النص المفهرس
صفحات 521-540
٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَهَيَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُولِ. .... وَهِيَ مِنْ أَفْضَلِ أَيَامَى قُرَيْشٍ. فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، وقال الدمياطي: رواه يونس ويحيى بن سعيد وشعيب وغيرهم عن الزهري، فقالوا: هند، وروى مالك عنه، فقال: فاطمة، واقتصر أبو عمر في الصحابة على فاطمة بنت الوليد، ولم يترجم لهند، ولا ذكرها محمد بن سعد في الصحابة، ووقع عنده فاطمة بنت عتبة، فإما نسبها لجدها، وإما كانت لهذا أخت اسمها فاطمة، كذا في ((الفتح))(١) وفي ((البذل))(٢) عن الدارقطني: سماها مالك فاطمة، وخالفه غيره عن الزهري، فقالوا: هند وهو الصواب، وحكى ابن التين أن في بعض الروايات بنت أخته بضم الهمزة والمثناة الفوقية وهو غلط . (بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة) وقُتِل الوليد ببدر كافراً (وهي) أي فاطمة (يومئذ) أي زمان نكاحها بسالم (من المهاجرات الأول) بضم الهمزة وتخفيف الواو المفتوحة جمع الأولى. (وهي من أفضل أيامى قريش) جمع أيم، من لا زوج لها بكراً أو ثيباً، ولعله ذكر فضائلها إظهاراً لشدة حبه سالماً، فإنه أنكحه ببنت أخيها على رفعتها وعلو شأنها، وترجم البخاري على حديث الباب ((باب الأكفاء في الدین)). قال ((العيني))(٣): مطابقته للترجمة تؤخذ من تزويج أبي حذيفة بنت أخيه بسالم الذي تبناه وهو مولى لامرأته من الأنصار، ولم يعتبر فيه الكفاءة إلا في الدين (فلما أنزل الله تبارك وتعالى في كتابه) ولفظ البخاري، وكان من تبنّى (١) ((فتح الباري)) (٣١٥/٧). (٢) ((بذل المجهود)) (٣٨/١٠). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٩/١٤). ٥٢١ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث فِي زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، مَا أَنْزَلَ. فَقَالَ: ﴿آدْعُوهُمْ لَبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَتُكُمْ فِى الْدِينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ رُدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى أَبِيه. فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَبُوهُ رُدَّ إِلَى مَوْلَاهُ. رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورِث من ميراثه حتى أنزل الله: ﴿آدْعُوهُمْ لِأَبَآئِهِمْ﴾ الحديث (في زيد بن حارثة ما أنزل) من أول آيات سورة الأحزاب. قال صاحب ((الجمل))(١) في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: (٢) أجمع أهل التفسير على أن هذا القول أنزل في زيد بن حارثة، وذكر السيوطي في (الدر)) وابن كثير الاختلاف في قوله تعالى: ﴿مَّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ﴾ الآية نزلت في زيد أو غيره. (فقال) في جملة ما أنزل فيه، وهذا بيان لما أنزل، فيكون المراد بقوله: ما أنزل هو قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ﴾ الآية (﴿ آدْعُوهُمْ لَِبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ﴾) أي أعدل ( ﴿عِندَ اللَّهِ﴾) يعني دعاءهم لآبائهم أبلغ في العدل والصدق عند الله عز وجل، وفي ((المحلى)): قوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾ تعليل لما قبله والضمير لمصدر ((ادعوا) و((أقسط)) أفعل تفضيل، وقصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل، اهـ. (﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَ هُمْ﴾) حتى تنسبوهم إليهم (﴿فَإِخْوَنُّكُمْ فِ الذِينَ﴾) أي فَهُمْ إخوانُكم، فادعوهم بمادة الأخوة، كأن تقول له: يا أخي، يا ابن أخي (﴿وَمَوَلِيَكُمْ﴾) أي بنو عمكم، كذا في ((الجلالين))، قال صاحب ((الجمل)): إن المولى يطلق على معانٍ من جملتها ابن العم، فإذا لم تعرفوا أبا شخص، وأردتم خطابه، فقولوا له: يا ابن عمي، وفي ((المحلى)): تقولوا: يا أخي، ومولائي (رُدَّ) ببناء المجهول (كل واحد تُبَنَّى) ببناء المجهول (من أولئك) الذين تبناهم أحد (إلى أبيه) الذي ولده (فإن لم يعلم) ببناء المجهول (أبوه رُدّ) ببناء المجهول (إلى مولاه). (١) (١٥٠/٦). (٢) سورة الأحزاب: الآية ٤. ٥٢٢ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ، وَهِيَ امْرَأَةٌ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَهِيَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. وأخرج السيوطي في ((الدر) (١) عن الحسن بن عثمان - رضي الله عنه -: قال: حدثني عدّةٌ من الفقهاء وأهل العلم قالوا: كان عامر بن ربيعة، يقال له: عامر بن الخطاب، وإليه كان يُنسب، فأنزل الله فيه، وفي زيد بن حارثة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن عمرو ﴿ آدَّعُوهُمْ لِّبَآِهِمْ﴾ . وأخرج عن أبي بكرة أنه قال: قال الله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآِهِمْ﴾ فأنا ممن لا يعلم أبوه، فأنا من إخوانكم في الدين، وأخرج عن سالم بن أبي الجعد قال: لما نزلت: ﴿آدْعُوهُمْ لَبَآِهِمْ﴾ لم يعرفوا لسالم أباً، ولكن مولى أبي حذيفة، إنما كان حليفاً لهم. (فجاءت سهلة) بفتح السين المهملة وسكون الهاء (بنت سهيل) بضم السين المهملة مصغراً ابن عمرو - بفتح العين - القرشية العامرية، وأبوها صحابي شهير، ولدت لأبي حذيفة محمدَ بنَ حذيفة، وولدت الشماخ بن سعيد بكيرَ بنَ شماخ، وولدت لعبد الرحمن بن عوف سالمَ بنَ عبد الرحمن، كذا في ((التعليق الممجد))(٢) عن ((الاستيعاب)) (وهي امرأة أبي حذيفة) وهاجرت معه إلى الحبشة، وولدت هناك محمداً، وهي ضرّة زوجة أبي حذيفة الأخرى التي هي معتقة سالم الأنصارية، هذا هو الظاهر. وأشكل في ((البذل))(٣) تبعاً للحافظ في ((الإصابة)) على أنهما امرأتان، وقال: هو محتمل على بُعد (وهي) أي سهلة (من بنى عامر بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة ويبدل، والهمزة قول الأكثر على ما ذكره النووي، كذا في (١) ((الدر المنثور)) (٤٩٧/٦). (٢) (٦٠٢/٢). (٣) ((بذل المجهود)) (٣٨/١٠). ٥٢٣ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَرَى سَالِماً وَلَداً، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ. وَأَنَا فُضُلٌ. ((المحلى)) بطن من قريش (إلى رسول الله مَ *) متعلق لقوله: جاءت (فقالت) سهلة: (يا رسولَ الله كنا نَرَى) قيل: بضم النون بمعنى نظن، وضبطه الحافظ بفتحها بمعنى نعتقد وهو الأوجه (سالماً) مولى أبي حذيفة (ولداً) وفي أبي داود من رواية يونس عن الزهري، فكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، فيراني فُضُلاً (وكان يدخل علي) في بيتي (وأنا فُضُلٌ) ضبطه الحافظ وغيره بضم الفاء والمعجمة، وفي ((المحلى)) بضمتين، وكذا في ((البذل)) عن ((القاموس))، وفي ((التعليق الممجد)) (١) بضم الفاء وسكون الضاد المعجمة. قال الحافظ (٢): أي مبتذلة في ثياب المهنة، يقال: تفضلت المرأة إذا فعلت ذلك، وهو قول الخطابي وتبعه ابن الأثير، وزاد ((كانت في ثوب واحد)) قال ابن عبد البر(٣): قال الخليل: رجل فضل متوشح في ثوب يخالف بين طرفيه، فعلى هذا كان يدخل عليها، وهي منكشف بعضها، وعن ابن وهب: فضل مكشوفة الرأس والصدر، وقيل: الفضل الذي عليه ثوب واحد، لا إزار تحته، وقال صاحب ((الصحاح)): تفضلت المرأة في بيتها، إذا كانت في ثوب واحد، کقميص لا کمین له، اهـ. قال الباجي (٤): فمعنى ذلك أنه كان يدخل عليها، وبعض جسدها منكشف، وقال ابن عبد البر: أصحها الذي عليه ثوب واحد لا إزار تحته؛ لأن كشف الحرة الصدر لا يجوز عند محرم ولا غيره. (١) (٦٠٣/٢). (٢) ((فتح الباري)) (١٣٣/٩). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧١/١٨). (٤) ((المنتقى)) (١٥٤/٤). ٥٢٤ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا بَيْتٌ وَاحِدٌ. فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((أَرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَيَحْرُمُ بِلَبَنِهَا)). (وليس لنا إلا بيت واحد) فيُشكل الاحتجاب (فماذا ترى في شأنه) أي في شأن سالم ماذا أفعل؟ ولمسلم من رواية القاسم عن عائشة جاءت سهلة بنت سهيل، فقالت: يا رسول الله؛ إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حليفه، فقال: ((أرضعيه))، وفي لفظ قالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وإنه يدخل علينا وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة شيئاً من ذلك، فقال: ((أرضعيه تحرمي عليه))، فرجعت إليه، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حذيفة (١)، كذا في ((الفتح))(٢). ولا يبعد أن سهلة ذكرت الأمرين في السؤال ما يتعلق بنفسها من دخوله عليها فضلاً، وما يتعلق بأبي حذيفة، واقتصر الرواة على واحد منهما. (فقال لها رسول الله (وَلـ) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ: (فيما بلغنا) وليس هذا في النسخ المصرية، وهذا موصول في رواية يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة (أرضعيه خمس رضعات) قال ابن عبد البر: وفي رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن ابن شهاب بإسناده ((عشر رضعات))، والصواب رواية مالك، وتابعه يونس خمس رضعات، اهـ، (فيحرم) بضم الراء (بلبنها) زاد مسلم في رواية، فقالت: كيف أرضعه، وهو رجل كبير، فتبسم وَّ، وقال: قد علمت أنه رجل كبير، وفي رواية لمسلم قالت: إنه ذو لحية، قال: أرضعيه، ويشكل عليه التقام سالم ثدي سهلة، وهي أجنبية؟ وأجيب باحتمال أنها حلبت له اللبن، فشربه من غير أن يمسّها، وهذا (١) أخرجه مسلم (١٤٥٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٣٤/٩). ٥٢٥ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث وَكَانَتْ تَرَاهُ ابْناً مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَأَخَذَتْ بِذْلِكَ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ. فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ. يمشي على مسلك الأئمة الأربعة. إذ قالوا: المحرم شرب لبنها بأي وجهٍ كان، ولا يتمشى على مذهب أهل الظاهر، إذ قالوا: لا بد لحرمة الرضاع أن يمصّ اللبن من ثديها، قال أبو عمر: صفة رضاع الكبير أن يحلب له اللبن ويسقاه، وأما أن تلقمه المرأة ثديها، فلا ينبغي عند أحد من العلماء، وقال عياض: لعل سهلة حلبت لبنها، فشربه من غير أن يمسّ ثديها. ولا التقت بشرتاهما، إذ لا يجوز رؤية الثدي ولا مسّه ببعض الأعضاء، قال النووي(١): وهو حسن. ويحتمل أن عفي عن مسّه للحاجة، كما خص بالرضاعة مع الكبر، وأيده بعضهم بأنه رضع من ثديها؛ لأنه تبسّم، وقال: قد علمت أنه رجل كبير ولم يأمرها بالحلب، وهو موضع بيان، ومطلق الرضاع يقتضي مسّ الثدي، فكأنه أباح لها ذلك ((الزرقاني)) (٢). وقالت الظاهرية: إن الرضاعة المحرمة إنما تكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه، واستدل ابن حزم بقصة سالم على جواز مسّ الأجنبي ثدي الأجنبية، والتقام ثديها إذا أراد أن يرتضع منها مطلقاً، ولا يصح الاستدلال لما روى ابن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله بن أخي الزهري عن أبيه قال: كانت سهلة تحلب في مسعط أو إناء قدر رضعته، فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسرٌ رخصةً من رسول الله وَل﴾ لسهلة ((زرقاني)). (وكانت) سهلة (تراه ابنا من الرضاعة، فأخذت بذلك) الحكم (عائشة أم المؤمنين فيمن كانت تحب أن يدخل) بفتح التحتانية وضم الخاء (عليها من الرجال) الأجانب (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣١/١٠/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٥/٣). ٥٢٦ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حدیث فَكَانَتْ تُأُمُرُ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُوم بِنْتَ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ. وَبَنَاتَ أَخِيهَا . أَنْ يُرْضِعْنَ لَهَا مَنْ أَحَبَّتْ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ. بيان لِمَنْ (فكانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وبنات أخيها) عبد الرحمن، ولفظ أبي داود: فبذلك كانت عائشة تأمر بنات أخواتها وبنات إخوتها أن يرضعن، الحديث (أن يرضعن لها) أي لعائشة (من أحَبَّتْ) مفعول يرضعن (أن يدخل عليها من الرجال) قال ابن المواز: ما علمت من أخذ به عاماً إلا عائشة، ولو أخذ به في رفع الحجاب آخذٌ لم أعبه، وتركه أحبُّ إلينا . وقال الباجي: انعقد الإجماع على أنه لا يحرم، وقال القرطبي: في قول ابن المواز عاماً نظر، فحديث ((الموطأ)) نصٌّ في أنها أخذت به في رفع الحجاب خاصة، ألا ترى إلى قوله: من تحب أن يدخل عليها من الرجال؟ ويُشْكل عليها أيضاً ما تقدم من رواية البخاري(١) بطريق مسروق عنها، وقد دخل عليها أخوها من الرضاعة، فكأنه تغيّر وجه رسول الله وَالل وقال: ((أنظرن ما إخوانكن؟ إنما الرضاعة من المجاعة)). قال الباجي (٢): ولعلها حملته على التحريم من جهة الفحل، ولذا كانت تأمر بإرضاع من يدخل عليها أختها وبنات أخيها، ولا تستبيح ذلك بإرضاع نسوة أخيها، وترى أن التحريم من قبل الفحل يختص بالصغير، اهـ. وجمع بينهما صاحب ((المحلى)) بأنها - رضي الله عنها - كأنها حملت ما روتهما من حديث ((الرضاعة من المجاعة)) على العزيمة، وقالت بالرخصة عملاً بحديث سالم، أو حملت المجاعة على الجوع مطلقاً، ولم يخصصها حال الصغر، وإليه أشار الحافظ، إذ قال: لعلها فهمت من قوله: ((الرضاعة من المجاعة)) اعتبار مقدار ما يَسُدُّ الجوعةَ من لبن المرضعة لمن يرتضع منها، وذلك أعمُّ من أن يكون المرتضع صغيراً أو كبيراً، اهـ. (١) أخرجه البخاري ح (٥١٠٢)، ((فتح الباري)) (١٤٦/٩). (٢) ((المنتقى)) (١٥٤/٤). ٥٢٧ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث وَأَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّهِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بِثْلِكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. وَقُلْنَ: لَا. وَاللَّهِ، مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ، إِلَّا رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ ◌ّهِ، فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ. لا. وَاللَّهِ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِهِذِهِ الرَّضَاعَةِ أَحَدٌ. فَعَلَى هُذَا كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ وَجَ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ. أخرجه مسلم، من طرق، عن عائشة. في: ١٧ - كتاب الرضاع، ٧ - باب رضاعة الكبير، حديث ٢٦ و٢٧، و٢٨. ومن طرق، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها . في: ١٧ - كتاب الرضاع، ٧ - باب رضاعة الكبير، حديث، ٢٩ و٣٠ و٣١. (وأبى سائر) أي باقي (أزواج النبي (وَّة) غير عائشة قال الحافظ: وذكر الطبري في ((تهذيب الآثار))، وساق بإسناد صحيح عن حفصة مثل قول عائشة، وهو مما يخص عموم قولها: أبى سائر أزواج النبي ◌ّ﴾ (أن يدخل) بضم الخاء (عليهن بتلك الرضاعة) الواقعة في الكبر (أحد من الناس) زاد أبو داود: حتى یرضع في المهد. (وقلن) لعائشة: (لا والله ما نرى) أي نعتقد (الذي أمر به رسول الله وَليم سهلة بنت سهيل) في إرضاع سالم (إلا رخصة من رسول الله وَّي في رضاعة سالم وحده) أي خاصة له (والله) وفي النسخ المصرية: لا والله بزيادة لا في أول القسم (لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد من الناس) تأكيد للإنكار عنهن (فعلى هذا) الرأي الشديد (كان أزواج النبي (وَ﴾) غير عائشة وحفصة (في رضاعة الكبير). قال الحافظ(١): وذهب الجمهور إلى اعتبار الصغر في الرضاع، وأجابوا (١) «فتح الباري)) (١٤٩/٩). ٥٢٨ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث عن قصة سالم بأجوبة، منها: أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري، وقرّره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدل على تأخيرها، وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدماً . وأيضاً ففي سياق قصة سالم ما يشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين، ففي بعض طرقه: ((وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسّم رسول الله وَلّ)) وهذا يُشْعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبر في الرضاع المحرم. ومنها، دعوى الخصوصية بسالم، والأصل فيه قول أم سلمة وأزواج النبي وَلير: ما نرى هذا إلا رخصة رخّصها رسول الله وَل﴿ لسالم خاصة، وقال بعضهم: إن الأصل أن الرضاع لا يحرم، فلما ثبت ذلك في الصغر خُولف الأصل، وبقي ما عداه على أصله، وقصة سالم واقعة عينٍ يطرقها احتمال الخصوصية، فيجب الوقوف عن الاحتجاج بها . ورأيتُ بخط تاج الدين السبكي أنه رأى في تصنيف لمحمد بن خليل الأندلسي أنه توقف في أن عائشة وإن صح عنها الفتيا بذلك، لكن لم يقع منها إدخال أحد من الأجانب بتلك الرضاعة، قال تاج الدين: ظاهر الأحاديث ترد عليه، وليس عندي فيه قولٌ جازمٌ لا من قطع ولا من ظن غالب. قال الحافظ(١): كذا قال، وفيه غفلة عما ثبت عند أبي داود (٢) في هذه القصة، ((فكانت عائشة تأمر بنات إخوتها وبنات أخواتها أن يرضعن من أحبَّتْ أن يدخل عليها ويراها، وإن كان كبيراً خمس رضعات، ثم يدخل عليها))، وإسناده صحيح وهو صريح فأي ظن غالب وراء هذا؟ اهـ. (١) ((فتح الباري)) (١٤٩/٩). (٢) أخرجه أبو داود (٢٠٦١). ٥٢٩ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤٢) حديث ١٣/١٢٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَأَنَا مَعَهُ عِنْدَ دَارِ الْقَضَاءِ. يَسْأَلُهُ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ؟ وفي ((المحلى)): قيل: يشبه أن عائشة - رضي الله عنها - رجعت عن ذلك، اهـ. وأخرج مسلم عن ابن أبي مليكة أنه سمع حديث الباب من القاسم عن عائشة قال: فمكثت سنة أو قريباً منها لا أحدث به رهبةً، ثم لقيت القاسم، فأخبرتُه قال: حَدِّثْهُ عني أن عائشة - رضي الله عنها - أخبرتنيه، قال أبو عمر (١): هذا يدل على أنه حديث تُرِكَ قديماً، ولم يُعْمَلْ به، ولا تلقاه الجمهور بالقبول على عمومه، بل تلقوه على أنه خصوص، اهـ. ١٣/١٢٤٢ - (مالك عن عبد الله بن دينار) أبي عبد الرحمن المدني مولی ابن عمر (أنه قال: جاء رجل) قال الزرقاني: لم يسم، وقال الباجي: هو أبو عبس عبد الرحمن بن جبير الأنصاري، سأل ابن عمر عن رضاعة الكبير فأخبره ابن عمر بما عنده في ذلك عن أبيه، قلت: أبو عبس رجل من أكابر الصحابة، شهد بدراً وما بعدها، توفي سنة ٣٤هـ عن سبعين سنة، كما في (التقريب))(٢) ولم يذكروا ابن عمر - رضي الله عنه - في مشايخه. وفسر الزرقاني حكايةً عن أبي عمر الرجل السائل عن عمر بذلك، كما سيأتي وهو أقرب (إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (وأنا معه) أي مع عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (عند دار القضاء) بالمدينة المنورة، وهي دار كانت لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فلما استشهد وكان عليه دين فبيعت الدار لقضاء دينه، فسميت دار القضاء (يسأله) أي يسأل هذا الرجل ابن عمر - رضي الله عنه - (عن رضاعة الكبير) ماذا حكمه هل هو محرم أم لا؟ . (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٥/١٨). (٢) ((تقريب التهذيب)) (٤٤٧/٢). ٥٣٠ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤٢) حديث فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب. فَقَالَ: إِنِّي كَانَتْ لِي وَلِيدَةٌ. وَكُنْتُ أَطَؤُهَا. فَعَمَدَتِ امْرَأَتِي إِلَيْهَا فَأَرْضَعَتْهَا . فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ: دُونَكَ. فَقَدْ، وَاللَّهِ، أَرْضَعْتُهَا. فَقَالَ عُمَرُ: أَوْجِعْهَا. وَأُتِ جَارِيَتَكَ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ. (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - مجيباً له بما رأى، وسمع في مثل هذه القصة عن أبيه (جاء رجل) قال الزرقاني(١) قال أبو عمر: هو أبو عبس بن جبير الأنصاري، ثم الحارثي البدري، اهـ. (إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني كانت لي وليدة، وكنت أطؤها فعمدت) بفتح الميم أي قصدت (امرأتي) أي زوجتي (إليها) أي إلى الأمة (فأرضعتها) لكي تحرم علي (فدخلت) بصيغة المتكلم (عليها) أي على الأمة، وهو الأوجه، أو على الزوجة. (فقالت) الزوجة: (دونك) اسم فعل بمعنى خذ أي خذ مني ما تحرم به عليك جاريتك، وفي ((المفصل)): دونك زيداً أي خذ، وفي ((الصحاح)): يقال في الإغراء بالشيء: دونك، كذا في ((المحلى)). (فقد والله أرضعتها) أي أرضعت الجارية فحرُمَتْ عليك (فقال عمر) - رضي الله عنه -: (أوجِعْها) أي عَزِّر زوجتَك (وأتِ جاريتَك) أي جامعها (فإنما الرضاعة) المحرمة (هو رضاعة الصغير) وهكذا أخرجه البيهقي (٢) برواية الشافعي عن مالك بهذا السند بلفظه، ثم أخرج برواية نافع عن ابن عمر قال: عمدت امرأة من الأنصار إلى جارية لزوجها، فأرضعتها، فلما جاءت زوجها، قالت: إن جاريتك هذه قد صارت ابنتك، فانطلق الرجل إلى عمر - رضي الله عنه -، فذكر ذلك له، فقال له عمر - رضي الله عنه -: عزمت عليك لما رجعت. فأصبت جاريتك وأوجعت ظهر امرأتك(٣). (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٦/٣). (٢) ((سنن البيهقي)) (٤٦١/٧)، و((مصنف عبد الرزاق)) (٤٦٢/٧). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٧/١٨). ٥٣١ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤٣) حديث ١٤/١٢٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ: إِنِّي مَصِصْتُ ١٤/١٢٤٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري، قال ابن عبد البر: منقطع يتصل من وجوه، منها: ما رواه ابن عيينة وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عمرو الشيباني، قلت: وقد أخرجه البيهقي بطرق مختلفة، منها برواية الشافعي عن مالك عن يحيى مرسلاً، ثم قال: وهذا وإن كان مرسلاً، فله شواهد عن ابن مسعود، وأخرج فيه قصتين، إحداهما: برواية ابن لابن مسعود أن رجلاً كان معه امرأته وهو في سفر، فولدت، فجعل الصبيُّ لا يمصّ، فأخذ زوجها يمصّ لبنها ويمجّه حتى وجد طعم لبنها في حلقه، فأتى أبا موسى فذكر ذلك له، فقال: حرمت عليك امرأته، فأتى ابن مسعود فقال: أنت الذي تُفتي هذا بكذا وكذا، وقد قال رسول الله وَله: ((لا رضاع إلا ما شَدَّ العظم، وأنبت اللحم))، وفي رواية زيادة: فقال أبو موسى: لا تسألوني، وهذا الحبر فيكم. والأخرى برواية أبي عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى فقال: إن امرأتي ورم ثديها، فمصصته فدخل حلقي شيء سبقني، فشَدَّدَ عَليّ أبو موسى، فأتى عبد الله بن مسعود، فقال: سألتَ أحداً غيري؟ قال: نعم، أبا موسى، فشدّد علي، فأتى أبا موسى، فقال: أرضيع هذا؟ فقال أبو موسى: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم، وظاهر القصتين التعدد، ويؤيده أيضاً ما في ((البذل))(١) عن ((البدائع)): أن سبب تورم الثدي موت الولد، لكن يأبى عن التعدد قول أبي موسى - رضي الله عنه - في كل منهما: لا تسألوني ما دام الحبر فيكم، ويأباه أيضاً أن أبا موسى لما رجع عن فتياه مرة، فكيف أفتى به أخرى، فلا بد أن يرجع كلٌّ من الروايتين إلى الوحدة بالتأويل فيهما . (أن رجلاً) لم يسم (سأل أبا موسى الأشعري) - رضي الله عنهما - عبد الله بن قيس (فقال: إن مصِصْتُ) بكسر الصاد الأولى وفتحها وسكون (١) ((بذل المجهود)) (٣٥/١٠). ٥٣٢ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤٣) حديث عَنِ امْرَأَتِي مِنْ ثَدْيِهَا لَبِناً، فَذَهَبَ فِي بَظْنِي. فَقَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ: لَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: انْظُرْ مَاذَا تُفْتِي بِهِ الرَّجُلَ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَىُ: فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَا رَضَاعَةَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ. الثانية (عن) وفي نسخة من (امرأتي من ثديها لبناً) مفعول مصصت؛ لأنه يتعدى بنفسه، وقوله: ((عن)) متعلق مقدم عليه أي لبناً ناشياً عن امرأتي (فذهب في بطني) شيءٌ من اللبن عند المصّ (فقال أبو موسى الأشعري: لا أراها) بضم الهمزة أي لا أظنها (إلا قد حرمت عليك) لظاهر قوله عز اسمه: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ أَّتِيِّ أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١) وكان ذلك اجتهادٌ منه - رضي الله عنه -، ولذا قال: لا أراها، ولو كان عنده نصٌّ لم يقل بالظن، بل حقق الأمر. وقال الباجي(٢): لعله ممن رأى في ذلك أن رضاع الكبير يحرم، وهو مذهب لم يأخذ به أحدٌ من الفقهاء، وقد انعقد الإجماع على خلافه مع ما ظهر من رجوع أبي موسى عنه، اهـ. (فقال عبد الله بن مسعود) لأبي موسى (انظر) بضم الهمزة أي تفكر وتأمل (ما تُفْتي) بضم التاء، وفي النسخ المصرية: ماذا تفتي (به الرجل) قال ذلك ابن مسعود بطريق الإنكار على فتيا أبي موسى وإبداء المخالفة له (فقال أبو موسى) لابن مسعود لما رأى مخالفته (فما تقول) وفي النسخ المصرية: فماذا تقول (أنت؟ فقال عبد الله بن مسعود: لا رضاعة) محرمة (إلا ما كان في الحولين) ولفظ البيهقي (٣) من طريق ابن لعبد الله بن مسعود: أنت تُفْتِي هذا (١) سورة النساء: الآية ٢٣. (٢) ((المنتقى)) (١٥٥/٤). (٣) ((السنن الكبرى)) (٤٦١/٧). ٥٣٣ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٤) حدیث فَقَالَ أَبُو مُوسَى: لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ، مَا كَانَ هُذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظھُرِكُمْ. (٣) باب جامع ما جاء في الرضاعة ١٥/١٢٤٤ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِینَارٍ ، عَنْ بكذا وكذا، وقد قال رسول الله وَالر: ((لا رضاع إلا ما شدّ العظمَ وأنبت اللحم))، وقد أخرج هو وأبو داود عن ابن مسعود نحوه موقوفاً عليه، ثم أخرجا عنه مرفوعاً بمعناه، وقال: انشر العظم، وصحح ابن عبد البر(١) رفعه. (فقال أبو موسى) زاد ابن عيينة في حديثه يا أهل الكوفة (لا تسألوني عن شيء) من المسائل (ما كان) أي ما دام (هذا الحبر) بفتح الحاء (٢) عند جمهور أهل الحديث، وبه قطع ثعلب، وبكسرها، وقدمه الجوهري والمجد، أي العالم (بين أظهركم). قال الباجي: قول أبي موسى هذا رجوع إلى ما ظهر من الحق وانقياد لفضل ابن مسعود وعلمه وفضله وقصر الناس على سؤاله لما اعتقد من تفوقه في العلم علیه، اهـ. وقال ابن الهمام(٣): فرجوع أبي موسى إليه بعد ظهور النصوص المطلقة، وعما أفتاه بالحرمة لا يكون إلا لذكره الناسخ له أو لتذكره عنده، اهـ. (٣) جامع ما جاء في الرضاعة ١٥/١٢٤٤ - (مالك عن عبد الله بن دينار) المدني مولى ابن عمر (عن (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٥/١٨)، و((بذل المجهود)) (٣٦/١٠). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٤٧/٣). (٣) ((فتح القدير)) (٣١٠/٣). ٥٣٤ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٥) حديث سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ قَالَ: ((يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ)). أخرجه الترمذيّ في: ١٠ - كتاب الرضاع، ١ - باب ما جاء يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. ١٦/١٢٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلٍ؛ سليمان بن يسار وعن عروة بن الزبير) بالواو بينهما (عن عائشة أم المؤمنين) قال ابن عبد البر(١): هذا غلط من يحيى يعني زيادة الواو بين سليمان وعروة، ولم يتابعه أحد من رواة ((الموطأ)) عليه، والحديث محفوظ في (الموطأ))، وغيره عن سليمان عن عروة عن عائشة، اهـ. قلت: وبدون الواو أخرجه الترمذي(٢) برواية يحيى القطان، ومعن عن مالك بهذا السند، وأخرجه محمد في ((موطئه))(٣) عن سليمان بن يسار عن عائشة بدون ذكر عروة، فلعله سقوط من الناسخ أو منقطع. (أن رسول الله وَ ليل قال: يحرم) بالضم وشد الراء المكسورة، وروي بالفتح وضم الراء، كذا في ((المحلى)) (من الرضاعة ما يحرم من الولادة) أي مثل ما يحرم من النسب، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر وغيرهم، لا نعلم بينهم في ذلك اختلافاً، قلت: وقد تقدم الحديث بسند آخر عن عائشة في أول باب رضاعة الصغير في قصة عم حفصة، وتقدم هناك الكلام على فقه الحديث. ١٦/١٢٤٥ - (مالك عن) أبي الأسود (محمد بن عبد الرحمن بن نوفل) (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨٠/١٨). (٢) أخرجه الترمذي (٢٠٧٦) في الطب: (باب ما جاء في الغيلة). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٩٢/٢). ٥٣٥ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٥) حديث أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبِ الأَسَدِيَّةِ؛ المعروف بيتيم عروة (أنه قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين عن جدامة) بضم الجيم والدال المهملة على قول الجمهور، وقال الدارقطني: هي بالجيم والدال المهملة، ومن ذكرها بالذال، فقد صَحَّف، قال الحافظ (١): وكذا قال العسكري، وحكي بالذال المعجمة عن جماعة، والحديث أخرجه مسلم برواية خلف بن هشام ويحيى بن يحيى عن مالك، وقال فيه: قال خلف: جذامة، والصحيح ما قاله يحيى بالدال غير منقوطة. قال النووي(٢): وهكذا قال جمهور العلماء: إن الصحيح أنها بالمهملة والجيم مضمومة بلا خلاف. وقال الباجي(٣): هكذا في رواية يحيى بن يحيى بالدال غير معجمة، وقال لي أبو ذر حين سماعي منه ((موطأ أبي مصعب)) منه رواية جذامة بالذال المعجمة، لكن روايتي جدامة بالدال غير معجمة، اهـ. (بنت وهب) ويقال: بنت جندب، ويقال: بنت جندل، قال الطبري: المحدثون قالوا: بنت وهب، والمختار أنها بنت جندل، قال الحافظ (٤): أخت عكاشة بن محصن لأمه، وذكر النووي فيه اختلافاً، وقال: المختار أنها جدامة بنت وهب الأسدية أخت عكاشة بن محصن المشهور، وتكون أختاً لأمه خلافاً لما قيل: إن عكاشة بن وهب رجل آخر غير المشهور (الأسدية) أسلمت قديماً بمكة، وهاجرت مع قومها إلى المدينة. (١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٥/١٢). (٢) (شرح النووي على الصحيح)) لمسلم (١٦/١٠). (٣) ((المنتقى)) (١٥٥/٤). (٤) ((تهذيب التهذيب)) (١٢ /٤٠٥). ٥٣٦ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٥) حدیث أَنَّهَا أَخْبَرَتْهَا؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لَقَدْ هَمَمْتُ أَنَّ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ. حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذُلِكَ. فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ)). (أنها) أي جدامة (أخبرتها) أي عائشة، قال ابن عبد البر(١): كل الرواة رووه هكذا إلا أبا عامر العقدي، فجعله عن عائشة لم يذكر جدامة، وكذا رواه القعنبي في غير ((الموطأ))، ورواه فيه كسائر الرواة عن عائشة عن جدامة. (أنها سمعت رسول الله وَ ل# يقول:) وفي رواية لمسلم حضرت رسول الله وَلّ في أناس، وهو يقول: (لقد هممت) أي عَزمت (أن أنهى عن الغيلة) قال النوي: قال أهل اللغة: الغيلة ههنا بكسر الغين، ويقال لها: الغيل بفتح الغين مع حذف الهاء والغيال بكسر الغين، كما وقع في رواية لمسلم، وقال جماعة من أهل اللغة: الغيلة بالفتح المرة الواحدة، وأما بالكسر فهي الاسم من الغيل، وقيل: إن أريد بها وطء المرضع جاز الغيلة بالكسر والفتح، اهـ. وقيل: لا تفتح الغين إلا مع حذف الهاء، وذكر ابن السراج الوجهين في غيلة الرضاع، وأما غيلة القتل فبالكسر لا غير، واختلفوا في المراد به في هذا الحدیث، كما سيأتي قريباً. (حتى ذكرت أن الروم) بضم الراء نسبة إلى روم بن عيصو بن إسحاق (وفارس) بكسر الراء وعدم الصرف لقب قبيلة، ليس بأب ولا بأم، وإنما هم أخلاط من تغلب اصطلحوا على هذا الاسم (يصنعون ذلك) أي الغيلة (فلا يضر) ذلك الفعل (أولادهم شيئاً) فلذا لا أنهى عنه. قال ابن رسلان: يحتمل ذكر فارس والروم لثلاثة أوجهٍ، أحدها: لكثرتهم، والثاني: لسلامة أولادهم، والثالث: أنهم أهل طب وحكمة، فلو (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٨١/١٨)، و((شرح الزرقاني)) (٢٤٨/٣). ٥٣٧ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٥) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَالْغِيلَةُ أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ. أخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ٢٣ - باب جواز الغيلة، حديث ١٤٠ و١٤١ و١٤٢. علموا أنه يضر ما فعلوه، كذا في ((البذل))(١). (قال مالك: الغيلة) المراد في الحديث (أن يمس الرجل) أي يجامع (امرأته وهي ترضع) سواء أنزل أولا ينزل؛ لأنه إن لم ينزل فقد تنزل المرأة، فيضر اللبن، وقيل: إن لم ينزل فليس بغيلة، وقال النووي(٢): اختلف العلماء في المراد بالغيلة في هذا الحديث، فقال مالك في ((الموطأ)) والأصمعي وغيره من أهل اللغة: هي أن يُجامع امرأته وهي مرضع، ويقال منه: أغال الرجل وأغيل إذا فعل ذلك، وقال ابن السكيت: هو أن ترضع المرأة وهي حامل، يقال منه: غالت وأغيلت، ووافق الأخفش ابنَ السكيت. وقال ابن عبد البر(٣): تفسير مالك هو قول أكثر أهل اللغة وغيرهم، وقال الباجي بعد قول مالك: أن يمس الرجل امرأته: قال ابن حبيب: عزل عنها أو لم يعزل، وقال أبو عمران: إنما حقيقة الغيلة الوطء مع الإنزال إلا أن يريد ابن حبيب أن الرجل إذا لم ينزل أنزلت المرأة وماؤها يغيّر اللبن، وحكى ابن أبي زمنين أن أصل الغيلة ههنا الضرر، يقال: خِفْتُ غائلةَ كذا، أي خفتُ ضَرَره. وقال الباجي(٤): عندي معناه أن الوطء يغيل اللبن أي يُكثره، وإذا كان له فيه تأثير بالتكثير جاز أن يكون له تأثير بالتغيير، اهـ. وفي الحديث عدة أبحاث: (١) ((بذل المجهود)) (٢٠٩/١٦). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٦/١٠/٥). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (١٨ /٢٨٢). (٤) ((المنتقى)) (١٥٦/٤). ٥٣٨ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٥) حديث . الأول: ما قال النووي: سبب همه ◌َّ بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، قالوا: والأطباء يقولون: إن ذلك اللبن داءٌ، والعرب تكرهه وتتقيه، وقال الباجي: لقدهَمَّ أن ينهى عن الغيلة لما خاف من فساد أجساد أمته، وضعف قوتهم من أجلها، حتى ذكر أن فارس والروم تفعل ذلك، فلا يضر أولادهم، ويحتمل أن يريد ولي﴿ أنه لا يضر ضرراً عاماً، وإنما يضر في النادر، فلذلك لم ينه عنه، ولم يُحَرِّمْه رفْقاً بالناس لما في ذلك من المشقة على من له زوجة واحدة فيمتنع من وطئها مدة، فتلحقه بذلك المشقة، وهذه مشقة عامة، فكانت مراعاتها أرفق بأمته من المشقة الخاصة التي لا تلحق إلا اليسير من الأطفال. قال ابن حبيب: العرب تتقي وطء المرضع أن يعود من ذلك ضرر صريح على الولد في جسم أو عِلّة، وقال القاري عن القاضي: كان العرب يحترزون عنها، ويزعمون أنها تضر الولد، وكان ذلك من المشهورات الذائعة عندهم، فأراد و لي أن ينهى عنه، فلما رأى أن فارس والروم يفعلون ذلك، ولا يبالون به، ثم لا يعود على أولادهم بضرر فلم ينه، اهـ. مع ما في فارس والروم من كثرة الأطباء، وهم لا يمنعونهم من ذلك. قال صاحب ((المحلى)): الظاهر أن الجماع حال الرضاع غير مُضِرٍّ. لأنه يُقَوِّي المرأة، وإنما يضره الحمل؛ لأنه ينقص اللبن ويجففه، ولو نهى عن الجماع لكان لخوف الحمل. قال الزرقاني: لأنه قد يكون عنه حمل، ولا يعرف. فيرجع إلى إرضاع الحامل المتفق على مضرته، اهـ. البحث الثاني: ما قال النووي: في الحديث جواز الاجتهاد لرسول الله وَله، وبه قال جمهور أهل الأصول، وقيل: لا يجوز لتمكنه من الوحي، والصواب الأول، اهـ. وقال عياض: فيه أنه وَّ كان يجتهد في الأحكام، قال الأبي(١): (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٦٧). ٥٣٩ ٢٩ - كتاب الرضاع (٣) باب (١٢٤٥) حدیث ووجه الاجتهاد أنه لما علم برأي أو استفاضة أنه لا يضر فارس والروم، قاس العرب عليهم للاشتراك في الحقيقة، قال الباجي: فيه دليل على أنه وَ ل﴾ قد كان يقضي ويأمر وينهى بما يؤدي إليه اجتهاده دون أن ينزل عليه شيء، اهـ. البحث الثالث: أن مؤدى حديث الباب أنه وَ ل﴿ هَمَّ النهيَ، ولم ينهَ، ويعارضه حديث أبي داود عن أسماء بنت يزيد مرفوعاً، ((لا تقتلوا أولادكم سراً، فإن الغيل يُدرك الفارسَ فَيُدَعْثِرُهُ))، زاد في ابن ماجه: ((فوالذي نفسي بيده إن الغيل يدرك الفارس)) الحديث، قال الشيخ في ((البذل)) (١): حديثا أسماء وجدامة متنافيان بوجهين: أحدهما: أن في حديث أسماء أخبر وَلّ مؤكداً بالقسم بوجود الغيل وأثره، وأخبر بنفيه في حديث جدامة بأنه لا يضر الفارس والروم، والوجه الثاني: أن حديث أسماء يدل على أنه وَ لّ نهى عنه، وحديث جدامة يقتضي أنه لم ينه عنه، ووجه التوفيق بأن حديث جدامة مقدَّمٌ، فإنه ◌َّ نظر على عادة العرب وخيالاتهم فَهَمَّ أن ينهاهم، ثم لما رأى فارس والروم أنه لا يضرهم امتنع عن النهي، ثم أعلم بعد ذلك من الله عز وجل بأنه يضر، ولكن ضرره ليس على الغالب، بل هو قليل يؤثر أحياناً في بعض الأمزجة، فنهى عنه وَ ل تنزيهاً، اهـ. وإليه مال السندي إذ قال: الأقرب أنه وَلُ نهى عنه بعد حديث جدامة حيث حقق أنه يضرُّ إلا أن الضرر قد يخفى على الكبر، قيل: وإليه يشير صنيع ابن ماجه إذ ذكر أولاً حديث جدامة، ثم ذكر بعده حديث أسماء، وقال بعضهم بعكس ذلك، أنه يسير في حديث أسماء قال ذلك على زعم العرب قبل حديث جدامة، ثم لما علم أنه لا يضرُّ، فأذن به، كما في رواية جدامة. ويقال: إليه يشير صنيع أبي داود إذ قدَّم حديث أسماء في الامتناع، ثم (١) ((بذل المجهود)) (٢٠٩/١٦). ٥٤٠