النص المفهرس
صفحات 661-680
٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث وترجم البخاري في ((صحيحه)) على حديث بريرة ((بيع المكاتب إذا رضي))، قال الحافظ(١): هذا اختيار منه لأحد الأقوال في مسألة بيع المكاتب إذا رضي بذلك. ولو لم يعجز نفسه، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعي والليث وأبي ثور، وأحد قولي الشافعي ومالك، واختاره ابن جرير وابن المنذر وغيرهما على تفاصيل لهم في ذلك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في أصح القولين، وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها، وجعل الزرقاني هذا القول مشهوراً، فقال: ومنعه مالك في المشهور. وقال الموفق(٢): يجوز بيع المكاتب، وهو قول عطاء والنخعي والليث وابن المنذر، وهو قديم قولي الشافعي، وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى، أنه لا يجوز بيعه، وهو قول مالك وأصحاب الرأي والجديد من قولَي الشافعي، وقال الزهري وأبو الزناد: يجوز بيعه برضاه، ولا يجوز إذا لم يرض، وحُكِي ذلك عن أبي يوسف، قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبي ◌َّه وهي مكاتبة، ولم ينكر ذلك، ففيه أبينُ بيانٍ أن بيعه جائز، ولا أعلم خبراً يعارضه، ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلاً على عجزها، وتأوّله الشافعي على أنها كانت قد عجزت، وكان بيعها فسخاً لكتابتها، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): بيع المكاتب باطل ولو رضي بالبيع، ففيه روايتان؛ الأظهر الجواز، قال ابن عابدين: وتنفسخ الكتابة في ضمنه، لأن اللزوم كان لحقه، وقد رضي بإسقاطه، أما إذا باعه بغير رضاه فأجازه، لم يجز، رواية واحدة، لأن إجازته لم تتضمن فسخ الكتابة قبل العقد، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (١٩٤/٥). (٢) ((المغني)) (٥٣٥/١٤). (٣) (٤٣/٢). ٦٦١ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا. فَقَالَتْ ذُلِكَ لَهُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللَّهِ وَ هِ جَالِسٌ. فَقَالَتْ لِعَائِشَةَ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذُلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا عَلَيَّ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَسَمِعَ ذُلِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لهَ. فَسَأَلَهَا. فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: «خُذِیھَا (فذهبت) بسكون التاء (بريرة إلى أهلها) أي مواليها (فقالت لهم ذلك) الذي قالته عائشة - رضي الله عنها - (فأبوا عليها) أي امتنعوا الولاء لعائشة، وفي لفظ للبخاري: ((فأبوا إلا أن يكون لهم)) (فجاءت) بريرة (من عند أهلها) إلى عائشة - رضي الله عنها - (ورسول الله وَّ جالس)، في بيتها . (فقالت) بريرة (لعائشة: إني قد عرضت) بصيغة المتكلم (عليهم ذلك) الذي قلت لي (فأبوا عليّ) بتشديد التحتية (إلا أن يكون الولاء لهم) استثناء مفرغ، لأن في ((أبى)) معنى النفي، قال تعالى: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّ أَنْ يُتِزَ نُرَهُ﴾. قال الزمخشري: إن قلت: كيف جاز أبى الله إلا كذا؟ ولا يقال: كرهت أو، أبغضت إلا زيداً، قلت: أجرى أبى مجرى لم يُرِدْ، ألا ترى كيف قوبل ﴿يُرِدُونَ لِيُظْفِئُوْ نُورَ الهِ﴾ بقوله: ﴿وَيَأَبَ الله﴾، وأوقعه موقع لم يُرِدُ (فسمع ذلك) أي قول بريرة (رسول الله ( *، فسألها) أي عائشة، وفي لفظ البخاري فقال: ((ما شأن بريرة)) . (فأخبرته عائشة) - رضي الله عنها - بالقصة، ولمسلم وابن خزيمة واللفظ له، من طريق هشام، فجاءتني بريرة والنبي ◌ّ جالس، فقالت لي فيما بيني وبينها ما أراد أهلها، فقلت: لا هالله إذاً، ورفعت صوتي وانتهرتها، فسمع ذلك النبي ول# فسألني، فأخبرته (فقال رسول الله ويلشير: خذيها) أي اشتريها منهم، وفي لفظ للبخاري ((ابتاعي وأعتقي)). قال القاضي: هذا ما يدل على جواز بيع رقبة المكاتب، وإليه ذهب ٦٦٢ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ. النخعي ومالك وأحمد، وقالوا: يصح بيعه، ولكن لا تنفسخ الكتابة حتى لو أَذَّى النجوم إلى المشتري عتق، وولاؤه للبائع الذي كاتبه، وأوّل الشافعي الحديث بأنه جرى برضاها، وكان ذلك فسخاً للكتابة، ومنع أبو حنيفة والشافعي جوازه مع نجوم الكتابة، كذا في ((المرقاة))(١). قلت: ما قال: إن ولاءه للبائع مذهب مالك، وأما عند أحمد وغيره فولاؤه للمشتري. (واشترطي) بصيغة الأمر المؤنث من الاشتراط (لهم الولاء) قال الحافظ (٢): قال ابن عبد البر وغيره: كذا رواه أصحاب هشام عن عروة وأصحاب مالك عنه، واستشكل صدور الإذن منه ◌ّ في البيع على شرط فاسد . واختلف العلماء في ذلك فمنهم من أنكر الشرط في الحديث، فروى الخطابي في ((المعالم)) بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك، وعن الشافعي في (الأم)) الإشارة إلى تضعيف رواية هشام المصرحة بالاشتراط، لكونه انفرد بها دون أصحاب أبيه، وروايات غيره قابلة للتأويل. وقال غيره: إن هشاماً روى بالمعنى ما سمعه من أبيه، وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون، وقالوا: هشام ثقة، حافظ، والحديث متفق على صحته، فلا وجه لرده، قال ابن خزيمة: وكلام يحيى بن أكثم غلط. ثم اختلفوا في توجيه الحديث، فزعم الطحاوي أن المزني حدّثه به عن الشافعي بلفظ ((وأشرطي)) بهمزة قطع بغير تاء مثناة، ثم وجّهه بأن معناه أظهري لهم حكم الولاء، والإشراط الإظهار، وأنكر غيره هذه الرواية بأن الذي في ((المزني)) و((الأم)) وغيرهما عن الشافعي كرواية الجمهور بلفظ: (واشترطي)). (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٧/٦). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٠/٥). ٦٦٣ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث ثم حكى الطحاوي(١) أيضاً تأويل لفظ ((اشترطي لهم)) بأن اللام بمعنى على كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾، وهذا هو المشهور عن المزني، وجزم به عنه الخطابي، وهو صحيح عن الشافعي، أسنده البيهقي في ((المعرفة)) عنه. وقال ابن خزيمة: إن التأويل المنقول عن المزني لا يصح، وقال النووي(٢): إن تأويل اللام بمعنى على ههنا ضعيف، لأنه ◌َ ليل أنكر الاشتراط ولو كانت بمعنى على لم ينكره، وضَعَّفَه أيضاً ابن دقيق العيد، بأنه لا بد في حملها ذلك من قرينة، وقال آخرون: بأن الأمر في ((اشترطي)) للإباحة، وهو على جهة التنبيه على أن ذلك لا ينفعهم، فوجوده وعدمه سواء، وكأنه يقول: اشترطي أو لا تشترطي، فذلك لا يفيدهم، ويُقَوِّي هذا التأويل روايةُ البخاري في آخر أبواب المكاتب ((اشتريها ودعيهم يشترطون ما شاءوا)). وقيل: كان ◌َّ أعلم الناس بأن اشتراط البائع الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه أطلق الأمر مريداً به التهديد، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُو وَرَسُولُهُ﴾ أي فليس بنافعكم. فكأنه يقول: اشترطي لهم فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم، ويؤيده قوله حين خطبهم: ما بال رجال يشترطون شروطاً إلخ، فوبّخهم بهذا القول مشيراً إلى أنه قد تقدم منه بيان حكم الله بإبطاله، إذ لو لم يتقدم بيان ذلك لبدأ ببيان الحكم في الخطبة، لا بتوبيخ الفاعل. وقيل: الأمر فيه بمعنى الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النهي، كقوله تعالى: ﴿أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾ وقال الشافعي في ((الأم): لما كان من اشترط خلاف ما قضى الله ورسوله عاصياً، وكان من أدب العاصين أن يعطل عليهم شروطهم (١) ((شرح معاني الآثار)) (٢٢١/٢). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤٠/١٠/٥). ٦٦٤ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث ليرتدعوا عن ذلك، ويرتدع به غيرهم، كان ذلك من أيسر الأدب، وقال غيره: معنى ((اشترطي)) اتركي مخالفتهم فيما شرطوه، ولا تظهري نزاعهم فيما طلبوه مراعاة لتنجيز العتق لتشوف الشرع إليه . وقد يُعَبَّر عن الترك بالفعل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُم بِضَآرِينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١) أي بتركهم يفعلون ذلك، وليس المراد بالإذن إباحة الإضرار بالسحر، قال ابن دقيق العيد: وهذا وإن كان محتملاً أنه خارج عن الحقيقة من غير دلالة على المجاز من حيث السياق. وقال النووي: أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة - رضي الله عنها - في هذه القضية، وأن سببه المبالغة في الرجوع عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصاً بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، ويستفاد منه ارتكاب أخفٍّ الضررين إذا استلزم إزالة أشدهما . وتُعُقبَ بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل، وبأن الشافعي نص على خلاف هذه المقالة، وقال ابن الجوزي: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارناً للعقد، فيحمل على أنه كان سابقاً عليه، فالأمر بقوله: ((اشترطي)) مجرد وعدٍ، لا يجب الوفاء به، وتُعُقِّب باستبعاد أنه وَ لَه يأمر شخصاً أن يَعِدَ مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد. وأغرب ابن حزم فقال: كان الحكم ثابتاً بجواز اشتراط الولاء لغير المعتق، فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان جائزاً فيه، ثم نسخ بالخطبة، وبقوله وَل: ((إنما الولاء لمن أعتق))، ولا يخفى بعدما قال. وسياق (١) سورة البقرة: الآية ١٠٢. ٦٦٥ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ فِي النَّاسِ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ الحديث يدفع في وجه هذا الجواب(١). (فإنما الولاء) عبّر بإنما التي للحصر، لإثبات الحكم للمذكور، ونفيه عما عداه (لمن أعتق) وولي النعمة. (فَفَعَلَتْ عائشة) الشراء والعتق، قال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الولاء لما كان كلُحمة النسب، ولم ينتقل النسب ولو نسب إلى غيره، فكذلك إذا أعتق عبداً ثبت له ولاؤه، ولو أراد نقل ولائه إلى غيره لم ينتقل، فلم يعبأ باشتراطهم الولاء، بل هذا بمنزلة لغو الكلام، وأَخَّر إعلامهم، ليكون رده وإبطاله قولاً شهيراً يُخْطَبُ به على المنبر، وهو أبلغ في النكير، انتهى. وأجاد الشيخ في ((الكوكب))(٢) فقال: لما ثبت حرمة الشرط الواحد أمكن أن يستنبط من ههنا إفادة البيع الفاسد ملك المشتري، ونفاذ العتق عليه، وذلك لأن البيع حينئذ يكون فاسداً، لاشتراط ما ليس من مقتضيات العقد، ويعلم منه الفرق بين الفاسد، والباطل أيضاً، والجواب عن ارتكابه وَلّ له مع حرمته، ولوجوب فسخه أن من التصرفات ما يحرم على غيره، ويجب عليه وَ ل ﴿ لبيان الشرائع والأحكام، انتهى. (ثم قام رسول الله (وَل﴿) خطيباً (في الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أما بعد: فما بال) أي حال (رجال يشترطون شروطاً ليست) هذه الشروط (في كتاب الله) أي ليست في حكمه وقضائه من كتابه أو سنة رسوله، لأن الله تعالى لما أمر باتباعه جاز أن يقال لما حكم به: حكم الله وقضاؤه، وقد أخبر أن (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٩٢/٥). (٢) ((الكوكب الدري)) (٣٠٦/٢). ٦٦٦ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث مَا كَانَ مِنْ شَرْطِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطِ. قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ. وَشَرْطُ اللَّهِ الولاء لمن أعتق، ولا يعلم ذلك في نص الكتاب ولا دلالته، قاله ابن عبد البر، زاد ابن بطال: وإجماع الأمة. وقال القاري: أو المراد بالكتاب المكتوب أي في اللوح المحفوظ، وقيل: المراد به القرآن، ونظيره ما قال ابن مسعود في الواشمة: ((مالي لا ألعن من لعن رسول الله (ص 18 وهو في كتاب الله)) ثم استدل على كونه في كتاب الله بقوله: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ . (وما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل) جواب لما الموصولة المقتضية لمعنى الشرط، وقيل: ما شرطية، ومن زائدة (وإن كان مائة شرط) إن وصلية للمبالغة، ولا مفهوم للعدد، وقال النووي: معنى قوله: مائة شرط أنه لو شرط مائة مرة توكيداً فهو باطل. ويؤيده قوله في رواية أخرى: ((وإن شرط مائة مرة))، وإنما حمله على التأكيد؛ لأن العموم في قوله: ((كل شرط))، وفي قوله: ((من اشترط شرطاً)) دالٌ على بطلان جميع الشروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة، وقال القرطبي: قوله مائة شرط خرج مخرج الكثير، يعني أن الشروط الغير المشروعة باطلة، ولو كثرت، كذا في ((الفتح))(١). وقال المازري: الشروط ثلاثة: شرط: يقتضيه العقد، كالتسليم والتصرف، فلا خلاف في جوازه، ولزومه، وإن لم يشترط، وشرطٌ: لا يقتضيه بل هو مصلح له كرهن وحميل، فهو جائز، ولا يلزم إلا بشرط. وشرط: مناقض للعقد، فهذا اضطرب فيه العلماء، انتهى. (قضاء الله) أي حكمه (أحق) بالاتباع من الشروط المخالفة (وشرط الله) (١) ((فتح الباري)) (١٨٩/٥). ٦٦٧ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٣) حديث أوْثَقُ. وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٧٣ - باب إذا اشترط شروطاً في البيع لا تحل. ومسلم في: ٢٠ - كتاب العتق، ٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث ٨. أي قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَّلِيَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، قاله الداودي، وقال عياض: الظاهر عندي أنه قوله وَاليتين : ((إنما الولاء لمن أعتق))، وقوله: ((مولى القوم منهم))، وقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) (أوثق) بالعمل به، وأفعل فيهما ليس على بابه، إذ لا مشاركة بين الحق والباطل (وإنما الولاء لمن أعتق) ذكراً كان أو أنثى، واحداً كان أو جمعاً، قال الحافظ(١): يستفاد من كلمة ((إنما)) للحصر أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه وبينه محالفة. خلافاً للحنفية، ولا للملتقط خلافاً لإسحاق، وأيضاً إثبات الولاء لمن أعتق سائبة. خلافاً لمن قال: يصير ولاؤه للمسلمین، انتھی. وقال القاري (٢): اللام للعهد لا للجنس، فاندفع ما قيل من بطلان ولاء الموالاة بإرادة اللام للجنس، انتهى. وقال المازري: لا ولاء لملتقط اللقيط عند مالك والشافعي وأحمد خلافاً لإسحاق، انتهى. وقال الباجي(٣): قوله: ((إنما الولاء لمن أعتق))، قال سحنون: من أعتق عن نفسه، لأنهم أجمعوا أن في الوصية بعتق عن الميت الولاء للميت، وروى ابن سحنون عن أبيه من أعتق عبده عن غيره فولاؤه للغير، وإن كره. قال أبو محمد: سواء أعتق عنه بإذنه، أو بغير إذنه، قال أبو حنيفة والشافعي: الولاء للمعتق إذا أعتق عنه بغير إذنه. (١) ((فتح الباري)) (١٩٢/٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٨٨/٦). (٣) ((المنتقى)) (٣٨٠/٦). ٦٦٨ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٤) حديث ١٨/١٢٦٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ودليلنا، أن الولاء معنى يورث به على وجه التعصيب، فلا يفتقر حصوله لمن حصل له إلى إذنه كالنسب، ومن هذا الباب عندي من يعتق في الزكاة أن الولاء لجماعة المسلمين دون المعتق، لأنه لم يعتق عن نفسه، فقوله وليه : ((الولاء لمن أعتق)) محمول على عمومه إلا أنه خص منه المعتق عنه غيره، انتھی . قلت: وهذا على مسلك المالكية. وتقدم قريباً اختلاف العلماء في ذلك في العتق عن الميت، وبسط الحافظ وغيره في الفوائد المستنبطة من حديث بريرة. وقال: قال ابن بطال: أَكْثَرَ الناسُ في تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغّوها نحو مائة وجه، وقال النووي: صَنَّف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين، أكثرا فيهما من استنباط الفوائد، قال الحافظ (١): لم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير، ولخصت منها ما تيسر، وقد بلَّغ بعض المتأخرين الفوائد من حديثها إلى أربعمائة، أكثرها متكلف، كما وقع نظير ذلك للذي صنف في الكلام على حديث ((المجامع في رمضان))، فبلّغ به ألف فائدة وفائدة، انتھی. ١٨/١٢٦٤ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن عائشة أم المؤمنين)، هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك فجعله من مسند ابن عمر. قال الحافظ: وفي رواية مسلم عن يحيى النيسابوري عن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عائشة، فصار من مسند عائشة، وأشار ابن عبد البر إلى تفرده (١) (فتح الباري)) (١٩٤/٥). ٦٦٩ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٤) حديث أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تُعْتِقُهَا. فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ بَ لهِ فَقَالَ: ((لَا يَمْنَعَنَّكِ ذُلِكِ. عن مالك، وليس كذلك، فقد أخرجه أبو عوانة عن الشافعي عن مالك كذلك، وكذلك أخرجه البيهقي في ((المعرفة)) عنه، ويمكن أن يكون هنا ((عن)) لا يراد بها أداة الرواية، بل في السياق شيء محذوف، تقديره عن قصة عائشة في إرادة شراء بريرة . وقد وقع نظير ذلك في قصة بريرة، ففي النسائي(١) عن عروة عن بريرة أنها كان فيها ثلاث سنن، قال النسائي: هذا خطأ، والصواب رواية عروة عن عائشة، وإذا حمل على ما قررته لم يكن خطأ، بل المراد عن قصة بريرة، ولم يرد الرواية عنها نفسها، وقد قرَّرْتُ هذه المسألة بنظائرها فيما كتبته على ابن الصلاح، انتهى. قلت: وذكر الحافظ هذا التوجيه بمواضع في ((الفتح)). (أرادت أن تشتري جارية) أي بريرة (تعتقها) بالرفع صفة جارية، وفي رواية البخاري ((لتعتقها)) باللام، وفي أخرى ((فتعتقها)) بالفاء بدل اللام، فهو بالنصب من الإعتاق (فقال أهلها) أي مواليها (نبيعكها) بكسر الكاف خطاباً لعائشة، وضمير الغائب لبريرة (على أن ولاءها لنا فذكرت) عائشة - رضي الله عنها - (ذلك) أي مقالتهم (لرسول الله وَ ل38) بعدما سألها كما تقدم في الحديث الماضي (فقال: لا يمنعنك) بنون التأكيد الثقيلة، وفي رواية مسلم بدونها (ذلك) أي ما اشترطوا . قال الزرقاني(٢): ليس فيهما شيء من الإشكال الواقع في رواية هشام السابقة حتى قال الشافعي: لعل هشاماً أو عروة حين سمع أن النبي وَلّول قال: (١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٩٨). (٢) (شرح الزرقاني)) (٩٤/٤). ٦٧٠ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٥) حديث إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). أخرجه البخاريّ (عن ابن عمر) في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٧٣ - باب إذا اشترط شروطاً في البيع لا تحلّ. ومسلم في: ٢٠ - كتاب العتق، ٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث ٥ ١٩/١٢٦٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ لا يمنعنّك ذلك، رأى أنه أمرها أن تشترط لهم الولاء، فلم يقف من حفظه على ما وقف عليه ابن عمر، ورُدَّ بأن هشاماً ثقة، حافظ، حديثه متفق على صحته، فلا وجه لردّه، فوجب تأويله بما مر. (إنما الولاء لمن أعتق) قال الزرقاني: قيل: الذي اشترته عائشة كتابة بريرة لا رقبتها، وقد أجازه مالك، وقال: يؤدي إلى المشتري، فإن عجز رقّ له، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، ورأياه غرراً، لأنه لا يدري ما يحصل له النجوم أو الرقبة، واستبعده القرطبي أيضاً، انتهى. ١٩/١٢٦٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية المدنية (أن بريرة جاءت تستعين) أي تطلب الإعانة على ما كوتبت به (عائشة أم المؤمنين) هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية عبد الله بن يوسف عن مالك، قال الحافظ(١): صورة سياقه الإرسال، ولم يختلف الرواة عن مالك في ذلك، لكن رواه البخاري من طريق ابن عيينة عن يحيى عن عمرة عن عائشة، وفي رواية عن يحيى سمعت عمرة تقول: ((سمعت عائشة))، فظهر أنه موصول. (فقالت عائشة: إن أحبّ أهلك) بكسر الكاف أي ساداتك (أن أصبّ لهم (١) ((فتح الباري)) (١٩٥/٥). ٦٧١ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٥) حديث ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً، وَأُعْتِقَكِ، فَعَلْتُ. فَذَكَرتْ ذُلِكَ بَرِيرَةُ لِأَهْلِهَا. فَقَالُوا: لَا. إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا وَلَا ؤُكِ. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ هَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا. فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). رواه البخاريّ في: ٥٠ - كتاب المكاتب، ٤ - باب بيع المكاتب إذا رضى. ثمنك صبة واحدة) أي أدفعه عاجلاً مرة واحدة تشبيهاً له بصب الماء. (وأعتقك) بضم الهمزة منصوب عطفاً على أصب (فعلت) بضم التاء (فذكرت) بإسكان التاء (ذلك) الأمر (بريرةُ) فاعل ذكرت (لأهلها) مواليها (فقالوا: لا) نبيعك (إلا) بشرط (أن يكون لنا ولاؤك). (قال مالك: قال يحيى بن سعيد) المذكور: (فزعمت عمرة) أي قالت (أن عائشة) قال الحافظ: هو موصول بالإسناد المذكور (ذكرت ذلك لرسول الله وَ ل فقال رسول الله وَله: اشتريها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق) وترجم البخاري في (صحيحه)) على هذا الحديث ((باب بيع المكاتب إذا رضي)). قال الحافظ(١): هذا اختيار منه لأحد الأقوال في بيع المكاتب إذا رضي بذلك، ولو لم يعجز نفسه، وهو قول أحمد وربيعة والأوزاعي والليث وأبي ثور وأحد قولي الشافعي ومالك، واختاره ابن جرير وابن المنذر وغيرهما على تفاصيل لهم في ذلك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي في أصحّ قوليه وبعض المالكية، وأجابوا عن قصة بريرة بأنها عجزت نفسها . قال ابن عبد البر: ليس في شيء من طرق حديث بريرة أنها عجزت عن أداء النجم، ولا أخبرت بأنه قد حلّ عليها شيءٌ، لكن قال القرطبي: أشبه ما قيل: إنها عجزت، كما في رواية ابن شهاب عن عروة عن عائشة: ((فإن أحبوا (١) ((فتح الباري)) (١٩٤/٥). ٦٧٢ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٦) حديث ٢٠/١٢٦٦ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أن أقضي عنكِ كتابتك»؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به قاله الزرقاني(١)، قلت: وتقدم في أول حديث هذا الباب شيء من الكلام على بيع المكاتب. ٢٠/١٢٦٦ - (مالك عن عبد الله بن دينار) العدوي (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - قال ابن عبد البر (٢): هذا الحديث مما انفرد به عبد الله بن دينار، واحتاج الناس فيه إليه، وقد رواه الماجشون عن مالك عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - وهو خطأ، لم يتابع عليه، والصواب عن عبد الله بن دينار، ورواه محمد بن سليمان عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، عن عمر مرفوعاً، ولم يتابعه أحد، وجميع الأئمة رووه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، لم يذكروا عمر، انتهى. وقال الحافظ: اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، حتى قال مسلم لما أخرجه في ((صحيحه)): الناس في هذا الحديث عيال عليه، وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، وقال في ((علله)): ورب رجل من الأئمة يحدث بالحديث، لا يعرف إلا من حديثه، فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه، مثل ما روى عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعاً النهي عن بيع الولاء وهبته، لا يعرف إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه غير واحد من الأئمة، وروى يحيى بن سليم هذا الحديث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، فوهم فيه يحيى بن سليم، والصحيح عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. (١) (شرح الزرقاني)) (٩٥/٤). (٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٥٧٨). ٦٧٣ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٦) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهَ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. أخرجه البخاري في: ٤٩ - كتاب العتق، ١٠ - باب بيع الولاء وهبته. ومسلم في: ٢٠ - كتاب العتق، ٣ - باب النهي عن بيع الولاء وهبته، حديث ١٦. قال الحافظ(١): وصل رواية يحيى بن سليم ابنُ ماجه، ولم ينفرد به يحيى، فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الأموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) من طريقهما، لكن قرن كل منهما نافعاً بابن دينار، وأخرج ابن حبان في الثقات عن شعبة عن عبد الله بن دينار وعمر بن دينار جميعاً عن ابن عمر، وقال: عمرو بن دينار لا غريب، وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهاني بجميع طرقه عن ابن دينار، فأورده عن خمسة وثلاثين نفساً ممن حدّث به عن ابن دينار إلى آخر ما بسط الكلام فيه. وذكر أن غير واحد صَرّحُوا بسماع ابن دينار عن ابن عمر، وأخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي عن مالك عن ابن دينار عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سأل أباه عن شراء الولاء، فذكر الحديث، وهذا ظاهره أن ابن دينار لم يسمعه من ابن عمر، وليس كذلك، وروى غير واحد عن ابن عمر عن النبي ◌َّل، وزاد محمد بن سليمان الخراز في السند عن ابن عمر عن عمر - رضي الله عنهما - فوهم، أخرجه الدارقطني وضعفه، وبسط الحافظ الكلام في تخريج الحديث. (أن رسول الله بَّر نهى عن بيع الولاء) بفتح الواو ممدوداً إما أصله من الولي، وهو القرب، وإما من الإمارة، فالولاء بكسر الواو، وقيل: فيهما بالوجهين، ويطلق على معانٍ، والمراد هنا ولاء الإنعام بالعتق (وعن هبته) أي الولاء، وكانوا في الجاهلية ينقلونه بالبيع وغيره، فنهى عن ذلك. قال الباجي(٢): وأما انتقال الولاء بالمواريث والجد، فمن باب ميراث (١) ((فتح الباري)) (٤٣/١٢). (٢) ((المنتقى)) (٣٨١/٦). ٦٧٤ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٦) حديث الحقوق بسبب المعتق الموروث لا على أن الولاء ينتقل، وإنما هو باقٍ كالنسب، فمن باع ولاء معتقه، فقد قال الشيخ أبو إسحاق: يبطل بيعه، ويرد الثمن على المبتاع، ولو وهبه لم تمحض هبته، وكان الولاء له لا للموهوب له؛ لأن الولاء لا ينتقل كما لا ينتقل النسب، وقال ابن بطال: أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب، فإذا كان حكم الولاء حكم النسب، فلا ينتقل الولاء، وكانوا في الجاهلية ينقلونه بالبيع وغيره فنهى الشارع عن ذلك. وقال ابن عبد البر(١): اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روي عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس، وروى عبد الرزاق عن عطاء يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء، وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء وكذا عن ابن عباس. وقال الموفق(٢): لا يصح بيع الولاء ولا هبته ولا أن يأذن لمولاه، فيوالي من شاء، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - وبه قال ابن المسيب وطاووس وإياس بن معاوية والزهري ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه، وروي أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وكان مكاتباً، وروي أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولاؤهم اليوم لهم، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أذنت لمولاي أن يوالي من شاء فيجوز؟ قال: نعم، ولنا، أن النبي وَّل نهى عن بيع الولاء وهبته، وقال: ((الولاء لحمة كلحمة النسب)) وقال: ((لعن الله من تولى غير مواليه))، ولأنه معنى يورث به، (١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٥/١٢). (٢) («المغني)) (٢١٩/٩). ٦٧٥ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٦) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ يَبْتَاعُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ، عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ: إِنَّ ذُلِكَ لَا يَجُوزُ. وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، فلا ينتقل كالقرابة، وفعل هؤلاء شاذٌّ يخالف قول الجمهور، وترده السنة فلا يُعَوَّلُ علیه، انتهى. وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن ابن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب))، قال الأبي(١): هذا منه وَل﴾ تعريف لحقيقة الولاء شرعاً، ولا تجد تعريفاً أتم منه، والمعنى أن بين المعتق والعتيق نسبة تشبه نسبة النسب، وليست به، ووجه الشبه أن العبد لما فيه من الرقّ كالمعدوم في نفسه، والمعتق صَيَّره موجوداً كما أن الولد كان معدوماً، فتسبب الأب في وجوده، وأصله قول ابن العربي إذ قال بنحو ذلك، ووجهه أن العبد كالمعدوم في الأحكام لا يقضي، ولا يلي، ولا يشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام. (قال مالك في العبد يبتاع) أي يشتري (نفسه من سيده على) شرط (أنه يوالي) العبد (من شاء) قال مالك في ذلك (إن ذلك لا يجوز، وإنما الولاء لمن أعتق) قال الزرقاني: وبهذا قال الأكثر، وقيل: لا ولاء عليه. وقال الموفق(٢): ولاء المكاتب والمدبر لسيدهما إذا أعتقا، هذا قول عامة الفقهاء. وبه يقول الشافعي وأهل العراق، وحكى ابن سراقة عن عمرو بن دينار وأبي ثور أنه لا ولاء على المكاتب؛ لأنه اشترى نفسه من سيده، فلم يكن له عليه ولاءٌ كما لو اشتراه أجنبيّ فأعتقه، وكان قتادة يقول: من لم يشترط ولاء المكاتب، فلمكاتبه أن يُوالي مَنْ شاء، وقال مكحول: أما المكاتب إذا اشترط ولاءه مع رقبته فجائز. ولنا، أن السَيَّدَ هو المعتق للمكاتب؛ لأنه يبيعه بماله، وماله وكسبه لسیده، (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ١٥٧). (٢) («المغني)) (٢٢٥/٩). ٦٧٦ ٣٠ - كتاب العتق والولاء (١٠) باب (١٢٦٦) حديث وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً أَذِنَ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُوَالِيَ مَن شَاءَ مَا جَازَ ذُلِكَ. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لهَ قَالَ: ((الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)) وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. فَإِذَا جَازَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذُلِكَ لَهُ، وَأَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُوالِيَ مَنْ شَاءَ، فَتِلْكَ الْهِبَةُ. فجعل ذلك له، ثم باعه به حتى عتق، فكان هو المعتق، ثم قال: وإن اشترى العبد نفسه من سيده بعوض حالٌّ عتق، والولاء لسيده لأنه يبيع ماله بماله فهو مثل المكاتب سواء، والسيد هو المعتق لهما، فالولاء له علیهما، انتهى. قال الباجي(١): وسئل عيسى عما كره مالك من أن يبتاع العبد نفسه من سيده على أن يُؤَالي من شاء أرأيت إن وقع ذلك أيكون له أن يوالي من شاء؟ قال: الولاء للسيد والشرط باطل، انتهى. (ولو أن رجلاً أذن لمولاه) أي لعتيقه (أن يوالي من شاء ما جاز ذلك) أيضاً (لأن رسول الله وسلم قال: الولاء لمن أعتق) فلا يجوز للمولى أن يأذن لعتيقه أن يوالي من شاء، وبهذا قالت العلماء كافة خلافاً لما روي عن عطاء كما تقدم قريباً في كلام الموفق(٢). (ونهى) رسول الله وَله (عن بيع الولاء وعن هبته) كما تقدم من حديث عمرو بن دينار (فإذا جاز لسيده أن يشترط ذلك) أي الولاء (له) أي للعبد في الصورة الأولى، وهي ما تقدم في قوله: في العبد يبتاع نفسه (أو) جاز للمولى أن (يأذن له) أي للعبد (أن يُؤَالِي مَنْ شاء) كما في الصورة الثانية في قوله: لو أن رجلاً أذن لمولاه (فتلك) هي (الهبة) المنهيُ عنها، فلا يجوز أصلاً. تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الحادي عشر من ((أوجز المسالك إلى موطأ مالك» ويليه إن شاء الله الجزء الثاني عشر، وأوله ((باب جر العبد الولاء إذا أعتق)) وصلى الله على خير خلقه سيدنا ومولانا محمداً وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً كثيراً. (١) ((المنتقى)) (٢٨١/٦). (٢) انظر: ((المغني)) (٢١٩/٩). ٦٧٧ الفهرس فهرس الموضوعات الموضوع الصفحة (٢٨) كتاب الطلاق كتاب الطلاق لغةً، وهل هو مباح أو مكروه؟ ٥ ١ - ما جاء في البتة والصريح والكناية ٧ عن ابن عباس في رجل طلّق امرأته مائة ٩ ١٣ الإجماع في وقوع الطلقات الثلاثة ١٧ هل يجوز أن يطلق ثلاثاً أو يكره أو يحرم؟ ............. ٢٢ أبان بن عثمان يجعل البتة واحدةً، وأنكره عمر بن عبد العزيز ........... مروان يجعل البتة ثلاثاً وقال مالك: هذا أَحبُ إليّ .. ٢٣ ٢ - ما جاء في الخليّة والبريّة وأشباه ذلك ٢٥ اختلافهم في الكنايات الظاهرة والخفيّة ٠٠ ٢٥ ٣١ عن عمر - رضي الله عنه - في قول رجل لامرأته: حبلكِ على غاربكِ ٠٠ عن علي - رضي الله عنه - في قول رجل لامرأته: أنتِ عليّ حرامٌ ٣٧ ٤٣ عن القاسم في رجلٍ قال لأهل امرأته: شأنكم بها ٤٥ ...... في رجل قال لامرأته: برئتِ مني، وبرئتُ منكِ .. ٠٠ إذا قالت له المرأة: أنتَ طالق . .......... ٤٧ ٤٩ .......... إذا بانت المرأة غير المدخول بها يجوز تجديد النكاح .......... ٥١ تخيير المرأة وقولها: اخترت نفسي ٥٢ أثر ابن عمر - رضي الله عنه - فيمن جعل أمرها بيدها، فطلقت نفسها ٥٣ ٥٤ أثر ابن عمر - رضي الله عنه - في المملكة، القضاء ما قضت ٦٠ إذا تناكر الزوج في المُمَلَّكةِ. ٦١ ٤ - ما يجب فيه تطليقة واحدة في التمليك أثر زيد بن ثابت في المملَّكة، وقوله: ارتجعها ٦١ ٦٧٨ ٥٠ ٣ - ما یبین من التمليك ..... ....... إذا قال لها : أمركٍ بيدِك الفهرس الموضوع الصفحة رجل من ثقيف ملك امرأته، فقالت: أنتَ الطلاق فقال: بفيك الحَجَرُ ...... فاختصما إلى مروان ٦٣ ٥ - ما لا يبين من التمليك ٦٦ خطبت عائشة قريبة على عبد الرحمن فجعل أمرها بيدها ٦٦ ........ زوجت عائشة حفصة بنت عبد الرحمن وهو غائب .. ٦٨ هل يتقيد الاختيار بالمجلس أو يعمّ؟ ٧٢ ٦ - الإيلاء، وشروطه أربعة ٧٤ أثر علي - رضي الله عنه - في المولي، لا يقع عليه طلاق حتى يوقف .. ٧٩ أثر مروان وغيره في أن الطلاق رجعية .............. ... ٨٥ المولي إذا أبان امرأته بطلاق إلخ إن راجع في العدة ولم يطأ هل يوقف مرة أخرى؟ ٨٨ ٩٠ المولي إذا طلّق طلاقاً مستأنفاً ٩١ من آلى في أقل من أربعة أشهر .. ٩٢ ٩٤ ٧ - إيلاء العبد ٩٥ ٨ - ظهار الحر، وفيه خمسة فصول: ١٠٠ جعل امرأة عليها كظهر أمه إن تزوجها الطلاق المعلّق والظهار المعّق ١٠٠ في رجل تظاهر من أربع نسوة بكلمة واحدة .. ١٠٤ ... تفسير قوله تعالى في الكفارة: ((فتحرير رقبة)) الآية ١٠٦ ..... صيام شهرين متتابعين، والإفطار فيهما والوطء .. ١١٠ ١١١ إطعام ستين مسكيناً، وفيه أبحاث: .. في رجل تظاهر من امرأته مراراً في مجلس أو مجالس .......... ١١٦ من جامع قبل التكفير ماذا عليه؟ ١١٨ الظهار من ذوات المحارم من الرضاعة والنسب والصهر ١٢٠ في تفسير قوله تعالى: ((ثم يعودون)) واختلافهم في العود ١٢٢ ........... إن طلقها بعد الظهار، ولم يرد العود ١٢٦ ............... فإن تزوجها بعد الطلاق هل يُكَفّر؟ ١٢٧ ....... .. ٦٧٩ من حلف أن لا يطأ حتى يفطم ولده .... ٨٣ قال مالك: لا تصح رجعة المولي بدون الجماع في العدة ٨٦ الفهرس الموضوع الصفحة فيمن تظاهر من أمته هل عليه كفارة؟ ١٢٨ قال مالك: لا يدخل على الرجل إيلاء في تظاهره إلا أن يضار ١٢٩ ١٣٢ في رجل قال: كل امرأة أتزوج عليك فهي علي كظهر أمي ٩ - ظهار العبد كظهار الحر في اللزوم ١٣٣ صيام العبد في الظهار شهران ١٣٤ .... هل يجوز له العتق والإطعام؟ ١٣٥ .............. في العبد يتظاهر لا يدخل عليه فيه إيلاء ... ١٣٧ ١٣٨ ١٠ - ما جاء في الخيار ..... ..... وجوه الخيار في النكاح ١٣٨ خيار الأمة إذا عتقت تحت حر أو عبد ١٣٩ عن عائشة - رضي الله عنها - كانت في بريرة ثلاث سنن، الحديث .. ١٤٠ اختلاف الروايات في زوج بريرة ١٤٣ .... ................ قوله وَلّ في اللحم لبريرة: لها صدقة ولنا هدية ١٤٨ عن ابن عمر في الأمة لها الخيار ما لم يمسّها الزوج ١٥٠ ....... خيار الأمة على التراخي أو على الفور ...... ١٥١ الجهل بخيار العتق عذر أم لا؟ ١٥٢ عن ابن المسيب أيما امرأة تزوجت وبه جنون أو ضرر إن شاءت قَرَّتْ أو ........ قصة زبراء في الخيار، وقولها: هو الطلاق ثم الطلاق ١٥٢ فارقت ..... ١٥٣ ........ .... في الخيار قبل الدخول مهر أم لا؟ ......... المخيرة إذا اختارت زوجها ........... المُخَيَّرة إذا اختارت نفسها كم تطلق؟ ١٦٠ ١٥٦ في مشروعية الخلع إجماعٌ إلا ما شذّ ١٦١ اختلافهم في اسم امرأة ثابت بن قيس المختلعة ١٦٣ هل يجوز الخلع من غير اشتكاء ضرر؟ ١٦٨ الخلع طلاق أو فسخ؟ ١٧٠ ........ الخلع بالبدل المجهول ١٧٣ الفرق بين الفدية والخلع والإبراء ١٧٦ ٦٨٠ ١٥٤ ١٥٥ ١١ - ما جاء في الخلع وأول خلع في الدنيا