النص المفهرس

صفحات 581-600

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
وأما التعليق المحض بما سوى الملك وسببه معنَّى لا صورةً، نحو أن
يقول لأمته: كل ولد تلدينه فهو حر، وهذا ليس بتعليق من حيث الصورة
لانعدام حرف التعليق، لكنه تعليق معنًى لوجود معنى التعليق، لأنه أوقع العتق
على موصوف بصفة، وهو الولد الذي تلده، فيتوقف وقوع العتق على اتصافه
بتلك الصفة، كما يتوقف على وجود الشرط المعلق به صريحاً. فلا يصح إلا
إذا كانت الأمة في ملكه وقت التعليق.
وأما التعليق بالملك أو بسببه صورةً ومعنّى نحو أن يقول لعبد لا يملكه:
إن ملكتك فأنت حر، أو إن اشتريتك فأنت حر، وهو صحيح عندنا حتى لو
ملكه أو اشتراه يعتق، وإن لم يكن الملك موجوداً وقت التعليق، وقال.
الشافعي: لا يصح، ولا يعتق، وقال بشر المريسي: يصح التعليق بالملك، ولا
يصح بسبب الملك، وهو الشراء.
وأما التعليق بالملك أو بسببه معنًى لا صورةً، فهو أن يقول الحر: كل
مملوك لي أملكه فيما يستقبل فهو حر، ويتعلق العتق بملك يستفيده، وأما
التعليق الذي فيه معنى المعاوضة فهو الكتابة والإعتاق على مالٍ إلى آخر ما
بسطه .
وقال ابن رشد(١): اختلفوا في وقوع العتق بشرط الملك، فقال مالك:
يقع، وقال الشافعي وغيره: لا يقع لحديث: ((لا عتق فيما لا يملك ابن آدم))،
وحُجَّةُ الفرقة الثانية تشبيههم إياه باليمين، وألفاظ هذا الباب شبيهة بألفاظ
الطلاق، وشروطه كشروطه، وكذا الأيمان فيه شبيهة بأيمان الطلاق، انتهى.
هذا كله في الشرط في العتق كما هو مؤدى ترجمة الباب، أما الشرط بعد
العتق فيأتي في آخر الباب.
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٣/٢).
٥٨١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
(١٢٤٨) حديث
١٢٤٨/ ٢ - قَالَ مَالِكُ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَاً لَهُ فَبَتَّ عِثْقَهُ، حَتَّى
تَجُوزَ شَهَادَتُهُ وَتَتِمَّ حُرْمَتُهُ وَيَثْبُتَ مِيرَاتُهُ. فَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ
مِثْلَ مَا يَشْتَرِطُ عَلَى عَبْدِهِ. مِنْ مَالٍ أَوْ خِدْمَةٍ.
٢/١٢٤٨ - (قال مالك: من أعتق عبداً له فبتّ) بتشديد التاء أي أنجز
(عتقه) ولم يعلقه على شيء، وذكر بعض آثار العتق تمثيلاً فقال: (حتى تجوز
شهادته) لكونه حراً، فإن العبد ليس بأهل للشهادة (ويثبت ميراثه) لورثته، فإن
العبد لا ميراث له؛ لأن ماله كله لمولاه، وفي النسخ تقديم وتأخير ههنا، ففي
النسخ المصرية، وتتم حريته ويثبت ميراثه (وتتم حرمته) هكذا بالميم بعد الراء
في النسخ الهندية وبعض المصرية (١)، ولعل المراد أن الحر ممنوع بحرمته من
أراده أو أراد ماله بخلاف العبد، فإن نفسه وماله لمن اشتراه، وفي أكثر النسخ
المصرية: تتم حريته، بالتحتية بعد الراء، ومعناه ظاهر، يعني لا يبقى فيه أثر
من الرق (فليس لسيده أن يشترط عليه) بعد ذلك شيئاً (مثل ما يشترط على
عبده) زاد في بعض النسخ المصرية(٢) بعد ذلك: ((من مال أو خدمة))، وليس
هذه الزيادة في أكثر النسخ المصرية ولا الهندية.
وهذا بيان لما يشترط على عبده يعني كان للسيد حقاً أن يشترط على
عبده ما شاء من مالٍ أو خدمةٍ، أما في حال الرق فظاهر، فإن العبد يكون
للخدمة، ويجوز للسيد أن يأمره بكسب. والمال المكتَسَبُ يكون للسيد، وأما
عند العتق فيجوز أيضاً يعلق عتقه على أداء مال، كما تقدم في أول الباب من
كلام ((المغني)) و((البدائع)).
وقال الموفق(٣): إذا قال لعبده: أنت حر، وعليك ألفٌ عتق، ولا شيء
(١) وفي ((الاستذكار)) أيضاً (١٣٤/٢٣) حرمته كما في النسخ الهندية.
(٢) هذه الزيادة توجد في (الاستذكار)) (١٣٤/٢٣).
(٣) ((المغني)) (٤٠٦/١٤).
٥٨٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
(١٢٤٨) حديث
عليه؛ لأنه أعتقه بغير شرط، وإن قال: أنت حر على ألف، فكذلك في إحدى
الروايتين؛ لأن ((على)) ليست من أدوات الشرط، والثانية: إن قبل العبد عتق،
ولزمته الألف، وإن لم يقبل لم يعتق، وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة؛
لأنه أعتقه بعوض، فلم يعتق بدون قبوله، كما لو قال: أنت حر بألف، وهذه
الرواية أصحُ؛ لأن ((على)) تُسْتَعْمَلُ للشَّرطِ، فأما إذا قال: أعتقتك على أن
تخدمني سنةً، فقَبِلَ، ففيها روايتان كالتي قبلها، وقيل: إن لم يقبل لم يعتق
رواية واحدة، انتهى.
وفي ((الهداية))(١): من أعتق عبده على مالٍ فَقَبِلَ العبد عتق، وذلك مثل
أن يقول: أنت حر على ألف درهم، ومن أعتق عبده على خدمة أربع سنين،
فقبل العبد فعتق، ولزمه خدمة أربع سنين، اهـ.
قال الباجي(٢): قال ابن المواز عن مالك فيمن قال لعبده: أنت حر
وعليك ألف دينار فلم يرض العبد: فذلك عليه وإن كره، وبه قال ابن وهب
وعبد الملك وابن القاسم، وهو قول أشهب، وقال ابن المسيب: هو حر، ولا
شيء عليه، ورُوِي عن ابن القاسم أنه قال: وذلك أحبُّ إليّ.
وروى يحيى في ((العتبية)) عن ابن القاسم فيمن قال لعبده: أنت حر على
أن عليك خمسين ديناراً، أن العبد مخيّرٌ إن شاء أن يتبع بها، ويعجل عتقه،
وإن كره أن يكون غريماً فلا عتاقة له، وروى ابن حبيب عن ابن الماجشون
نحوه .
وجه القول الأول ما احتج به ابن المواز أنه ألزمه ذلك قبل العتق، وذلك
جائز له كما له أن يلزمه ذلك لغير حرية، فلم يزد ذلك الحرية إلا صحة، ووجه
(١) (٣١٠/١).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٣/٦).
٥٨٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
(١٢٤٨) حديث
وَلَا يَحْمِلَ عَلَيْهِ شَيْئاً مِنَ الرِّقِّ. لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَ ◌ّهِ قَالَ: ((مَنْ أَعْتَقَ
شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ. فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ.
وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ)).
قول ابن القاسم في متابعة سعيد أن العتق قد أوقعه فيلزمه؛ لأنه لم يستثن فيه
خياراً، ولا يلزم العبد ما ألزمه بعد العتق من المال، كما لا يلزمه ما ألزمه بعد
العتق من العمل، ووجه القول الثالث ما احتجّ به ابن الماجشون من أنه ليس
للسيد أن يشغل ذمته إلا برضاه، وأما إن شرط عليه عملاً، فإن كان قبل العتق
مثل أن يقول: أنت حر على أن تخدمني سنة، فذلك عليه، قاله ابن القاسم.
وأما إن كان العمل بعد العتق فقد قال ابن القاسم: إن قال لعبده: أنت
حر، واخدمني سنة، فهو حر. ولا شيء عليه، وكذلك لو قال: أنت حر على
أن لا تفارقني، قال محمد: هو حر، وشرطه باطل، ووجه ذلك على ما قال
مالك من تعجيل العتق مع إبقاء شيء من الرق، وذلك متنافٍ ينفذ العتق،
ويبطل ما أبقى من الاسترقاق، انتهى.
(ولا يحمل) السيد (عليه) أي على العبد (شيئاً من الرق) يعني إذا تم
حريته، فلا يقدر المولى على أن يضع عليه شيئاً من المال أو الخدمة بعد
العتق، فإنه صار بعتقه مالكاً لنفسه وماله.
واستدل مالك على ذلك استدلالاً لطيفاً دقيقاً، فقال: (لأن رسول الله وَله
قال: من أعتق شركاً) بكسر الشين وسكون الراء أي نصيباً (له في عبد قُوْمَ
عليه) ببناء المجهول (قيمة العدل) فالواجب عليه في قوله {وَّر هذا قيمةُ العدل
فقط، لا غير من مال وخدمة، فإن كان جائزاً له شيء آخر لا يحتاج إلى قيمة
العدل، وأيضاً قال رسول الله وسل ◌ّل في قوله هذا: (فأعطى شركاءه حصصهم
وعتق عليه) أي على السيد (العبد) فجعل وَّل عتقه منوطاً بإزاء القيمة، لا غيرها
من المال والخدمة، فعِلُمَ منه أيضاً لا يثبت على العبد شيء؛ لأنه وَّل جعله
عتيقاً بعد أداء القيمة.
٥٨٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
(١٢٤٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ، إِذَا كَانَ لَهُ الْعَبْدُ خَالِصاً، أَحَقُّ بِاسْتِكْمَالٍ
عَتَاقَتِهِ. وَلَا يَخْلِطُهَا بِشَيْءٍ مِنَ الرِّقِّ.
(قال مالك: فهو) أي السيد مبتدأ (إذا كان له العبد خالصاً) بدون شركة
أحد فيه (أحق) خبره (باستكمال عتاقته) مصدر عتق يعتق عتقاً وعتاقة (ولا
يخلطها) أي العتاقة (بشيء من الرِقّ) يعني إذا لا يحمل عليه شيئاً من الرق في
العبد المشترك بعد أداء القيمة، كما في القول السابق لكمال الحرية، فأولى أن
لا يحمل عليه شيئاً إذا كان العبد له خالصاً؛ لأنه أحق باستكمال الحرية،
وذلك لأن من أنجز عتق عبده، أو علق عتقه بشرط وتحقق الشرط، فتثبت
حريته، فلا يجوز له أن يشترط بعد ذلك شيئاً من المال والعمل؛ لأنه يؤدي أن
يبقى عليه شيء من الرق، وذلك مَنافٍ لكمال حريته.
وقد أخرج أبو داود(١) في ((باب العتق على شرط)) عن سفينة، قال:
((كنت مملوكاً لأم سلمة، فقالت: أعتقتك، وأشترط عليك أن تخدم
رسول الله وَ ◌ّ ما عشت، فقال: إن لم تشترطي عليّ ما فارقتُ رسولَ اللهِ وَ﴾ول
ما عشتُ، فأعتقتني، واشترطت عليّ)).
قال الخطابي(٢): هذا وعدٌ عَبَّرَ عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا
يصححون إيقاع الشرط بعد العتق؛ لأنه شرط لا يلاقي ملكاً، ومنافع الحر لا
يملكها غيره إلا بإجازة، أو ما في معناها .
وقد اختلفوا في هذا، فكان ابن سيرين يثبت الشرط في مثل هذا، وسئل
أحمد بن حنبل عنه، فقال: يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له،
قيل له: يشتري بالدراهم؟ قال: نعم، انتهى.
وأخرج ابن تيمية حديث سفينة في الباب المذكور من ((المنتقى))، وقال:
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٢/٤) ح (٣٩٣٢).
(٢) ((معالم السنن)) (٥١٩/٣).
٥٨٥
٠

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(٣) باب من أعتق رقيقاً لا يملك مالاً غيرهم
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، قال الشوكاني: وقد استدل بهذا الحديث
على صحة العتق المعلق على شرط.
قال ابن رشد: ولم يختلفوا في أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه
سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته، قال في ((البحر)): من قال: اخدم أولادي في
ضيعتهم عشر سنين، فإذا مضت فأنت حر عتق باستكمال ذلك إجماعاً لحصول
الشرط والوقت، انتهى.
ولا اختلاف في هذه الأقاويل؛ لأن المدار على شرط الخدمة، إن
شرطها للعتق، فلا بد من استكماله قبل ذلك، وإلا فلا .
قال القاري(١): وفي ((شرح السنة)): لو قال رجل لعبده: أعتقك على أن
تخدمني شهراً، فقيل: عتق في الحال، وعليه خدمته شهراً، ولو قال: على أن
تخدمني أبداً أو مطلقاً، فقيل: عتق في الحال، وعليه قيمة رقبته للمولى، وهذا
الشرط إن كان مقروناً بالعتق، فعلى العبد القيمة ولا خدمة، وإن كان بعد العتق
فلا يلزم الشرط، ولا شيء على العبد عند أكثر الفقهاء.
(٣) من أعتق رقيقاً لا يملك مالاً غيرهم
يعني عند موته كما يدل عليه أحاديث الباب، أما من أعتق نحو ذلك في
حياته، فهو من باب التصديق بجميع ماله إلا أن العتق نافذٌ في جميعه، كيف؟
وقد قال النبي ◌َّسير: ((فإن لم يكن له مال فقد أعتق منه ما أعتق))، وتقدمت
المذاهب في أول الباب السابق في أن عتق المعسر نافذ في حقه، لكن قال
النووي في حديث مدبر باعه النبي وَلير: تأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له
مال غيره، فردّ تصرفه، قال هذا القائل: وكذلك يرد تصرف من تصدق بكل
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٩/٧).
٥٨٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حدیث
٣/١٢٤٩ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعَنْ غَيْرِ
وَاحِدٍ،
ماله، وهذا ضعيف بل باطل، والصواب نفاذ تصرف من تصدق بكل ماله،
انتھی.
قال الباجي(١): من أعتق في صحته فقد قال مالك وأبو القاسم وغيره:
لا يسهم في عتق الصحة، ومعناه أن يعتق جميع رقيقه في صحته؛ لأن ذلك
ینفذ، ولا یرد عتق أحد منهم، انتهى.
وقال ابن رشد(٢): أما المريض فالجمهور على أن عتقه إن صحّ وقع،
وإن مات كان من الثلث، وقال أهل الظاهر: هو مثل عتق الصحيح، انتهى.
٣/١٢٤٩ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (وعن غير واحد)
هكذا بلفظ الواو في جميع النسخ المصرية، وهو الصواب، وسقط الواو من
النسخ الهندية تحريفاً من الناسخ، فصار غير واحد واسطة بين يحيى والحسن،
وهو غلط في رواية یحیی، فإن غير واحد هم شيوخ مالك لا شیوخ يحيى.
والحديث ذكره ابن عبد البر في ((التجريد)) (٣) في مراسيل يحيى، فقال:
يحيى بن سعيد عن الحسن وابن سيرين حديث واحد، ثم ذكر هذا الحديث ثم
قال: هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك عن يحيى بن سعيد، وعن غير
واحد، وتابعه طائفة من رواة ((الموطأ))، وروته جماعة أيضاً عن مالك، عن
يحيى بن سعيد، عن غير واحد عن الحسن وابن سيرين مثله مرسلاً، ثم قال:
وهو حديث ثابت صحيح مسند من حديث عمران بن حصين من رواية الحسن
وابن سيرين عنه، وقد ذكرناه من طرق في ((التمهيد))، انتهى. سيأتي أسماء
بعضهم.
(١) ((المنتقى)) (٣٦٦/٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٦٦/٢).
(٣) (ص٢٢٨).
٥٨٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حديث
.....
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛
كلهم رووا (عن الحسن بن أبي الحسن) يسار بتحتية وخفة سين مهملة
(البصرى) الأنصاري مولاهم، الثقة، الفاضل المشهور مرجع أهل التصوف
مات سنة ١١٠ هـ، وقد قارب التسعين، وكان يرسل كثيراً ويُدَلِّسُ، وقال البزار:
كان يروى عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوزُ، ويقول: حدثنا وخطبنا يعني قومه
الذين حدثوا، وخطبوا بالبصرة، كذا في ((التقريب))(١) من رواة الستة.
(وعن محمد بن سيرين) الأنصاري وهما تابعيان، فالحديث مرسل،
وصله النسائي من طريق قتادة وحميد الطويل وسماك بن حرب، ثلاثتهم عن
الحسن البصري عن عمران بن حصين، وابن عبد البر من طريق يزيد بن إبراهيم
عن الحسن وابن سيرين عن عمران، ومسلم من طريق هشام بن حسان،
وأبو داود من طريق أيوب ويحيى بن عتيق ثلاثتهم عن محمد بن سيرين عن
عمران بن حصين، قاله الزرقاني(٢).
وقال الباجي(٣): هذا مرسل، وقد أسند من حديث عمران بن حصين
أخرجه مسلم من رواية إسماعيل بن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن
أبي المهلب عن عمران بن حصين، وأخرجه من حديث الثقفي عن أيوب أن
رجلاً من الأنصار، والأول أكثر، رواه ابن علية وحماد عن أيوب، قال
النووي: هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم، فقال: لم يسمعه
ابن سيرين من عمران فيما يقال، وإنما سمعه عن خالد الحذاء عن أبي قلابة
عن أبي المهلب عن عمران، قاله ابن المدائني.
قال النووي (٤): ليس فيه تصريح بأن ابن سيرين لم يسمع من عمران،
(١) (١٦٥/١).
(٢) ((شرح الموطأ)) (٨١/٤)،.
(٣) ((المنتقى)) (٢٦٤/٦).
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤١/١١/٦).
٥٨٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حدیث
أَنَّ رَجُلاً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ وَ أَعْتَقَ عَبِيداً لَهُ، سِتَّةً عِنْدَ مَوْتِهِ.
ولو ثبت عدم سماعه، لم يقدح في صحة الحديث؛ لأنه ذكره متابعة بعد ذكر
الطرق الصحيحة، اهـ.
وقال الموفق(١): رواه عن عمران بن حصين الحسن وابن سيرين
وأبو المهلب، ورواه أحمد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي زيد
الأنصاري الصحابي، وروي نحوه عن أبي هريرة، اهـ.
(أن رجلاً) من الأنصار كما في مسلم وأبي داود (في زمان رسول الله وَل
أعتق عبيداً له ستة عند موته) قال القرطبي: الظاهر أنه نَجَّزَ عتقهم في مرضه،
قال سحنون: قيل: بتلهم، وقيل: أوصى به، فنحن نستعمل القرعة فيما جاء
فيه الخبر من العتق في المرض، أو الوصية في جملة بعتقهم يضيق ثلثه عنهم
ولا يسهم بين المدبرين في الصحة، لأننا لم نعدو ما جاء فيه الخبر.
قال الباجي(٢): يريد بذلك أنه بلغته الروايتان من وجه يجوز له التعلق
بها، فحملها على قصتين أو على قصة ثبت فيها حكمان لا يتنافيان، فيحمل
عليهما، أما الوصية بعتقهم فلا خلاف في المذهب في أنه يقرع بينهم بالسهم،
وأما إن بتلهم في المرض، فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم أنه يقرع
بينهم، ورواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وقال أبو زيد وأصبغ
والحارث: يعتق من كل واحد منهم بغير سهم، وإنما السهم في الوصية.
وإنما وجب الاختلاف فيه لاختلاف لفظ الحديث، ففي حديث
عبد الوهاب أن ما حكم فيه النبي ◌َّر بالقرعة، إنما كان في وصية الأنصاري
يعتق ستة، وروى إسماعيل بن علية وحماد بن زيد أنه أعتقهم عند موته، اهـ.
زاد في رواية لمسلم وأبي داود، فقال له النبي ﴿ ل1 قولاً شديداً،
(١) ((المغني)) (٣٨٠/١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٥/٦).
٥٨٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حديث
فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ بَيْنَهُمْ. فَأَعْتَقَ ثُلُثَ تِلْكَ الْعَبِيدِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذْلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرُهُمْ.
مرسل. وقد وصله مسلم عن عمران بن حصين في: ٢٧ - كتاب الأيمان،
١٢ - باب من أعتق شركاً له في عبد، حديث .٥٦
وفسر في رواية أخرى بلفظ: ((لو علمت ذلك ما صليت عليه)) وفي رواية
لأبي داود: ((لو شهدت قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين))(١)
(فأسهم) أي أقرع (رسول الله وَ لخير بينهم، فأعتق ثلث تلك العبيد) ولمسلم:
فدعاهم رسول الله وَ﴿ فجزّأهم ثلاثاً، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرَقَّ
أربعة، قال القاري: قال زين العرب: وذلك لأن أكثر عبيدهم الزنوج، وهم
متساوون في القيمة، اهـ.
(قال مالك: وبلغني أنه لم يكن لذلك الرجل) المذكور (مال غيرهم) أي
غير الأعبد الستة، وهكذا روي عند مسلم وأبي داود من حديث عمران أنه لم
يكن له مال غيرهم، قال الباجي (٢): فإذا قلنا: إن القرعة تستعمل في العتق،
فقد روى عيسى بن دينار ومحمد بن عيسى عن ابن نافع أنه لا يسهم في الرقيق
إذا كان للمالك شيء من المال، قال ابن نافع: وإنما أسهم رسول الله وَل﴾؛
لأنه لم يكن له مال غيرهم، قال ابن المزين: وسمعت مطرفاً يقول مثل ذلك،
فقلت له: هو قول مالك، فقال: هو الذي لا يعرف غيره، وهو الذي روى
ابن المواز عن ابن القاسم أن القرعة لا تكون إلا لمن لم يدع مالاً غيرهم.
وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون إن بتلهم في مرضه أو
أوصى بعتق بعضهم، فلم يحملهم الثلث، فليقرع بينهم كان له مال سواهم أو
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٦٠).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٥/٦).
٥٩٠

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حديث
لم يكن، وقد تقدم من قول سحنون ورواية غيره عن مالك أنه يسهم إذا ضاق
الثلث عنهم، وذلك يقتضي أن له مالاً غيرهم، وجه القول الأول ما في رواية
ابن علية وحماد بن زيد في هذا الحديث بلفظ: ((لا مال له غيرهم)) ووجه
القول الثاني: أنه ليس في حديث مالك أنه لا مال له غيرهم، فجعل علة
القرعة أنه أعتقهم عند موته، وظاهر حال الوصية والمرض أنه يعتبر في ذلك
الثلث، اهـ.
قال النووي(١): في هذا الحديث دلالة لمذهب مالك والشافعي وأحمد
وإسحاق وداود، والجمهور في إثبات القرعة في العتق ونحوه، وأنه إذا أعتق
عبيداً في مرض موته، أو أوصى بعتقهم، ولا يخرجون من الثلث أقرع بينهم،
فيعتق ثلثهم بالقرعة.
قال الموفق(٢): وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان، وقال
أبو حنيفة: يعتق من كل واحد ثلثه، ويستسعى في باقيه، ورُوي نحو هذا عن
سعيد بن المسيب وشريح والشعبي والنخعي وقتادة وحماد؛ لأنهم تساووا في
سبب الاستحقاق، فيتساوون في الاستحقاق، وأنكر أصحاب أبي حنيفة
القرعة، وقالوا: هي من القمار، ولعلهم يَرُدُوْنَ الخبر الواردَ فيه لمخالفته قیاس
الأصول، اهـ. زاد النووي فيمن قال بقول أبي حنيفة الحسن، وهو راوي
الحدیث.
وقال ابن رشد(٣): من أعتق عبيداً له في مرضه أو بعد موته ولا مال له
غيرهم، فقال مالك والشافعي وأصحابهما وجماعة: قسموا ثلاثة أجزاء، وعتق
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤٠/١١/٦).
(٢) ((المغني)) (١٤/ ٣٨٠).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣٧٢/٢).
٥٩١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حديث
جزءٌ منهم بالقرعة، وكذلك الحكم في الوصية، وخالف أشهب وأصبغ مالكاً
في العتق المبتل، فقالا جميعاً: إنما القرعة في الوصية، وأما حكم العتق
المبتل فهو كحكم المدبر.
ولا خلاف في مذهب مالك أن المدبرين في كلمة واحدة، إذا ضاق
عنهم الثلث أنه يعتق من كل واحد منهم بقدر حظه من الثلث، وقال قوم: يعتق
من الجمع ثلثه، فقومٌ من هؤلاء اعتبروا في الثلث القيمة، وهو مذهب مالك
والشافعي، وقومٌ اعتبروا العدد، فعند مالك إذا كانوا ستة مثلاً عَتق منهم الثلث
بالقيمة، كان الحاصل في اثنين منهم، أو أقل، أو أكثر، وذلك أيضاً بالقرعة،
وقال قوم: بل المعتبر العدد، فإن كانوا ستة عتق منهم اثنان، وإن كانوا مثلاً
سبعة عتق اثنان وثلث، اهـ.
قال ابن الهمام(١): حديث عمران حديث صحيح، لكنهم لم يقبلوه
لانقطاعه باطناً، وقد علمت أن ما صحّ سنده جاز أن يضعف بعلة قادحة، ومن
العلل مخالفة الكتاب والسنة المشهورة، وكذا مخالفة العادة القاضية بخلافه،
قالوا: هذا يخالف نصَّ القرآن بتحريم الميسر، فإنه من جنسه؛ لأن حاصله
تعليق الملك أو الاستحقاق بالخطر، والقرعة من هذا القبيل؛ لأنها توجب
استحقاق العتق إن ظهر كذا، لا إن ظهر كذا، وأما قضاء العادة بخلافه، فإنها
قاضية ينفي أن واحداً يملك ستة أعبد، ولا يملك غيرهم من درهم، ولا
ثوب، ولا نحاس، ولا قمح، ولا دار يسكنها، ولا شيء قليل، ولا كثير.
وما قيل: إنه قد يتفق ذلك للعرب ليأخذوا غلتهم أو غير ذلك، فهو أيضاً
مما تقتضي العادة بنفيه؛ لأنه أندر نادر، فكان مستحيلاً في العادة والعرف،
فوجب رد الرواية بهذه العلة الباطنة، كما قالوا في المتفرد بزيادة من بين
(١) ((فتح القدير)) (٢٨٤/٤).
٥٩٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٤٩) حديث
جماعة لا يغفل مثلهم عن مثلها مع اتحاد المجلس أنه يحكم بغلطه، وصار
هذا من جنس الخبر الواحد فيما تعمُّ به البلوى، فلدلالة العادة والكتاب على
نفي مقتضاه يحكم بغلطه من بعض رواته عن عمران.
ولذلك أجمع على عدم الإقراع عند تعارض البينتين للعمل بأحدهما أيضاً
عند تعارض الخبرين، ونحن لا ننفي شرعية القرعة في الجملة، بل نثبتها شرعاً
لتطبيب القلوب ودفع الأحقاد والضغائن، كما فعل وَ لّ للسفر بنسائه، فإنه لما
كان السفر بكل من شاء منهن جائزاً، إلا أنه ربما يتسارع الضغائن إلى من
يخصُّها، فكان الإقراع لتطييب قلوبهن، وكذا إقراع القاضي في الأنصباء
المستحقة والبداية بتحليف أحد المتحالفين، إنما هو لدفع ما ذكرنا من تتمة
الميل.
والحاصل أنها إنما تستعمل في المواضع التي يجوز تركها فيها لما ذكرنا
من المعنى، ومنه استهام زكريا - عليه السلام - معهم على كفالة مريم - عليها
السلام - كان لذلك، وإلا فهو كان أحق بكفالتها؛ لأن خالتها كانت تحته،
فأما أن يتعرف بها الاستحقاق بعد اشتراكهم في سببه، فأولى منه ظاهر
التوزيع؛ لأن القرعة قد تؤدي إلى حرمان المستحق بالكلية؛ لأن العتق إن كان
شائعاً فيهم يقع في كل منهم منه شيء، فإذا جمع الكل في واحد، فقد حرم
الآخر بعض حقه، بخلاف إذا وزع، فإنه ينال كلا شيء.
واستدل الطحاوي في ((مشكل الآثار)(١) على نسخ القرعة بأن علياً -
رضي الله عنه - قضى في زمانه وَلاو بين ثلاثة وقعوا على امرأة باليمن بالقرعة،
ثم بعد ذلك قضى بين الرجلين وقعا على امرأة بأن الولد بينهما، ومحال أن
يكون عليّ - رضي الله عنه - يقضي بخلاف ما كان قضى به في زمنه وَّل، ولم
ينكر عليه النبي ◌َّر إلا وقد اطلع على نسخ القرعة.
(١) (٢١٠/٢).
٥٩٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٥٠) حدیث
٤/١٢٥٠ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛
أَنَّ رَجُلاً فِي إِمَارَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَعْتَقَ رَقِيقَاً لَهُ، كُلَّهُمْ.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١) في قصة استهام زكريا عليه السلام:
ومنهم من يحتجّ بذلك على جواز القرعة في العبيد يعتقهم في مرضه ثم يموت،
وليس هذا من عتق العبيد في شيء؛ لأن الرضا بكفالة الواحد منهم بعينه جائز
في مثله، ولا يجوز التراضي على استرقاق من حصلت له الحرية، وقد كان
عتق الميت نافذاً في الجميع، فلا يجوز نقله بالقرعة عن أحد منهم إلى غيره،
كما لا يجوز التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه، وإلقاء الأقلام يُشبه
القرعة في القسمة، وفي تقديم الخصوم إلى الحاكم، وهو نظير ما روي عنه والده
أنه كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، وذلك لأن التراضي على ما خرجت به
القرعة جائز من غير قرعة.
وكذلك كان حكم كفالة مريم - عليها السلام -، وغير جائز وقوع
التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه.
(@)) (٢): احتجّ به
وقال في قوله عز اسمه: ﴿فَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
بعضهم في إيجاب القرعة في العبيد يعتقهم المريض، وذلك إغفال منه؛ لأنه
عليه السلام ساهم في طرحه في البحر، وذلك لا يجوز عند أحدٍ من الفقهاء،
كما لا تجوز القرعة في قتل من خرجت عليه، وفي أخذ ماله، فدل على أنه
خاصٌ فيه عليه السلام دون غيره، انتهى.
٤/١٢٥٠ - (مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي (أن رجلاً) لم
يسم (في إمارة أبان) بفتح الهمزة وخفة الموحدة (ابن عثمان) بن عفان - رضي الله
عنه - على المدينة في زمن عبد الملك (أعتق رقيقاً له كلهم) بالنصب تأكيد
(١) (١٣/٣).
(٢) سورة الصافات: الآية ١٤١.
٥٩٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣) باب
(١٢٥٠) حديث
جَمِيعاً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ. فَأَمَرَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بِتِلْكَ الرَّقِيقِ
فَقُسِمَتْ أَثْلَاناً. ثُمَّ أَسْهَمَ عَلَى أَيِّهِمْ يَخْرُجُ سَهْمُ الْمَيِّتِ فَيَعْتِقُونَ.
فَوَقَعَ السَّهْمُ عَلَى أَحَدِ الْأَثْلَاثِ. فَعَتَقَ الثُّلُثُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ.
(جميعاً) أيضاً تأكيد (ولم يكن له مال غيرهم، فأمر أبان بن عثمان) عملاً بما
تقدم من فعله وَّير (بتلك الرقيق فقسمت) ببناء المجهول (أثلاثاً) قال الراغب:
الثلث أحد الأجزاء الثلاثة، والجميع أثلاث.
(ثم أسهم) أي أقرع أبان، وقال: (على أيهم يخرج سهم الميت فيعتقون)
ببناء الفاعل، أي الورثة يعينونه عتيقاً (فوقع السهم) أي خرج اسم الميت (على
أحد الأثلاث، فعتق الثلث الذي وقع عليه السهم) ورَقَّ الثلثان، ولعل مالكاً ذكر
ذلك لما فيه من صورة الاستهام، وحكي عن السلف فيه صور مختلفة(١).
قال الباجي(٢): وإذا أردت القرعة بين الرقيق، فإن انقسموا على ثلاثة
أقسام معتدلة قسمتهم على ذلك، ويأخذ ثلاث بطائق، فيكتب في كل بطاقة
أسماء من في الجزء من العبيد، وتلف كل بطاقة في طين بحضرة العدول،
وتعطى لمن يدخلها في كمه من صغير أو كبير، ثم يخرج واحدة فتفض، فيعتق
من فيها، رواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وإن لم يعتدل الرقيق في
القسمة على أجزاء الثلث، فإنه يكتب اسم كل عبد في بطاقة بعد أن تعرف قيمة
كل واحد منهم، وتكتب قيمته مع اسمه، فمن خرج سهمه عتق إن حمله
الثلث، وإلا فما حمل منه ورَقّ باقيه، وإن كان أقل من الثلث أعيد السهم حتى
يستوفي الثلث، ورَوى مثل ذلك كله في ((المدنية)) عيسى عن ابن القاسم، اهـ.
وبسط الموفق(٣) في كيفية القرعة وصورها.
(١) انظر: ((أحكام القرآن)) (٣٧٨/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٦/٦).
(٣) انظر: ((المغني)) (٣٨٣/١٤).
٥٩٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٤) باب
(٤) باب القضاء في مَال العبد إذا أعتق
(٤) مال المملوك
وفي النسخ المصرية(١) ((القضاء في مال العبد إذا أعتق)).
إذا أعتق
قال الموفق(٢): إذا أعتق عبداً وله مال فماله لسيده، وروي هذا عن
ابن مسعود وأبي أيوب وأنس بن مالك. وبه قال قتادة والحكم والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن حماد والبتي وداود بن أبي هند
وحميد، وقال الحسن وعطاء والشعبي والنخعي ومالك وأهل المدينة: يتبعه
ماله لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((من أعتق عبداً وله
مال فالمال للعبد))، رواه أحمد بإسناده وغيره، ولأثر ابن عمر - رضي الله
عنهما - أنه كان إذا أعتق عبداً لم يتعرض لماله.
ولنا، ما رواه الأثرم بإسناده عن ابن مسعود أنه قال لغلامه عمير: يا
عمير إني أريد أن أعتقك عتقاً هنيئاً، فأخبرني بمالك، فإني سمعت رسول الله وَلّ
يقول: ((أيما رجل أعتق عبده، أو غلامه، فلم يخبره بماله، فماله للسيد))،
ولأن العبد وماله كان جميعاً للسيد، فأزال ملكه عن أحدهما، فبقي ملكه في
الآخر كما لو باعه، وقد دل على هذا حديث النبي وَّر: ((من باع عبداً وله مال
فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع)) (٣).
وأما حديث ابن عمر فقال أحمد: يرويه عبد الله بن أبي جعفر من أهل
مصر، وهو ضعيف في الحديث، كان صاحب فقه، وقال أبو الوليد: هذا
حديث خطأ، وأما فعل ابن عمر فإنه تفضُّلٌ منه على معتقه؛ قيل للإمام أحمد:
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٧/٢٣).
(٢) («المغني)) (٣٩٧/١٤).
(٣) أخرجه أبو داود (٣٥٣/٢).
٥٩٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٤) باب
(١٢٥١) حديث
٥/١٢٥١ - حدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ.
كان هذا عندك على التَّفَضُّلِ؟ قال: أي لعمري على التفضلّ، قيل له: فكأنه
عندك للسيد؟ فقال: نعم، للسيد مثلُ البيع، سواءً، اهـ.
وقال ابن رشد (١): قالت طائفة: المال للسيد، وقالت طائفة: ماله تبع
له، وبالأول قال ابن مسعود من الصحابة، ومن الفقهاء أبو حنيفة وأحمد
وإسحاق، وبالثاني قال ابن عمر وعائشة، والحسن، وعطاء، ومالك، وأهل
المدينة، وقال أيضاً في موضع آخر: اختلفوا في مال العبد هل يتبعه في العتق
والبيع؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أن ماله لسيده فيهما، وكذلك المكاتب، وبه
قال الشافعي والكوفيون، والثاني: ماله تبع له فيهما، وهو قول داود وأبي ثور،
والثالث: أنه تبع له في العتق، لا في البيع إلا أن يشترط المشتري، وبه قال
مالك واللیث، اهـ.
قلت: وحديث ابن عمر المرفوع أخرجه أبو داود بلفظ: ((من أعتق عبداً
وله مال فمال العبد له)) والضمير يحتمل أن يكون للعبد أو للسيد، فيحتمل أن
من رواه بلفظ: ((ماله للعبد))، رواه بالمعنى حملاً للضمير للعبد.
٥/١٢٥١ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (أنه سمعه يقول: مضت
السنة) أي استمرت، قال ابن عبد البر: قالوا: لم يكن أحد أعلم بالسنة
الماضية من الزهري (أن العبد إذا عتق) ببناء المجرد في الهندية، والمزيد في
المصرية (تبعه ماله) قال الزرقاني(٢): إلا أن يستثنيه السيد قبل أن يعتقه، اهـ.
وفي ((المحلى)): به قال الحسن وعطاء والنخعي ومالك: إن المال للعبد
إذا أعتقه إن لم يشترط السيد لنفسه، اهـ. وهذا مصير منهم إلى أن المال
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٣/٢).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٢/٤).
٥٩٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٤) باب
(١٢٥١) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذُلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَتَقَ تَبِعَهُ مَالُهُ، أَنَّ
الْمُكَاتَبَ إِذَا كُوتِبَ تَبِعَهُ مَالُّهُ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِظْهُ. وَذَلِكَ
للسيد؛ لأنه إن كان للعبد فلا حق للسيد في الاشتراط، وعلى هذا، فمعنى
السنة الماضية أن السادات لا يتعرضون لأموالهم تفضّلًا منهم على عبيدهم حين
عتقوا .
وقال الباجي(١): قوله: مضت السنة إلخ يريد أن ماله يبقى على ملكه ولا
يكون لسيده انتزاعه منه إذا أعتقه ولم يستثن ماله ولا شيئاً منه؛ لأن لفظ العتق
لم يتناول ماله، وإنما قوي ملكه له بخلاف البيع، فإنه وإن كان لا يتناول أيضاً
إلا العبد دون ماله، فإنه يخرج إلى مالك له من انتزاع ماله ما للأول، فكان
الأول أحق به؛ لأن بيعه دون ماله بمنزلة انتزاعه، وذلك جائز له.
وهذا حكم عتقه المباشر البتل، والوصية؛ لأن الوصية بالعتق عتق، فيلزم
أن يتبع المال، وقال أشهب: ليس للورثة انتزاع مال الموصي بعتقه قبل إنفاذ
عتقه، إن كان العتق معجلاً، وإن كان مؤجلاً بعد الموت، فقد قال أشهب:
للورثة انتزاعه ما لم يقرب الأجل، وبه قال ابن المواز، وقال ابن عبد الحكم:
ليس للورثة ذلك، وأما الموصى به إلى أجل لرجل، ففي ((العتبية)) من سماع
ابن القاسم: أن مال العبد للموصى له برقبة العبد بخلاف الهبة والصدقة، وفي
((الموازية)) من رواية ابن وهب عن مالك: لا يتبعه ماله في وصية ولا هبة ولا
صدقة ولا بيع ولا رهن، إلا في عتق جميعه أو بعضه أو الكتابة أو الجناية إلى
آخر ما بسط الباجي من الفروع.
(قال مالك: ومما يبين ذلك) وذكر المشار إليه نصاً بقوله: (أن العبد إذا
عتق تبعه ماله) يعني مما يوضحه، ويكون دليلاً عليه (أن المكاتب إذا كوتب تبعه
ماله وإن لم يشترطه) العبد المكاتب؛ لأنه أحرز نفسه وماله بالكتابة (وذلك) أي
(١) ((المنتقى)) (٢٦٧/٦).
٥٩٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٤) باب
(١٢٥١) حديث
أَنَّ عَقْدَ الْكِتَابَةِ هُوَ عَقْدُ الْوَلَاءِ. إِذَا تَمَّ ذُلِكَ.
وجه قياس أحدهما على الآخر (أن عقد الكتابة هو عقد الولاء بعينه إذا تم ذلك)
أي تم عتقه بأداء الكتابة، فكذلك العتق أيضاً عقد الولاء لنفسه بتمام العتق.
قال الباجي(١): يريد أن الكتابة عقد يقتضي ثبوت الولاء كالعتق، وهو
بمعنى قولنا: إنه خرج العبد عن ملكه إلى غير مالكٍ، فهذا حكم العتق
والكتابة، وإن افترقا في أن الكتابة عتق بعوض، وكذلك القطاعة والعتق المطلق
عتق بغير عوض، وهذا يدل على أن التعليل الصحيح من ذلك أنه خارج إلى
غير مالكٍ، ولو علل بأنه خارج بغير عوض بطل بالكتابة، اهـ.
قلت: الظاهر أن مراد الإمام مالك بمال المكاتب ما عنده بعد أداء
الكتابة، وهو للمكاتب إجماعاً، وفي ((الشرح الكبير)) (٢): يملك المكاتب
اكتسابه، ومنافعه، والشراء، والبيع، والإجارة، والاستئجار، والسفر، وأخذ
الصدقة، والإنفاق على نفسه، وولده، ورقيقه، وكل ما فيه صلاح المال يملك
المكاتب اكتسابه ومنافعه، والشراء والبيع بإجماع أهل العلم؛ لأن عقد الكتابة
لتحصيل العتق، ولا يحصل إلا بأداء عوضه، ولا يمكنه الأداء إلا بالاكتساب،
وليس له استهلاك ماله ولا هبته، وبه قال الحسن والثوري ومالك والشافعي
وأصحاب الرأي، ولا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه حق سيده لم ينقطع عنه؛ لأنه قد
یعجز فيعود إليه، اهـ.
فعُلمَ منه أنه يملك أمواله في زمن الكتابة بالإجماع، فبعد أدائه بدل
الكتابة وصيرورته حراً بالأولى، وهو يمكن أن يكون نظيراً للمال عند العبد
وقت العتق، لكن قول الماتن: إن المكاتب إذا كوتب تبعه، يدل على أن
المراد المال وقت الكتابة، فالمسألة خلافية.
(١) ((المنتقى)) (٢٦٧/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) لابن قدامة (٣٦٧/١٢).
٥٩٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٤) باب
(١٢٥١) حديث
وَلَيْسَ مَالُ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ بِمَنْزِلَةِ مَا كَانَ لَهُمَا
قال الموفق(١): إذا كاتب العبد وله مال فماله لسيده، إلا أن يشترط
المكاتب، وإن كانت له سُرِّيَّة، أو ولدٌ فهو لسيده، وبهذا قال الثوري
والحسن بن صالح وأبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي، وقال الحسن، وعطاء،
والنخعي، وسليمان بن موسى، وعمرو بن دينار، ومالك، وابن أبي ليلى، في
المكاتب: ماله له، ووافقنا عطاء وسليمان بن موسى والنخعي وعمرو بن دينار
ومالك في الولد، اهـ.
ويشكل على هذا ما يأتي في أبواب المكاتب من حكاية الإجماع على
ذلك، ويشكل أيضاً ما قال الموفق أيضاً: إن المكاتب لا زكاة عليه بلا خلاف
نعلمه، فإذا أعتق صار من أهل الزكاة حينئذ، فيبتدئ حول الزكاة من يوم عتق،
فإذا تم الحول وجبت الزكاة إن كان نصاباً، وإن لم يكن نصاباً فلا شيء
فیه، اهـ.
ووجه الإشكال ظاهر أن المكاتب إذا ملك أمواله الحادثة في زمن الكتابة
إجماعاً، وأمواله الموجودة وقت الكتابة أيضاً عند مالك ومن وافقه، فكيف لا
يكون عليه الزكاة؟
ويمكن التفصي عنه بما تقدم في كلام ((الشرح الكبير))، وبه جزم الموفق
أن المكاتب محجورٌ عليه في ماله بإجماع أهل العلم، فليس له استهلاكه ولا
هبته، لأن حق سيده لم ينقطع عنه، لأنه قد يعجز فيعود إليه، ومما يدل أيضاً
على أن مراد المصنف المال وقت عقد الكتابة الكلام الآتي، فإنه ذكر فيه
الفرق بين المال والولد، إذ يتبعه الأول دون الثاني.
وتقدم في كلام الموفق أن الإمام مالكاً فَرَّقَ في المال والولد في وقت
الكتابة فقال: (وليس مال العبد و)مال (المكاتب بمنزلة ما كان لهما) أي
(١) ((المغني)) (١٤ / ٤٥٧).
٦٠٠