ. وتقدم مذهب الحنفية في ذلك مفصلاً عن كلام صاحب «الهداية» في أول باب ((القضاء في المكاتب)). (قال مالك في المكاتب يموت) قبل أداء الكتابة (ويترك مالاً) قليلاً (ليس فيه وفاء للكتابة ويترك ولداً) أولاداً شركاء (معه في كتابته و) يترك أيضاً (أم ولد) له (فأرادت أم ولده أن تسعى عليهم) أي على الأولاد (إنه) بكسر الهمزة (يدفع إليها المال) الذي تركه المكاتب الميت (إذا كانت مأمونة على ذلك) المال، ولا (١) («المغني)) (١٤ /٤٦٧). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٨١/٢). ١٣٥ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حديث قَوِيَّةً عَلَى السَّعْيِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَوِيَّةً عَلَى السَّعْيِ. وَلَا مَأْمُونَةً عَلَى الْمَالِ. لَمْ تُعْطَ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ. وَرَجَعَتْ هِيَ وَوَّلَدُ الْمُكَاتَبِ رَقِيقاً لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ. يخاف عليها أن تضع المال وتكون أيضاً (قوية على السعي) أي قادرة على أن تكتسب المال، وتؤدي الكتابة (وإن لم تكن قوية على السعي ولا مأمونة على المال لم تعط) ببناء المجهول، والضمير إلى أم الولد (شيئاً من ذلك) المال (ورجعت هي وولد المكاتب رقيقاً لسيد المكاتب). قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن أم ولد المكاتب إذا مات عنها وعن ولد منها أو من غيرها، فأرادت السعي عليهم، فذلك لها، ويسعون بسعيها؛ لأن ولده بمنزلته، قد باشرته الكتابة كما باشرته، وأم الولد لها حكم المال، فإن أمكن الأداء عنهم بسعيها، فهي بمنزلة غلة المال المكاتب يتأدى منها نجومهم، وإذا لم يخلف المكاتب ولداً، فلا سبيل لها إلى السعي ولا إلى العتق، ولو ترك المكاتب مالاً كثيراً، ولم يترك من يقوم بالكتابة ممن هو من أهلها، فجميع المال لسيده، وأم الولد من ماله، فتعود إلى رقّ سيده مع سائر ماله. ٦ وقوله: إن لم تكن قوية على السعي إلخ، يريد أنها إذا لم تكن في سعيها ما يتأدى منه النجوم، أو كانت قوية على السعي، ولم تكن مأمونة عليه، ولم يكن في المال ما تتأدى منه الكتابة، أو يتأدى من نجومها ما يبلغون به السعي، دفع المال كله للسيد، ورقّ الولد وأم الولد، ولو كان فيه وفاء نجومهم إلى أن يبلغوا السعي مع عجزهم، وعجز أم الولد عن ذلك، دفع المال إلى السيد فحسب في أول نجومهم، ثم إذا بلغوا السعي أدّوا بسعيهم، أو رقّوا لعجزهم. ولو مات المكاتب عن أم ولده وقد كوتب معه غيره ممن ليس بولد له، فأدوا الكتابة. ففي ((الموازية)) عن مالك: لا تعتق أم ولد المكاتب في كتابته (١) ((المنتقى)) (٢٦/٧). ١٣٦ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ جَمِيعاً كِتَابَةً وَاحِدَةً. وَلَا رَحِمَ بَيْنَهُمْ. فَعَجَزَ بَعْضُهُمْ وَسَعَى بَعْضُهُمْ حَتَّى عَتَقُوا جَمِيعاً. فَإِنَّ الَّذِينَ سَعَوْا يَرْجِعُونَ عَلَى الَّذِينَ عَجَزُوا. بِحِصَّةِ مَا أَدَّوْا عَنْهُمْ. لِأَنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ. بعد موته إلا مع ولده، أو ولد ولده كان منها، أو من غيرها ممن معه في الكتابة . قال عيسى: لكن هي مال الميت فتباع، ويستعينون بثمنها إن أرادوا ذلك، ويتبعهم السيد بثمنها إن عتقوا، وإن استغنوا عنها وعتقوا رقت للسيد؛ لأن مال المكاتب عائد إليه، وإذا كاتب المكاتب على نفسه وعلى أم ولده، فمات المكاتب، كان لها أن تسعى، أهـ. وقال السرخسي في ((المبسوط)): إذا ترك المكاتب أم ولد، ليس معها ولد، بيعت في المكاتبة، وإن كان معه ولد، سعت فيها على الأجل الذي كان للمكاتب صغيراً كان ولدها أو كبيراً، اهـ. قلت: وتقدم قريباً في آخر الباب الماضي بيان أم الولد في المكاتب يموت ويترك أم ولد مفصلاً. (قال مالك: وإذا كاتب القوم جَمِيْعاً) أي جمعٌ مكاتبون (كتابة واحدة) أي اجتمعوا في عقد واحد من الكتابة، كما تقدمت فروعها كثيراً (ولا رحم بينهم) أي لا قرابة الرحم فيهم (فعجز بعضهم وسعى بعضهم) فأدى الذين سعوا جميع الكتابة؛ لأنهم لا يعتقون حتى يؤدوا جميع الكتابة لوحدة العقد (حتى عتقوا جميعاً) لأداء الكتابة كلها (فإن الذين سعوا يرجعون على الذين عجزوا) أي يأخذون منهم (بحصة ما أدوا عنهم) أي بحصة ما أدى الساعون عن العاجزين (لأن بعضهم حملاء) أي كفلاء (عن بعض). قال الباجي(١): يريد أنهم مع إطلاق العقد يكون بعضهم حملاء عن (١) ((المنتقى)) (٢٧/٧). ١٣٧ ٣١ - كتاب المكاتب (٦) باب (١٢٧٩) حديث بعض؛ لأن ذلك مقتضى جمعهم في كتابة واحدة، فإن أدّى بعضهم الكتابة دون بعضٍ، فلا يخلو أن يكونوا أقارب أو أجانب، فإن كانوا أجانب رجع بعضهم إلى بعض، بما أدوا عنهم. وقد اختلف أصحابنا في صفة التراجع، قال مالك: يرجع على من أدى عنه بقدر ما يقع عليه على حسب قوته وسعيه، وقال أشهب: على قدر قوته على الكتابة، وهو على نحو قول مالك وابن القاسم، وقال ابن الماجشون: التراجع على العدد، وروي عنه وعن مطرف على قدر قيمتهم، والاعتبار في ذلك عند مالك وابن القاسم بيوم العقد، فينظر إلى حالهم يوم العقد، وروي عن مطرف وابن الماجشون الاعتبار بقيمتهم يوم عتقوا لا يوم كوتبوا. وأما الأقارب فلم يختلف في الأولاد والإخوة، أنه لا يرجع بعضهم على بعض، رُوي ذلك عن مالك في ((الموازية))، قال ابن القاسم: والذي يصح عندي أنه لا يرجع على من يعتق عليه إذا ملكه، وروي عن مالك إذا كانت بينهم قرابة يتوارثون بها، فلا تراجع بينهم، وقال أشهب: لا يرجع على ذي رحم إن كان لا يعتق عليه، ولا يرثه، وأما الزوجة فروى ابن القاسم عن مالك لا يرجع عليها، قال ابن القاسم: هذا استحسان، وليس بالقوي، وجه قول مالك، أنها توارثه كالابن، ووجه ابن القاسم، أنها لا تناسبه كالأجنبي، وتوارثهما ليس سببه ثابتاً؛ لأنه يبطل بالطلاق بخلاف الأقارب، اهـ. وتقدم قبيل القطاعة ما قال الدردير: إن محل الرجوع إن لم يعتق المدفوع عنه على الدافع، وتقدم هناك شيء من الكلام على كتابة جماعة العبيد، وتقدم في كلام الموفق، وصاحب ((البدائع)) في ذلك. ثم قال الموفق(١): فإن أدّى بعض المكاتبين عن صاحبه، أو عن مكاتب (١) («المغني)) (٥٦٧/١٤). ١٣٨ ٣١ - كتاب المكاتب (٧) باب (١٢٨٠) حدیث (٧) باب عتق المكاتب إذا أدى ما عليه قبل محله ٩/١٢٨٠ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَغَيْرَهُ، يَذْكُرُونَ أَنَّ مُكَاتَباً كَانَ لِلْفُرَافِصَةِ آخر، قبل أداء ما عليه بغير علم سيده لم يصح؛ لأن هذا تبرُّع، وليس له التبرع بغير إذن سيده، وإن كان قد حلّ عليه نجمٌ، صُرِف ذلك فيه، وإن لم يكن عليه نجمٌ فله الرجوع فيه، وإن علم السيد بذلك، ورضي بقبضه عن الآخر صحَّ؛ لأن قبضه له راضياً به مع العلم دليل على الإذن فيه، فجاز، كما لو أذن فيه تصريحاً، وإن كان الأداء بعد أن عتق، صح، سواء علم السيد أو لم يعلم. فإذا أراد الرجوع على صاحبه بما أدّى عنه، نظرنا، فإن كان قصد التبرع عليه، لم يرجع به، وإن أدّاه محتسباً بالرجوع عليه، وكان الأداء بإذن المؤدى عنه، فهو قرض يلزمه أداؤه كما لو اقترضه منه، وإن كان بغير إذنه، لم يرجع عليه؛ لأنه تبرَّع بأداء ما لا يلزمه، كما لو تصدق عنه صدقة تطوع، وبهذا فارق سائر الديون، وإن كان بإذنه، وطلب استيفاءه، قدّم على أداء مال الكتابة، كسائر الديون، وإذا عجز عن أدائه، فحكمه حكم سائر الديون، وهذا كله مذهب الشافعي، اهـ. (٧) عتق المكاتب إذا أدى ما عليه من بدل الكتابة قبل محله أي قبل أجله ٩/١٢٨٠ - (مالك أنه سمع ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحمن) فرّوخ (و) سمع (غيره) أيضاً (يذكرون أن مكاتباً) بالتنكير أولى مما في النسخ الهندية من لفظ المكاتب بالتعريف (كان الفرافصة) بضم الفاء الأولى أو فتحها، مختلف فيه كما تقدم في ((باب القراءة في الصبح))، وقال صاحب ((المحلى)): ١٣٩ ٣١ - كتاب المكاتب (٧) باب (١٢٨٠) حديث ابْنِ عُمِيْرٍ، الْحَنَفِيِّ، وَأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ. فَأَبَى الْفُرَافِصَةُ. فَأَتَى الْمُكَاتَبُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ. وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. فَذَكَرَ ذلِكَ لَهُ. فَدَعَا مَرْوَانُ الْفُرَافِصَةَ. فَقَالَ لَهُ ذُلِكَ فَأَبَّى. فَأَمَرَ مَرْوَانُ بِذْلِكَ الْمَالِ أَنْ يُقْبَضَ مِنَ الْمُكَاتَبِ، فَيُوضَعَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ لِلْمُكَاتَبِ: اذْهَبْ فَقَدَ عَتَقْتَ. بفتح الفاء وكسر الثاني عند أهل اللغة والمحدثين إلا عند ابن حبيب، فإنه قال: كل اسم فرافصة عند العرب، فهو مضموم الفاء الأولى، إلا فرافصة ابن الأحوص، وحجاج بن فرافصة، اهـ. (ابن عمير) مصغراً (الحنفي)(١) المدني (وأنه) أي المكاتب (عرض عليه) أي على مولاه (أن يدفع إليه جميع ما عليه من كتابته فأبى) مولاه (الفرافصة) أي امتنع من قبول جميع الكتابة مرة. قال الباجي(٢): امتناع الفرافصة من القبض قبل النجوم يحتمل أن يكون كاتبه على عروض مؤجلة، فامتنع لما جوّز أنها أكثر قيمةً عند محل نجومها، وقد قال القاضي أبو محمد وغيره: إذا عَجَّل المكاتب كتابته لم يكن للسيد الامتناع منه؛ لأن الأجل حق للمكاتب، ورفق به، فإذا رضي إسقاطه، كان له ذلك، اهـ. (فأتى المكاتب مروان بن الحكم) بفتحتين الأموي (وهو) أي مروان يومئذ (أمير المدينة) من جهة معاوية (فذكر) المكاتب (ذلك له) أي للأمير (فدعا مروان الفرافصة فقال له ذلك) أي قال له أن يقبل منه الكتابة (فأبى) الفرافصة (فأمر مروان بذلك المال أن يقبض) ببناء المجهول (من المكاتب، فيوضع في بيت المال) ليعطى سيده على حسب نجومه (وقال للمكاتب: اذهب فقد عتقتَ) (١) الفرافصة بن عمير الحنفي اليمامي روى عنه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وغيره ووثقه ابن حبان. («الإصابة» (٣٠٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٩/٧). ١٤٠