النص المفهرس
صفحات 501-520
٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣١) حديث فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ، حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَه الياء أي يطلب الإذن في الدخول (فأبيت أن آذن) بالمد (له عليّ) للتردد في الإباحة (حتى أسأل رسول الله (وَليو) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك لفظ (عن ذلك) وليس هذا في النسخ الهندية. ويُشْكل على الحديث أن قصة عم حفصة الماضية إن كانت متقدمة، فلِمَ لم تأذن لها حينئذ؟ وإن كانت متأخرة، فكيف استبعدت الدخول هناك؟ وأجاب عنه القرطبي قال: هما سؤالان وقعا مرتين في زمنين عن رجلين، وتكرّر منها ذلك، إما لأنها نسيت القصة الأولى، وإما أنها جوّزت تغير الحكم، فأعادت السؤال، قال الحافظ: وتمامه أن يقال: السؤال الأول كان قبل الوقوع، والثاني بعد الوقوع، فلا استبعاد في تجويز ما ذكر من نسيان أو تجويز النسخ، اهـ. قلت: وقد وقع أيضاً نكيره ود ليل على عائشة في هذه المسألة، ففي القصة رواية ثالثة، وهي ما أخرجه البخاري عن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌َّ دخل عليها، وعندها رجلٌ فكأنه تغير وجهه فقالت: إنه أخي، فقال: ((أنظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة)). فلا يبعد عندي أن قصة عم حفصة كانت متقدمة، ولذا آذنت عائشة أخاها في الدخول، ولما أنكر عليها النبي وَلّل، وأرشدها إلى إمعان النظر والفكر في ذلك علقت إذن دخول عمها على إذنه لز الصريح في ذلك، وهذا أوجه الأجوبة عندي، ولا يلزم على هذا النسيانُ، ولا تجويزُ النسخ. قال الحافظ (١): ويؤخذ من كلام عياض جوابٌ آخر، وهو أن أحد العمين كان أعلى، والآخر أدنى أو أحدهما كان شقيقاً والآخر لأب فقط، أو (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٤١/٩) و(١٥١/٩). ٥٠١ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣١) حديث قَالَتْ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ: ((إِنَّهُ عَمُّكِ فَأُذَنِى لَهُ)) قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ. فَقَالَ: ((إِنَّهُ عَمُّكِ. فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ)). لأم فقط، أو أرضعتهما زوجة أخيه بعد موته، والآخر في حياته، وقال ابن المرابط: حديث عم حفصة قبل حديث عم عائشة، وهما متعارضان في الظاهر، لا في المعنى؛ لأن عم حفصة أرضعته المرأة مع عمر - رضي الله عنه - فالرضاعة فيهما من قبل المرأة، وعم عائشة إنما هو من قبل الفحل، كانت امرأة أبي القعيس أرضعتهما، فجاء أخوها يستأذن عليها، فأبت، فأخبرها الشارع أن لبن الفحل يحرم. قال الحافظ: فكأنه جوَّز أن يكون عم عائشة الذي سألت عنه في قصة عم حفصة كان نظير عم حفصة في ذلك، فلذلك سألت ثانياً في قصة أبي القعيس، وهذا إن كان وجده منقولاً فلا محيد عنه، وإلا فهو حمل حسن، اهـ. (قالت: فجاء رسول الله وَ ير فسألته عن ذلك فقال: إنه عمك، فأذني) بسكون الهمزة بصيغة الخطاب (له) في الدخول (قالت: فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأةُ) أي امرأة أخيه (ولم يُرْضعني الرجل) الذي هو أخوه حتى يكون هذا عمي، وأوضح منه ما في رواية للشيخين، ((فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس)) (فقال) وَليّ: (إنه عمك فليلج) بصيغة الأمر من ولج أي فليدخل (عليك). قال الحافظ: وفي الحديث أن لبن الفحل يحرم، فتنشر الحرمة لمن ارتفع الصغير بلبنه، فلا تحلّ له بنت زوج المرأة التي أرضعته من غيرها مثلاً، وفيه خلاف قديم، حُكِي عن ابن عمر، وابن الزبير، ورافع بن خديج، وزينب بنت أم سلمة وغيرهم، ونقله ابن بطال عن عائشة، وفيه نظر، ومن التابعين عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، والقاسم، وسالم، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبي قلابة، وإياس بن معاوية، ٥٠٢ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣١) حديث وعن ابن سيرين: نبئت أن ناساً من أهل المدينة اختلفوا فيه، وعن زينب بنت أبي سلمة أنها سألت، والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين، فقالوا: الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئاً، وقال به من الفقهاء ربيعة الرأي وإبراهيم بن عُليّة وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه، وأغرب عياض ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود وإبراهيم مع وجود الرواية عمن ذكرنا بذلك. قال العيني(١) فيمن قال بعدم اعتبار لبن الفحل: داود الظاهري فيما حكاه أبو عمر في ((التمهيد))، والمعروف عن داود خلافه، قال القاضي عياض: لم يقل أحد من أئمة الفقهاء وأهل الفتوى بإسقاط حرمة لبن الفحل، إلا أهل الظاهر وابن عُلَيَّة، والمعروف عن داود موافقة الأئمة الأربعة، واحتجّوا من حيث النظر بأن اللبن لا ينفصل من الرجل؟، وإنما ينفصل من المرأة، فكيف تنتشر الحرمة إلى الرجل؟ والجواب أنه قياسٌ في مقابلة النص، وأيضاً فإن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معاً، فوجب أن يكون الرضاع منهما، وأيضاً فإن الوطء يدرّ اللبن، فللفحل فيه نصيب. وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار كالأوزاعي والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه وابن جريج ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأتباعهم إلى أن لبن الفحل يحرم، وممن قال بتحريمه عليّ وابن عباس وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن والشافعي والقاسم وعروة وأبو عبيد وابن المنذر، قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث، كذا في ((المغني)). وحجتهم هذا الحديث الصحيح، وألزم الشافعي المالكية في هذه المسألة برد أصلهم بتقديم عمل أهل المدينة، ولو خالف الحديث الصحيح إذا كان من الآحاد، وألزم به بعضهم الحنفية القائلين بأن الصحابي إذا روى حديثاً، ثم (١) ((عمدة القاري)) (٤٨/١٤). ٥٠٣ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣١) حديث قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذُلِكَ بَعْدَ مَا ضُربَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ. أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ١١٧ - باب ما يحل من الدخول والنظر إلى النساء في الرضاع. ومسلم: في ١٧ - كتاب الرضاع، ٢ - باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، حدیث ٧. صح عنه العمل بخلافه أن العمل بما رأى لا بما روى، لأن عائشة صح عنها أن لا اعتبار بلبن الفحل، ذكره مالك في ((الموطأ)) وسعيد بن منصور، وأبو عبيد بإسناد حسن، وأخذ الجمهور، ومنهم الحنفية بخلاف ذلك، وعملوا بروايتها في قصة أخي أبي القعيس، فكان يلزمهم على قاعدتهم أن يتبعوا عمل عائشة، ويعرضوا عن روايتها، ولو كان روى هذا الحكم غير عائشة لكان لهم معذرة، لكنه لم يروه غيرها، وهو إلزام قوي(١) اهـ. قلت: لكنه مبني على فُتيا عائشة - رضي الله عنها -، فقد ذكر ابن عبد البر مذهبها في التحريم مثل الجمهور، وأخرج البخاري في تفسير الأحزاب بعد حديث الباب، قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب، وهذا نصٌّ منها على أن فتياها موافق للرواية، وسيأتي في هذا الحديث أيضاً بمعناه. (قالت عائشة: وذلك) يعني إذنه وَ لو بدخول أفلح كان (بعد ما ضرب) ببناء المجهول (علينا الحجابُ) أي نزلت آيتُه، وفي ((أسد الغابة)) لابن الأثير: في سنة خمس نزلت آية الحجاب في ذي القعدة، تريد أن إباحة دخول العم من الرضاعة لم يكن قبل الحجاب حتى يحمل على أنه لم يمتنع إذ ذاك دخول الأجانب (وقالت عائشة: يحرمُ من الرضاعة ما يحرمُ) بفتح أوله وضم ثالثه في الموضعين (من الولادة) وهذا فتيا منها، ولفظ البخاري في التفسير في رواية (١) انظر ((فتح الباري)) (١٥٢/٩). ٥٠٤ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٢) حديث ٣/١٢٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ أَفْلَحَ، أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ، شعيب عن الزهري بعد حديث الباب، قال عروة: فلذلك كانت عائشة تقول: ((حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب))،. وقد سمعت هذا المعنى من رسول الله وَلل أيضاً، قد تقدم في الحديث الماضي ذلك عنها مرفوعاً، وكذا يأتي مرفوعاً عنها في أول الباب الآتي. ٣/١٢٣٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها أخبرته أن أفلح) بفتح الهمزة وسكون الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة، صحابي، قال ابن منده: عداده في بني سليم، وقال أبو عمر: يقال: إنه من الأشعريين (أخا أبي القعيس) بدل من أفلح، وهو بضم القاف وفتح العين المهملة وسكون التحتية، آخره سين مهملة، هكذا في ((البخاري)) بهذا السند، واختلفت الروايات في هذا الاسم، وفي ((مسلم)) من هذا الوجه ((أفلح بن قعيس))، والمحفوظ الأول، ويحتمل أن يكون اسم أبيه أوجده قعيساً، فنسب إليه، فتكون كنية أبي القعيس وافقت اسم أبيه أوجده. وفي ((مسلم)) من رواية ابن عيينة عن الزهري ((أفلح بن أبي القعيس))، وفي أخرى لمسلم: ((استأذن عمي من الرضاعة أبو الجعد))، وقال هشام: إنما هو القعيس، وفي أخرى له: استأذن أبو القعيس، والمحفوظ أن الذي استأذن هو أفلح، وأبو القعيس أخوه، والد عائشة رضاعاً، قال القرطبي: كل ما جاء في الروايات وهمّ إلا من قال: أفلح أخو أبي القعيس، أو قال: أبو الجعد؛ لأنها كنية أفلح. قال الحافظ(١): أما اسم أبي القعيس، فلم أقف عليه إلا في كلام (١) ((فتح الباري)) (٩/ ١٥٠) باب لبن الفحل. ٥٠٥ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٢) حديث جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا. وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. بَعْدَمَا أُنَزِلَ الْحِجَابُ. قَالَتْ: فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ. فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي صَنَعْتُ. فَأَمَرَنِي أَنْ آذَنَ لَهُ عَلَيَّ. أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٢٢ - باب لبن الفحل. ومسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع ٢ - باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، حدیث ٣. الدارقطني، فقال: هو وائل بن أفلح الأشعري، وحكى هذا ابنُ عبد البر، وقال في ((الاستيعاب)): لا أعلم لأبي القعيس ذكراً إلا في هذا الحديث. (جاء) حال كونه (يستأذن عليها) أي على عائشة (وهو) أي أفلح (عمها من الرضاعة) فيه التفات، ومقتضى السياق وهو عمي، وفي رواية معمر عن الزهري عند مسلم، ((وكان أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة)) (بعد ما نزل الحجاب) كذا في الهندية، وفي المصرية: ((بعد أن أنزل الحجاب))، وهو ظرف لقوله: جاء. (قالت) عائشة: (فأبيت أن آذن) بالمد (له) في الدخول (عليّ، فلما جاء رسول الله وَف أخبرته بالذي صنعت) من منع أفلح عن الدخول علي (فأمرني) وَّ (أن آذن) بالمد (له) في الدخول (علي) وظاهره أنه لم يأذن له في الدخول، ووقع في رواية الثوري عن هشام عند أبي داود: ((دخل علي أفلح فاستترت منه فقال: أتستترين مني وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قلت: إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل))، الحديث. ويجمع بينهما بأنه دخل عليها أولاً فاستترت، ودار بينهما الكلام، ثم جاء يستأذن ظناً منه أنها قبلت قوله، فلم تأذن له حتى تستأذن رسول الله وَ لقر، كذا في ((الفتح)) (١). (١) (١٥١/٩). ٥٠٦ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٣) حديث ٤/١٢٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ. ٤/١٢٣٣ - (مالك عن ثور بن زيد الديلي) بكسر الدال المهملة وسكون الياء (عن عبد الله بن عباس) قال ابن عبد البر(١): لم يسمع ثور عن ابن عباس، بينهما عكرمة، والحديث محفوظ لعكرمة وغيره، قلت: وأخرجه البيهقي(٢) بسنده إلى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس بمعناه (أنه كان يقول: ما كان في الحولين) من الرضاع (وإن كانت) الواو وصلية (مصّةٌ واحدةٌ) بالرفع، وفي نسخة: وإن كان مصة واحدة فبالنصب (فإنه يحرم) وفي نسخة: فهي تحرم، يعني الرضاع محرم مطلقاً، ولو كان قليلاً. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((وما يحرم من قليل الرضاع وكثيره))، قال الحافظ(٣): هذا مصير منه إلى التمسك بالعموم الوارد في الأخبار، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والثوري والليث والأوزاعي، وهو المشهور عن أحمد، وذهب آخرون إلى أن الذي يحرم ما زاد على الرضعة الواحدة. ثم اختلفوا، فجاء عن عائشة عشر رضعات، أخرجه مالك في ((الموطأ)) وعن حفصة كذلك، وجاء عن عائشة أيضاً (سبع رضعات)) أخرجه ابن أبي خيثمة بإسناد صحيح، وأخرج عبد الرزاق عن عروة كانت عائشة تقول: ((لا يحرم دون سبع رضعات أو خمس رضعات))، وجاء عنها ((خمس رضعات))، فعند مسلم عنها ((كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات، ثم نسخت بخمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله وَيه وهُنَّ مما يُقْرأ)). (١) ((الاستذكار)) (٢٥٧/١٨). (٢) ((السنن الكبرى)) (٤٥٨/٧). (٣) ((فتح الباري)) (١٤٦/٩). ٥٠٧ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٣) حديث وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عنها قالت: ((لا يحرم دون خمس رضعات معلومات))، وإلى هذا ذهب الشافعي، وهي رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم، وذهب أحمد في رواية، وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداود وأتباعه إلا ابن حزم إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات، وأغرب القرطبي فقال: لم يقل به إلا داود، ويخرج مما أخرجه البيهقي بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت أنه يقول: لا تحرم الرضعة والرضعتان والثلاث، وأن الأربع هي التي تحرم. وقَوِيَ مذهب الجمهور بأن الأخبار اختلفت في العدد، فوجب الرجوع إلى أقل ما ينطلق عليه الاسم، وقول عائشة: ثم نسخن بخمس معلومات، لا ينتهض حجة على الأصح من قولي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، والراوي روى هذا على أنه قرآن، لا خبرٌ، فلم يثبت كونه قرآناً، ولا ذكر الراوي أنه خبر ليقبل قوله فيه، اهـ. وزاد العيني(١) فيمن يرى أن قليل الرضاع وكثيره سواء: علياً وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن المسيب والحسن وعطاء ومكحولاً وطاووساً والحكم وأصحاب أبي حنيفة، اهـ. واختار الخرقي قول خمس رضعات. وقال الموفق(٢): هو الصحيح في المذهب، ورُوِي هذا عن عائشة وابن مسعود وابن الزبير وعطاء وطاووس، وعن أحمد رواية ثانية: أن قليله وكثيره يحرم، وحكاه عن علي وابن عباس والزهري وقتادة وحماد وغيرهم، وقال: زعم الليث أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم في المهد ما يفطر به الصائم، وعن أحمد رواية ثالثة: أنه لا يحرم إلا ثلاث رضعات، اهـ. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٦/١٤). (٢) («المغني)) (٣٠٩/١١). ٥٠٨ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٤ - ١٢٣٥) حديث ٥/١٢٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ سُئِلَ عَنْ رَجُلِ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانٍ، فَأَرْضَعَتْ إِحْدَاهُمَا غُلَاماً، وَأَرْضَعَتِ الْأُخْرَى جَارِيَةً. فَقِيلَ لَّهُ: هَلْ يَتَزَوَّجُ الْغُلَامُ الْجَارِيَةَ؟ فَقَالَ: لَا. اللَّقَاحُ وَاحِدٌ. أخرجه الترمذيّ في: ١٠ - كتاب الرضاع، ٢ - باب ما جاء في لبن الفحل. ٦/١٢٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا رَضَاعَةَ إِلَّا لِمَنْ أَرْضِعَ فِي الصِّغَرِ. وَلَا رَضَاعَةَ لِكَبِيرٍ. ٥/١٢٣٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عمرو) بفتح العين (ابن الشريد) بفتح الشين المعجمة، أبو الوليد الثقفي الطائفي الحجازي، تابعي، ثقة، من رواة الستة (أن عبد الله بن عباس) - رضي الله عنه - (سُئِل) ببناء المجهول (عن رجل كانت له امرأتان) وفي الترمذي برواية قتيبة ومعن عن مالك بسنده ((جاريتان))، (فأرضعت إحداهما غلاماً) أي ولداً (وأرضعت الأخرى جارية) أي صبية، (فقيل له) أي لابن عباس، وهذا بيان السؤال (هل يتزوج) هذا (الغلام) هذه (الجارية؟ فقال) ابن عباس: (لا) يجوز أن يتزوجها لأن (اللقاح) بفتح اللام (واحد) زاد الترمذي بعده هذا تفسير لبن الفحل. قال صاحب ((المجمع)) (١): اللقاح بفتح اللام اسم ماء الفحل، أراد أن ماء الفحل الذي حُمِلَتا منه واحدٌ، واللبن الذي أرضعته كل واحدة منهما كان أصله ماء الفحل، ويحتمل أن يكون اللقاح بمعنى الإلقاح من ألقح الفحل الناقة، وأصله للإبل، واستعير للناس، اهـ. ٦/١٢٣٥ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان يقول: لا رضاعة إلا لمن أرضع) ببناء المجهول (في الصغر، ولا رضاعة الكبير) يعني رضاعة الكبير لا تحرم شيئاً على ما ذهب إليه الجمهور، خلافاً لما رُوي (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤٩٨/٤). ٥٠٩ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٦) حديث ٧/١٢٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَرْسَلَتْ بِهِ وَهُوَ يَرْضَعُ، إِلَى أُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. فَقَالَتْ: أَرْضِعِيهِ عَشْرَ رَضَعَاتٍ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيَّ. قَّالَ: فَأَرْضَعَتْنِي أُمُّ كُلْتُومِ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ مَرِضَتْ عن عائشة - رضي الله عنها - ومن تبعها، قال الباجي(١): ولم يُحَدَّ ذلك بالحولين، ويحتمل أن يريد أن ما قَرُبَ من الحولين في حكم الحولين، اهـ. ٧/١٢٣٧ - (مالك عن نافع أن سالم بن عبد الله بن عمر أخبره) أي نافعاً (أن عائشة أم المؤمنين أرسلت به) أي بسالم (وهو) صبي (يرضع) ببناء المجهول يعني أرسلت عائشة سالماً في زمان رضاعته (إلى أختها أم كلثوم) بضم الكاف (بنت أبي بكر الصديق)، وكانت تحت طلحة، كذا في ((المحلى)). وأمها حبيبة بنت خارجة، توفي أبوها الصديق الأكبر وهي حامل، فوضعت بعد وفاته، وذكرها بعضهم في الصحابة خطأ، قاله الحافظ وغيره، وهي التي قال فيها أبو بكر عند وفاته: أظنها جارية، كما سيأتي في ((باب ما لا يجوز من النحل))، وفي ((أشهر المشاهير)): تزوّجها طلحة بن عبيد الله، فولدت زكريا وعائشة، ثم قتل عنها، فتزوجها عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، اهـ. (فقالت) عائشة: (أرضعيه عشر رضعات) وهذا أحد الأقاويل المختلفة عن أم المؤمنين عائشة، وعلى هذا المُحَرِّمُ عندها عشر رضعات لا أقل منها، وروي هذا القول عن حفصة أيضاً، كما تقدم في كلام الحافظ (حتى يدخل علي) بتشديد الياء، يعني يكون لي محرماً برضاع عشر؛ لأنه يصير ابناً لأخت لي رضاعاً، فيحلّ له أن يدخل علي بعد البلوغ أيضاً (قال سالم: فأرضعتني أم كلثوم ثلاث رضعات، ثم مرضت) بسكون التاء أي أم كلثوم. قال الباجي: (١) ((المنتقى)) (١٥١/٤). ٥١٠ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٦) حدیث فَلَمْ تُرْضِعْنِي غَيْرَ ثَلَاثٍ رَضَعَاتٍ. فَلَمْ أَكُنْ أَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ لَمْ تُتِمَّ لِي عَشْرَ رَضَعَاتٍ. يروى مَرِضْتُ، بإضافة المرض إلى سالم، ويروى مَرِضَتْ بإضافة المرض إلى أم كلثوم، وهو الأظهر لأن مرض سالم لم يكن يمنعها من ذلك، وإن منعها في وقت من الأوقات، اهـ. (فلم ترضعني) أم كلثوم (غير ثلاث رضعات، فلم أكن أدخل) بعد الكبر (على عائشة من أجل) أي بسبب (أن أم كلثوم لم تتمّ لي عشر رضعات) التي تجعلني محرماً لعائشة، قال الباجي(١): ثم روي عنها أنها قالت: ثم نسخ ذلك بخمس رضعات يحرمن، ولعل ما اعتقدته من النسخ لم يظهر لها إلا بعد قصة سالم، ولم تتم الخمس رضعات الناسخة عندها، فلم يكن يدخل عليها، اهـ مختصراً . قلت: قوله: ولم تتم الخمس الناسخة مبني على رواية الباب، واختلفت الرواية في هذا أيضاً، قال ابن التركماني(٢): روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن عائشة أمرت أم كلثوم أن ترضع سالماً، فأرضعته خمس رضعات، ثم مرضت، فلم يكن يدخل سالم على عائشة، اهـ. وقوله: إن النسخ لم يظهر لها بعد تأباه ألفاظ الرواية المتقدمة، فإنها قالت: ((توفي رسول الله وَي وهن مما يُقرأ من القرآن)). وقال السيوطي في ((التنوير)) (٣): قولها: أرضعيه عشر رضعات، أقول: هذه خصوصية لأزواج النبي وَ ل# خاصة دون سائر النساء، قال عبد الرزاق في ((مصنفه)): عن معمر أخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: كان لأزواج النبي وَل (١) ((المنتقى)) (٤/ ١٥٢). (٢) ((الجوهر النفي على هامش السنن الكبرى)) (٤٥٧/٧). (٣) (ص٤٧١). ٥١١ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٧) حديث ٨/١٢٣٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسِلَتْ بِعَاصِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِلَى أُخْتِهَا، فَاطِمَةَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رضعات معلومات، ولسائر النساء رضعات معلومات، ثم ذكر حديث عائشة هذا، وحديث حفصة الذي بعده، وحينئذ فلا يحتاج إلى تأويل الباجي وقوله: لعله لم يظهر لعائشة النسخ بخمس إلا بعد هذه، اهـ. قال الزرقاني(١): وبه يرد إشارة ابن عبد البر إلى شذوذ رواية نافع هذه بأن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم عروة والقاسم وعمرة رووا عنها خمس رضعات، فوهم من روى عنها عشر رضعات؛ لأنه صحّ عنها أن الخمس نسخن العشر، ومحال أن تعمل بالمنسوخ، كذا قال، وهو سهو؛ لأن نافعاً قال: أخبرني سالم، وكل منهما ثقة حجة حافظ، وأمكن الجمع بأنها خصوصية للزوجات الشريفة، كما قاله طاووس فلا وهم ولا شذوذ، اهـ. ٨/١٢٣٧ - (مالك عن نافع أن صفية بنت أبي عبيد) الثقفية (أخبرته أن حفصة أم المؤمنين أرسلت بعاصم بن عبد الله بن سعد) بسكون العين مولى عمر بن الخطاب، قال الحافظ في ((التعجيل)) (٢): له ذكر في ((الموطأ)) فذكر حديث الباب، ثم قال: وزاد الليث في روايته عن نافع أن عبد الله بن سعد مولى عمر بن الخطاب ذكره ابن الحذاء، اهـ. قلت: وفي ((مصنف ابن أبي شيبة))(٣) عاصم بن سعد (إلى أختها فاطمة بنت عمر بن الخطاب) أمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام أخي أبي جهل تزوّجها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، فولدت له عبد الله، ذكره الدارقطني، كذا في ((المحلى)). (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤١/٣). (٢) (ص٢٠٣). (٣) (٢٨٦/٤). ٥١٢ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٨) حديث تُرْضِعُهُ عَشْرَ رَضَعَاتٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهَا، وَهُوَ صَغِيرٌ يُرْضَعُ. فَفَعَلَتْ. فَكَانَ يَدْخِلُ عَلَيْهَا . ٩/١٢٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ نَ﴿ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَاَ مَنْ أَرْضَعَتْهِ أَخَوَاتُهَا، وَبَنَاتُ أَخِيهَا. وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعَه نِسَاءُ إِخْوَتِهَا . (ترضعه عشر رضعات)، فالظاهر أن العشر مدار التحريم عند حفصة أيضاً، كما تقدم قول لعائشة (ليدخل) عاصم (عليها) أي على حفصة بعد بلوغه (وهو) أي عاصم حينئذ إذا أرسلت حفصة (صغير يُرْضَعُ) ببناء المجهول، جملة حالية لقوله: أرسلت، أو لقوله: ترضعه، (ففعلت) أي أرضعته فاطمة عشر رضعات، (فكان) عاصم (يدخل عليها) أي على حفصة؛ لأنها صارت خالته رضاعاً . ٩/١٢٣٨ - (مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أنه) أي القاسم (أخبره) أي عبد الرحمن (أن عائشة زوج النبي ◌َّ كان يدخل عليها) أي في بيتها بغير حجاب (من أرضعته) فاعل يدخل (أخواتها) فاعل أرضعته؛ لأنها تصير خالة (وبنات أخيها) عطف على الأخوات؛ لأنها تصير إذاً جدة أي عمة الأم (ولا يدخل عليها من أرضعه نساء إخوتها) لعدم اعتبارها بلبن الفحل، فإن المرضع امرأة لا قرابة لها بعائشة. قال الباجي(١): ظاهره خلاف لما روته عن النبي ◌َّل أنه أذن لها أن يدخل عليها أخو أبي القعيس، والأصح أنه وقع فيه بعض الوهم فيما رُوي من ذلك عنها، فلم تكن لتخالف ما سمعته من النبي ◌َّر أو دخل عليها - رضي الله (١) ((المنتقى)) (٤/ ١٥٢). ٥١٣ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٩) حديث ١٠/١٢٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ؛ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنِ الرَّضَاعَةِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: كُلُّ مَا كَانَ فِي عنها - تأويلٌ صرفت به ما سمعته من النبي وَّ، ويحتمل أن تريد به أن من أرضعته أخواتها أو بنات أخيها، فأي وجه وجد الرضاع منهن، ومن أي زوج كان أثبت حرمة الرضاع في الدخول وغيره، وأما نساء إخوتها، فمن أرضعنه قبل أن يتزوّجهن إخوتها لم يكن يدخل عليها. ولا تثبت به حرمة الرضاع، اهـ. وبهذا أوله القاري في ((شرح موطأ محمد))(١) وتبعه صاحب ((المحلى)) إذ قالا: من أرضعه نساء إخوتها أي إذا كان لبنهن من غير إخوتها، اهـ. وسيأتي في قصة سالم في الباب الآتي عن الباجي، ما حاصله: أنها لعلها ترى أن إرضاع الأخوات وبنات الأخ يعم رضاع الصغير والكبير، ولذا تأمرهن بإرضاع من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، ورضاع نساء الإخوة يختص بالصغير، لقوله 8* إياها: إنما الرضاعة من المجاعة، ولذا لا تبيح دخول الرجال عليها برضاع نساء الإخوة، وهو توجيه حسن عندي. قلت: وقد تقدم عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ((يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة))، ولفظ البخاري عن عروة كانت تقول: ((حَرِّمُوا من الرضاعة ما تُحَرِّمُون من النسب))، وهو يتناول من أرضعته نساء الإخوة أيضاً، وهو قول لها، وهذا فعل، فيُقَدَّمُ القولُ على ما هو الأصل المقرر، وقال ابن عبد البر: لا حجة في ذلك؛ لأن لها أن تأذن لمن شاءت من محارمها، وتحجب من شاءت. ١٠/١٢٣٩ - (مالك عن إبراهيم بن عقبة) بضم العين وسكون القاف ابن أبي عياش الأسدي المدني (أنه سأل سعيد بن المسيب عن الرضاعة) المحرمة لاختلاف الناس في مدته ومقداره (فقال سعيد: كل ما كان) من الرضاع (في (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٥٩٣/٢). ٥١٤ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٩) حديث الْحَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ قَطْرَةً وَاحِدَةً، فَهُوَ يُحَرِّمُ. وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، فَإِنَّمَا هُوَ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ: ثُمَّ سَأَلْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ. الحولين، وإن كانت قطرة واحدة) بشرط أن تصل إلى جوف الطفل (فهو يحرّم) بتشديد الراء المكسورة (وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله) يعني بمنزلة الطعام ليس بمحرم (قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟، فقال مثل ما قال سعيد بن المسيب) فقالا مثل ما قال الجمهور. قال الباجي(١): ما كان في الحولين وإن كانت قطرة واحدة فهو يحرم، وعلى أي وجه وصل ذلك من وَجُورٍ (٢) أو لُدُودٍ (٣) رواه ابن حبيب عن مالك وأصحابه، وكذلك إن كان مأكولاً في طعام أو مشروباً في شراب، فإن ذلك كله يقع به التغذّي، وأما السعوط، فقال ابن القاسم: إن وصل السعوط إلى جوف الصبي حرم، وقال ابن حبيب: يحرم على الإطلاق، وبه قال الشافعي، وأما الحقنة، فقال ابن القاسم: إن كان فيه غذاء الصبي حرم، وإلا فلا، وقال ابن حبيب: يحرم على الإطلاق، وقال أبو محمد: يبعد أن يصل إلى موضع يحصل به التغذي، اهـ. وقال الحافظ(٤): إن التغذية بلبن المرضعة يحرم، سواء كان بشرب أو أكل بأي صفة كان، حتى الوجور والسعوط والثرد والطبخ وغير ذلك؛ لأن ذلك يطرد الجوع، وهو موجود في جميع ما ذكر، وبهذا قال الجمهور، واستثنى الحنفية الحقنة، وخالف في ذلك الليث وأهل الظاهر، فقالوا: إن الرضاعة المحرمة إنما تكون بالتقام الثدي ومصّ اللبن، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٥٣/٤). (٢) وَجُور: الدواء يُصبّ في الحلق. (٣) لُدُوْدٌ: ما يُصَبُّ من الأدوية ونحوها بالمسعط في أحد شقي الفم. (٤) ((فتح الباري)) (١٤٨/٩). ٥١٥ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٤٠) حديث ١١/١٢٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب يَقُولُ: لَا رَضَاعَةَ إِلا مَا كَانَ فِي الْمَهْدِ. وَإِلَّا مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ. وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الرَّضَاعَةُ، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا تُحْرِّمُ وَالرَّضَاعَةُ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ تُحَرِّمُ. قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الرَّضَاعَةُ، قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا إِذَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ تُحَرِّمُ. فَأَمَّا مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، ١١/١٢٤٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: لا رضاعة) محرمة (إلا ما كان في المهد) هو ما يهيئ للصبي لينام فيه (وإلا ما أنبت اللحم والدم)، وهو الذي يكون في المهد، ورضاع الكبير لا ينبت شيئاً منهما، وللترمذي(١) عن أم سلمة مرفوعاً، ((لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام))، ولأبي داود(٢) عن ابن مسعود موقوفاً: لا رضاع إلا ما شدّ العظم، وأنبت اللحم، وبطريق آخر عنه ومرفوعاً بمعناه، وقال: أنشز اللحم. (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه كان يقول: الرضاعة قليلها وكثيرها تحرم) وفقاً لقول الجمهور (والرضاعة من قِبَل الرجال) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهتهم أيضاً (تحرم) خلافاً لمن أنكر لبن الفحل، كما تقدم الخلاف فيه مبسوطاً، ووافق الزهري في كلتا المسألتين للجمهور. (قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول: والرضاعة قليلها وكثيرها إذا كان في الحولين تحرم) بكسر الراء المشددة، (فأما ما كان بعد الحولين) ولو بيوم على هذه الرواية، وهي رواية ((الموطأ)) عن مالك، وتقدم في أول الباب أن (١) أخرجه الترمذي (١١٥٢). (٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥٩، ٢٠٦٠). ٥١٦ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب فَإِنَّ قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ لَا يُحَرِّمُ شَيْئاً. وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ. (٢) باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر الروايات عن الإمام مالك في ذلك مختلفة (فإن قليله وكثيره لا يحرم شيئاً، وإنما هو) أي الرضاع بعد الحولين (بمنزلة الطعام) وهو لا يحرم شيئاً. وقال الباجي(١): قول مالك - رحمه الله - هذا يحتمل وجهين: أظهرهما ما يقتضيه اللفظ من أن الحولين مدة للرضاعة دون ما يزاد عليها، وقد رواه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبو الفرج، وروي عن ابن الماجشون وسحنون، والوجه الثاني: أن يريد به الحولين، وما في حكمهما؛ لأن ما زاد على الحولين عنده في حكم الحولين؛ لأنه به يتم حكمهما والمقصود منهما(٢)، اهـ. (٢) ما جاء في الرضاعة بعد الكبر تقدم في أول الباب السابق أن عائشة - رضي الله عنها - ترى أن رضاعة الكبير تحرم، ويروى هذا عن عطاء والليث وداود، وقال الحافظ(٣): حكاه النووي تبعاً لابن الصباغ وغيره عن داود، وكذا نقل القرطبي عن داود أن رضاع الكبير يفيد رفع الاحتجاب منه، ومال إلى هذا القول ابن المواز من المالكية، وفي نسبة ذلك لداود نظر، فإن ابن حزم ذكر عن داود أنه مع الجمهور، وكذا نقل غيره من أهل الظاهر، وهم أخبر بمذهب صاحبهم، وإنما الذي نصر مذهب عائشة هذا، وبالغ في ذلك، هو ابن حزم، ونقله عن علي، وهو من رواية الحارث الأعور عنه، ولذلك ضعفه ابن عبد البر. (١) ((المنتقى)) (١٥٣/٤). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٨/١٨). (٣) ((فتح الباري)) (١٤٩/٩). ٥١٧ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث ١٢٤١/ ١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: قال رجل لعطاء: إن امرأة سقتني من لبنها بعدما كبرت أفأنكحها؟ قال: لا، قال ابن جريج: فقلت له: هذا رأيك، قال: نعم، كانت عائشة تأمر بذلك بنات أخيها، وهو قول الليث بن سعد، وقال ابن عبد البر: لم يختلف عنه في ذلك. قال الحافظ: وذكر الطبري في ((تهذيب الآثار)) في مسند علي هذه المسألة، وساق بإسناده الصحيح عن حفصة مثل قول عائشة، وهو مما يخص به عموم قول أم سلمة: «أبى سائر أزواج النبي ◌َّ ذلك))، ونقله الطبري أيضاً عن عبد الله بن الزبير والقاسم بن محمد وعروة في آخرين، وفيه تعقب على القرطبي حيث خص الجواز بعد عائشة بداود، وذهب الجمهور إلى اعتبار الصغر في الرضاع المحرم، كما تقدم في أول الباب السابق. ١٢/١٢٤١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه سئل) ببناء المجهول (عن رضاعة الكبير) هل يُؤَثِّرُ في التحريم؟ (فقال) الزهري: (أخبرني عروة بن الزبير) قال ابن عبد البر(١): هذا حديث يدخل في المسند أي الموصول للقاء عروة عائشة وسائر أزواجه و18 وللقائه سهلة بنت سهيل، وقد وصله جماعة، منهم معمر وعقيل ويونس وابن جرير عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة بمعناه، ورواه عثمان بن عمر وعبد الرزاق كلاهما عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قاله الزرقاني، وقال الحافظ (٢) بعد ما بسط الكلام على طرق الرواية: لكنه عند أكثر الرواة عن مالك مرسل، اهـ. (أن أبا حذيفة) بضم الحاء المهملة اسمه مهشم على المشهور، وقيل: (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٠/١٨). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٣٤/٩). ٥١٨ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث ابْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْراً. وَكَانَ قَدْ تَبَنَّى سَالِماً الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ. هاشم، وقيل: غير ذلك، وهو خالُ معاوية بن أبي سفيان، كذا في ((الفتح)) (ابن عتبة) بضم العين (ابن ربيعة) بن عبد شمس القرشي العبثمي (وكان من أصحاب رسول الله (وَّ) السابقين الأولين، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة وأربعين رجلاً، وهاجر الهجرتين (وكان قد شهد بدراً) والمشاهد بعدها، واستشهد يوم اليمامة في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وهو ابن ست وخمسين سنة (وكان قد تَبَنّى) بفتح المثناة والموحدة وتشديد النون أي اتخذه ابناً (سالماً) الفارسي المهاجري الأنصاري (الذي يقال له سالم مولى أبي حذيفة) قال الحافظ: لم يكن مولاه، وإنما كان يلازمه، بل كان من حلفائه، كما وقع في رواية لمسلم، اهـ. وقال البخاري: كان مولى امرأة من الأنصار، قال ابن حبان: يقال لها: ليلى، ويقال: ثبيتة بضم المثلثة بنت يعار، وكانت امرأة أبي حذيفة، وبهذا جزم ابن سعد، وقيل: اسمها سلمى، وعن ابن أبي داود هو سالم بن معقل مولى فاطمة بنت يعار أعتقته سائبة، فوالى أبا حذيفة فتبنّاه، أي اتخذه ابناً، وشهد اليمامة، وكان معه لواء المهاجرين، فقطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صرع، فقال: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قُتِلَ، قال: فأضجعوني بجنبه، فأرسل عمر - رضي الله عنه - ميراثه إلى معتقته ثبيتة، فقالت: إنما أعتقته سائبة، فجعله في بيت المال. وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه، وكان ذلك تُرِكَ إلى أن تولى عمر، وإلا فاليمامة كانت في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه -. قلت: وأخرج البيهقي في ((سننه)) (١) بطرق عديدة أن مولاته أعتقته سائبة، (١) ((السنن الكبرى)) (٣٠٠/١٠). ٥١٩ ٢٩ - كتاب الرضاع (٢) باب (١٢٤١) حديث كَمَا تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. وَأَنْكَحَ أَبُو حُذَيْفَةَ سَالِماً. وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ ابْنُهُ. أَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ فَاطِمَةَ وفي طريق منها: أعتقته، وقالت: وال من شئت، فوالى أبا حذيفة، وفي أخرى: أعتقته سائبة، فقُتِلَ يوم اليمامة، فأتي أبو بكر - رضي الله عنه - بميراثه، فقال: أعطوها إياها، فأبت أن تقبله. (كما تَبنَى) أي اتخذه ابناً (رسول الله وَ ل زيد بن حارثة) بن شراحيل بن كعب القرشي نسبا، الهاشمي ولاءً مولى رسول الله وَّه، وحِبُّه وأبوحِبِّه أسامة، كان أمه خرجت به تزور قومها، فأغارت عليهم بنو القين، فأخذوا بزيدٍ، وقدموا به سوق عكاظ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فوهبته للنبي وَل وهو ابن ثمان سنين، فأعتقه وتبناه، قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: ما كنا ندعو إلا زيد بن محمد حتى نزل قوله تعالى: ﴿آدْعُوهُمْ لَبَآِبِهِمْ﴾ وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً والخندق والحديبية وغيرها، واستشهد بمؤتة سنة ثمان من الهجرة، كذا في ((التعليق الممجد)) (١) عن ((تهذيب النووي)). (وأنكح) أي زوج (أبو حذيفة سالماً) بنت أخيه، كما يأتي (وهو) أي أبو حذيفة (يرى أنه) أي سالماً (ابنه) أي يعتقد أنه صار في حكم الابن في جميع الأحكام، كما سيأتي من دأبهم في ذلك (أنكحه) أعاده لطول الكلام بالفصل بقوله: وهو يرى إلخ. (ابنة أخيه فاطمة)، وفي البخاري بنت أخيه هند بنت الوليد، قال الحافظ: كذا في هذه الرواية، ووقع عند مالك فاطمة فلعل لها اسمين، وكذا في ((العيني))(٢)، وقال ابن عبد البر: الصواب فاطمة، قاله (٣) الزرقاني(٣) . (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٠٠/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٤٩/١٢). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٤٤/٣). ٥٢٠