النص المفهرس

صفحات 541-560

٢٩ - كتاب الرضاع
(٣) باب
(١٢٤٥) حديث
ذكر بعده حديث جدامة كذا في ((العون))(١). وبه قال القاري، وبه جمع شيخ
مشايخنا الكنگوهي في ((الكوكب))(٢): أن النهي في حديث أسماء للتنزيه،
والنهي الذي قصده للتحريم فلا منافاة، وحكي عن الطيبي في وجه الجمع بأن
نفيه وير لأثر الغيل، يعني في حديث جدامة كان إبطالاً لاعتقاد الجاهلية كونه
مؤثراً، وإثباته يعني في حديث أسماء، لأنه سبب في الجملة مع كون المؤثر
الحقيقي هو الله تعالى، اهـ.
قلت: ويظهر الجمع بينهما أيضاً بما تقدم من كلام الباجي؛ بأنه لا يضرُّ
ضرراً عاماً، وإنما يضرُّ في النادر، فلذلك لم يُحَرِّمْه رفقاً بالناس لما فيه من
المشقة على من له زوجة واحدة، فيمتنع من وطئها مدة، فتلحقه بذلك المشقة،
وهذه مشقة عامة، فكانت مراعاتها أرفق بأمته من المشقة الخاصة التي تلحق
اليسير من الأطفال، اهـ.
وقال ابن القيم في ((الهدي))(٣): لا ريب أن وطء المراضع مما تعمُّ به
البلوى، ويتعذّرُ على الرجل الصبر على امرأته مدة الرضاع، ولو كان وطؤُهن
حراماً لكان معلوماً من الدين، وكان بيانُه من أهم الأمور، ولم تُهْمِلْه الأمةُ
وخير القرون، ولا يصرح أحد منهم بتحريمه، فعُلِم أن حديث أسماء على وجه
الإرشاد والاحتياط للولد، وأن لا يُعَرِّضَه لفساد اللبن بالحمل الطارئ عليه،
ولذا كان عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم غيرَ أمهاتهم، والمنع منه غايته
أن يكون من باب سدِّ الذرائع، اهــ يعني أنها إذا حملت فسد اللبن، فيفسد
جسم الصبي ويضعف، وربما كان ذلك في عقله.
(١) انظر: ((عون المعبود)) (٦٦٦/١٠).
(٢) ((الكوكب الدري)) (٩٥/٣).
(٣) ((زاد المعاد)) (١٣٥/٥).
٥٤١

٢٩ - كتاب الرضاع
(٣) باب
(١٢٤٦) حديث
١٧/١٢٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْم، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ
زَوْجِ النَّبِيِّ بَّرِ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ : - عَشْرُ
رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ - ثُمَّ نُسِخْنَ بٍ - خَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ - فَتُوُفِّيَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ وَهُو
وقال الأبي(١): احتجّ من قال بأن الغيلة وطء المرضع بأن إرضاع
الحامل مضرٌّ، ودليله العيان، فلا يصح حمل الحديث عليه؛ لأن الغيلة التي فيه
لا تضر، وهذه تضر، اهـ. وهذا يشير إلى وجه الجمع بطريق آخر، وهو
الأوجه عندي أن الغيلة في حديث جدامة الوطء في حالة الرضاع، وفي حديث
أسماء إرضاع الحاملة، والمعروف عند العلماء وأهل الفن أن الثاني يضُرُّ
كثيراً .
١٧/١٢٤٦ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم)
بالزاي، وفي النسخ المصرية: عبد الله بن أبي بكر بن حزم بالنسبة إلى الجد
(عن عمرة بنت عبد الرحمن) الأنصارية (عن عائشة) أم المؤمنين (زوج النبي وكل
أنها قالت: كان فيما أنزل) ببناء المجهول (من القرآن) بيان لما يعني كان فيما
نزل في القرآن أولاً (عشر رضعات) بسكون الشين وفتح الضاد المعجمتين
(معلومات) قال القرطبي: وصفها بذلك تحرزاً عما شكّ في وصوله (يحرمن)
بضم التحتية وكسر الراء المشددة (ثم نسخن) ببناء المجهول أي العشر
الرضعات (بخمس) رضعات (معلومات) يعني نزلت خمس رضعات معلومات
يحرمن، ثم نسخت تلاوته أيضاً في آخر زمانه وَله .
(فتوفي) ببناء المجهول (رسول الله وَّل﴿ وهن) كذا في النسخ الهندية
و((موطأ محمد))، أي خمس رضعات، وفي المصرية ((وهو)) أي قوله عز اسمه،
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٦٧).
٥٤٢

٢٩ - كتاب الرضاع
(٣) باب
(١٢٤٦) حديث
فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.
ولابن وضاح وهي أي آية خمس رضعات كانت (مما يُقْرَأ) ببناء المجهول وفي
النسخ المصرية: فيما يقرأ (من القرآن) تعني أن بعض من لم يبلغه النسخ كان
يقرأه؛ لأن النسخ لا يكون إلا في زمان الوحي، فكيف بعد وفاته وَله، أرادت
بذلك قرب زمان الوحي.
قال التوربشتي: لا يجوز أن يقال: إن تلاوتها كانت باقية، فتركوها،
فإن الله تعالى رفع قدر هذا الكتاب المبارك عن الاختلال والنقصان، وتولى
حفظه، وضمن صيانته، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
◌َفِظُونَ﴾(١) فلا يجوز على كتاب الله تعالى أن يضع منه آية، ولا أن ينخرم
حرف كان يُتْلَى في زمان الرسالة، اهـ.
وقال شيخ مشايخنا القطب الكَنكوهي في ((الكوكب))(٢): قد نزل في أول
الأمر: (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم عشر رضعات معلومات) ثم نسخ بقوله
تعالى: (خمس رضعات معلومات) وحينئذ قال رَّله: ((لا تُحَرِّمُ المصّةُ ولا
المصَّتان)) ثم نسخ ذلك بإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ إلا أن
هذا النسخ الثاني لم يبلغ عائشة، وكانت تعلم أن الأمر باق، ولذا قالت: توفي
رسول الله وَله والأمر على ذلك، والدليل على مقالتنا القراءات المشهورة
المتواترة، إذ لو كان الأمر عند وفاته وَالرّ على ذلك لكانت القراءة كذلك، اهـ.
قلت: ويحتمل عندي أن الضمير في هُنّ يقرأ إلى العشر المنسوخ،
والمعنى أن عشر رضعات نسخ بخمس رضعات، نسخ القرآن بالسنة ونسخت
تلاوته أيضاً، لكن لما تأخرت تلاوته إلى قرب وفاته وَّة، فبعض من لم يبلغه
النسخ كان يقرأه، وعلى هذا فلا يحتاج إلى الجواب عن آية خمس رضعات؛
(١) سورة الحجر: الآية ٩.
(٢) (٢٤٨/٢).
٥٤٣

٢٩ - كتاب الرضاع
(٣) باب
(١٢٤٦) حديث
قَالَ يحيى: قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ، عَلَى هَذَا العمل.
أخرجه مسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع، ٦ - باب التحريم بخمس رضعات،
حديث ٢٤.
لأنه ليس بآية، بل حكم الحديث، والدليل على تأخر نسخ عشر رضعات ما روي
عنها أن آية رضاع الكبير عشر كانت في صحيفة تحت سريري عند وفاة رسول الله وليه،
فلما توفي، وشغلنا به دخلت داجن للحيّ، فأكلت تلك الصحيفة، فهذه بيان للآية
المنسوخة، وكانت باقية عند عائشة - رضي الله عنها - إلى وفاته وَله، لكنها لما كانت
منسوخة أطعمها الله الشاة، ولم يتأسف بها عائشة - رضي الله عنها -.
وقال النووي(١): إن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جداً حتى إنه وله
توفي، وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآناً متلواً لكونه لم يبلغه
النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا
على أن هذا لا يتلى، اهـ.
(قال مالك: وليس العمل) أي عمل جمهور العلماء من الصحابة والتابعين
(على هذا) أي على الأخذ بخمس رضعات المفهومة من حديث عائشة -
رضي الله عنها -، بل الرضاعة قليلها وكثيرها محرم، قال ابن عبد البر(٢):
وبحديث الباب تمسك الشافعي لقوله: لا يقع التحريم إلا بخمس رضعات،
وأجيب بأنه لم يثبت قرآناً، وهي قد أضافته إلى القرآن، واختلف عنها في
العمل به، فليس بسنة ولا قرآن، وقال المازري: لا حجة فيه؛ لأنه لم يثبت
إلا من طريقها، والقرآن لا يثبت بالآحاد.
إن قيل: إذا لم يثبت أنه قرآن بقي الاحتجاج به في عدد الرضعات؛ لأن
المسائل العملية يصحّ التمسك فيها بالآحاد؟ قيل: هذا وإن قاله بعض
الأصوليين، فقد أنكره حُذَّاقُهم؛ لأنها لم ترفعه، فليس بقرآن ولا حديث.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٩/١٠/٥).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٥/١٨).
٥٤٤

٢٩ - كتاب الرضاع
(٣) باب
(١٢٤٦) حديث
قال الحافظ: قول عائشة لا ينتهض للاحتجاج على الأصح من قولي
الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن
لا خبر، فلم يثبت كونه قرآناً، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد))(١): قال ابن الهمام وغيره: ما حاصله: أنه لا
يخلو إما أن يقال بنسخ الخمس أيضاً أو لا؟، على الثاني يلزم ذهاب شيء من
القرآن لم يثبته الصحابة، ولا يثبت بقول عائشة وحدها كونه من القرآن، وعلى
الأول فلما ثبت نسخ التلاوة، فبقاء حكمه بعده يحتاج إلى دليل، اهـ.
على أن الروايات عنها - رضي الله عنها - في ذلك مختلفة جداً، فقد
تقدم عنها في ((الموطأ)) عشر رضعات في إرضاع أم كلثوم سالماً، وروي عنها
سبع رضعات، قال الحافظ(٢): أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح عن
ابن الزبير عنها، وأخرج عبد الرزاق عن عروة كانت عائشة تقول: لا يُحَرِّمُ
دون سبع رضعات أو خمس رضعات، وعند عبد الرزاق عنها بإسناد صحيح
عنها قالت: لا يُحَرِّمُ دون خمس رضعات معلومات.
وأخرج البيهقي وغيره عنها بطرق مرفوعاً وموقوفاً: ((لا تحرم المصَّةُ ولا
المصَّتان))، ومقتضى ذلك تحريم الثلاث، ولذا قال ابن عبد البر(٣) وغيره: إن
روايتها - رضي الله عنها - في الرضاع مضطربة، قال ابن جرير: الرواية عنها
في ذلك مضطربة، فروي أنها كانت لا تحرم إلا بعشر، وروي بخمس،
والمعروف عنها بنقل الثقات أنها كانت لا تحرم إلا بسبع مع اختلاف في
ذلك، قاله ابن التركماني(٤).
(١) (٥٩٨/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (١٤٧/٩).
(٣) ((الاستذكار)) (٢٦٦/١٨).
(٤) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٤٥٦/٧).
٥٤٥

٢٩ - كتاب الرضاع
(٣) باب
(١٢٤٦) حديث
(كمل الرضاع بعون الله) هكذا في النسخ الهندية، وليست هذه العبارة ولا
شيء آخر بمعناها في النسخ المصرية .
واختلفت النسخ بعد هذا الكتاب في الترتيب جداً، ففي جميع النسخ
المصرية بعدها كتاب البيوع، وفي النسخ الهندية كتاب العتق والولاء، ولما
كان ترتيب هذا ((الأوجز))، على وفق النسخ الهندية قدمنا كتاب العتق على
كتاب البيوع.
٥٤٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٣٠) كتاب العتق
هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها العتاقة، وهما بمعنى،
قال صاحب ((المحلى)): العتق والعتاق: القوة، وعتق الفرخ إذا قَوِيَ على
الطيران، وفرسٌ عتيقٌ إذا كان سابقاً قوياً، والبيت العتيق لاختصاصه بالقوة
الدافعة عنه، وقيل للقديم عتيقاً لقوة سبقه، وللخمر إذا تقادمت لزيادة قوتها،
وقال الحافظ(١): العتق بكسر المهملة إزالة الملك، يقال: عتق يعتق عتقاً بكسر
أوله ويفتح، وعتاقاً وعتاقة، قال الأزهري: مشتقُّ من قولهم: يعتق الفرس إذا
سبق، وعتق الفرخُ إذا طار؛ لأن الرقيق يتخلَّصُ بالعتق، ويذهب حيث شاء.
قال العيني (٢): العتق لغة: القوة، من عتق الطائر إذا قوي على جناحيه،
وفي الشرع: عبارة عن قوة شرعية في مملوك، وهي إزالة الملك عنه، والرق
ضعف شرعي يثبت في المحل، فيعجزه عن التصرفات الشرعية، ويسلبه أهلية
القضاء والشهادة والسلطنة والتزوج وغير ذلك، والعتاق اسم للعتق، يقال:
أعتقت العبد أعتقه إعتاقاً وعتاقة، انتهى.
قال الدردير(٣): عتق يعتق من باب ضرب ودخل لازم، يتعدَّى بالهمزة،
فلا يقال: عتق السيد عبده، بل أعتقه، انتهى.
والولاء
قال العيني (٤): الولاء بفتح الواو والمد، هو حقُ إرثِ المعتق من
(١) ((فتح الباري)) (١٤٦/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٠٩/٩).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٥٩/٤).
(٤) ((عمدة القاري)) (٣٣٥/٩).
٥٤٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
(١) باب من أعتق شركاً لَهُ في مملوك
العتيق، وهذا يسمى ولاء العتاقة، وسببه العتق لا الإعتاق؛ لأنه إذا ورث
قريبه يعتق عليه، ويكون ولاؤه له، ولو كان سبب الإعتاق لما ثبت له
الولاء؛ لأنه لم يوجد الإعتاق، قال الحافظ: قال الخطابي: لما كان
الولاء، كالنسب كان من أعتق ثبت له الولاءُ، كمن ولد له ولدٌ ثبت له
نسبه، فلو نسب إلى غيره لم ينتقل نسبه عن والده، وكذا إذا أراد نقل
ولائه عن محله لم ينتقل.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بتقديم الكتاب على التسمية إلا
نسخة الباجي، ففيها التسمية مقدمة على الكتاب، قال الزرقاني(١): وقد أسلفتُ
غير مرة أنه تارة يقدم الترجمة بكتاب؛ لأنه يجعلها كالعنوان، فيجعل البسملة
مبدأ المقصود، وتارة يُقَدِّمُ البسملةَ على كتاب تَفتُّناً، انتهى.
(١) ما جاء فيمن أعتق شركاً
بكسر الشين وسكون الراء مصدر أطلق على متعلقه، والمراد النصيب في
العبد المشترك، قال العيني: الشقص بكسر الشين وسكون القاف النصيب قليلاً
وكثيراً، ويقال له الشقيص أيضاً، ويقال له الشرك أيضاً. وقال الداودي:
الشقص والسهم والنصيب والحظ کله واحدٌ.
له في عبد
وفي النسخ المصرية. ((مملوك)).
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٧٧).
٥٤٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
قال الزرقاني(١): ولذا أشار بلفظ المملوك في الترجمة إلى أن المراد
بلفظ العبد في الأحاديث المملوك ذكراً كان أو أثنى، قال الحافظ: وادّعى
ابنُ حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة، وفيه نظر. وقال القرطبي: العبد
اسمٌ للملوك الذكر بأصل وضعه والأمة اسم لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثم قال
إسحاق بن راهويه: إن هذا الحكم لا يتناول الأثنى، وخالفه الجمهور، فلم
يفرقوا في الحكم بين الذكر والأنثى، إما لأن لفظ العبد يراد به الجنس، كقوله
تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ ءَنِ الزَّهَْنِ عَبْدًا (49)﴾(٢) فإنه
يتناول الذكر والأنثى قطعاً، وإما على طريق الإلحاق لعدم الفارق، انتهى.
ثم العبد إذا كان مشتركاً بين اثنين أو أكثر، فأعتقوه معاً، فالمسألة
إجماعيّة بين أهل العلم، قال الموفق(٣): إن العبد متى كان لثلاثة، فأعتقوه
معاً، إما بأنفسهم بأن يتلفَُّوا بعتقه معاً أو يُعَلِّقوا عتقه على صفة واحدة،
فتوجد، مثل أن يقول كل واحد منهم: إذا دخلت الدار فنصيبي منك حرٌّ،
فدخل عتق عليهم جميعاً، سواء قالوا ذلك دُفعة أو في دُفعات متفرِّقَةٍ؛ لأن
العتق في أنصبائهم يقع دفعة واحدة، وإن اختلفت أوقات تعليقه، أو يوكلوا
واحداً، فيعتقه أو يوكل اثنان منهم الثالث، فيعتقه، فإنه يصير حراً، وولاؤه
بينهم على قدر حقوقهم، وهذا لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافاً، انتهى.
وأما إذا أعتقه سادته الاثنان أو أكثر منهما واحداً بعد واحد، فالمسألة
خلافية جداً، والاختلاف فيه وسیع.
ذكر النووي فيه عشرة مذاهب(٤)، والعيني(٥) على البخاري أربعة عشر
(١) (شرح الزرقاني)) (٤/ ٧٧).
(٢) سورة مريم: الآية ٩٣
(٣) («المغني)) (٣٥٠/١٤).
(٤) ((شرح النووي لصحيح مسلم)) (١٠/ ١٣٧، ١٣٨).
(٥) ((عمدة القاري)) (٢٧٤/٩) كتاب الشركة، باب تقويم الأشياء بين الشركاء.
٥٤٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
مذهباً، وعند التفحص يزيد عليها أيضاً، وها أنا أجمل مذاهبهم في ذلك
مختصراً.
الأول: مذهب ربيعة أن من أعتق حصة له من عبد بينه وبين آخر، لم ينفذ
عتقه، نقله أبو يوسف عنه، قاله العيني، قال النووي: أجمع العلماء على أن
نصيب المعتق يعتق بنفس الإعتاق إلا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه قال: لا
يعتق نصيب المعتق موسراً كان أو معسراً، وهكذا حكى عنه الحافظ بأنه لا
ينفذ عتق الجزء من موسر ولا معسر، قال: كأنه لم يثبت عنده الحديث،
انتھی.
الثاني: مذهب عروة ومحمد بن سيرين والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي
وزفر أن من أعتق شِركاً له في عبدٍ ضمن قيمة حصة شريكه، موسراً كان أو
معسراً، ورووا ذلك عن عبد الله بن مسعود وعمر بن الخطاب - رضي الله
عنهما - قاله العيني.
قال النووي: مذهب زفر وبعض البصريين أنه يُقَوَّمُ على المعتق ويؤدي
القيمة إذا أيسر، انتهى.
قال الحافظ(١): قال زفر: يعتق كله، وتُقَوَّمُ حصة الشريك، فتؤخذ إن
كان المعتق موسراً، وترتب في ذمته إن كان معسراً، انتهى.
وحكاه الموفق مذهباً ولم ينسبه إلى قائله، بل قال: حكى ابن المنذر
قولين شاذّين، أحدهما: أنه باطل، لأنه لا يمكن أن يعتق نصفه منفرداً إذ لا
يمكن أن يكون إنسان نصفه حر، ونصفه عبد، كما لا يمكن أن يكون نصف
المرأة طالقاً، ونصفها زوجة، ولا سبيل إلى إعتاق جميعه فبطل كله، والثاني:
يعتق كله، وتكون قيمة نصيب الذي لم يعتق في ذمة المعتق يتبع بها إذا أيسر
كما لو أتلفه، وهذان القولان شاذان، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (١٦٠/٥).
٥٥٠

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
قلت: الأول منهما سيأتي في المذهب التاسع عشر، والثاني هو مذهب
زفر وحكاه ابن الهمام عن زفر وبشر المريسي، وحكاه الباجي قولاً لمالك: إذ
قال: فلو كان معسراً، قال مالك في ((كتاب ابن المواز)): لشريكه أن يُقَوِّمَ عليه
حصته، ويتبعه في ذمته، انتهى.
وقال الشوكاني في ((النيل)): حكي في ((البحر)) عن الفريقين من الحنفية
والشافعية مثل قول زفر، فلينظر في صحة ذلك، انتهى.
الثالث: مذهب الزهري، وعبد الرحمن بن يزيد، وعطاء بن أبي رباح،
وعمرو بن دينار، أنه ينفذ عتق من أعتق، ويبقى من لم يعتق على نصيبه، يفعل
فيه ما يشاء، قاله العيني. وحكى الموفق مذهب الزهري بخلاف ذلك، كما
سيأتي في كلامه في المذهب التاسع.
الرابع: مذهب عثمان البتيِّ أنه ينفذ عتق الذي أعتق في نصيبه، ولا يلزمه
شيء لشريكه، إلا أن تكون جارية رائعة، تلتمس للوطء، فإنه يتضمن للضرر
الذي أدخل على شريكه، قاله العيني، وهكذا حكى النووي مذهبه.
وقال الموفق(١): قال البتِّي لا يَعْتِقُ إلا حِصّةُ المعتق، ونصيبُ الباقين
باقٍ على الرق، ولا شيء على المعتق لما روى ابن التِّلِبِّ عن أبيه أن رجلاً
أعتق شقصاً له في مملوك فلم يُضَمِّنْه النبيِ وَلَّ، رواه أحمد (٢)، ولأنه لو باع
نصيبه لاختص البيع به، فكذلك العتق إلا أن تكون جارية نفيسة يُغالى فيها،
فيكون ذلك بمنزلة الجناية من المعتق للضرر الذي أدخله على شریکه، انتهى.
وحكى الحافظ في ((الفتح))(٣) مذهبه بخلاف ذلك، فقال: قال عثمان
(١) ((المغني)) (٣٥١/١٤).
(٢) رواه أبو داود في ((السنن)) (٢/ ٣٥٠) بطريق أحمد.
(٣) ((فتح الباري)) (١٥٢/٥).
٥٥١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
البتي ينفذ عتق الشريك في جميعه، ولا شيء عليه لشريكه، إلا أن تكون الأمة
جميلةً تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر، انتهى. ولا
يبعد أن يكون لفظ ((في جميعه)) سهواً من الناسخ، والصواب ((في نصيبه)).
الخامس: مذهب الثوري والليث والنخعي في قول، فإنهم قالوا: إن
شريكه بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمن المعتق. قاله العيني، قلت: حكى
النووي والموفق مذهب الثوري بخلاف ذلك، وذكراه في جملة القائلين إنه يعتق
كله بإعتاقه، ويُقَوَّم عليه نصيبُ شريكه وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه،
فلو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول كان لغواً؛ لأنه صار حراً.
السادس: مذهب ابن جريج وعطاء بن أبي رباح في قول، أنه إن أعتق
أحد الشريكين نصيبه استُسْعي العبد سواء كان المعتق معسراً أو موسراً، قاله
العيني.
السابع: مذهب عبد الله بن أبي يزيد أنه إن أعتق شركاً له في عبد، وهو
مفلس، فأراد العبد أخذ نصيبه بقيمته، فهو أولى بذلك إن نقد، قاله العيني.
الثامن: مذهب ابن سيرين أنه إذا أعتق نصيبه في عبد، فباقيه يعتق من
بيت مال المسلمين، قاله العيني، وهكذا حكى مذهبه النووي، لكن ذكره في
ذيل إذا كان المعتق موسراً، وظاهر كلام الحافظ في ((الفتح)) أنه لا يختص
بيسار المعتق الأول، بل يعتق كله بعتق الأول، سواء كان موسراً أو معسراً،
ويكون نصيب من لم يعتق في بيت المال.
التاسع: مذهب الإمام مالك أن المعتق إن كان موسراً قُوِّمَ عليه حصص
شركائه، وأغرمها لهم، وأعتق كله بعد التقويم لا قبله، وإن شاء الشريك أن
يعتق حصته، فله ذلك، وليس له أن يمسكه رقيقاً، ولا أن يكاتبه، ولا أن
يبيعه، ولا أن يدبره، وإن كان معسراً فقد عتق ما أعتق، والباقي رقيق يبيعه
الذي هو له إن شاء أو يمسكه رقيقاً أو يكاتبه أو يدبره، وسواء أيسر المعتق
بعد عتقه أو لم يوسر، قاله العيني.
٥٥٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
وقال الحافظ: المشهور عند المالكية أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، فلو
أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي، قال
الموفق (١): قال الزهري وعمرو بن دينار ومالك والشافعي في قول له: لا يعتق
إلا بدفع القيمة، ويكون قبل ذلك ملكاً لصاحبه ينفذ عتقه فيه، ولا ينفذ تصرفه
فيه بغير العتق، انتهى.
وقال النووي: لا يعتق إلا بدفع القيمة، هو المشهور من مذهب مالك،
وبه قال أهل الظاهر، وهو قول للشافعي، انتهى.
قلت: وظاهر الدردير وغيره من الفروع أنه لا يشترط لعتق الباقي دفع
القيمة بالفعل على المرجح، نعم يشترط تقويم السلطان وحكمه بعتق الباقي.
قال الباجي(٢): إن ما يعتق عليه باقيه بتقويم السلطان لا قبل ذلك،
ومعنى ذلك أن لشريكه أن يعتق حصته إن شاء، انتهى. وبه جزم ابن رشد في
((البداية))(٣).
وقال الدردير (٤): وعتق بالحكم جميعه، قال الدسوقي: ما ذكر من توقف
العتق على الحكم إذا أعتق جزءاً من عبد، وكان الباقي له أو لغيره هو المشهور
من المذهب، كما قال ابن رشد، وقال اللخمي: هو الصحيح من المذهب،
وقيل: يكمل الباقي من غير حكم، وقيل: إن كان الباقي لغيره فبالحكم وإلا
فبدونه، والأقوال الثلاثة لمالك، وفي قول المصنف: ((جميعهُ)) مسامحة؛ لأن
المتوقف على الحكم بقيتُه لا جمیعه انتهى.
(١) ((المغني)) (١٤/ ٣٥٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢٥٨/٦).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣٦٨/٢).
(٤) ((الشرح الكبير)) (٣٦٩/٤).
٥٥٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
العاشر: مذهب الإمامين الشافعي وأحمد في المرجح عنهما، قال النووي
فيما إذا كان المعتق الأول موسراً: الصحيح في مذهب الشافعي، وبه قال
أحمد بن حنبل وإسحاق وبعض المالكية أنه عتق بنفس الإعتاق، ويقوم عليه
نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق، ويكون ولاء جميعه للمعتق، وليس للشريك
إلا المطالبة بقيمة نصيبه، كما لو قتله، وقال هؤلاء: لو أعسر المعتق بعد ذلك
استمرّ نفوذ العتق، وكانت القيمة ديناً في ذمته، ولو مات أخذت من تركته، فإن
لم تكن له تركة ضاعت القيمة، واستمرّ عتق جميعه.
قالوا: ولو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه كان إعتاقه لغواً،
لأنه قد صار كله حراً، قال النووي: وبه قال ابن شبرمة والأوزاعي والثوري
وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد، قال: وأما إذا كان المعتق الأول معسراً
حال الإعتاق، فمذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وموافقيهم ينفذ العتق
في نصيب المعتق فقط، ولا يطالب المعتق بشيء ولا يُسْتَسْعَى العبدُ، بل يبقى
نصيب الشريك رقيقاً كما كان، وبهذا قال جمهور علماء الحجاز، انتهى.
قلت: وهذا هو المرجح في مذهب الإمام أحمد كما بسطه الموفق بجميع
فروعه .
الحادي عشر: مذهب صاحبي أبي حنيفة: أبي يوسف ومحمد، ليس له
إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار، ولا يرجع المعتق على العبد
بشيء، والولاء للمعتق في الوجهين، وهو مذهب عبد الله بن شبرمة والأوزاعي
والحسن بن حي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي والحسن
البصري وحماد بن أبي سليمان وقتادة، قاله العيني.
قال ابن الهمام(١): وللشافعي قول كقولهما في اليسار والإعسار واختاره
المزني من أصحابه، انتهى.
(١) انظر: ((فتح القدير)) (٢٦٥/٤).
٥٥٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
قلت: ومبنى قول الصاحبين أن العتق لا يتجزأ عندهما مطلقاً، فإذا ثبت
العتق في الجزء من المعتق الأول سرى العتق في سائره، وصار حراً، فلم يبق
لشريكه إلا التضمين عند يسار المعتق الأول؛ ولا سعاية حينئذ، والسعاية فقط
عند إعسار الأول؛ لأن المفهوم من الروايات أنه إن كان غنيّاً ضمن، وإن كان
فقيراً سعى، وهذا التقسيم يشير إلى أن لا سعاية في الأول، ولا تضمين في
الثاني، ويسعى في حال إعساره حراً مديوناً.
الثاني عشر: مذهب الإمام أبي حنيفة أنه إذا أعتق أحد الشركين نصيبه
فشريكه بالخيار، إما أن يعتق نصيبه أو يستسعى العبد، والولاء لهما في
الوجهين، أو يضمن المعتق الأول قيمته لو موسراً، ويرجع بالذي ضمن على
العبد، ويكون الولاء حينئذ للمعتق الأول فقط، كذا في ((العيني)) وغيره من
الفروع.
ومبنى ذلك أن العتق متجزّأ عنده مطلقاً، فإذا أعتق أحد الشريكين نصيبه
لا يسري العتق في نصيب الآخر، بل يبقى العبد بمنزلة المكاتب، قلت: ولا
يجوز لشريكه أن يبيعه أو يهبه؛ لأنه كمكاتب، كذا في ((الدر المختار))(١).
قال النووي فيما إذا كان المعتق الأول معسراً: مذهب ابن شبرمة
والأوزاعي وابن أبي ليلى وسائر الكوفيين وإسحاق يُسْتسعى العبد في حصة
الشريك، واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدّى في سعايته على معتقه، فقال
ابن أبي ليلى: يرجع عليه، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع، ثم هو عند
أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتب، وعند الآخرين هو حر بالسراية،
انتھی .
قلت: ووافق أبا حنيفة في ذلك البخاري، قال الحافظ(٢) بعد بسط
(١) (٧٢٢/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١٥٩/٥).
٥٥٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
الكلام على حديث السعاية: فللذي صحّ رفعه أن يقول: معنى الحديث أن
المعسر إذا أعتق حصته لم يسر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه
على حالها، وهي الرق، ثم يستسعى العبد في عتق بقيته، فيحصل ثمن الجزء
الذي لشريك سيده، ويدفعه إليه، ويعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو
الذي جزم به البخاري.
ثم قال بعد ذلك: وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء إذا كان المعتق
معسراً أبو حنيفة وصاحباه والأوزاعي والثوري وإسحاق وأحمد في رواية،
وآخرون، ثم اختلفوا، فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال، ويُسْتسعى العبد
في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى. فقال: ثم يرجع العبد
على المعتق الأول بما أدّاه للشريك، وقال أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين
الاستسعاء وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداءً إلا النصيب
الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاري من أنه يصير كالمكاتب، وعن
عطاء يتخيّر الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرِقّ، انتهى.
والأخذ بالسعاية رواية لأحمد، ثم هو موافق للإمام أو صاحبيه، لم
يجزم به الموفق، بل ذكر الاحتمالين، والظاهر عندي الأول.
قال الموفق(١): ورُوي عن أحمد أن المعسر إذا أعتق نصيبه استسعى
العبد في قيمة حصة الباقين، حتى يؤدّيها فيعتق، ثم قال: وإذا قلنا بالسعاية
احتمل أن يعتق كله، وتكون القيمة في ذمة العبد ديناً، يستسعى في أدائها .
وتكون أحكامه أحكام الأحرار، فإن مات وفي يده مال كان لسيده بقية
السعاية، وباقي ماله موروث، وهذا قول أبي يوسف ومحمد، ويحتمل أن لا
يعتق حتى يؤدي السعاية، فيكون حكمه قبل أدائها حكم من بعضه رقيق إذا
(١) انظر: ((المغني)) (٣٥٧/١٤، ٣٥٨).
٥٥٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
مات؛ لأنه إعتاق بأداء المال، فلم يعتق قبل إعطائه كالمكاتب، انتهى.
قلت: والأوفق بما حُكِي من رواية أحمد هذا الثاني؛ لأنه روي عنه بلفظ
الفاء حتى يؤديها فيعتق.
الثالث عشر: مذهب ابن شُبْرُمة وابن أبي ليلى على ما تحصل من الأقوال
السابقة، وهو أن المعتق إن كان موسراً عتق كله بنفس الإعتاق من المعتق
الأول، ويكون له ولاؤه، ويضمن للشريك قيمة نصيبه، هكذا حكى مذهبهما
النووي والموفق وغيرهما، وإن كان المعتق الأول معسراً يستسعى العبد في
نصيب الشريك، ويرجع على المعتق الأول إذا أيسر.
قال الموفق(١): قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة: إذا استسعى في نصف
قيمته، ثم أيسر معتقه، رجع عليه بنصف القيمة؛ لأنه هو ألجأه إلى هذا وكلفه
إياه، انتهى.
وهكذا حكى النووي عن ابن أبي ليلى رجوع العبد على معتقه بما أدى
في سعايته، وذكره في جملة القائلين بأن العبد حر بالسراية، وهو ظاهر كلام
الحافظ في ((الفتح))، كما تقدم في المذهب الثاني عشر.
وقال ابن رشد (٢): قال أبو يوسف ومحمد: إن كان معسراً سعى العبد
في قيمته للذي لم يعتق حظه، وهو حرٌّ يوم أعتق من الأول، ويكون له ولاؤه.
وبه قال الأوزاعي وابن شبرمة وابن أبي ليلى وجماعة الكوفيون، إلا أن
ابن شبرمة وابن أبي ليلى جعلا للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى متى
أيسر، انتهى. وكذا قال السرخسي: إن مذهب الصاحبين، هو مذهب ابن
أبي ليلى إلا في حرف واحد، وهو الرجوع على المعتق إذا أيسر.
(١) ((المغني)) (٣٥٨/١٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٦٧/٢).
٥٥٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
الرابع عشر: مذهب عطاء على ما ذكره الحافظ في ((الفتح))، كما تقدم في
المذهب الثاني عشر من كلامه، فقال بعد ذكر القائلين بالاستسعاء: وعن عطاء
يتخير الشريك بين ذلك وبين إبقاء حصته في الرق، انتهى.
والظاهر أن المراد به عطاء بن أبي رباح، فإن العيني ذكر له قولين،
أحدهما في المذهب الثالث من بقائه على الرقّ، والثاني في المذهب السادس
من سعاية العبد، سواء كان المعتق موسراً أو معسراً .
الخامس عشر: قول الشافعي: إن العتق مُرَاعىً، فإن دفع أي المعتق
الأول القيمة تَبيَّنًا أنه كان عتق من حين أعتق نصيبه، وإن لم يدفع القيمة تبيَّنَّا
أنه لم يكن عَتَقَ، لأن فيه احتياطاً لهما، قاله الموفق في ((المغني)) (١).
السادس عشر: مذهب بكير بن الأشج، فإنه قال في رجلين بينهما عبد،
فأراد أحدهما أن يعتق أو يكاتب: فإنهما يتقاومانه، قاله العيني، وحكى
الحافظ في ((الفتح)) عن بكير بن الأشج أن التقويم يكون عند إرادة العتق لا بعد
صدوره، انتھی.
السابع عشر: مذهب الظاهرية على ما ذكره العيني (٢)، فقال: مذهب
الظاهرية أنه إذا أعتق أحدٌ نصيبه من العبد المشترك يعتق كله حين تلفَّظ بذلك،
فإن كان له مال يفي بقيمة حصة شريكه على حسب طاقته، ليس للشريك غير
ذلك، ولا له أن يعتق، والولاء للذي أعتق أولاً، ولا يرجع العبد على من
أعتقه بشيء مما سعى فيه حدث له مال أو لم يحدث، انتهى. هكذا ذكر
العيني، وجعله مذهباً مستقلاً، وجعل مذهب صاحبي أبي حنيفة مذهباً برأسه.
ولم أتحصل بعد بينهما فرقاً، فإن هذا هو مؤدى مذهب الصاحبين، نعم
(١) («المغني)) (٣٥٤/١٤).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٧٥/٩).
٥٥٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
على ما تقدم من كلام النووي في المذهب التاسع من مذهب أهل الظاهر أنه لا
يعتق عندهم إلا بدفع القيمة يحصل الفرق بين مذهبهم ومذهبهما، فإنهما لم
يديرا العتق على أداء القيمة، ويحصل الفرق بين الظاهرية وبين مذهب مالك
أيضاً، فإن مالكاً - رضي الله عنه - لم ير بالسعاية، فيكون مذهبهم مستقلاً غير
داخل في المذاهب المارة، ويؤيده أيضاً أن مذهب الظاهرية فيما إذا ملك
الإنسان عبداً بكماله، فأعتق شقصاً منه، فلا يعتق كله وفاقاً لأبي حنيفة، خلافاً
للجمهور، کما سيأتي في محله.
فإذا ما لا يجوز عندهم عتق الكل يعتق البعض في عبده، فكيف يعتق كله
في العبد المشترك، لا يقال: إنه يدخل إذاً مذهبهم في مذهب الإمام أبي حنيفة؛
لأنه يمتاز مذهبهم عن مذهبه بأن المعتق الأول إن كان موسراً، فللشريك ثلاث
اختيارات عند أبي حنيفة، كما تقدم في المذهب الثاني عشر، وليس له عندهم
على ما حكاه العيني، إلا التضمين فقط لا غير.
الثامن عشر: مذهب إسحاق بن راهويه أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء،
قال النووي: هذا القول شاذٌّ مخالفٌ للعلماء كافة، وترجم البخاري في
(صحيحه)) ((باب: إذا أعتق عبداً بين اثنين أو أمة بين الشركاء))، قال
الحافظ (١): كأنه أشار إلى ردّ قول إسحاق: إن هذا الحكم مختص بالذكور،
وهو خطأ، وادَّعَى ابن حزم أن لفظ العبد في اللغة يتناول الأمة، وفيه نظر.
وقال القرطبي: العبد اسم للمملوك الذكر بأصل وضعه، والأمة اسم
لمؤنثه بغير لفظه، ومن ثَمَّ قال إسحاق: إن هذا الحكم لا يتناول الأنثى،
وخالفه الجمهور، فلم يفرقوا في الحكم بين الذكر والأنثى، إما لأن لفظ العبد
يراد به الجنس، كقوله تعالى: ﴿إِلَّ ◌َتِىِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فإنه يتناول الذكر، والأنثى
(١) ((فتح الباري)) (١٥١/٥).
٥٥٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١) باب
قطعاً، وإما على طريق الإلحاق لعدم الفارق، وفي طريق لحديث ابن عمر أنه
كان يفتي في العبد والأمة يكون بين الشركاء، الحديث.
وفي آخره: يخبر ذلك عن النبي و ﴿، فظاهره أن الجميع مرفوع، وقد
أخرج الدارقطني عنه مرفوعاً: ((من كان له شرك في عبد أو أمة)) الحديث.
وهذا أصرح ما وجدته في ذلك، انتهى ما في ((الفتح)).
التاسع عشر: حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أنه لو كان المعتق
معسراً بطل عتقه في نصيبه أيضاً، فيبقى العبد رقيقاً، كما كان قال النووي،
وهذا مذهب باطل، انتهى.
قلت: وهذا أحد القولين حكاهما الموفق(١) إذ قال: حكى ابن المنذر
فيما إذا أعتق المعسر نصيبه قولين شاذّين، أحدهما باطل، لأنه لا يمكن أن
يعتق نصيبه منفرداً إذْ لا يمكن أن يكون إنسان نصفه حرٌّ ونصفه عبدٌّ، ولا سبيل
إلى إعتاق جميعه فبطل كله، انتهى. وتقدم كلامه بتمامه في المذهب الثاني.
قال العيني: وقد ادَّعَى ابن عبد البر الاتفاق على خلافه، فقال: قد
أجمع العلماء على القول بنفوذ العتق من الشخص، سواء كان المعتق معسراً أو
موسراً، انتهى.
العشرون: مذهب الجمهور أن من كان له مال، لكنه لا يبلغ تمام قيمة
نصيب الشريك هو في حكم الموسر في هذا القدر، قال الحافظ (٢): ظاهر
الأحاديث بلفظ: ((من كان له مال يبلغ ثمن العبد قُوِّمَ عليه)) أن من كان له مال.
لا يبلغ قيمة النصيب لا يقوم عليه مطلقاً، لكن الأصح عند الشافعية، وهو
مذهب مالك، أنه يسري إلى القدر الذي هو موسر به تنفيذاً للعتق بحسب
الإمکان، انتهى.
(١) ((المغني)) (٣٥٠/١٤).
(٢) «فتح الباري)) (١٥٤/٥).
٥٦٠