النص المفهرس

صفحات 561-580

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
وقال الموفق(١): إن وجد بعض ما يفي بالقيمة قُوِّمَ عليه قدرُ ما يملكه
منه، ذكره أحمد في رواية ابن منصور، وهو قول مالك، انتهى.
قال الباجي(٢): إن كان له مال يبلغ بعض ذلك، فقد روى القاضي
أبو محمد يُقَوَّمُ عليه من نصيب شريكه بقدر ماله، فيعتق عليه، ويبقى ما زاد
على ذلك لشريكه على حكم الرقّ، قال سحنون: إن وجد عنده بعض القيمة
عتق منه بقدر ذلك ما لم يكن تافهاً لا ينزع مثله لغرمائه من الثوب له والفضل
في قوته والشيء الخفيف، انتهى.
وقال العيني: قَيَّد بقوله: ((يبلغ)) لأنه إذا كان له مال لا يبلغ ثمن العبد لا
يُقَوَّمُ عليه مطلقاً، لكن الأصح عند الشافعية أنه يسرى إلى القدر الذي هو موسر
به، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٣): يساره بكونه مالكاً قدر قيمة نصيب الآخر يوم
الإعتاق، انتهى. وهكذا في جميع فروع الحنفية.
واختلاف هذه المذاهب كلها مبنيٌّ على اختلاف في أصل كليّ. وهو أن
العتق متجزّأ عند الإمام أبي حنيفة ومن وافقه في فروع هذا الفصل مطلقاً، يعني
في حالة اليسر والعسر، وليس بمتجزأ مطلقاً عند صاحبيه ومن وافقهما،
ومتجزأ في حالة العسر دون اليسر عند الأئمة الثلاثة ومن وافقهم.
ويقرب من هذا اختلافهم في مسألة أخرى، وهي ما قال النووي(٤): إذا
ملك الإنسان عبداً بكماله، فأعتق بعضه فيعتق كله في الحال بغير استسعاء عند
(١) ((المغني)) (٣٥٦/١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٨/٦).
(٣) (٧٣٥/٣).
(٤) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣٨/١٠/٥).
٥٦١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
١/١٢٤٧ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ
الشافعي ومالك وأحمد والعلماء كافة، وقال أبو حنيفة: يستسعى في بقيته
لمولاه، وخالفه أصحابه في ذلك، فقالوا بقول الجمهور، وقال القاضي
عياض: رُوِي عن طاووس وربيعة وحماد ورواية عن الحسن، كقول أبي حنيفة،
وقاله أهل الظاهر، وعن الشعبي وعبيد الله بن الحسن العنبري أن للرجل أن
یعتق من عبده ما شاء، انتهى.
وقال الموفق(١): إن أعتق بعضه عتق كله في قول جمهور العلماء، وروي
ذلك عن عمر - رضي الله عنه - وابنه. وبه قال الحسن والحكم والأوزاعي
والثوري والشافعي. وقال ابن عبد البر: عامة العلماء بالحجاز والعراق قالوا:
يعتق كله إذا أعتق نصفه، وقال طاووس: يعتق في عتقه، ويرقُّ في رقه، وقال
حماد وأبو حنيفة: يعتق ما أعتق، ويسعى في باقيه. وخالف أبا حنيفة
أصحابه، فلم يروا عليه سعاية، وروي عن مالك في رجل أعتق نصف عبد، ثم
غفل عنه حتى مات، فقال: أرى نصفه حراً، ونصفه رقيقاً؛ لأنه تصرف في
نصفه فلم یسر إلی باقیہ کالبيع. انتھی.
١/١٢٤٧ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن
رسول الله وَ﴿ قال: من أعتق) يحتمل أن ((من)) شرطية أو موصولة، وعلى
التقديرين، فهي من صيغ العموم، فتتناول كل من يلزمه عتقه، قال الحافظ(٢):
لكنه مخصوص بالاتفاق. فلا يصحُّ من المجنون ولا من المحجور عليه لسفه،
وفي المحجور عليه بفلس، والعبد، والمريض مرض الموت، والكافر تفاصيل
للعلماء بحسب ما يظهر عندهم من أدلة التخصيص.
(١) («المغني)) (١٤ /٣٦٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٥٢/٥).
٥٦٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
قلت: وبسط الباجي(١) في فروع السيد الكافر والعبد، قال الزرقاني: هي
من صيغ العموم، فتتناول كل من يلزمه عتقه، وهو الحر المسلم المكلف، لا
صبي ومجنون وعبد لم يأذن له سيده، فإن أذن وأمضاه لزمه وقُوِّم عليه ولا
كافر، لأن العتق قُرْبة وليس من أهلها، ولأنه ليس بمخاطب بالفروع على
الصحيح، كذا قاله الأبي، انتهى.
قلت: في الكافر اختلاف عند المالكية أيضاً بسطها الباجي، إذا كان
العبد مسلماً لنصرانيين يعتق أحدهما حصته يُقَوَّمُ على المعتق حصة شريكه، وبه
قال الشيخ أبو القاسم، حكاه عنه القاضي أبو محمد، وحكى عن المذهب نفي
التقويم، قال: ووجه ذلك أن تكميل العتق من حقوق الله تعالى، والكفار لا
يؤخذون بحقوق الله تعالى، قال: ووجه إيجاب التقويم أن في تكميل العتق
ثلاثة حقوق، أحدها: لله، والثاني: للشريك، والثالث: للعبد، فيجب على
هذا أن يكمل على النصراني المعتق نصيب شريكه من العبد المسلم؛ لأنه حكم
بین نصراني ومسلم، انتهى.
قال الحافظ: وخرج بقوله: أعتق ما إذا عتق عليه بأن ورث بعض ما
يعتق عليه بقرابة، فلا سراية عند الجمهور، وعن أحمد رواية، انتهى.
قال الموفق(٢): إن ملك سهماً ممن يعتق عليه مثل أن يملك سهماً من
ولده، فإنه يعتق عليه ما ملك منه، سواء ملكه بعوض أو بغير عوض، كالهبة
والاغتنام والوصية، وسواء ملكه باختياره كالذي ذكرنا، أو بغير اختياره،
كالميراث، لأن كل ما يعتق به الكل يعتق به البعض، كالإعتاق بالقول، ثم
ينظر فإن كان معسراً لم يسر العتق، واستقر في ذلك الجزء، وإن كان موسراً
(١) ((المنتقى)) (٢٥٥/٦).
(٢) («المغني)) (١٤/ ٣٧٤).
٥٦٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
وكان الملك باختياره كالملك بغير الميراث، سرى إلى باقيه، فيعتق جميع
العبد، ولزمه لشريكه قيمةُ باقيه، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف.
وقال قومٌ: لا يعتق عليه إلا ما ملك، سواء ملكه بشراءٍ أو غيره، لأن
هذا لم يعتقه، وإنما عتق عليه بحكم الشرع عن غير اختيار منه فلم يسر، كما
لو ملكه بالميراث، وفارق ما أعتقه، لأنه فعله باختياره قاصداً إليه.
ولنا، أنه فَعَلَ سَبَبَ الْعِثْقِ اختياراً منه وقصداً إليه فسَرَى، ولزمِه الضمانُ،
وفارق الميراث؛ لأنه حصل من غير قصده ولا فِعْله، أمّا إن ملكه بالميراث لم
يسرِ العتق فيه، سواء كان موسراً أو معسراً؛ لأنه لم يتسبب إلى إعتاقه، وإنما
حصل بغير اختياره، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو يوسف، وعن أحمد ما
يدل أنه يسري إلى نصيب شريكه إذا كان موسراً؛ لأنه عتق عليه بعضه، وهو
موسر فسرى إلى باقيه، والمذهب الأول؛ لأنه لم يعتقه، ولا تسبب إليه،
انتھی .
وفي ((الهداية)) (١): إذا اشترى الرجلان ابنَ أحدهما عتق نصيبُ الأب؛
لأنه ملك شقص قريبِه، وشراؤه إعتاق، ولا ضمان عليه، وكذا إذا ورثاه،
والشريك بالخيار إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى العبد، وهذا عند أبي حنيفة،
وقالا في الشراء: يضمن الأب نصف قيمته إن كان موسراً، وإن كان معسراً
سعى الدين في نصف قيمته لشريك أبيه، وعلى هذا الخلاف إذا ملكاه بهبة أو
صدقة.
قال ابن الهمام(٢): وأجمعوا أنهما لو ورثاه لا يضمن الأب، وكذا في
كل قريب يعتق، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد لعدم الصنع منه، ولفظ
الحديث: ((من أعتق شِرْكاً لهُ)) يُفِيْد كون العتق اختيارياً، اهـ.
(١) (٣٠٤/١).
(٢) ((فتح القدير)) (٢٦٩/٤).
٥٦٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ
(شركا) بكسر الشين وسكون الراء وفي رواية للبخاري ((شقصاً))، وفي
أخرى له ((نصيباً))، والكل بمعنى (له في عبد) أو أمةٍ عند الجمهور خلافاً
لإسحاق بن راهويه، إذ خَصَّصَ الحكم بالذكر، لظاهر لفظ العبد، كما تقدم في
المذهب الثامن عشر.
قال الحافظ(١): ظاهره العموم في كل رقيق، لكن يستثنى الجاني
والمرهون، ففيه خلاف، والأصح في الرهن والجناية منع السراية؛ لأن فيها
إبطال حق المرتهن والمجني عليه، فلو أعتق مشتركاً بعد أن كاتباه، فإن كان
لفظ العبد يتناول المكاتب وقعت السراية، وإلا فلا، ولا يكفي ثبوت أحكام
الرقّ عليه، ومثله لو دَبّراه، لكن تناول لفظ العبد للمدبر أقوى من المكاتب،
فيسري هاهنا على الأصح.
فلو أعتق من أمة ثبت كونها أم ولدٍ لشريكه فلا سراية؛ لأنها تستلزم
النقل من مالك إلى مالكٍ، وأم الولد لا تقبل ذلك عند من لا يرى بيعها، وهو
أصح قولي العلماء، اهـ.
(فكان له مال) هو ما يتموّل به، قال الزرقاني(٢): والمراد به هاهنا ما
يسع نصيب الشريك، ويباع عليه في ذلك ما يباع على المفلس، قاله عياض،
انتھی.
قال الباجي(٣): قال مالك في ((الموازية)): تباع عليه في ذلك داره
وشوار(٤) بيته وكسوته من فضول الثياب، ويترك له كسوة ظهره وعيشه الأيام،
(١) «فتح الباري)) (١٥٢/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٨/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٢٥٧/٦).
(٤) الشوار بالمعجمة، الزينة ومتاع البيت المستحسن، اهـ. ش.
٥٦٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
وقال أشهب: إنما يترك له ما يواريه لصلاته، قال عبد الملك: إنما يترك له ما
لا يباع على المفلس، ووجه ذلك أن حكمه حكم المفلس، بل أشدُّ منه لتعلق
حق العتق به، ومن تعلق حق العتق بماله لم يترك له إلا ما يواريه لصلاته،
انتھی .
وقال الموفق(١): والمعتبر في اليسار في هذا أن يكون له فضل عن قوت
يومه وليلته، وما يحتاج إليه من حوائجه الأصلية من الكسوة والمسكن، وسائر
ما لَا بُدَّ لَه منه ما يدفعه إلى شريكه، ذكره أبو بكر في ((التنبيه))، وقال أحمد:
لاتباع فيه دارٌ ولا رِباعٌ، ومقتضى ذلك، أن لا يباع له أصلُ مالٍ، وقال مالك
والشافعي: يباع عليه سِوارُ(٢) بيته وما لَهُ بالٌ(٣) من كِسوته، ويُقْضَى عليه في
ذلك ما يُقْضَى عليه في سائر الدَّعاوِي، انتھی.
وفي ((الهداية)): المعتبر يسار التيسير وهو أن يملك من المال قدر قيمته
نصيب الآخر لا يسارَ الغنى، قال ابن الهمام(٤): قوله: يَسار التيسير، هو ظاهر
الرواية، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد، وفي رواية الحسن استثنى الكفاف
وهو المنزل والخادم وثياب البدن. قوله: لايسار الغِنى أي الغنى المحرم
للصدقة، كما اختار بعض المشايخ، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٥): يساره بكونه
مالكاً قدر قيمة نصيب الآخر سوى ملبوسه وقوت يومه في الأصح، انتهى.
(١) ((المغني)) (٣٥٦/١٤).
(٢) كذا في الأصل، وكذا في ((الشرح الكبير)) والصواب على الظاهر بالمعجمة، كما تقدم
عن ((المنتقى)). انتهى. ش.
(٣) في نسخة: مالٌ.
(٤) ((فتح القدير)) (٢٦٣/٤).
(٥) (٤٢٠/٥).
٥٦٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ
(يبلغ ثمن العبد) صفة مال أي كان له من المال ما يبلغ مقدار ثمن بقية
قيمة العبد، يعني قيمة نصيب الشريك لا قيمة جميع العبد، والتقييد بقوله: يبلغ
ظاهر في أنه إذا كان له من المال ما لا يبلغ قيمته، بل ينقص منه شيء لا يُقَوَّمُ
عليه، والمسألة خلافية تقدمت في المذهب العشرين. والمراد بالثمن في
الحديث القيمة؛ لأن الثمن في الاصطلاح ما اشتريت به العين، واللازم هاهنا
القيمة لا الثمن، لقوله عليه السلام: قوّم عليه قيمةَ عدل، فإن كان المراد الثمن
لا يحتاج إلى تقويم العدل، هذا وقد ورد في عدة روايات عند البخاري وغيره
بلفظ: ((ما يبلغ قيمته بقيمة عدل)) (قُوَّم عليه) ببناء المجهول من التقويم،
وظاهره اعتبار ذلك حال العتق، حتى لو كان معسراً إذ ذاك، ثم أيسر بعد
ذلك، لم يتغير الحكم.
قال الموفق(١): المعتبر في ذلك حال تلفظه بالعتق؛ لأنه حال الوجوب،
فإن أيسر المعسر بعد ذلك لم يسر إعتاقه، وإن أعسر الموسر لم يسقط ما
وجب علیه، نص عليه أحمد، انتهى.
وبذلك قالت الحنفية، ففي ((الدر المختار)): يساره بكونه مالكاً قدر قيمة
نصيب الآخر يوم الإعتاق، قال ابن عابدين: فلو أعتق وهو موسر. ثم أعسر،
فلشریکه حق التضمین وبعكسه لا. انتهى.
قال ابن الهمام(٢): يعتبر اليسار والإعسار وقت العتق، فلو كان موسراً
وقت العتق فأعسر، لا يسقط عنه الضمان، ولو كان معسراً فأيسر لا ضمان،
انتهى، وعند المالكية فيه خلاف ذكره الباجي، فقال: لو كان معسراً يوم
العتق، فرفع إلى الحاكم فحكم بسقوط التقويم، ثم أيسر فلا يقوّم عليه، ولو
(١) «المغني)) (٣٥٦/١٤).
(٢) ((فتح القدير)) (٢٥٩/٤).
٥٦٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
قِيمَةَ الْعَدْلِ. فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ.
لم يرفع حتى أيسر، ففيه روايتان: إحداهما إثبات التقويم عليه، والأخرى
نفيه، وقال ابن نافع: يُنْظَرُ إلى حاله يوم التقويم، فإن كان له مال قوّم عليه،
وإن كان يوم العتق معسراً، وقال مطرف عن مالك: إن كان أعتق وهو معسر،
فإن كان عدمه بيِّناً عند الناس كلهم ثم أيسر فلا تقويم عليه، إلا أن يكون العبد
غائباً، اهـ (١).
(قيمة العدل) زاد مسلم والنسائي من هذا الوجه ((لا وكس ولا شطط))
الوكس بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مهملة: النقص، والشطط، بمعجمة ثم
مهملة مكررة والفتح: الجور، ووقع في رواية الشافعي والحميدي: يُقَوَّمُ عليه
بأعلى القيمة، أو قيمة عدل، وهو شك من سفيان، وقد رواه أكثر أصحابه عنه
((قُوِّمَ عليه قيمةَ عدل)) وهو الصواب، كذا في ((الفتح))(٢).
قال القرطبي: ظاهره أنه يقوم كاملاً لا عتق فيه، وهو معروف المذهب،
وقيل: يقوم على أن بعضه حر، والأول أصح؛ لأن سبب التقويم جناية المعتق
بتفويته نصيب شريكه، فيقوم على ما كان عليه يوم الجناية، كالحكم في سائر
الجنايات، قاله الزرقاني، وقال العيني: يقوم على أن كله عبد، ولا يُقَوَّمُ بعيب
العتق قاله أصبغ وغيره، وقيل: يُقَوَّمُ على أنه مسه العتق، اهـ.
(فأعطى شركاءه) قال الزرقاني تبعاً للحافظ: بالبناء للفاعل، وشركاءه
بالنصب هكذا رواه الأكثر، ولبعضهم بالبناء للمجهول ورفع شركاؤه (حصصهم)
أي قيمة حصصهم، إن كان له شركاء، فإن كان له شريك أعطاه جميع الباقي،
وهذا لا خلاف فيه، فلو كان مشتركاً بين الثلاثة فأعتق أحدهم نصيبه، وهي
الثلث مثلاً، والثاني حصته وهي السدس، فهل يقوّم عليهما نصيب صاحب
(١) ((المنتقى)) (٢٥٦/٦).
(٢) «فتح الباري)) (٥/ ١٥٣).
٥٦٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ. وَإِلَّا فَقَدْ
النصف بالسوية أو على قدر الحصص؟ الجمهور على الثاني، وعند المالكية
والحنابلة خلاف كالخلاف في الشفعة، إذا كانت لاثنين هل يأخذان بالسوّية أو
على قدر الملك؟ كذا في ((الفتح)). قال الزرقاني(١): الجمهور على الثاني،
وهو المشهور ومذهب («المدونة»، أهـ.
وقال العيني: فيه خلاف عند الشافعية والمالكية. والأصح عند أصحاب
الشافعي أنه على عدد الرؤوس كالشفعة، وصحح ابن العربي أنه على قدر
الحصص، اهـ.
ومذهب الإمام أحمد كما جزم به الخرقي، وتبعه الموفق أن الضمان
يكون بينهم على عدد رؤوسهم، يتساوون في ضمانه وولائه، قال الموفق:
وبهذا قال الشافعي، ويحتمل أن يكون على قدر أملاكهم، وهو قول مالك في
إحدى الروایتین عنه، اهـ.
وفي ((البحر))(٢) عن ((المجتبى)): لو كان العبد بين ثلاثة، لأحدهم
نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه؛ فأعتقه صاحب النصف والثلث يضمنان
السدس نصفين. والولاء للأول في النصف، وفيما ضمن من نصف السدس،
والثاني في ثلثه وفيما ضمن من نصف السدس، اهـ.
وعلم من هذه النقول أن مذهب الجمهور التضمين على عدد الرؤوس، لا
على الحصص، فتأمل.
(وعتق) بفتح العين (عليه العبد) بعد إعطاء القيمة أو بعد التقويم والحكم
كما هو المشهور عند المالكية، أو بمجرد العتق أقوال مبنية على اختلاف
مذاهبهم المتقدمة في ذلك (وإلا) أي إن لم يكن له مال بل يكون معسراً (فقد
(١): ((شرح الزرقاني)) (٧٨/٤).
(٢) ((البحر الرائق)) (٤٠٠/٤).
٥٦٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٤٩ - كتاب العتق، ٤ - باب إذا أعتق عبداً يبين اثنين.
ومسلم في: ٢٠ - كتاب العتق، حديث ١.
عتق منه ما عتق) قال الداودي: هو بفتح العين من الأول، ويجوز الفتح والضم
في الثاني، وتعقّبه ابن التين بأنه لم يقله غيره، وإنما يقال: عتق بالفتح وأعتق
بضم الهمزة، ولا يعرف عتق بضم أوله؛ لأن الفعل لازم غير متعد، كذا في
((الفتح))(١).
وزاد العيني (٢) عن ((المغرب)): قد يقام العتق مقام الإعتاق، وقال
ابن الأثير: يقال: أعتقت العبد أعتقته عتقاً وعتاقةً، فهو معتق، وأنا معتق،
وعتق فهو عتيق، أي حَرَّرْتُه، وصار حراً، واستدل بذلك الأئمة الثلاثة ومن
وافقهم من أهل المذاهب بأن العبد يبقى رقيقاً في حالة الإعسار، وزعم
ابن وضّاح وجماعة أن قوله: ((وإلا عتق منه ما عتق)) مدرج من قول نافع،
مستدلاً بما في البخاري عن أيوب قال نافع: ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) قال
أيوب: لا أدري الشيء قاله نافع أو شيء في الحديث.
وفي ((هامش البخاري))، قال ابن حزم: لم تصح هذه الزيادة عن الثقة أنه
من قول رسول الله وَّير، ثم قال: وقال ابن حزم في ((المحلى)): هي مكذوبة،
وهكذا قال العيني.
وحقق الحافظ في ((الفتح))(٣) صحتها، وقال: رجّح الأئمة رواية من أثبتها
مرفوعة، قال الشافعي: لا أحسبه عالماً بالحديث يشك في أن مالكاً أحفظ
لحديث نافع من أيوب؛ لأنه كان ألزم له حتى ولو استويا، فشك أحدهما في
(١) ((فتح الباري)) (١٥٣/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٩/ ٢٧٣).
(٣) (١٥٤/٥).
٥٧٠

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يُعْتِقُ سَيِّدُهُ
مِنْهُ شِقْصاً. ثُلُثَهُ أَوْ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ. أَوْ سَهْماً مِنَ الْأَسْهُم بَعْدَ مَوْتِهِ.
شيء لم يشك فيه صاحبه كانت الحجة مع من لم يشك، ويؤيده قول عثمان
الدرامي: قلت لابن معين: مالك في نافع أحبُّ إليك أو أيوب؟ قال: مالك،
انتھی .
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) أي لا خلاف فيه عند علمائنا (في
العبد يعتق) بضم أوله وكسر التاء (سيده) فاعل (منه شقصاً) هكذا في جميع
النسخ المصرية، وليس هذا في النسخ الهندية، وإثباته أولى عندي من حذفه،
وهو بكسر المعجمة وسكون القاف، أي جزءاً، ثم ذكر بعض أنواعه تمثيلاً
فقال: (ثلثه أو ربعه أو نصفه أو سهماً من الأسهم) قليلاً كان أو كثيراً (بعد
موته) يعني يقول مثلاً ثلث هذا العبد حر بعد موتي، واختلفوا هل هو وصية أو
تدبير .
قال ابن رشد(١): الناس في التدبير والوصية على صنفين: منهم من لم
يفرّق بينهما، ومنهم من فَرَّق بأن يجعل التدبير لازماً، والوصية غير لازمة،
والذين فرقوا بينهما اختلفوا في مطلق لفظ الحرية بعد الموت هل يتضمن معنى
الوصية أو حكم التدبير؟ أعني إذا قال: أنت حر بعد موتي، فقال مالك: إذا
قال، وهو صحيح: أنت حر بعد موتي، فالظاهر أنه وصية، والقول قوله في
ذلك، ويجوز رجوعه فيها إلا أن يريد التدبير.
وقال أبو حنيفة: الظاهر من هذا القول التدبير، وليس له أن يرجع،
وبقول مالك قال ابن القاسم، وبقول أبي حنيفة قال أشهب. قال: إلا أن يكون
هناك قرينة تدل على الوصية، وعلى قول من لم يفرق بين الوصية والتدبير،
وهو الشافعي، ومن قال بقوله هذا اللفظ [هو] من ألفاظ صريح التدبير،
انتهى. وعلم منه أن هذا في حكم الوصية عند مالك.
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٨٨/٢).
٥٧١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حدیث
أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ إِلَّا مَا أَعْتَقَ سَيِّدُهُ وَسَمَّى مِنْ ذُلِكَ الشِّقْصِ. وَذُلِكَ
أَنَّ عَتَاقَةَ ذُلِكَ الشِّقْصِ، إِنَّمَا وَجَبَتْ وَكَانَتْ بَعْدَ وَفَاةِ الْمَيِّتِ. وَأَنَّ
سَيِّدَهُ كَانَ مُخَيَّراً فيَ ذُلِكَ مَا عَاشَ. فَلَمَّا وَقَعَ الْعِثْقُ لِلْعَبْدِ عَلَى
سَيِّدِهِ الْمُوصِي، لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي إِلَّا مَا أَخَذَ مِنْ مَالِهِ. وَلَمْ يَعِقْ مَا
بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ .
فقال مالك في المسألة المذكورة: (أنه لا يعتِقُ منه) ببناء المعلوم أو
المجهول (إلا ما أعتق سيده) وهو الذي (سمى) وعيّن (من ذلك الشقص)
المذكور من ثلثه أو ربعه أو غير ذلك يعني لا يعتق إلا ما سماه، ولا يسري
عتق ذلك الجزء في العبد كله (وذلك) أي سبب عتق هذا الجزء خاصة بدون
السراية في كله (إن عتاقة ذلك الشقص) المذكور (إنما وجبت) أي ثبتت
(وكانت) أي تحققت، وهو أوجه مما في النسخ الهندية من لفظ ((كان)) بدل
((كانت))، (بعد وفاة الميت).
قال الزرقاني(١): لأنه وصيه. قلت: وهو مؤدى كلام ابن رشد المذكور
(وأن سيده كان مخيراً) ببناء المفعول (في ذلك) أي إبقاء هذه الوصية (ما)
بمعنى ما دام (عاش) أي في مدة حياته. وهذا أثر كونه وصية، فإنه كان مختاراً
في إبقاء هذه الوصية وفسخها، ولم يكن هذه لازمة عليه.
قال الباجي(٢): يريد أن من أوصى بعتق شقص من عبده أو بعتق شقص
له من عبد سائره لغيره، فإنه لا يُقَوَّمُ عليه الآن، ولا يعتق عليه سائره، لأن
عتقه بعدُ لم يلزم، وإنما يلزم بموته لأن له الرجوع عنه في حياته، انتهى.
(فلما وقع العتق للعبد على سيده الموصي) الميت لكونه أعتقه بعد موته
(لم يكن) إذ ذاك (للموصي) الميت (إلا ما أخذ من ماله) ووَصَّى به وهو هذا
الشقص المذكور (ولم يعتق) أي لم يسر العتق (في ما بقي من العبد) غير
(١) ((شرح الزرقاني)) (٨٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦١/٦).
٥٧٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
لِأَنَّ مَالَهُ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ. فَكَيْفَ يَعْتِقُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى قَوْم
آخَرِينَ. لَيْسُوا هُمُ ابْتَدَؤُا الْعَتَاقَةَ. وَلَا أَثْبَتُوهَا. وَلَا لَهُمُ الْوَلَاءُ. وَلَّ
يَثْبُتُ لَهُمْ. وَإِنَّمَا صَنَعَ ذُلِكَ الْمَيِّتُ. هُوَ الَّذِي أَعْتَقَ. وَأُثْبِتَ لَهُ
الْوَلَاءُ. فَلَا يُحْمَلُ ذُلِكَ فِي مَالِ غَيْرِهِ.
الشقص المذكور (لأن ماله) سوى ما أوصى به (قد صار لغيره) وهم الورثة
وصار الميت معسراً.
(فكيف يعتق ما بقي من العبد على قوم آخرين) وهم الورثة (ليسوا هم
ابتدأوا العتاقة ولا هم أثبتوها) أي لم يعتقوا، ولا فعلوا فعلاً آخر موجباً للعتق،
بل تحقق هذا العتق بدون صنع منهم (ولا لهم) أي للورثة (الولاء) لعدم عتقهم
(ولا يثبت لهم) الولاء تأكيد لنفي الولاء عنهم لعدم عتقهم، ولفظ ((لا يثبت)»
بصيغة المضارع كما في النسخ المصرية أوجه عندي مما في النسخ الهندية من
لفظ، ((ولا ثبت)) بصيغة الماضي.
(وإنما صنع ذلك) أي إعتاقه (الميت) فاعل صنع (وهو الذي أعتق) ببناء
الفاعل (وأُثْبِتَ) ببناء المفعول (له الولاءُ) في الحديث في قوله ◌َّ: الولاء لمن
أعتق، (فلا يُحْمَلُ) ببناء المجهول، وفي بعض النسخ الهندية ((فلا يحلّ)) (ذلك)
أي إعتاقه (في مال غيره) وهم الورثة.
قال الباجي(١): العبد يُعتِق سيّده منه حصته بعد موته، فإنه لا يعتق عليه
باقيه إن كان له مال ((سحنون)) ولا يعتق عليه نصيب شريكه، قال: وهو قول
جميع أصحابنا، وقول مالك في ((موطئه))، ووجه ذلك ما احتجّ به من أن المال
ينتقل عنه إلى الورثة بموته، وليس له منه إلا ما تمسّك به من ثلثه، ولم يتمسك
إلا بما أوصى بعتقه، فلا يعتق على الورثة، وصار ذلك بمنزلة من أعتق شقصاً
له من عبد، وليس له مال غير ذلك الشقص، فإن باقيه يرِقّ، انتهى مختصراً.
(١) ((المنتقى)) (٢٦٠/٦).
٥٧٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِأَنْ يَعْتِقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ فِي مَالِهِ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَازِمٌ لِشُرَكَائِهِ
وَوَرَثَتِهِ. وَلَيْسَ لِشُرَكَائِهِ أَنْ يَأْبَوْا ذُلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي ثُلُثِ مَالٍ
الْمَيِّتِ. لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَرَثَتِهِ فِي ذُلِكَ ضَرَرٌ.
(إلا أن يوصي) ببناء الفاعل أي الميت المذكور (بأن يعتق ما بقي منه) أي
من العبد المذكور بعد الشقص (في ماله) أي في ثلث ماله، لأن له الوصية في
الثلث لا غير (فإن ذلك لازم لشركائه وورثته) لأن الميت بمنزلة الموسر إلى
ثلث ماله (وليس لشركائه) في العبد (أن يأبوا ذلك عليه) لأنه لما صار بمنزلة
الموسر، فسرى العتق في جميعه، وليس للشركاء إلا التضمين (وهو) أي العبد
(في ثلث مال الميت) أي بشرط أن يكون العبد في جملة الثلث، وإن كان قيمته
زائداً من ثلث ماله، فلا حق له في الإيصاء فيما زاد على الثلث (لأنه ليس على
ورثته في ذلك) أي في إيصائه إلى الثلث (ضرر) لأن الشرع جعل للميت حقاً
إلى الثلث.
قال الباجي(١): يعني لو أوصى أن يتمم عليه في ثلثه، فقد قال مالك:
يقوّم في ثلثه، ووجه ذلك أنه تمسّك بهذا القدر من ماله، فلزم أن يعتق عليه
كالحي الغني، وليس لشركائه أن يأبوا ذلك، ويلزمهم، ويلزم ورثته يعني إذا
أوصى بذلك لم يكن لورثته الامتناع منه إذاً الثلث یحمله، انتهى.
وقال الموفق(٢): إذا ملك شقصاً من عبد، فأعتقه في مرض موته أو دبّره
أو وَصَّى بعتقه، ثم مات، ولم يف ثلث ماله بقيمة نصيب الشريك لم يعتق إلا
نصيبه بلا خلاف نعلمه بين أهل العلم إلا قولاً شاذًا، أو قول من يرى
السعاية، وذلك أنه ليس له من ماله إلا الثلث الذي استغرقته قيمةُ الشقص،
فيبقى معسراً بمنزلة من أعتق في صحته شقصاً، وهو معسر، فأما إن كان ثلث
(١) ((المنتقى)) (٢٦١/٦).
(٢) ((المغني)) (٣٩١/١٤).
٥٧٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
ماله يعني لقيمة حصة شريكه، ففيه روايتان، إحداهما: يسري إلى نصيب
الشريك، فيعتق العبد جميعه، ويعطى الشريك قيمة نصيبه من ثلثه، لأن ثلث
المال للمعتق والملك فيه تامٌّ، وله التصرف فيه بالتبرع، والإعتاق، فجرى
مجرى مال الصحيح، فيسري عتقه كسراية عتق الصحيح الموسر.
والرواية الثانية: لا يعتق إلا حصته لأنه بموته يزول ملكه إلى ورثته، فلا
يبقى شيء يقضي به الشريك، وبهذا قال الأوزاعي، أما إذا دبّر بعض عبده،
وهو أن يقول: إذا مت فنصف عبدي حر، فإن كان النصف المدبر ثلث ماله
من غير زيادة عتق ولم يسر، وإن كان العبد كله يخرج من الثلث ففي تكميل
الحرية روايتان، إحداهما: تكمل، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن أبا حنيفة،
وأصحابه يرون التدبير كالإعتاق في السراية، وهو أحد قولي الشافعي، والرواية
الثانية: لا يكمل العتق، انتهى.
وأما مذهب الحنفية في ذلك فما في ((الهداية)): إذا قال المولى لمملوكه:
إذا مت فأنت حرٌّ، أو أنت حر عن دُبٍ مني، أو أنت مدبر، فصار مدبراً، قال
ابن الهمام(١): لأن هذه الألفاظ صريح في التدبير، فإنه أي التدبير إثبات العتق
عن دُبرٍ، وهو ثلاثة أقسام؛ الأول: ما يكون بلفظ إضافة كبعض ما ذكرنا، يعني
نحو أنت مدبر، ومنه حَرَّرْتُك، أو أنت حر بعد موتي، والثاني: ما يكون بلفظ
التعليق كَإن متُ أو إذا مت فأنت حر، والثالث: ما يكون بلفظ الوصية، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): التدبير تعليق العتق بموته كإذا مت فأنت حر أو
أنت حر عن دبر مني أو أنت مدبر، وبموته عتق من ثلث ماله يوم موته، وسعى
بحسابه إن لم يخرج من الثلث، وفي ثلثيه إن لم يترك غيره وله وارث لم يجز
(١) ((فتح القدير)) (٣١٧/٤).
(٢) انظر: ((الدر المختار)) (٧٥٠/٣).
٥٧٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَعْتَقَ الرَّجُلُ ثُلُثَ عَبْدِهِ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَبَثَّ
عَتْقَهُ. عَتَقَ عَلَيْهِ كُلُّهُ فِي ثُلُثِهِ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يُعْتِقُ
ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. لِأَنَّ الَّذِي يُعْتِقُ ثُلُثَ عَبْدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَوْ عَاشَ
رَجَعَ فِيهِ. وَلَمْ يَنْفُذْ عِثْقُهُ. وَأَنَّ الْعَبْدَ الَّذِي يَبِتُ سَيِّدُهُ عِنْقَ ثُلُثِهِ فِي
مَرَضِهِ، يُعْتَقُ
التدبير، فإن لم يكن له وارث أو كان وأجازه عتق كله، لأنه وصية، وسعى في
كل قيمته لو كان المولى مديوناً بمحيط وهو حينئذ كمكاتب أي عند الإمام،
وقال: حر مدیون، انتھی.
وعُلِم منه أن في الفروع المذكورة في ((الموطأ)) يكون عليه السعاية عند
الأئمة الثلاثة للحنفية مع الخلاف بينهم في أنه حر مديون أو بمنزلة المكاتب.
(قال مالك: ولو أعتق رجل ثلثَ عبده وهو مريض) حال من فاعل أعتق
يعني أعتق في حالة المرض ثلث عبده (فبتّ) بتشديد التاء أي أنجز وأحكم
(عتقه) يعني لم يعلقه على شيء (عتق) من المجرد في النسخ الهندية، وأكثر
المصرية فهو ببناء المعلوم، وفي بعضها أعتق فهو ببناء المجهول (عليه) أي
على المريض (كله) أي كل العبد (في ثلثه) أي في ثلث مال المريض المذكور
بعد موته إن مات في مرضه هذا.
(وذلك) أي وجه الفرق بين هذا وبين الذي تقدم من وصية الإعتاق (أنه
ليس) هذا المريض (بمنزلة الرجل) الذي (يعتق ثلث عبده بعد موته) وهو الذي
تقدم حكمه في القول السابق.
(لأن الذي يعتق) ببناء الفاعل من الإعتاق، ومفعوله (ثلثَ عبده بعد موته
لو عاش رجع فيه) يعني كان الرجوع مباحاً لو شاء رجع لأنها كانت وصية،
وللموصي حق في الرجوع عن الوصية (ولم ينفذ عتقه) عند الوصية، بل كان
وقت نفاذه بعد الموت (وأن العبد) المذكور في هذا القول الثاني، وهو (الذي
يبت) بتشديد المثناة (له سيدُه) فاعله (عتقَ ثلثه) مفعوله (في مرضه يعتق) ببناء
٥٧٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١٢٤٧) حديث
عَلَيْهِ كُلُّهُ إِنْ عَاشَ. وَإِنْ مَاتَ أُعْتِقَ عَلَيْهِ فِي ثُلُثِهِ. وَذُلِكَ أَنَّ أَمْرَ
الْمَيِّتِ جَائِزٌ فِي ثُلُثِهِ. كَمَا أَنَّ أَمْرَ الصَّحِيحِ جَائِزٌ فِي مَالِهِ كُلِّهِ.
المجهول (عليه كله إن عاش) ولم يمت في مرضه ذلك، ولم ينظر فيه إلى ثلث
ماله، لأنه صار بمنزلة الصحيح الذي أعتق شقصاً من عبده.
(وإن مات) هذا المريض الذي بتّ عتق ثلث عبده في مرضه (أعتق) ببناء
المجهول (عليه في ثلثه) أي في ثلث ماله.
(وذلك) أي وجه تخصيص ثلث ماله (أن أمر الميت جائز في ثلث ماله)،
لا في زائد منه إجماعاً (كما أن أمر الصحيح جائز في ماله كله) يعني حكم
المريض الذي مات في مرضه في ثلث ماله حكم الصحيح السالم في جميع
ماله .
قال الباجي(١): وهذا على نحو ما قال: إن المريض إذا أعتق جزءاً من
عبده فإنه يعتق جميعه في ثلثه، وذلك إن مات في مرضه ذلك، وفَرَّقَ مالكٌ بين
هذا وبين الذي يُؤْصِي بعتق ثلث عبده، بأن هذا قد لزمه العتق، وإن عاش تمم
عليه، والذي أوصى بعتق ثلث عبده لو عاش كان له الرجوع عنه، ومتى يقوم
عليه باقي العبد الذي أعتق المريض شقصاً منه.
روى ابن حبيب عن مطرف عن مالك في الذي يعتق شقصاً له من عبد
يَقَوَّمُ عليه في ثلثه، سواء عثر عليه قبل أن يموت أو بعده، وقال ابن الماجشون:
لا يُقَوَّمُ عليه حتى يصح فيقوم عليه في ماله، أو يموت فيعتق عليه في ثلثه ما
أعتق، ولا يقوم عليه نصيب صاحبه وإن حمله الثلث، لأن التقويم لا يلزم إلا
في عتق يتعجل أو يتأجل إلى أجل قريب لا يرده دينٌ، وهذا قد يرده الدین،
إلا أن تكون له أموال مأمونة، فيقوم عليه، ويعجل له العتق قبل أن يموت،
وروى سحنون عن أبيه عن ابن القاسم يوقف، فإن مات قوم عليه في ثلثه أو ما
حمل منه، وإن كانت له أموال مأمونة قُوِّمْ فيها، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٦١/٤).
٥٧٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
(٢) باب الشرط في العتق
وقال الموفق(١): إن أعتق بعض عبده في مرضه فهو كعتق جميعه، إن
خرج من الثلث عتق جميعه وإلا عتق منه بقدر الثلث؛ لأن الإعتاق في المرض
كالإعتاق في الصحة إلا في اعتباره من الثلث، وتصرف المريض في ثلثه في
حق الأجنبي كتصرف الصحيح في جميع ماله.
وفي ((الهداية)): من أعتق في مرضه عبداً، فذلك جائز، وهو معتبر من
الثلث لتعلق حق الورثة، وما نفذه من التصرف فالمعتبر فيه حالة العقد، فإن
كان صحيحاً فهو من جميع المال، وإن كان مريضاً فمن الثلث، وكل مرض
صحّ منه فهو كحال الصحة، لأن بالبرء تبيّن أنه لا حق في ماله، انتهى
مختصراً .
(٢) الشرط في العتق
قال الحافظ(٢): الشرط بفتح أوله وسكون الراء هو ما يستلزم نفيه نفي
أمر آخر غير السبب، وقال العيني(٣): الشرط العلامة، وفي الاصطلاح ما
يُتَوَقف عليه وجود الشيء ولم يكن داخلاً فيه، انتهى. ويصح تعليق العتق
بالصفات كدخول الدار ومجيئ الأمطار، لأنه عتق بصفة، فصح كالتدبير، ومتى
وجد الشرط، وهو في ملكه عتق بغير خلاف نعلمه.
فإن خرج عن ملكه ببيع أو ميراث لم يعتق، وبهذا قال أبو حنيفة
والشافعي، وقال النخعي وابن أبي ليلى: إذا قال لعبده: إن فعلت كذا فأنت
حر، فباعه بيعاً صحيحاً، ثم فعل ذلك عتق، وانتقض البيع، قال ابن أبي ليلى:
إذا حلف بالطلاق. لا كلمتُ فلاناً ثم طلقها طلاقاً بائناً، ثم كلمه حنث،
(١) ((المغني)) (١٤/ ٣٩٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٣١٣/٥).
(٣) ((عمدة القاري)) (٦٠٦/٩).
٥٧٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
وعامة أهل العلم على خلاف هذا القول، كذا في ((الشرح الكبير)) و((المغني)).
قال الموفق(١): وتعليق العتق على أداء شيء. ينقسم ثلاثة أقسام؛
أحدها: تعليقه على صفة محضة كقوله: إن أديت إليّ ألفاً فأنت حر، فهذه صفة
لازمة لا سبيل إلى إبطالها؛ لأنه ألزمها نفسه طوعاً، فلم يملك إبطالها كما لو
قال: إن دخلت الدار فأنت حر، ولو اتَّفَقَ السيد والعبد على إبطالها لم تبطل
بذلك.
والثاني: صفة جمعت معاوضةً وصِفَةً، والمَغَلَّبُ فيها حكمُ المعاوضة،
وهي الكتابة الصحيحة، فهي مساويةٌ للصفة المحضة في العتق لِوجودِها،
وتخالفها في أنه لو أبرأه السيد من المال برئ منه وعتق.
الثالث: صفة فيها معاوضةٌ، والمغَلَّبُ فيها حكم الصفة وهي الكتابة
الفاسدة نحو الكتابة على مجهول، أو مع إخلال شرط من شروط الكتابة،
فتساوي الصفة المحضةُ والكتابة في أنه لا يعتق بالأداء، لأنه عِتْقٌ مُعَلَّقٌ على
شرطٍ، ويُفارقهما في أن للسيد فسخها ورفعها؛ لأنها فاسدة، انتهى مختصراً.
وفي ((البدائع)) (٢): الإعتاق لا يخلو أن يكون تنجيزاً أو تعليقاً بشرط أو
يكون إضافة إلى وقتٍ، فإن كان تنجيزاً يشرط قيام الملك وقت وجوده، لأن
التنجيز إثبات العتق للحال، ولا عتق بدون الملك، وإن كان تعليقاً. فالتعليق
في الأصل نوعان: تعليق محض، ليس فيه معنى المعاوضة، وتعليق فيه معنى
المعاوضة فيكون تعليقاً من وجه ومعاوضةٌ من وجهٍ .
والتعليق المحض نوعان أيضاً: التعليق بما سوى الملك وسببه من
الشروط، وتعليق بالملك أو بسبب الملك، وكل واحد منهما على ضربين:
(١) ((المغني)) (١٤ / ٤٠٢).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤٨٣/٣).
٥٧٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٢) باب
تعليق صورةً ومعنَى، وتعليق معنًى لا صورةً، فيقع الكلام في الحاصل في
الموضعين، إحدهما: في بيان أنواع التعليق ما يشترط لصحة قيام الملك وقت
وجوده وما لا يشترط، والثاني: في بيان ما يظهر به وجود الشرط.
أما الأول: فالتعليق المحض بما سوى الملك وسببه، فنحو التعليق
بدخول الدار، وقدوم عمرو ونحو ذلك، مثل أن يقول: إن دخلت الدار فأنت
حر، أو إذا قدم فلان ونحو ذلك، فإنه تعليق صورةً ومعنى لوجود حرف التعليق
والجزاء، وهذا النوع من التعليق لا يصح إلا في الملك، وكذا إذا أضاف
اليمين إلى الملك أو سببه كان الجزاء متيقن الوجود عند وجود الشرط،
فيحصل معنى اليمين فتنعقد اليمين.
ومن هذا القبيل قول الرجل لعبده: إن أديت إليّ ألفاً فأنت حر، لأنه
تعليق صورةً ومعنى لوجود الشرط والجزاء فيصح في الملك، ويتعلق العتق
بوجود الشرط، وهو الأداء إليه في ملكه.
وقال بعض المشايخ: إن العتق في هذا الفصل ثبت من طريق المعاوضة،
لا بوجود الشرط حقيقة كما في الكتابة، والصحيح أنه ثبت بوجود الشرط
حقيقة كما في سائر التعليقات بشروطها لا بطريق المعاوضة، وقد رُوي عن
أبي يوسف أنه قال في رجل قال لعبده: إذا أديت إليّ ألفاً فأنت حر، فإن
أبا حنيفة قال: ليس هذا بمكاتب، وللمولى أن يبيعه، وكذا قال أبو يوسف
ومحمد، فإن أدى قبل أن يبيعه يجبر المولى على قبوله ويعتق، فإن مات
المولى قبل أن يؤدي الألف فالعبد رقيق يورث بخلاف الكتابة.
وقالوا: إن المولى لو باعه قبل الأداء صحّ كما في قوله: إن دخلت الدار
فأنت حر، بخلاف المكاتب، فإنه لا يجوز بيعه من غير رضا المكاتب. وإن
رضي تنفسخ الكتابة، ومن هذا القبيل التدبير والاستيلاد؛ لأن كل واحدٍ منهما
تعليق العتق بشرط الموت، إلا أن التدبير تعليق بالشرط قولاً، والاستيلاد تعليق
بالشرط فعلاً، لكن الشرط فيهما يدخل على الحكم، لا على السبب.
٥٨٠