النص المفهرس
صفحات 481-500
٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٥) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ. إِلَّ عَلَى زَوْجِ)). أخرجه مسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، ٩ - باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، حديث ٦٣. ١٠٥/١٢٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ . . . . زَوْجَ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَتْ لِمْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا، اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا، هكذا بالواو ليحيى وأبي مصعب وطائفة من الرواة، ولابن بكير والقعنبي وآخرين عن عائشة أو حفصة على الشك، وكذا رواه عبد الله بن دينار والليث بن سعد كلاهما عن نافع بالشك، ورواه يحيى بن سعيد عن نافع عن صفية عن حفصة وحدها، ورواه عبيد الله عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي ◌ُّر، أخرج ذلك كله مسلم، ولفظ محمد في ((موطئه)) (١) بهذا السند عن حفصة أو عائشة أو عنهما جميعاً . (أن رسول الله وَّر قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد) بضم أوله وكسر الحاء من الإحداد (على ميت فوق) أي أكثر من (ثلاث ليال إلاّ على زوج) فإنها تحدّ عليه أربعة أشهر وعشراً، كما زاده في رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند مسلم، وتقدم مباحث الحديث في الحديث السابق. ١٠٥/١٢٢٥ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر في ((التجريد)) (٢): هذا الحديث معروف عن أم سلمة من حديث بكير بن الأشج، وهو حديث، فيه طول، اختصره مالك وأرسله، اهـ. قلت: وسيأتي موصولاً (أنّ أم سلمة زوج النبي ◌َّ قالت لامرأة حاد) بتشديد الدال من المجرد، يقال: حدّت المرأة وأحدّت بمعنَى. (على زوجها اشتكت) المرأة (عينها) بالإفراد في النسخ (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٥٧/٢). (٢) (ص٢٥٢). ٤٨١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٥) حديث فَبَلَغَ ذُلِكَ مِنْهَا: اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ. وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ . الهندية، وعينيها بالتثنية. والنصب في النسخ المصرية (فبلغ ذلك) الوجع المفهوم من اشتكت (منها) مبلغاً قوياً فقالت أم سلمة: (اكتحلي بكحل الجلاء) بكسر الجيم والمد: الإثمد، وقيل: بالفتح والمد والقصر ضرب من الكحل، كذا في ((النهاية)). وقال الخطابي: سُمِّي بذلك لأنه يجلو العين، ونقل عن أحمد أنه قال: الصواب الجلا مقصوراً، لكن الرواية في أبي داود و((الموطأ)) بالكسر والمد، كذا في ((المحلی)). وفي ((البذل)) (١) عن ((القاموس)): الجلاء كسماء: الأمر الجلي وبالكسر: الكحل، أو كحل خاص (بالليل وامسحيه بالنهار) لئلا يظهر الزينة. قال الباجي(٢): قال أبو عبيدة: كحل الجلاء عندنا الإثمد، سُمّيَ بذلك، لأنه يجلو البصر، فيقويه أو يجلو الوجه فيحسنه، وقولها: ((امسحيه بالنهار)) يقتضي أن له لوناً ظاهراً، ولذا أمرتها بمسحه بالنهار، قال الباجي: وذلك عندي إذا لم تدع إلى إيقاعه بالنهار ضرورة من شدة مرض ومخافة على البصر، اهـ وقد أخرج أبو داود(٣) بسنده عن المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها أن زوجها تُوُفّي، وكانت تشتكي عينيها تتكحل بالجلاء، قال أحمد: الصواب بكحل الجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة، فسألتها عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه، يشتد عليك، فتكتحلين بالليل، وتمسحينه بالنهار، ثم ذكرت قصة دخوله وَ لات عليها حين توفي أبو سلمة، وسيأتي عند المصنف. (١) ((بذل المجهود)) (٧٥/١١). (٢) ((المنتقى)) (١٤٦/٤). (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٣٠٥). ٤٨٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٦) حديث ١٠٦/١٢٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ، فِي الْمَرْأَةِ يُتَّوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: إِنَّهَا إِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ، أَوْ شَكْوٍ أَصَابَهَا: إِنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ كُحْلٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كَانَتِ الضَّرُورَةُ. فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ يُسْرٌ. ولا يذهب عليك أن الرواية هكذا في نسخ أبي داود، وعليه بنى شيخنا في ((البذل))(١) والحديث أخرجه البيهقي برواية ابن داسة عن أبي داود بلفظ: (فتكتحل بكحل الجلاء)) قال أحمد: الصواب بكحل الجلاء، الحديث بلفظ الكحل في الموضعين، وقال المحشي: الجلاء بالكسر الإثمد، والحلاء بضم المهملة حكاكة حجر على حجر يكتحل بها، اهـ. ١٠٦/١٢٢٦ - (قال مالك؛ أنه بلغه عن سالم بن عبد الله) بن عمر - رضي الله عنهما - (وسليمان بن يسار) أحد الفقهاء السبعة (أنهما كانا يقولان في المرأة يتوفى) ببناء المجهول (عنها زوجها: إنها إذا خشيت على بصرها من رمد بها) يقال: رمد من سَمِعَ إذا هاجت عيناه (أو شكوٍ) بفتح المعجمة وسكون الكاف (أصابها) أي البصر (إنها تكتحل وتتداوى بدواء أو بكحل، وإن كان فيه طيب) يعني أنها إذا خشيت على بصرها تكتحل بأي كحل كان، ولم يخصا كحلاً من كحل. وإنما ذلك بحسب المرض، وما تدعو الضرورة إليه. (قال مالك: وإذا كانت الضرورة) أي وجدت (فإن دين الله يسر) فتكتحل، وإن كان فيه طيب، وأما حديث المرأة التي قالت: إن ابنتي اشتكت عينها أفأكحلها؟ فقال ◌َ له: ((لا))، قالت: إني أخشى أن تنفقئ عينها، قال: ((وإن انفقأت)). فقد تقدم الجواب عنه في كلام الحافظ، وقال ابن الهمام: الجمهور حملوه على أنه لم يتحقق الخوف على عينها، اهـ. يعني أن خشيتها توهمٌ منها . (١) انظر: ((هامش بذل المجهود)) (٧٥/١١). ٤٨٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حدیث ١٠٧/١٢٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ صَفِيَّةً بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهَا اشْتَكَتْ عَيْنَهَا، وَهِيَ حادٌّ عَلَى زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَلَمْ تَكْتَحِلْ حَتَّى كَادَتْ عَيْنَاهَا تَرْمَصَانِ. ١٠٧/١٢٢٧ - (مالك عن نافع أن) بالهمزة وتشديد النون في جميع النسخ المصرية وهكذا في رواية محمد، وفي النسخ الهندية عن نافع عن صفية أنها اشتكت بلفظ ((عن)) بين نافع و(صفية بنت أبي عبيد) زوجة ابن عمر - رضي الله عنهما - (اشتكت عينها وهي حادٌ) بتشديد الدال بلا هاء؛ لأنه نعتٌ للمؤنث، لا يُشْركه فيه الذكرُ مثل طالق وحائض (على زوجها عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - وقد تزوّجها في حياة أبيه. وحديث الباب نصٌّ في أنها عاشت إلى موت زوجها، وحدّت عليه، وفي ((الصحيحين)) وغيرهما بعدة طرق أن ابن عمر - رضي الله عنهما - لما رجع من الحج استُصْرخَ على امرأته صفية بنت أبي عبيد جَمَعَ بين الصلاتين، وكان ذلك في إمارة ابن الزبير. قال العيني(١): استُصْرِخٍ، ببناء المجهول أي أخبر بموتها، وقال أيضاً في موضع آخر: كانت من الصالحات العابدات، توفيت في حياة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقال الزرقاني لحديث الباب: إنها عوفيت يعني في قصة الصراخ، ثم مات زوجها في حياتها كما ههنا، اهـ. ولم يتعرض الحافظ وغيره في كتب الرجال عن وقت وفاتها . (فلم تكتحل) وأخذت بالشدة في نفسها، فصبرت على ما أصابها من مرض أو رمد في عينيها (حتى كادت عيناها ترمصان) كذا في جميع النسخ المصرية والهندية من رواة يحيى، ولفظ محمد في ((موطئه))(٢) حتى كادت (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٤٠٠/٥) (١٠٩٢). (٢) انظر ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٥٦/٢). ٤٨٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حديث عيناها أن ترمصا، ثم الفعل بالصاد المهملة في جميع النسخ الهندية والمصرية إلا الباجي، وبالمهملة في رواية محمد، وبها ضبطه الزرقاني(١)، فقال: بفتح الميم وصاد مهملة من باب تعب يجمد الوسخ في موقها، والرجل أرمص، والمرأة رمصاء، اهـ. وفي ((المحلى)): رمصت العين من باب علم، إذا جمد الوسخ في عينها، والرمص محركة: وسخ أبيض في الموقين، اهـ. وفي نسخة الباجي بالضاد المعجمة، لكن كلامه يدل على أن النقط كلها من سهو الكاتب إذ قال: الرمض قذى أبيض تلفظه العين، يقال: عين رمضاء، وهذا يقتضي أن شكوى عينيها كان أمراً خفيفاً؛ لأن الرمض يحدث في العين من أيسر شكوى، وهو قد أخبر أن ما أصابها كاد يبلغها ذلك، ولم تبلغه، وقال ابن القوطية: رمضت العين ترمض إذا أضرّ بها القذى، وهذا أشبه بنسق الحديث وظاهره. فمعناه أنه كاد أن يبلغ بما أصابها من شكوى عينيها مع إمساكها عن الكحل، إلى أن يضُرَّ بها الرمض، والضرر واقع على مقادير مختلفة، فيحتمل أنه أراد إلا أن يضرَّ بها الرمض ضرراً يشتَدّ عليها، قال أبو عبيد الهروي: هو من رمضان بالضاد المعجمة مأخوذ من الرمضاء، هو اشتداد الحر على الحجارة حتى تحمي، فتقول: هاج بعينها من الحر مثل ذلك، والمشهور من الرواية ما قدمناه، ١هـ (٢) وعلم منه أن المذكور قيل: كان بغير المعجمة، لكن الوارد في الرواية المعجمة أيضاً، قال صاحب ((المجمع)) في رمص بالمهملة: الرمص بياض تقطعه العين، ويجمع في زوايا الأجفان، فالرمص: الرطب منه، والغمص (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٤/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٤٦/٤). ٤٨٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: تَدَّهِنُ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالزّيْتِ والشَّبْرَقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِیهِ طِيبٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ الْحَادُّ عَلَى زَوْجِهَا شَيْئاً مِنَ الْحَلْي. خَاتِماً وَلَا خَلْخَالاً. وَلَا غَيْرَ ذُلِكَ مِنَ الْحَلْي. اليابس، فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمصان، ويروى بضاد من الرمضاء، وشدة الحر يعني تهيج عيناها . (قال مالك: تدّهن) بتشديد الدال (المتوفى عنها زوجها بالزيت والشبرق) بفتح الشين المعجمة فموحدة أو تحتية ساكنة وهي السمسم (وما أشبه ذلك) من الأذهان الأخرى (إذا لم يكن فيه طيب) قال الزرقاني (١): ما لم تدع الضرورة إلى الطيب وإلا جاز، كما قدمه، وهو المعتمد في المذهب، اهـ. قال ابن الهمام(٢): أجمعوا على منع الأدهان المطيّبة، واختلفوا في غير المطيّبة، كالزيت والشيرج البحتين والسمن، فمنعناه نحن والشافعي إلا لضرورة لحصول الزينة به، وأجازه الإمامان والظاهرية، اهـ. وقال الموفق(٣): لا يجوز لها استعمال الأدهان المطيّبة. أما غير المطيّب كالزيت والشيرج والسمن، فلا بأس به؛ لأنه ليس بطيب، اهـ. (قال مالك: ولا تلبس المرأة الحاذُّ على زوجها شيئاً من الحلي) بفتح الحاء المهملة وسكون اللام (خاتما) بيانٌ للحَلْي (ولاَ خَلخالاً) بفتح الخاء المعجمة وسكون من حَلْي الأرجل (ولا غير ذلك من الحلي) كسوارٍ وقُرطِ وغيرهما. قال صاحب ((المحلى)): به قالت الثلاثة الباقية. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٦/٣). (٢). ((فتح القدير)) (١٦٣/٤). (٣) ((المغني)) (٢٨٦/١١). ٤٨٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حديث وَلَا تَلْبَسُ شَيْئاً مِنَ الْعَصْبِ. قال الباجي(١): قال ابن مزين: سألت عيسى من الفضة والذهب؟ قال: نعم، وروى ابن الموّاز عن مالك: لا تلبس حلياً، وإن كان حريراً، ولا خرصاً فضةً ولا غيره، وفي الجملة، أن كل ما تلبسه المرأة على وجه التجمّل، فلا تلبسه الحادُّ، ولعل عيسى اقتصر على الذهب والفضة لما كان هذا المعروف ببلده، ولم يكن حَلْيُ الحرير، ولم يتخذ بها، ولم ينص أصحابنا على الجوهر واليواقيت والزمرد، وهو داخل تحت قوله: ولا غير ذلك من الحلي، فكل ما يقع عليه بهذا الاسم ممنوع، اهـ. وقال الموفق(٢) في جملة ما تجتنبه الحادّة: الثالث، الحَلْيُ، فيحرُمُ عليها لبسُ الحلي كلِّه حتى الخاتم في قول عامة أهل العلم، لقول النبي ◌َّة: ((ولا الحَلْي)) وقال عطاء: يُباحُ حلي الفضة دون الذهب، وليس بصحيح؛ لأن النهي عامٌ، ولأن الحَلْي يزيد حسنها، ويدعو إلى مباشرتها، اهـ. (ولا تلبس شيئاً) أي ثوباً (من العصب) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين وموحدة، قال ابن الأثير: برودٌ يمنية يصعب غزلها أي يُجمع ويُشَدّ ثم يُصبغ ويُنسج، فيأتي موشياً لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذ الصبغ، يقال: برد عصب بالتنوين والإضافة، وقيل: هي برود مخططة. وقال الحافظ في ((الفتح)): (٣) ذكر أبو موسى المدني في ((ذيل الغريب)) عن بعض أهل اليمن أنه من دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض، وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيلي: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدينوري، وأغرب منه قول الداودي: (١) ((المنتقى)) (١٤٧/٤). (٢) ((المغني)) (٢٨٨/١١). (٣) ((فتح الباري)) (٤٩١/٩). ٤٨٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حديث إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَصْباً غَلِيظاً . المراد بالثوب العصب، الخضرةُ وهي الحِبْرة، وليس له سلف في أن العصب الأخضر، اهـ. (إلا أن يكون عصباً غليظاً) فتلبسه. قال الباجي(١): قال ابن القاسم: لأن رقيقه بمنزلة الثياب المصبغة، ولم ير غليظه بمنزلة الثياب المصبغة، وروى ابن المزين عن عيسى بن دينار تلبس الحادُّ الوشي الغليظ وحلةً يمانيةً غليظة، وإنما كره لها أن تلبس من العصب وثياب اليمن الحلل والبرود؛ لأنها زينة، اهـ. وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)(٢) من حديث أم عطية مرفوعاً، ((أنها لا تكتحل ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب))، وترجم عليه البخاري ((باب تلبس الحادة ثياب العصب))، قال الحافظ(٣): كره عروة العصب، وكره مالك غليظه، وقال النووي: الأصح عند أصحابنا تحريمه، وهذا الحديث حجة لمن أجازه، اهـ. وفي ((المحلى)) تبعاً لابن الهمام: لا تلبس العصب عند الحنفية مطلقاً، وأجازه الشافعي مطلقاً رقيقه وغليظه، ومنع مالك رقيقه دون غليظه، واختلف فيه الحنابلة، اهـ. قال الموفق(٤): ما صُبِغَ غزلُه، ثم نسج، فيه احتمالان: أحدهما: يحرُمُ لبسُه؛ لأنه أرفع وأحسن، ولأنه مصبوغ للحسن، فأشبه ما صُبِغَ بعد نسجه، والثاني: لا يحرُمُ لقوله وَّر في حديث أم سلمة: ((إلا ثوب عصب))، وهو ما صُبغ غزلُه قبل نسجه، ولأنه لم يصبغ وهو ثوب، فأشبه ما كان حسناً من (١) ((المنتقى)) (١٤٧/٤). (٢) ح (٥٣٤٢). (٣) (٤٩١/٩). (٤) ((المغني)) (٢٨٩/١١). ٤٨٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حديث وَلَا تَلْبَسُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بِشَيْءٍ مِنَ الصِّبْغِ. إِلَّ بِالسَّوَادِ. الثياب غير مصبوغ، والأول أصح، وأما العصب فالصحيح أنه نبت تصبغ به الثياب، قال صاحب ((الروض الأنف))(١): الورس، والعصب: نبتان باليمن؛ لا ينبتان إلا به، فأرخص النبي ◌َّ للحادة في لبس ما صبغ بالعصب؛ لأنه في معنى ما صبغ لغير التحسين، أما ما صبغ غزله للتحسين كالأحمر والأصفر، فلا معنى لتجويز لبسه مع حصول الزينة بصبغه، كحصولها بما صبغ بعد نسجه، اهـ. (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً بشيء من الصبغ) بكسر الصاد المهملة وسكون الموحدة (إلا بالسواد) فيجوز لبسه، قال مالك في ((المدونة)): لا تلبس الحادّ من الثياب المصبغة: الدكن، والخضر، والصفر، والمصبغات بغير الورس، والزعفران، والمعصفر، قال أبو محمد: ولا تلبس الأحمر ولا الأصفر ولا الأخضر ولا الخلوقي، قال مالك: صوفاً كان أو كتاناً أو قطناً، ولا تلبس خَزّاً ولا حريراً مصبوغاً بزعفران ولا عصفر ولا غير ذلك، قال مالك في كتاب ابن المواز: ليس لها لبسُ الأسود، إن كان حريراً، وفي ((المدونة)): وتلبس أبيض الحرير، قال أبو محمد: وتلبس من ذلك الأسود والأبيض والسابري. قال الباجي(٢): وعندي أنهم يريدون بالأسود ما يسمى عندنا غرابياً، وأما ما يصبغ بالسمائي فإنه جميل وما يتجمّل به، وقد قال أبو محمد: كل ما كان من الألوان يتزيّن به النساء لأزواجهن، فلتمنع منه الحادّ، اهـ. قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّ لبسُ الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسوادٍ، فرخص فيه مالك والشافعي؛ لكونه لا يتخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن، وقال ابن دقيق: يؤخذ من مفهوم (١) (٩٦/٧). (٢) ((المنتقى)) (١٤٨/٤). ٤٨٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٧) حديث وَلَا تَمْتَشِطُ إِلَّ بِالسِّدْرِ. وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يَخْتَمِرُ فِي رَأْسِهَا . حديث أم عطية جواز ما ليس بمصبوغ، وهي الثياب البيض، ومنع بعض المالكية المرتفع منها الذي يتزيّن به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزّين به، وقال النووي: رخّص أصحابنا فيما لا يتزين به، ولو كان مصبوغاً، واختلف في الحرير، والأصح عند الشافعية منعه مطلقاً مصبوغاً؛ وغير مصبوغ؛ لأنه أبيح للنساء للتزين به، اهـ. وقال الموفق(١): تحرم عليها الثياب المصبغة للتحسين، كالمعصفر والمزعفر وسائر الأحمر وسائر الملون للتحسين، كالأزرق الصافي والأخضر الصافي والأصفر؛ لقوله مَ له: ((ولا تلبس ثوباً مصبوغاً)) أما ما لا يُقْصَدُ بصبغه حسنُه كالكحلي والأسود، والأخضر المُشْبع، فلا تُمْنَع منه؛ لأنه ليس بزينةٍ. وما صُبِغ غزلُه، ثم نُسج، فيه احتمالان: أحدهما: يحرُمُ لبسُه؛ لأنه أرفع وأحسن، ولأنه مصبوغ للحسن، فأشبه ما صُبغ بعد نسجه، والثاني: لا يحرُمُ لقوله ◌َّ: ((إلا ثوب عصب)) وهو ما صُبِغ غزلُه قبل نسجه، والأول أصح، ولا تُمْنَعُ من حِسَان الثياب غير المصبوغة، وإن كان رقيقاً، سواء كان من قطن أو كتان أو إبريسم؛ لأن حسنه من أصل خلقته، فلا يلزم تغييره، كما أن المرأة إذا كانت حسنة الخلقة لا يلزمها أن تغيِّر لونها وتُشَوِّهَ نفسَها، اهـ. وقال ابن الهمام: يباح لها لبس الأسود عند الأئمة الأربعة، وجعله الظاهرية كالأحمر والأخضر، اهـ. (ولا تمتشط) بشيءٍ من الطيب (إلا بالسدر وما أشبهه مما لا تختمر به رأسها) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: مما لا يختمر في رأسها، قال صاحب ((المحلى)): بالخاء المعجمة أي مما لا يطيب به رأسها، والخمرة بالتحريك: الريح، يقال: وجدت خمرة الطيب أي ريحه، كذا في ((الصحاح)) اهـ. وقال الراغب: خمرة المطيب ريحه، اهـ. (١) ((المغني)) (٢٨٨/١١). ٤٩٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٨) حديث ١٠٨/١٢٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ بَّهَ وَهِيَ حَادٌّ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ. وَقَدْ جَعَلَتْ عَلَى عَيْنَيْهَا صَبِراً. فَقَالَ: ((مَا هُذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ»؟ فَقَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وقال ابن الهمام(١): تمتشط بأسنان المشط الواسعة لا الضيّقة، ذكره في ((المبسوط)) وأطلقه الأئمة الثلاثة، وقد ورد في الحديث مطلقاً، وكونه بالضيّقة يحصل معنى الزينة، وهي ممنوعة منها بالواسعة يحصل دفع الضرر ممنوع، بل قد تحتاج لإخراج الهوامّ إلى الضيّقة، نعم كل ما أرادت به معنى الزينة لم يحلّ، اهـ. ١٠٨/١٢٢٨ - (مالك أنه بلغه) وصله أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن أم سلمة، وفي أوله قصة استفتاء المرأة أم سلمة كما تقدمت قريباً (أن رسول الله وَ ﴾ دخل على أم سلمة) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (زوج النبي ◌َّر) وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، وهو الأوجه؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجة له 18َّ (وهي حاذ على أبي سلمة) عبد الله بن أسد المخزومي زوجها الأول. (وقد جعلت على عينيها صبراً) بفتح الصاد المهملة وكسر الموحدة في الأشهر: الدواء المُرُّ، وحكي بسكون الباء مع كسر الصاد وفتحها، فهي ثلاث لغات، وفي ((البذل))(٢): الصبر ككتف، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر، عصارةُ شجرٍ مُرٍّ، اهـ. (فقال: ما هذا يا أم سلمة؟) نكيرٌ على اكتحالها في العدة (فقالت) اعتذاراً (إنما هو صبر يا رسول الله) زاد في رواية أبي داود: ((وليس فيه طيب قال: إنه (١) ((فتح القدير)) (١٦٣/٤). (٢) («بذل المجهود)) (١١/ ٧٥). ٤٩١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٨) حديث قَالَ: ((اجْعَلِيهِ فِي اللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ)). وصله أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ٤٤ - باب فيما تجتنبه المعتدّة في عدتها . والنسائيّ في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ١٦ - باب الرخصة للحادة أن تمتشط في عدتها بالسّدْر. قَالَ مَالِكٌ: الإِحْدَادُ عَلَى الصَّبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغ الْمَحِيضِ، كَهَيْئَتِهِ عَلَى الَّتِي قَدْ بَلَغَتِ الْمَحِيضَ. تَجْتَنِبُ مَا تَجَّتَنِبُ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ، إِذَا هَلَكَ زَوْجُهَا . يشب الوجه)) (قال) وَّيقول: (فاجعليه بالليل وامسحيه بالنهار) فيكون أبعد من قصد الزينة، قال الباجي: يحتمل وجهين: أحدهما: الصبغ الذي يُضارع ما يتجمل به، والثاني: الإلباس على الناس، فالجاهل يقلد فيه، والعالم ينكره، اهـ. (قال مالك: الإحداد على الصبية) أي الصغيرة (التي لم تبلغ المحيض كهيئته) أي مثل الإحداد (على) المرأة (التي قد بلغت المحيض) يعني (تجتنب) الصغيرة (ما تجتنب) إياها (المرأة البالغة إذا هلك زوجها) أي إذا مات زوج الصغيرة فلتحدّ كالكبيرة. قال الباجي(١): هذا على ما قال: إن الإحداد يلزم الحرة الصغيرة على حسب ما يلزم الكبيرة خلافاً لأبي حنيفة، والأصل في ذلك ما رُوي عن النبي ﴿ أن امرأة سألته عن ابنة لها تُوَفي عنها زوجها، فاشتكت عينها أفتكحلهما؟ فقال ◌َله: ((لا)) مرتين أو ثلاث، ولم يسأل عن سنها، اهـ. وفي ((البخاري)): قال الزهري: ما أرى أن تقرب الصبية الطيب؛ لأن عليها العدة، قال الحافظ(٢): أي إذا كانت ذات زوج فمات عنها، وقوله: لأن (١) ((المنتقى)) (١٤٨/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٨٥). ٤٩٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٨) حدیث قَالَ مَالِكٌ: تَحِدُّ الْأَمَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوجُهَا، شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ، مِثْلَ عِدَّتِهَا . عليها العدة، أظنه من تصرف المصنف، فإن أثر الزهري وصله ابن وهب في (موطئه)) بدونها، وفي التحليل إشارة إلى أن سبب إلحاق الصبية بالبالغ في الإحداد وجوب العدة على كل منهما اتفاقاً، وبذلك احتجّ الشافعي أيضاً، واحتجّ غيره بقوله في حديث أم سلمة: أفنكحلها؟ فإنه يشعر بأنها كانت صغيرة، إذ لو كانت كبيرة لقالت: أفتكتحل هي؟ وفي الاستدلال به نظر، لاحتمال أن يكون معنى قولها: أفنكحلها؟ أي: أفنمكنها من الاكتحال؟ اهـ واستدل الحنفية بقوله وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر)) الحديث، تقدم في أول الباب، والصبية لا تسمى امرأة، وفي ((الهداية)): لا حداد على صغيرة؛ لأن الخطاب موضوع عنها، قال ابن الهمام(١): لا حداد عندنا على كافرة ولا صغيرة ولا مجنونة، خلافاً للشافعي ومالك؛ لأنه يجب لموت الزوج، فيعم النساء كالعدة، قلنا: يجب الحداد عند موت الزوج حقاً من حقوق الشرع، ولذا لو أمرها الزوج بتركه لا يجوز لها تركه، فلا يخاطب هؤلاء به إلى آخر ما بحث فيه. (قال مالك: تحدّ الأمة إذا توفي) ببناء المجهول (عنها زوجها شهرين وخمس لیال مثل) أي قدر (عدتها) فإن عدة الأمة إذا هلك عنها زوجها شهران وخمس ليال إجماعاً لا خلاف فيه بين أهل العلم، إلا ما روي عن ابن سيرين أنه قال: عدتها عدة الحرة، كما تقدم في أول عدة الأمة إذا توفي زوجها، وأما وجوب الحداد على الأمة فكذلك عند الجمهور، وحكى الباجي وغيره من شراح ((الموطأ)) خلاف الحنفية في ذلك، وقالوا: لا حداد على الأمة عندهم، ولا يصح النقل. ففي ((الهداية)): وعلى الأمة الإحداد لأنها مخاطبة بحقوق الله تعالى فيما ليس فيه إبطال حق المولى، قال ابن الهمام: يعني إذا كانت منكوحة في الوفاة (١) ((فتح القدير)) (١٦٤/٤). ٤٩٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ إِحْدَادٌ إِذَا هَلَكَ عَنْهَا سَيِّدُهَا. وَلَا عَلَى أَمَّةٍ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُها، إِحْدَادٌ. وَإِنَّمَا الْإِحْدَادُ عَلَى ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ. ١٠٩/١٢٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِّ ◌َِ، كَانَتْ تَقُولُ: تَجْمَعُ الْحَادُّ رَأْسَهَا بِالسِّدْرِ وَالزَّيْتِ. والطلاق البائن لثبوت العلة الموجبة؛ لأنها مخاطبة بحقوقه تعالى فيما ليس فيه إبطال حق المولى، وليس في الإحداد فوات حقه في الاستخدام، اهـ. (قال مالك: ليس على أم الولد إحداد إذا هلك عنها سيدها، ولا على أمة يموت عنها سيدها) وكانت موطوءة له (إحداد) لأنهما ليستا بزوجة (وإنما الإحداد على ذات الأزواج) لقوله وَلي في أحاديث الحداد: ((لا تحد على ميت إلا على زوج)) وتقدم في أول الباب لا إحداد على غير الزوجات كأم الولد إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها إذا مات عنها، اهـ. ١٠٩/١٢٢٩ - (مالك أنه بلغه أن أم سلمة زوج النبي ◌َلقد كانت تقول: تجمع) بفتح أوله والميم وسكون الجيم (الحاذُ رأسَها) أي شعر رأسها (بالسِذْر والزيت) الذي لا طيب فيه، قال الباجي(١): رأسها بالسدر والزيت على ما يفعله نساء المشرق من أن تجمع المرأة شعرها بشيء يحفظه لها من ريحان أو سدر أو غير ذلك، فإذا كانت في حال إحداد لم تجمع إلا بما ليس فيه رائحة طيبة كالسدر، ويكون ما تجمعه به من الأدهان كالخلّ والزيت، وهو الشيرق وما أشبه ذلك بما ليس بطيب، اهـ. قلت: وتقدم قريباً أن الدهن الذي ليس بطيب يجوز استعماله للحاد عند الإمامين مالك وأحمد خلافاً للآخرين، وعندهما يحمل ذلك على الضرورة. (كمل النكاح والطلاق وتوابعهما بعون الله وفضله) هكذا في النسخ الهندية، وليست هذه الزيادة في النسخ المصرية، والأولى حذفها، فإن الرضاع أيضاً من توابع النكاح. (١) ((المنتقى)) (١٤٨/٤). ٤٩٤ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب بسم الله الرحمن الرحيم ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب رضاعة الصغير (٢٩) كتاب الرضاع قال ابن الهمام(١): لما كان المقصود من النكاح الولد، وهو لا يعيش غالباً في ابتداء نشأته إلا بالرضاع، وكان له أحكام تتعلق به، وهي من آثار النكاح المتأخرة عنه بمدة وجب تأخيره إلى آخر أحكامه، والرضاع والرضاعة بكسر الراء فيهما وفتحها، أربع لغات، والرضع الخامسة، وأنكر الأصمعي الكسر مع الهاء، وفعله في الفصيح من باب علم، وأهل نجد قالوا: من باب ضرب، وهو في اللغة مصُّ اللبن من الثدي، وفي الشرع مصُّ الرضيع اللبن من ثدي الآدمية في وقت مخصوص أي في مدة الرضاع المختلف في تقديرها، اهـ. بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية بتأخير التسمية عن الكتاب إلا نسخة الباجي، ففيها التسمية مقدمة على الكتاب. (١) رضاعة الصغير هكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها رضاع الصغير، وفي نسخة : رضاعة الصغيرة، وليست بوجيه وليست في نسخة هذه الترجمة، بل ذكر الروايات في كتاب الرضاع، والمعنى أن العبرة رضاعة الصغر، وهي المحرمة عند جمهور الصحابة والأئمة الأربعة. قال الموفق(٢): من شرط تحريم الرضاع أن يكون في الحولين، وهذا (١) ((فتح القدير)) (٣٠٤/٣). (٢) («المغني)) (٣١٩/١١). ٤٩٥ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب قول أكثر أهل العلم، رُوي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وأزواج النبي وَ لّر سوى عائشة، وإليه ذهب الشعبي وابن شُبرمة والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور، ورواية عن مالك، وروي عنه إن زاد شهراً جاز، ورُوِي شهران، وقال أبو حنيفة: يُحَرِّم الرضاع في ثلاثين شهراً؛ لقوله سبحانه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَلُهُ ثَثُونَ شَهْرًا﴾(١) ولم يُرد بالحمل حملَ الأحشاء، لأنه يكون سنتين، فعلم أنه أراد الحمل في الفِصال، وقال زفر: مدة الرضاع ثلاث سنين، وكانت عائشة ترى رضاعة الكبيرة تُحَرِّمُ، ويروى هذا عن عطاء والليث وداود، لحديث سهلة الآتي في الباب الآتي، ولنا، قوله تعالى: ﴿وَلْوَإِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةً﴾ (٢)، فجعل تمام الرضاعة حولين، فيدل على أنه لا حكم لها بعدهما، إذا ثبت هذا، فالاعتبار بالعامين لا بالفطام. فلو فطم قبل الحولين، ثم ارتضع فيهما لحصل التحريم، ولو لم يفطم حتى تجاوز الحولين، ثم ارتضع بعدهما قبل الفطام، لم يثبت التحريم، وقال ابن القاسم صاحب مالك: لو ارتضع بعد الفطام قبل الحولين لم تحرم، لقوله ◌َّير: في حديث أم سلمة ((لا يحرم من الرضاع، إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام))، أخرجه الترمذي(٣)، وقال: حسن صحيح، ولنا، قوله تعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ﴾، وروي عنه وَلير: ((لا رضاع إلا ما كان في الحولين والفطام معتبر بمدته لا بنفسه))، اهـ. وقال الحافظ (٤): عند المالكية رواية توافق الحنفية، لكن منزعهم في (١) سورة الأحقاف: الآية ١٥. (٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٣. (٣) أخرجه الترمذي ح (١١٥٢). (٤) ((فتح الباري)) (١٤٦/٩). ٤٩٦ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٠) حديث ١/١٢٣٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهَ كَانَ عِنْدَهَا. وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ؛ فَقُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ذلك أنه يغتفر بعد الحولين مدة يُدمِن الطفل فيها على الفطام؛ لأن العادة أن الصبي لا يفطم دفعة واحدة، بل على التدريج في أيام قليلات، فللأيام التي يحاول فيها فطامه حكم الحولين، ثم اختلفوا في تقدير تلك المدة، قيل: يغتفر نصف سنة، وقيل: شهران، وقيل: شهر ونحوه، وقيل: أيام يسيرة، وقيل: شهر، وقيل: لا يزاد على الحولين، اهـ. وقال الباجي(١): مدة الحولين مدة الرضاع إذا توالى فيها الرضاع واتصل، ولو فطمته أمة فاستغنى بالطعام، ثم أرضعته بعد ذلك امرأة في الحولين، لم يحرم ذلك الرضاع، وبه قال الأوزاعي وابن القاسم وأصبغ، وقال مطرف وابن الماجشون: يحرم إلى انقضاء الحولين، وسيأتي في أول الباب الآتي الخلاف في مذهب داود في ذلك، وسيأتي أيضاً من ذهب إلى ذلك غير داود، وذكر الشيخ في ((البذل)) في تقدير المدة التي يقتضي الرضاع فيه التحريم تسعة مذاهب للعلماء مفصلاً مبسوطاً، فارجع إليه لو شئت التفصيل. ١/١٢٣٠ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري (عن عمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية (أن عائشة أم المؤمنين أخبرتها أن رسول الله وَ لو كان عندها) في حجرتها (وأنها) أي عائشة (سمعت صوت رجل) قال الحافظ (٢): لم أعرف اسمه (يستأذن) صفة لرجل (في بيت) أم المؤمنين (حفصة) بنت عمر - رضي الله عنها - فإن بيتهما كانتا متلاصقتين (قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله (١) ((المنتقى)) (٤/ ١٥١). (٢) ((فتح الباري)) (١٤٠/٩). ٤٩٧ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٠) حدیث هذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَةِ: ((أُرَاهُ فَلَاناً)). لِعَمِّ لِحَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا، لِعَمِّ لَهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ هذا رجل) أجنبي (يستأذن) الدخول (في بيتك) الذي فيه حفصة (فقال رسول الله يقول: أراه) بضم الهمزة (فلاناً) قال الحافظ: لم أقف على اسمه أيضاً (لعم لحفصة) قال الحافظ: اللام بمعنى عن أي قال ذلك عن عم حفصة، وفي ((المحلى)) للتعليل، أي قال ذلك لأجل عم حفصة، اهـ. والمراد اللام الأولى، (من الرضاعة، فقالت عائشة) فيه التفات، ومقتضى السياق فقلت: (يا رسول الله لو كان فلان) سمت رجلاً (حياً لعم لها من الرضاعة) قال الحافظ (١): لم أقف على اسمه أيضاً، ووهم من فسره بأفلح أخي أبي القعيس الآتي في الحديث الآتي؛ لأنه عاش حتى استأذن على عائشة، وقولها: لو كان حياً يدل على أنه كان مات، فيحتمل أن يكون أخاً لهما آخر، ويحتمل أن تكون ظنت أنه مات لبعد عهدها به، ثم قدم بعد ذلك فاستأذن، اهـ. قلت: وكلاهما مشكل؛ لأن الإيراد بتكرار السؤال في حديث الباب، والحديث الآتي لا يدفع إلا بتعدد العمين، بل باختلاف النوعية فلو كانا واحداً يُشكل تكرارُ سؤال عائشة، قال ابن التين: وسُئل الشيخ أبو الحسن القابسي عن ذلك، فقال: هما عَمَّان من الرضاعة، أحدهما رضع مع أبي بكر - رضي الله عنه -، وهو الذي قالت فيه: لو كان حياً، والآخر أخو أبيها من الرضاعة، قال الحافظ: الثاني ظاهر من الحديث، والأول حسن محتمل، وقد ارتضاه عياض، إلا أنه يحتاج إلى نقل لكونه جزم به، اهـ. وقال النووي(٢): قيل: هو عم واحد، وهذا غلط، فإن العم في الحديث (١) ((فتح الباري)) (١٤٠/٩). (٢) ((شرح النووي على الصحيح)) لمسلم (٢٠/١٠). ٤٩٨ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣٠) حديث دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهُ: (نَعَمْ. إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ)). أخرجه البخاريّ في: ٥٢ - كتاب الشهادات، ٧ - باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض. ومسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع: ١ - باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة، حديث ١. الأول ميت، وفي الثاني حيٍّ فالصواب ما قاله القابسي، وذكر القاضي القولين، ثم قال: قول القابسي أشبهُ؛ لأنه لو كان واحداً لفهمت حكمه من المرة الأولى، ولم تحتجب منه بعد ذلك، اهـ. (دخل عليّ) بتشديد الياء أي هل كان يجوز أن يدخل عليّ للرضاعة؟ قال الباجي(١): قالت ذلك مع مشاهدة ما أباحه ول# من دخول عم حفصة عليها مبالغة في تحقيق الحكم، وما يتعلق به لجواز أن يكون هذا الحكم يختصّ بذلك، أو يكون هناك معنى يعتبر يقترن بكونه عمها من الرضاعة، فلما قال لها رَّير: نعم، علمت عموم الحكم، اهـ. (فقال رسول الله وَالقر: نعم) كان يجوز دخوله عليك، ثم بيّن وجه ذلك، فقال: (إن الرضاعة تحرم) بتشديد الراء المكسورة من التحريم (ما تحرم) إياه (الولادة) يعني كل من يتعلق به التحريم بسبب الولادة يتعلق به بسبب الرضاعة، فكما أن الولادة تحرم الأعمام والإخوة والأجداد، فكذلك سبب الرضاع. قال الحافظ (٢): وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والمسافرة، ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة من (١) ((المنتقى)) (٤/ ١٥١). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ١٤١). ٤٩٩ ٢٩ - كتاب الرضاع (١) باب (١٢٣١) حدیث ٢/١٢٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ يَسْتَأُذِنُ عَلَيَّ. التوارث، ووجوب الإنفاق، والعتق بالملك، والشهادة، والعقل، وإسقاط القصاص، اهـ. قال القاري(١): واستثني منه بعض المسائل وقد جمعت في قوله : كأم نافلة وجدة الولد يفارق النسب الرضاع في صور وأم عم وأخت ابن وأم أخ وأم خال عمة ابن اعتمد ثم قال طائفة: هذا الإخراج تخصيص للحديث بدليل العقل، والمحققون على أنه ليس تخصيصاً؛ لأنه أحال ما يُحرِّم من الرضاع على ما يحرم بالنسب، وما يحرم بالنسب هو ما يتعلق به خطاب تحريمه بلفظ الأمهات والبنات وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت فما كان من مسمى هذه الألفاظ متحققاً في الرضاع حرم فيه، والمذكورات ليس شيء منها من مسمى تلك، فكيف تكون مخصوصة، وهي غير متناولة. فإذا أرضعت المرأة رضيعاً يَحْرُمُ على الرضيع وعلى أولاده من أقارب المرضعة كل من يحرُمُ على ولدها من النسب، ولا تحرم المرضعة على أبي الرضيع ولا على أخيه، ولا يحرم عليك أم أختك من الرضاع، إذا لم تكن أمك، ولا زوجة أبيك، ويُتَصَوَّرُ هذا في الرضاعِ، ولا يُتَصور في النسب أم أخت إلا وهي أم لك أو زوجة أبيك إلى آخر ما قاله. ٢/١٢٣١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: جاء عمي من الرضاعة) اسمه أفلح أخ لأبي القعيس، والد عائشة من الرضاعة كما سيأتي في الحديث الآتي (يستأذن عليّ) بتشديد (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٢٣/٩). ٥٠٠