النص المفهرس

صفحات 41-60

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
س
(١٢٧٣) حديث
ابن عباس مرفوعاً: ((يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حر، وما بقي دية عبد))،
رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وروي عن عمر وعلي إذا أدّى الشطر فلا رقّ عليه، وروي ذلك عن
. النخعي، وقال ابن مسعود(١): إذا أدى قدر قيمته فهو غريم، وقضى به شريح،
وقال الحسن في المكاتب: إذا عجز استسعي بعد العجز سنتين، اهـ.
وقال صاحب ((المحلى)): حكي عن أحمد أنه قال: يعتق عنه بقدر ما
أدى، وحكى عياض عن بعض السلف إنه يصير حراً بنفس الكتابة. ويثبت
المال في ذمته، وعن بعضهم أنه إذا أدى نصف المال يصير حراً، ويصير الباقي
ديناً عليه، وحكي عن عمر وابن مسعود وشريح مثل هذا إذا أدّى الثلث، وعن
عطاء مثله إذا أدّى ثلاثة أرباع المال، اهـ.
قال الباجي(٢): والدليل على ما نقوله ما احتجّ به زيد بن ثابت عن علي
- رضي الله عنه -، فإنه قال له: أَكُنْتَ ترجُمُه لو زنى بعد إحصان؟ قال: لا،
قال: أفتجيز شهادته؟ قال: لا، قال: فهو عبد ما بقي عليه درهم، اهـ.
وفي هامش ((الهداية)) ((عن الحميدية)): قال ابن مسعود: إذا أدى قدر
قيمته يعتق، وفيما زاد على ذلك يكون المولى غريما من غرمائه، وقال
ابن عباس: إذا أخذ العبد صحيفة الكتابة يعتق في الحال بنفس العقد، وهو
غريم المولى بما عليه من بدل الكتابة، اهـ.
وهكذا حكى صاحب ((البدائع)) مذهبهما، وحكي عن شريح مثل قول
ابن عباس.
وقال ابن رشد (٣): اتفقوا على أنه يخرج من الرقّ إذا أدّى جميع الكتابة،
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤١٠/٨).
(٢) ((المنتقى)) (٢/٧).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣٧٩/٢).
٤١

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ هَلَكَ الْمُكَاتَبُ. وَتَرَكَ مَالًا أَكْثَرَ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ
كِتَابَتِهِ. وَلَهُ وُلْدٌ وُلِدُوا فِي كِتَابَتِهِ. أَوْ كَاتَبَ عَلَيْهِمْ. وَرِثُوا مَا بَقِيَ
مِنَ الْمَالِ. بَعْدَ قَضَاءِ كِتَابَتِهِ .
واختلفوا إذا عجز عن البعض، فقال الجمهور: هو عبد ما بقي عليه من كتابته
شيء، وروي عن السلف المتقدم سوى ذلك أربعة أقوال؛ أحدها: أن المكاتب
يعتق بنفس الكتابة، والثاني: يعتق عنه بقدر ما أدى، والثالث: يعتق إن أدى
النصف أو أكثر، والرابع: إن أدى الثلث وإلا فهو عبد، اهـ. قلت: وسيأتي
هذه الأقوال وغيرها في أول ميراث المكاتب.
(قال مالك: فإن هلك المكاتب) أي مات (وترك مالاً أكثر) أي يزيد (مما
بقي عليه من) مال (كتابته وله وُلد) بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بفتحتين
(ولدوا) ببناء المجهول (في) زمن (كتابته) أي بعد عقدها (أو كاتب عليهم) يعني
كانوا موجودين قبل الكتابة، وأدخلها في عقد الكتابة (ورثوا ما بقي) زاد في
النسخ الهندية بعد ذلك لفظ ((عليهم))، وليس هذا في المصرية، والأولى حذفه
(من المال بعد قضاء كتابته) أي بعد أداء مال الكتابة إلى سيده.
قال الباجي(١): المكاتب يترك المال يزيد على كتابته، ويترك ولداً لهم
حكم المكاتب، إما لأنه كاتب عليهم أو ولدوا معه في الكتابة، فإنه يؤدي عنه
ما بقي عليه من الكتابة حالاً لا يؤخر، قال أبو القاسم: وكذلك لو لم يترك إلا
وفاء، قال أبو محمد: لأن الديون المؤجلة تحلّ بموت من تكون عليه، وهذا
يقتضي أن الكتابة لا تبطل بالموت إذا بقي من يقوم بها، وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: تبطل بالموت.
والدليل على ما نقوله أن هذا عقد يقتضي عوضاً يلزم أحد المتعاقدين،
فلا يبطل بموت من عقده إذا كان معه في العقد من يقوم به كالبيع والإجارة
(١) ((المنتقى)) (٣/٧).
٤٢

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٣) حديث
بموت المستأجر، وإن لم يكن فيما ترك من المال وفاء لم يرجع إلى السيد،
وأخذه من شركه في المكاتبة، يسعون به إن كانوا من أهل السعي؛ لأن حقهم
متعلق بذلك المال.
وقوله: ورث الولد ما بقي من المال بعد أداء الكتابة، يريد أنهم يسعون
بأداء الكتابة؛ لأن ذلك مقتضى عقد الكتابة، كما لو مات عن غير مال، فأدوا،
من أموالهم لعتقوا بالأداء، فإذا عتقوا بما أدوا عن أنفسهم من مال أبيهم ورثوا
باقيه، هذا قول مالك، وقال أبو حنيفة: يرثه ورثته الأحرار، وهو قول علي بن
أبي طالب، وابن مسعود، ومعاوية بن أبي سفيان، وطاووس، والنخعي،
والشعبي، والحسن، وابن سیرین.
وقال ابن عمر: جميع ما ترك للسيد، ونحوه روي عن عمر وزيد بن
ثابت، وهذا حكم الولد، وأما غير الولد فقد ذكر الشيخ أبو القاسم في ذلك
روايتين، إحداهما: أنه لا يرثه إلا ولده المكاتبون معه، والثانية: يرثه ولده
وسائر ذریاته، اهـ.
ثم قال: هذا فيمن كان معه في الكتابة أو ولد في الكتابة، أما من لم
يكن معه في الكتابة، فإنه لا يرث من هذا المال شيئاً، سواء كان حراً أو
عبداً، ولداً كان أو غيره، وقال الزهري: إن ولده الذين في الكتابة، وولده
الأحرار جميعاً يرثون المال على فرائضهم، وتقدم قول أبي حنيفة: يرثه ورثته
الأحرار، اهـ.
وقال الخرقي: إذا أدى بعض كتابته ومات، وفي يده وفاء وفضل فهو
لسيده في إحدى الروايتين، والأخرى لسيده بقية كتابته، والباقي لورثته.
قال الموفق(١): يحتمل أن هذه المسألة مبنية على مسألة أخرى، وهي أنه
(١) («المغني)) (٤٦٥/١٤).
٤٣

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٣) حديث
إذا ملك ما يؤدي، فالصحيح أنه لا يعتق حتى يؤدي، روي ذلك عن عمر،
وابنه، وزيد بن ثابت، فإنهم قالوا: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وهو قول
أكثر أهل العلم، وعن أحمد رواية أخرى، أنه إذا ملك ما يؤدي عتق، لرواية
أم سلمة أن النبي وَ﴿ قال: ((إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان عنده ما يؤدي
فلتحتجب منه))(١) رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن
صحيح.
فأمرهن بالحجاب بمجرد ملكه لما يؤديه، فعلى هذه الرواية يصير حراً
بملك الوفاء. فمتى امتنع منه أجبره الحاكم عليه، وإن هلك ما في يده قبل
الأداء صار ديناً في ذمته، وقد صار حراً.
ووجه الرواية الأولى ما رُوي مرفوعاً: ((المكاتب عبد ما بقي عليه
درهم)) (٢) وما في معناه، وعلى هذه الرواية إذا أدّى عتق وإن لم يؤد لم يعتق،
فإن امتنع من الأداء، فقال أبو بكر: يؤديه الإمام منه، ولا يكون ذلك عجزاً،
ولا يملك السيد الفسخ، وهو قول أبي حنيفة، ويحتمل كلام الخرقي أنه إذا لم
يؤد عَجَّزَه السيدُ إن أحبّ، ونحوه قال الشافعي، فإنه قال: إن شاء عَجَّزَ نَفسَه،
وامتنع من الأداء، ثم قال: فإن مات وفي يده وفاء وفضل، فإذا قلنا: إنه لا
يعتق بملك ما يؤدي، فقد مات رقيقاً، فانفسخت الكتابة بموته، وكان ما في
يده لسيده، وإن قلنا: إنه عتق بملك ما يؤدي فقد مات حراً، وعليه لسيده بقية
كتابته؛ لأنه دين له عليه، والباقي لورثته، قال القاضي: الأصح أنه تنفسخ
الكتابة بموته، ويموت عبداً، وما في يده لسيده، رواه الأثرم بإسناده عن عمر
وزيد والزهري، وبه قال إبراهيم وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشافعي، لما
ذكرنا في التي قبلها .
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٨)، والترمذي (١٢٦١)، وابن ماجه (٢٥٢٠).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦).
٤٤

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٣) حديث
والرواية الثانية: يموت حراً ولسيده بقية كتابته، وما فضل لورثته، روي
ذلك عن علي، وابن مسعود، ومعاوية، وبه قال عطاء والحسن وطاووس
وشريح والنخعي والثوري والحسن بن صالح، ومالك وإِسحاق وأصحاب
الرأي، إلا أن أبا حنيفة قال: يكون حراً، في آخر جزء من حياته، وهو قول
القاضي، ووجه هذه الرواية حديث أم سلمة المذكور، ولأنه مالك لوفاء مال
الكتابة أشبه ما لو أدّاه، ولأنها معاوضة لا تنفسخ بموته أحد المتعاقدين
كالبيع .
وإذا مات ولم يخلف وفاء، فلا خلاف في المذهب أن الكتابة تنفسخ
بموته ويموت عبداً، وما في يده لسيده، وهو قول أهل الفتوى من أئمة
الأمصار، إلا أن يموت بعد أداء ثلاثة أرباع الكتابة عند أبي بكر والقاضي،
ومن وافقهما، فإنه يموت حراً في مقتضى قولهم، وقال مالك: إن كان له ولد
حُرٌّ انفسخت الكتابة، وإن كان له مملوك في كتابته أجبر على دفع المال كله إن
كان له مال، وإن لم يكن له مال أجبر على الاكتساب والأداء، اهـ.
وقال ابن رشد(١) في سبب اختلافهم، فيمن يرث المكاتب: اختلافهم في
ماذا يموت عليه المكاتب؟ فعند مالك يموت مكاتباً، وعند أبي حنيفة يموت
حراً، وعند الشافعي يموت عبداً، قال: فجعل مالك موته على حالة متوسطة
بين العبودية والحرية، وهي الكتابة، فمن حيث لم يورث أولاده الأحرار منه
جعل له حكم العبيد، ومن حيث لم يورث سيده ماله حكم له بحكم
الأحرار، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): إن مات المكاتب وله مال لم ينفسخ الكتابة، وقضى
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٢/٢).
(٢) (٢٦٤/٢).
٤٥

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٣) حديث
عليه من ماله، وحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وما بقي فهو ميراث
لورثته، ويعتق أولاده - المولودون أو المشترون في حال الكتابة - وهذا قول
علي وابن مسعود، وقال الشافعي: تبطل الكتابة، ويموت عبداً، وما ترك
لمولاه، وإمامه في ذلك زيد بن ثابت.
ولنا، أنه عقد معاوضة لا يبطل بموت أحد المتعاقدين، وإن لم يترك
وفاء وترك ولداً مولوداً في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه، فإذا أدى
حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعتق الولد؛ لأن الولد داخل في كتابته، وكسبه
ككسبه، فيخلفه في الأداء، وصار كما إذا ترك وفاء. وإن ترك ولداً مشترى
في الكتابة، قيل له: إما أن تؤدي بدل الكتابة حالةً أو تُرَدَّ رقيقاً عند
أبي حنيفة.
وأما عندهما يؤديه إلى أجله اعتباراً بالولد المولود في الكتابة، والجامع
أنه مكاتب عليه تبعاً، ولأبي حنيفة وهو الفرق بين الفصلين، - أي المولود في
الكتابة والمشترى - أن الأجل يثبت شرطاً في العقد، فيثبت في حق من دخل
تحت العقد، والمشترى لم يدخل؛ لأنه لم يضف إليه العقد، ولا سرى حكمه
إليه لانفصاله، بخلاف المولود في الكتابة؛ لأنه متصل وقت الكتابة، فسرى
الحكم إليه، وحيث دخل في حكمه سعى في نجومه، اهـ.
وعُلِمَ من ذلك أن المكاتب إذا ترك وفاء لا ينفسخ الكتابة عندنا، والإمام
مالك، بل يكون حراً بعد انقضاء ما عليه، وليس هذا مبنياً على أن المكاتب
يعتق بملك الوفاء، كما بناه عليه الموفق، بل مبني على أن العقود لا تنفسخ
بموت أحد المتعاقدين. وتنفسخ الكتابة عند الشافعي - رحمه الله - مطلقاً،
وعند أحمد إن لم يترك وفاء، فكذلك قولاً واحداً، وإن ترك وفاء، فله قولان،
الأصح منهما أنه مع الشافعي - رحمه الله -، وسيأتي شيء من الكلام على
ذلك في أول ميراث المكاتب.
٤٦

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
٣/١٢٧٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ الْمَكِّيِّ؛ أَنَّ
مُكَاتَباً كَانَ لِابْنِ الْمُتَوَكِّلِ. هَلَكَ بِمَكَّةَ. وَتَرَكَ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنْ كِتَابَتِهِ.
ودُيُوناً لِلنَّاسِ. وَتَرَكَ ابْنَتَهُ. فَأَشْكَلَ عَلَى عَامِلِ مَكَّةَ الْقَضَاءُ فِيهِ.
فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمِلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذُلِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ
عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَان: أَنِ اَبْدَأُ بِدُيُونِ النَّاسِ. ثُمَّ اقْضِ مَا بَقِيَ مِنْ
كِتَابَتِهِ. ثُمَّ اقْسِمْ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ بَيْنَ ابْنَتِهِ وَمَوْلَاهُ.
٣/١٢٧٤ - (مالك عن حميد بن قيس المكي) الأعرج القاري (أن مكاتباً)
اسمه عباد كما يأتي في رواية عبد الرزاق، وبه جزم الزرقاني(١) (كان لابن
المتوكل) هكذا في رواية محمد في ((موطئه))(٢)، وفي رواية عبد الرزاق الآتية
مولى المتوكل ولا ضير في ذلك (هلك بمكة) مكاتباً (وترك عليه بقية من كتابته
وترك ديوناً للناس) عليه ومالاً كثيراً (وترك ابنة) حرة (فأشكل على عامل مكة)
أي أميرها (القضاء فيه) لعدم علمه بحكمه (فكتب إلى عبد الملك بن مروان)
الخليفة إذ ذاك (يسأله عن ذلك) أي عن القضاء فيه (فكتب إليه عبد الملك بن
مروان أن ابدأ بديون الناس) أي اقضها لهم أولاً .
(ثم اقض) بصيغة الأمر من القضاء في النسخ الهندية، وأكثر المصرية،
وهو الأوجه مما في بعض النسخ المصرية من لفظ ((اقبض)) من القبض، قال
الزرقاني في ((شرحه)): ثم اقبض أي لسيده، وعلى النسختين هو خطاب
لابن المتوكل (ما بقي من كتابته) أداء لمال الكتابة (ثم اقسم ما بقي من ماله بين
ابنته ومولاه) أي معتقه الذي كاتبه، وهو ابن المتوكل، فأقسمه بينهما على
التنصيف .
قال محمد في ((موطئه))(٣) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ، وهو قول
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٢/٤).
(٢) (ص٣٦).
(٣) («موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٥٦/٣).
٤٧

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، أنه إذا مات بُدئ بديون الناس، ثم بمكاتبته، ثم
ما بقي كان ميراثاً لورثته الأحرار مَنْ كانوا، اهـ.
وفي ((البدائع)) (١): لو مات المكاتب وترك مالاً وأولاداً أحراراً بأن ولدوا
من امرأة حرّة يؤدى بدل كتابته، وما فضل يكون ميراثاً بين أولاده الأحرار؛
لأن المكاتب يعتق في آخر جزء من حياته، وكذلك أولاده الذين ولدوا في
الكتابة؛ لأنهم صاروا مكاتبين تبعاً له، فإذا عتق هو في آخر حياته، يعتقون هم
أيضاً تبعاً له، فإذا مات هو فقد مات حراً وهم أحرار فيرثونه، وكذلك أولاده
الذين اشتراهم في الكتابة وكذا ولده الذي كوتب معه كتابة واحدة، أما ولده
الذي كاتبه كتابة على حدة لا يرثه؛ لأنه لا يعتق بعتقه، فيموت حراً، وولده
مكاتب، والمكاتب لا يرث الحر، اهـ.
وقال الباجي(٢): وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث عن ابن جريج
سمعتُ ابن أبي مليكة عبد الله يذكر أن عباداً مولى المتوكل مات مكاتباً، فقد
قضى النصف من كتابته، وترك مالاً كثيراً وابنة له حرة، كانت أمها حرة،
فكتب عبد الملك أن يقضي ما بقي من كتابته وما بقي من ماله بين ابنته
ومواليه، قال لي عمرو: ما أراه إلا لابنته، اهـ.
وقال أبو عمر: قضى بذلك معاوية قبله، ذكر معمر عن قتادة عن معبد
الجهني قال: سألني عبد الملك عن المكاتب يموت، وله وُلْد أحرار، فقلت:
قضى عمر - رضي الله عنه - أن ماله كله لسيده، وقضى معاوية أن سيده يعطى
بقية كتابته، ثم ما بقي لؤُلْده الأحرار، ومالك لا يقول بهذا؛ لأنه جاء من
وجوه، أن ابنته كانت حرة، أمها حرة، والمكاتب لا يرثه وارثه الحر إذا مات
(١) (بدائع الصنائع)) (٦٢٩/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٥/٧).
٤٨

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قبل العتق، وإنما يرثه من معه من ورثته في كتابته، وإلا فكله لسيده، كما قضى
به عمر - رضي الله عنه -، وقاله زيد بن ثابت، انتهى ملخصاً. قاله
الزرقاني(١).
وأخرج البيهقي (٢) بسنده إلى الشافعي أنبأ عبد الله بن الحارث عن
ابن جريج، قلت له يعني لعطاء: المكاتب يموت، وله ولد أحرار، ويدع أكثر
مما بقي عليه من كتابته؟ قال: يقضى عنه ما بقي من كتابته، وما كان من فضل
فلبنيه، فقلت: أبلغك هذا عن أحد؟ قال: زعموا أن علي بن أبي طالب كان
يقضي به، ثم أخرج بهذا السند إلى الشافعي أنبأ عبد الله بن الحارث عن
ابن جريج قال: أخبرني ابن طاووس عن أبيه أنه كان يقول: يقضى عنه ما
عليه، ثم لبنيه ما بقي، وقال عمرو بن دينار: ما أراه لبنيه، قال الشافعي -
رحمه الله -: يعني أنه لسيده، وبقول عمرو بن دينار هذا نقول، وهو قول زيد بن
ثابت .
قال ابن التركماني: ما ذكره عطاء أولاً عن علي روي عنه من وجه آخر
نحوه، ذكره ابن أبي شيبة بلفظ: بعث عليٍّ محمد بن أبي بكر على مصر،
فكتب إليه يسأله عن مكاتب مات، وترك مالاً وولداً، فكتب إليه إن ترك وفاء
لمكاتبته، يُدْعَى مواليه فيستوفون، وما بقي كان ميراثاً لولده، ورواه عبد الرزاق
في ((مصنفه)) عن الثوري، وإسرائيل عن سماك مثله، قال الخطابي: وهو قول
عطاء وطاووس والحسن.
وفي ((المحلى)) لابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري،
قال: إذا كان للمكاتب أولاد معه في كتابته وأولاده ليسوا معه في كتابته، فإنه
(١) (شرح الزرقاني)) (١٠٢/٤).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٣١/١٠).
٤٩

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ أَنْ يُكَاتِبَهُ
إِذَا سَأَلَهُ ذُلِكَ.
يؤدي ما بقي من كتابته، ثم يقسم ولده جميعاً ما بقي من ماله على فرائضهم،
وقال: وبه يقول معبد، والحسن البصري، وابن سيرين، والنخعي، والشعبي،
وعمرو بن دينار، والثوري، وأبو حنيفة، والحسن بن حي، وإسحاق بن
راهویه، اهـ.
وهو خلاف ما ذكره البيهقي عن عمرو بن دينار، ثم ذكر ابن التركماني
حديث ((الموطأ)) المذكور، ثم قال: وقال ابن جريج: قال لي عمرو بن دينار:
ما أراه كله إلا لابنته، قال: ذهب في ذلك إلى الرد على الابنة؛ لأن الموالي
لا يرثون مع البنين والبنات، ولا أحد من أهل العصبات عند أهل الرد، وهذا
أيضاً خلاف ما ذكره البيهقي عن عمرو بن دينار . .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة عن معبد الجهني قال: سألني عبد الملك بن
مروان عن المكاتب يموت، وله ولد أحرار، وله مال أكثر مما بقي، فقلت:
قضى فيها عمر بن الخطاب ومعاوية بقضائين، وقضاء معاوية فيها أحبُّ إليّ من
قضاء عمر - رضي الله عنه -، قال: ولِمَ؟ قلت: لأن داود كان خيراً من
سليمان، ففهمها سليمان، قضى عمر - رضي الله عنه - أن ماله كله لسيده،
وقضى معاوية أن سيده يعطى بقية كتابته، ثم ما بقي فهو لولده الأحرار، اهـ.
وعُلِمَ مما سبق أن في قصة مكاتب ابن المتوكل انفسخت الكتابة عند
الشافعي، وهو إحدى الروايتين لأحمد لموته قبل الأداء، فالمال كله للسيد،
وهو قول عمر وزيد بن ثابت، وكذا انفسخت الكتابة عند مالك - رضي الله
عنه _؛ لأن ابنته كانت حرة لم تدخل معه في الكتابة، فالمال للسيد، كما تقدم
عن الزرقاني عن ابن عبد البر، ولم تنفسخ عند الحنفية، وهو الرواية الثانية
لأحمد، لكن المال للبنت بالرد لا للمولى نصفه.
(قال مالك: الأمر عندنا أنه ليس) يجب (على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك)
٥٠
ے

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَداً مِنْ الْأَئِمَّةِ أكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ ....
بل هو مستحب له، قال الدردير(١): ندب مكاتبة أهل التبرُّع إن طلب الرقيق
ذلك، وإلا لم تندب، قال الدسوقي: أي ندب لمن هو أهل للتبرع بكل ماله أو
بعضه أن يكاتب عبده، فالأول: هو الرشيد غير الزوجة والمريض، والثاني:
الزوجة والمريض، اهـ. (ولم أسمع أن أحداً من الأئمة أكره رجلاً) أي أجبره
(على أن يكاتب عبده إذا سأله) أي سأل العبد مولاه (ذلك) أي الكتابة.
وقد أخرج البخاري تعليقاً، قال روح عن ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب
عليّ إذا علمت له مالاً أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجباً، وقال عمرو بن دينار:
قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا، ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن
سيرين سأل أنساً المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر - رضي الله
عنه - فقال: كاتبه فأبى، فضربه بالدرة، ويتلو عمر ﴿فَكَلِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِهِمْ خَيْرًا﴾(٢)
وجزم الحافظان(٣) ابن حجر والعيني أن قوله: ((وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء))
تحريف من الناسخ في نسخة الفربري، والصواب ما في نسخة أخرى، ((وقاله
عمرو بن دينار))، والضمير يعود إلى القول بوجوبها، وقائل ذلك ابن جريج وهو
فاعل ((قلت لعطاء))، والحاصل أن ابن جريج نقل عن عطاء التردد في الوجوب،
وعن عمرو بن دينار الجزم بذلك، أو موافقة عطاء.
وبسط الحافظ في تخريج هذه الآثار، وقال: استدل بفعل عمر - رضي الله
عنه - على أنه كان يرى بوجوب الكتابة إذا سألها العبد؛ لأن عمر - رضي الله
عنه - لما ضرب أنساً على الامتناع دلّ على ذلك، وليس بلازم، لاحتمال أنه
أدَّبَه على ترك المندوب المؤكد.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٨٨/٤).
(٢) سورة النور: الآية ٣٣.
(٣) انظر: ((فتح الباري)) (١٨٦/٥) و((عمدة القاري)) (٣٦٨/٩).
٥١

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
وكذلك ما رواه عبد الرزاق أن عثمان قال لمن سأله المكاتبة: لولا آية من
كتاب الله ما فعلت، فلا يدل أيضاً على أنه كان يرى الوجوب، ونقل ابن حزم
القول بوجوبها عن مسروق، والضحاك، زاد القرطبي: وعكرمة. وعن إسحاق بن
راهويه أن مكاتبته واجبة إذا طلبها، ولكن لا يجبر الحاكم السيد على ذلك.
وللشافعي قول بالوجوب. وبه قال الظاهرية، واختاره ابن جرير الطبري،
ومحل الوجوب عند من قال به، إن كان العبد قادراً على ذلك، ورضي السيد
بالقدر الذي تقع به المكاتبة، اهـ.
وقال الموفق(١): إذا سأل العبد سيده المكاتبة استحب له إجابته، إذا علم
فيه خيراً، ولم يجب ذلك في ظاهر المذهب، وهو قول عامة أهل العلم، منهم
الحسن، والشعبي، ومالك، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، وعن
أحمد أنها واجبة إذا دعا العبد المكتسب الصدوق سيده إليها، فعليه إجابته،
وهو قول عطاء، والضحاك، وعمرو بن دينار، وداود، وقال إسحاق: أخشى
أن يأثم إن لم يفعل، ولا يجبر عليه.
ووجه ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَلِبُوهُمْ﴾ الآية، وظاهر الأمر الوجوب،
وحديث عمر - رضي الله عنه - المذكور إذ رفع الدرة على أنس، وقرأ الآية.
ولنا، أنه إعتاق بعوض، فلم يجب كالاستسعاء، والآية محمولة على الندب،
وقول عمر - رضي الله عنه - يخالف فعل أنس، ولا خلاف بينهم في أن من لا
خير فيه لا تجب إجابته، اهـ.
وقال الحافظ(٢): قال ابن القصّار: إنما علا عمر - رضي الله عنه - أنساً
(١) («المغني)) (٤٤٢/١٤).
(٢) ((فتح الباري)) (١٨٦/٥).
٥٢

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حدیث
بالدرة على وجه النصح لأنس، ولو كانت الكتابة لازمة ما أبى أنس، وإنما
ندبه عمر - رضي الله عنه - إلى الأفضل، وقال القرطبي: لما ثبت أن رقبة العبد
وكسبه ملك لسيده، دلّ على أن الأمر بكتابته غير واجب؛ لأن قوله: ((خذ
كسبي، وأعتِقْنِي)) يصير بمنزلة قوله: ((أعتقني بلا شيء)) وذلك غير واجب
اتفاقاً، وقال أبو سعيد الإصطخري: القرينة الصارفة للأمر في هذا عن الوجوب
الشرط في قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فإنه وكل الاجتهاد في ذلك إلى
المولى، ومقتضاه أنه إذا رأى عدمه لم يجبر عليه، فدل على أنه غير واجب،
واختلف في الخير المراد في الآية.
قال الموفق(١): قال أحمد: الخير صدق وصلاح ووفاء بمال الكتابة،
ونحو هذا قال إبراهيم وعمرو بن دينار وغيرهما، وعبارتهم في ذلك مختلفة،
قال ابن عباس: غنى وإعطاء للمال، وقال مجاهد: غنى وأداء، وقال النخعي:
صدق ووفاء، وقال عمرو بن دينار: مال وصلاح، وقال الشافعي: قوة على
الكسب وأمانة، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): المراد بالخير على ما قيل: أن لا يضر بالمسلمين بعد
العتق، فإن كان يضرُّ بهم، فالأفضل أن لا يُكاتبه، وإن كان يصح لو فعله،
اهـ. وبه جزم صاحب ((الدر المختار))(٣).
قال الموفق(٤): وهل تكره كتابة من لا كسب له، أو لا؟ قال القاضي:
ظاهر كلام أحمد كراهته وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يكرهه، وهو قول
(١) ((المغني)) (١٤/ ٤٤٣).
(٢) (٢٥٠/٢).
(٣) انظر: (٣٨٨/٣).
(٤) ((المغني)) (٤٤٣/١٤).
٥٣

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَكَلِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾.
مسروق والأوزاعي، وعن أحمد رواية أخرى أنه لا يكره، ولم يكرهه
الشافعي، وإسحاق وابن المنذر، وطائفة من أهل العلم. اهـ.
قال الباجي(١): وقول مالك: لم أسمع أن أحداً من الأئمة إلخ، يريد أنه
لم يكن ذلك في السلف وما رُوي عن عمر - رضي الله عنه -، فليس فيه دلیل
على اللزوم والجبر، وإنما ضربه بالدرة لما ندبه إلى الخير، وإلى ما رآه صلاحاً
له في دينه ودنياه، وليس هذا الذي أراد مالك أنه لم يبلغه فيه إكراه أحد،
فمالك أعلم الناس بأحكام عمر - رضي الله عنه - من أئمة أهل المدينة،
وحسبك أن عطاء الذي انفرد بهذا القول، قال مثل قول مالك: إنه لم يبلغه
ذلك عن أحد، اهـ.
(وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئل) ببناء المجهول (عن ذلك) أي عن
الكتابة عند سؤال العبد (فقيل له) أي لبعض أهل العلم تكميلاً للسؤال (إن الله
تبارك وتعالى يقول في كتابه:) ﴿وَلَّذِينَ يَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ (فَكَاِبُهُمْ
إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾) اختلف في المراد بالخير كما تقدم قريباً، قال ابن عبد البر:
دل حديث بريرة على أنه الكسب.
قال الباجي(٢): أما من لا حرفة له من العبيد، فقد أجاز مالك كتابته،
قال ابن القاسم: ولو كان يسأل الناس جازت كتابته، وروي منع ذلك عن عمر
وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال بعض البغداديين من أصحابنا، وروي عن
علي إباحته. وبه قال الحسن البصري، اهـ.
فمنشأ السائل بتلاوة هذه الآية في السؤال أن ظاهر الآية الوجوب لورود
(١) ((المنتقى)) (٥/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٧/٧).
٥٤

٣١ - كتاب المكاتب
(١٢٧٤) حدیث
يَتْلُو هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿وَإِذَا حَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ﴾. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ
ج
(١) باب
فَأَنْتَشِرُواْ فِ اَلْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذُلِكَ أَمْرٌ أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ لِلِنَّاسِ.
وَلَيْس بواجب عَلَيْهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن ◌َالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾: إِنَّ ذُلِكَ أَنْ يُكَاتِبَ
الرَّجُلُ غُلَامَهُ. ثُمَّ يَضَعُ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ شَيْئاً مُسَمَّى.
قَالَ مَالِكٌ: فَهذَا الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم
الأمر بذلك، فأجاب بعض أهل العلم بتلاوة الآيتين الآتيتين إشارة إلى أن كل
أمر لا يكون للوجوب (يتلو) جزاء لقوله: إذا سئل أي يتلو بعض أهل العلم في
الجواب (هاتين الآيتين) فإن الوارد في كلتيهما صيغة الأمر، وليست للوجوب،
ج
إحداهما: (﴿وَإِذَا حَلُْ) من الإحرام (فَأَصْطَادُواْ﴾) والصيد بعد الإحلال لا يجب
إجماعا، فهو أمر إباحة، والثانية: (﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ) صلاة الجمعة
(فَأَنتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾) والانتشار والابتغاء لا يجبان بعد
انقضاء الجمعة، فهو أيضاً أمر الإباحة.
(قال مالك:) فكذلك الأمر في آية الكتابة (وإنما ذلك) أي أمر الكتابة
(أمر أذن الله فيه للناس وليس عليهم بواجب) وتقدم اختلاف العلماء في ذلك.
(قال مالك: وسمعت بعض أهل العلم يقول في قول الله تبارك وتعالى:
﴿وَءَاتُوُهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾) أمر الله عز وجل في هذه الآية للموالي
أن يعطوا شيئاً من أموالهم للمكاتبين، واختلفوا في أن الأمر للوجوب أو
الندب كما سيأتي قريباً (إن ذلك) أي تفسير الإيتاء المذكور (أن يكاتب الرجل
غلامه ثم يضع) أي ينقص (عنه من آخر كتابته شيئاً مسمّى) وهو الجزء الأخير،
واختلف في مقداره أيضاً.
(قال مالك: فهذا أحسن ما سمعت من أهل العلم) في تفسير الإيتاء
٥٥
!

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
. (١٢٧٤) حديث
وَأَدْرَكْتُ عَمَلَ النَّاسِ عَلَى ذُلِكَ عِنْدَنَا .
المذكور وسياق النسخ المصرية، فهذا الذي سمعت من أهل العلم (وأدركت
عمل الناس على ذلك عندنا) بالمدينة المنورة.
قال الباجي (١): قال ابن الجهم: أكثر الصحابة يأمرون بذلك من غير
قضاء ولا جبر، ولو كانت واجبة لكانت محدودة، وروى الشيخ أبو القاسم عن
مالك أن الإيتاء مندوب إليه، وليس بفرض، وروي ذلك عن عثمان - رضي الله
عنه -، وروي نحوه عن علي، قال عيسى بن دينار: لا ينبغي لأحد أن يدع
الوضع، وقد رغّب الله تعالى فيه، وحضَّ عليه، فمن أبى أن يضع شيئاً، فذلك
له، وقد ترك الفضل.
وروي عن بريدة بن حصين(٢) الأسلمي أنه قال في ذلك: حضّ الله
الناس أجمعين على أن يعينوه، وروي عن عمر - رضي الله عنه - وغيره أن
معنى ذلك أن يعطيه سيده من الزكاة عند عقد الكتابة، ورُوي عن زيد بن أسلم
أن معنى ذلك أن يعطيه الأمير من الزكاة، ولا يعطيه السيد شيئاً.
قال الباجي: والأظهر عندي والذي ذهب إليه مالك أن المخاطبة للسيد؛
لأنه الذي خوطب بالكتابة والمال الذي آتانا الله إنما يندب إلى أن يعطى منه
خيراً لا عطاء، وذلك هو ما تعلق بالكتابة، ويكون في آخر الكتابة؛ لأنه هو
وقت تمامها، وهو عند مالك على الندب، وقال الشافعي: هو على
الوجوب، اهـ.
وفي ((المحلى)): قول الأكثر أن في الآية أمراً للمولى أن يحُظُوا عن
مكاتبه عن مال كتابته شيئاً، وهو قول عثمان والزبير، وبه قال الشافعي، وفي
((المنهاج)): يلزم السيد أن يحط عنه جزءاً من المال، أو يدفعه إليه، والحظّ
أولى، وفي النجم الأخير أليق.
(١) ((المنتقى)) (٧/٧).
(٢) كذا في الأصل، وهو تحريف، والصواب: بريدة بن الحصيب الأسلمي.
٥٦

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
وفي ((الهداية)): ولا يجب حطّ الشيء في البدل اعتباراً بالبيع، وعن
الكلبي أن المراد بالإيتاء دفع الصدقة إليهم، رواه عن جماعة من الصحابة،
ورَجَّحَ بأن الإيتاء تمليك، والحظُ ليس بتمليك.
وفي ((المعالم)): قال قوم: أراد به سهمهم الذي جعل الله لهم في
الصدقات المفروضة؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِ الرِقَابِ﴾ وهو قول الحسن وزيد بن
أسلم، وقال إبراهيم: هو حث الجميع على مؤنتهم، اهـ.
وقال الموفق (١): الكلام في الإيتاء في خمسة فصول: في وجوبه،
وقدره، وجنسه، ووقت جوازه، ووقت وجوبه، أما الأول: فإنه يجب على
السيد إيتاء المكاتب شيئاً مما كُوتب عليه، رُوي ذلك عن علي - رضي الله عنه -
وبه قال الشافعي وإسحاق، وقال بريدة والحسن والنخعي والثوري ومالك
وأبو حنيفة: ليس بواجب؛ لأنه عقد معاوضة، فلا يجب فيه الإيتاء كسائر
العقود .
الثاني: قدره وهو الربع، ذكره الخرقي وأبو بكر وغيرهما من أصحابنا،
ورُوي ذلك عن علي، وقال قتادة: العشر، وقال الشافعي وابن المنذر: يجزئ
ما يقع عليه الاسم، وهو قول مالك إلا أنه عنده مستحب؛ لقول الله: ﴿مِّن مَّالِ
اَللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ ومن للتبعيض، والقليل بعضٌ، فيُكْتَفَى به، وقال ابن عباس:
ضَعُوا عنهم من مكاتبتهم شيئاً(٢)، ولأنه قد ثبت أن المكاتب لا يعتق حتى
يؤدي جميع الكتابة، بما ذكرنا من الأخبار.
ولو وجب إيتاؤه الربع لوجب أن يعتق إذا أدَّى ثلاثة أرباع الكتابة، ولا
يجب عليه أداء مال يجب ردّه إليه، ورُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه
(١) («المغني)) (٤٥٨/١٤).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٣٠/١٠).
٥٧

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
كاتب عبداً له على خمسة وثلاثين ألفاً، فأخذ منه ثلاثين، وترك له خمسة.
ولنا، ما روى أبو بكر بإسناده عن علي - رضي الله عنه - عن النبي وَل
في قوله: ﴿وَءَاثُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ ◌َتَنْكُمْ﴾(١) فقال: رُبْعُ الكتابة، وروي
موقوفاً عن علي - رضي الله عنه -.
الثالث: في جنسه، إن قَبض مال الكتابة، ثم أعطاه منه جاز؛ لأن الله
تعالى أمر بالإيتاء منه، وإن وضع عنه مما وجب عليه جاز؛ لأن الصحابة -
رضي الله عنهم - فَسَّرُوا الإيتاء بذلك، ولأنه أبلغ في النفع وأعون على حصول
العتق، فيكون أفضل من الإيتاء، وإن أعطاه من جنس مال الكتابة من غيره
جاز، ويحتمل أن لا يلزم المكاتب قبوله، وهو ظاهر كلام الشافعي؛ لأن الله
تعالى أمر بالإيتاء منه.
ولنا، أنه لا فرق في المعنى بينهما، وغير المنصوص إذا كان في معناه
ألحق به، وكذلك جاز الحظّ، وليس هو بإيتاء، وإن آتاه من غير جنسه مثل أن
يكاتبه على دراهم، فيعطيه دنانير أو عروضاً لم يلزمه قبوله؛ لأنه لم يؤته منه
ولا من جنسه، ويحتمل الجواز؛ لأن الرفق به يحصل به.
الرابع: في وقت جوازه، وهو من حين العقد، وكلما عَجَّلَه كان أفضل؛
لأنه يكون أنفع.
الخامس: في وقت وجوبه، وهو حين العتق، قال علي - رضي الله
عنه -: الكتابة على نجمين، والإيتاء من الثاني، فإن مات السيد قبل إيتائه، فهو
دَيْن في تركته؛ لأنه حق واجب، فهو كسائر ديونه، وإن ضاقت التركة عنه وعن
غيره من الديون تحاصوا في التركة بقدر حقوقهم، ويقدم ذلك على الوصايا؛
لأنه دین، اهـ.
(١) سورة النور: الآية ٣٣.
٥٨

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَاتَبَ غُلَاماً لَهُ
عَلَى خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَم. ثُمَّ وَضَعَ عَنْهُ مِنْ آخِرِ كِتَابَتِهِ خَمْسَةً
آلافِ دِرْهَمٍ .
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُكَاتَبَ إِذَا كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ تَبِعَهُ
مَالُهُ.
(قال مالك: وقد بلغني) قال الزرقاني(١): لعله من نافع أو ابن دينار،
قلت: أخرجه البيهقي (٢) بطرق عن نافع عن ابن عمر (أن عبد الله بن عمر)
- رضي الله عنهما - (كاتب غلامه) وفي النسخ المصرية ((غلاماً له)) وهو أوجه،
ويقال له شرفاً، كما في رواية البيهقي، وفي ((المدونة)): يقال له شرف (على
خمسة وثلاثين ألف درهم) فضة (ثم وضع) أي حظّ (عنه من آخر كتابته خمسة
آلاف درهم) قال صاحب ((المحلى)): وخمسة آلاف درهم سُبُع خمسة وثلاثين،
وبه أخذ بعض أصحاب الشافعي، فقدر الحظّ بالسُبع، وقدره قوم بالربع، كما
روي عن علي موقوفاً ومرفوعاً، وعن ابن عباس يحط عنه الثلث، والأصح عند
الشافعي أنه يكفي ما يقع عليه اسم المال، ويستحب الربع، كذا في ((المنهاج))
اهـ. قلت: والربع هو مذهب الحنابلة، كما تقدم قريباً في كلام الموفق.
(قال مالك: والأمر عندنا) المرجح عند علمائنا (أن المكاتب إذا كاتبه
سيّدُه تبعه مالُه) لأنه في معنى العتق، والعبد إذا أعتق يتبعه ماله، فالمكاتب
أولى؛ لأنه يحتاج إلى ماله للعتق بأداء مال الكتابة، والمسألة خلافيةٌ تقدمت
في أول ((مال العبد إذا أعتق)).
وقال الباجي(٣): قال الشيخ أبو القاسم: من كاتب عبداً وله مال تبعه
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٣/٤).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٣٠/١٠).
(٣) ((المنتقى)) (٨/٧).
٥٩

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
وَلَمْ يَتْبَعْهُ وَلَدُهُ. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُمْ فِي كِتَابَتِهِ.
ماله، وبه قال عطاء وعمرو بن دينار وغيرهما، ولا أعلم فيه خلافاً إلا ما روى
عبد الرزاق عن النخعي ((من كاتب عبداً أو باعه فماله للسيد»، والدليل لما عليه
الجماعة أن ما كان له من مال علمه السيد أو لم يعلمه، فإنه لا يكون للسيد
بعد عقد الكتابة انتزاعه.
وإنما انعقدت الكتابة أن يستعين المكاتب بما معه من المال على أداء
كتابته، وذلك أن ما يكتسبه حال كتابته لا حَقَّ للسيد فيه ولا له منعه، فلا
يجوز للسيد انتزاع ما ثبت في يده من ماله، وما أرى الرواية عن النخعي إلا
وهما، اهـ. كذا قال، وهو مشكل، بل أظنه وهما؟ لعله - رحمه الله - توهم
بماله الحادث بعد عقد الكتابة، وأما ماله عند العقد فالخلاف فيه وسيع، تقدم
في باب ((مال العبد إذا أعتق)).
وقال ابن رشد (١): واختلفوا في دخول ماله بمطلق العقد، فقال مالك:
يدخل ماله في الكتابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يدخل، وقال الأوزاعي:
يدخل بالشرط، اهـ.
(ولم يتبعه) أي المكاتب (ولده) في الكتابة؛ لأنه نفس مستقل مملوك
للسيد برأسه، وتقدم هذا أيضاً في ((باب مال العبد)) وأعاده المصنف لمناسبة
أحكام المكاتب (إلا أن يشترطهم) المكاتب (في كتابته) فيدخلون فيه بالشرط.
قال الباجي(٢): يريد بذلك من قد وجد من ولده ممن ولد له من أمته قبل
عقد الكتابة، وعلى هذا مالك والفقهاء، وذلك أن الولد إن كان للعبد من أمته
فهو رقيق لسيده، وليس برقيق له، فيتبعه كما يتبعه مالُه، وإنما حكمه حكم مال
السيد، فلا ينبغي أن يتبع العبد في عقد كتابته، ولا غيرها، إلا أن يشترطه
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٣/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٨/٧).
٦٠