النص المفهرس
صفحات 361-380
٢٨ - كتاب الطلاق (٢٦) باب (١١٩٢) حديث ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ((الدر)) (١): أخرج الشافعي في ((الأم)) وعبد الرزاق(٢) وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ((سننه)) عن عبيدة السلماني في هذه الآية قال: جاء رجل وامرأة إلى علي - رضي الله عنه -، ومع كل واحد منهما فِئَامٌ من الناس، فأمرهم علي - رضي الله عنه -، فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها . ثم قال للحكمين: تدريان ما عليكما؟ عليكما إن رأيتما أن تَجْمعًا أن تجمعا، وإن رأيتما أن تُفَرِّقَا أن تُفَرَّقَا، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما علي فيه وليّ، وقال الرجل: أما الفرقة فلا، فقال علي - رضي الله عنه -: كذبتَ والله حتى تُقِرَّ بمثل الذي أقرت به. وقال الباجي(٣): قول علي - رضي الله عنه - ذكر أنه في شأن عقيل بن أبي طالب وفاطمة بنت عتبة بن ربيعة بعث في أمرهما عثمان بن عفان وعبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان، فقال علي - رضي الله عنه - للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما . وأخرج السيوطي في ((الدر)) (٤) برواية عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا، والذي بعثهما عثمان - رضي الله عنه - (﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾)(٥) فيه وجهان: أحدهما: أن الشقاق مصدر مضاف إلى بينهما، (١) ((الدر المنثور)) (٤٩١/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٠٩/١٨). (٣) ((المنتقى)) (١١٣/٤). (٤) ((الدر المنثور)) (٤٩٢/٢). (٥) سورة النساء: الآية ٣٥. ٣٦١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٦) باب (١١٩٢) حديث فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً ومعناها الظرفية، والأصل شقاقٌ بينهما، لكن اتّسع فيه، فأضيف المصدر إلى ظرفه. وظرفيته باقية، بل نحو مكر الليل والنهار أي بل مكر في الليل والنهار. والثاني: أنه خرج عن الظرفية، وبقي كسائر الأسماء، قال أبو البقاء: البين ههنا الوصل الكائن بين الزوجين، والشقاق العداوة والمخالفة، وسُمِّي الخلاف شقاقاً، لأن المخالف يفعل ما يَشق على صاحبه، أو لأن كلا منهما صار في شق أي جانب، والضمير إلى الزوجين، وإن لم يَجْرِ له ذكر، (﴿فَبْعَثُواْ حَكَمًا﴾) أي رجلاً عدلاً يصلح للحكومة والإصلاح بينهما (﴿مِّنْ أَهْلِهِ،﴾) أي أقاربه ﴿وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَاً﴾) لأن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال. قال صاحب ((الجمل))(١): البعث واجب، وكونهما من أهلهما مندوب، وقال الباجي(٢): ذهب جمهور العلماء إلى أن المخاطب بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ الحكّام، المراد بقوله: ﴿إِن يُرِيدَا إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ﴾ الحَكْمَان، ومن صفة الحكمين التي هي شرط في صحة كونهما حكمين: الإسلام، والبلوغ، والحرية، والذكورة، فإن عدم شيء من ذلك لم يجز تحكيمهما برضا الزوجين، ولا ببعثة السلطان، قاله مالك، وكذلك العدالة، ولهما صفات أخر هي من صفة كمالهما أن يكونا من أهلهما، وأن يكونا فقيهين، اهـ. قال الموفق(٣): إذا وقع بين الزوجين شقاقٌ نظر الحاكم، فإن بان له أنه من المرأة فهو نشوزٌ، وله حكم آخر، وإن بان أنه من الرجل أسكنهما إلى جانب ثقةٍ يمنعه من الإضرار بها، والتعدّي عليها، وكذلك إن بان من كل (١) (٥٠/٢). (٢) ((المنتقى)) (١١٣/٤). (٣) ((المغني)) (٢٦٣/١٠). ٣٦٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٦) باب (١١٩٢) حديث إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَأْ واحد منهما تعدٍّ، أو ادَّعَى كلُّ واحد منهما أن الآخر ظلمه، أسكنهما إلى جانب من يُشْرِفُ عليهما، فإن لم يتهيَّأ ذلك وتمادى الشرُّ بينهما، وخيف الشقاق، بعث الحاكم حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فنظرا بينهما، وفعلا ما يريان المصلحة. واختلفت الرواية عن أحمد في أنهما وكيلان لهما أو حاكمان، والحكمان لا يكونان إلا عاقلين بالغين عدلَيْن مسلمين، لأن هذه من شروط العدالة، سواء قلنا: هما حاكمان أو وكيلان، لأن الوكيل إذا كان متعلقاً بنظر الحاكم لم يجز أن يكون إلا عدلاً، ويكونان ذكراً، لأنه مفتقر إلى الرأي والنظر، قال القاضي: ويُشْتَرط كونهما حراً، وهو مذهب الشافعي، لأن العبد عنده لا تقبل شهادته. فتكون الحرية من شروط العدالة، والأولى أن يقال: إن كانا وكيلين لم تُعتبر الحرّية، لأن توكيل العبد جائز، وإن كانا حكمين اعتبرت الحرية، ويعتبر أن يكونا عالمَيْن بالجمع والتفريق، لأنهما يتصرفان في ذلك، فيعتبر علمهما به، والأولى أن يكونا من أهلهما، فإن كانا من غير أهلهما جاز، لأن القرابة ليست شرطاً في الحكم ولا الوكالة، فكان الأمر بذلك إرشاداً واستحباباً . قال الباجي(١): ولو جعل الزوجان ذلك إلى رجل واحد جاز إذا كان من أهل الحكم، قاله ابن القاسم في ((المدونة))، ولا يجوز ذلك للسلطان، لأن في ذلك إسقاطاً لحق الزوجين، اهـ. (﴿إِن يُرِيدَآ﴾) أي الحكمان (﴿إِضْلَحًا﴾) أي قطعاً للخصومة، وهذا شامل للصلح والفراق (﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾) أي بين الزوجين. قال صاحب ((الجمل)) (٢): أي كانت نيتهما صحيحة، وقلوبهما ناصحة (١) ((المنتقى)) (١١٣/٤). (٢) (٥٠/٢). ٣٦٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٦) باب (١١٩٢) حديث ٣٥ إِنَّ إِلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا، وَالإِجْتِمَاعَ. إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْحَكَمَيْنِ يَجُوزُ قَوْلُهُمَا بَيْنَ الرَّجلِ وَامْرَأَتِهِ، فِي الْفُرْقَةِ وَالإِجْتِمَاعِ. لوجه الله تعالى، فلذلك رَتَّب على هذه الإرادة توفيقَ الزوجين أي ببركة نية الحكمين وسعيهما في الخير تقع الموافقة بين الزوجين، وفي ((السمين)): الضميران في ((يريد)) و((بينهما)) يجوز أن يعودا على الزوجين وأن يعودا على الحكمين، وأن يعود الأول على الحكمين، والثاني على الزوجين، وأن يكونا بالعكس، اهـ. (﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾) بكل شيء (﴿خَبِيرًا﴾) بالبواطن (إن) هذه مقولة قال علي (إليهما) أي الحكمين (الفرقة بينهما والاجتماع) فيمضي على الزوجين ما اتفقا عليه من الفرقة والاجتماع. (قال مالك: وذلك) أي كون الفرقة والاجتماع معاً إليهما، وسيأتي ذكر المشار إليه نصّاً (أحسن ما سمعتُ من أهل العلم) مع الاختلاف بينهم في ذلك كما سيأتي بيانه (أن الحكمين) وهذا بيان للمشار إليه (يجوز) أي ينفذ (قولهما بين الرجل وامرأته في الفرقة والاجتماع) معاً بغير توكيل، ولا إذن من الزوجين، قال ابن عبد البر(١): أجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يُوَكِّلْهُمَا الزوجان، واختلفوا في التفرقة، ثم حكى عن الجمهور نفوذ قولهما فيه من غير توكيل، وعن كثير أنه ينفذ في الجمع ولا ينفذ في التفريق. قال الموفق(٢): اختلفت الرواية عن أحمد في الحكمين، ففي إحداهما أنهما وكيلان لهما لا يملكان التفريق بينهما إلا بإذنهما، وهذا مذهب عطاء وأحد قولَي الشافعي، وحكي ذلك عن الحسن وأبي حنيفة لأن البضع حقه، والمال حقها، وهما رشيدان، فلا يجوز لغيرهما التصرف فيه إلا بوكالة منهما (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١١/١٨). (٢) ((المغني)) (٢٦٣/١٠). ٣٦٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٦) باب (١١٩٢) حديث أو ولاية عليهما، والرواية الثانية أنهما حاكمان، ولهما أن يفعلا ما يريان من جمع وتفريق. بعوض وبغير عوض، ولا يحتاجان إلى توكيل الزوجين ولا رضاهما . روي نحو ذلك عن علي، وابن عباس، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، والنخعي، وسعيد بن جبير، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وابن المنذر، لأنه عز اسمه سماهما حكمين، ولم يعتبر رضا الزوجين، ثم قال تعالى: ﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا﴾ فخاطب الحكمين بذلك، ثم قال: فإن قلنا: هما وكيلان، فلا يفعلان شيئاً حتى يأذن الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق أو صلح، وتَأُذَنُ المرأةُ لوكيلها في الخلع والصلح على ما يراه. فإن امتنعا من التوكيل لم يجبرا، وإن قلنا: إنهما حكمان، فإنهما يمضيان ما يريانه من طلاق وخلع، فينفذ ذلك عليهما رضياه أو أبياه، اهـ. وبسط الجصاص في ((أحكام القرآن))(١) أن مقتضى الآية أن الحكمين وكيلان، وأتى على ذلك ببراهين وقرائن، وقال: زعم إسماعيل بن إسحاق أنه حكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم لم يعرفوا أمر الحكمين، قال أبو بكر: هذا تَكَذُّبٌ عليهم، وأمر الحكمين منصوص عليه في الكتاب، فكيف يجوز أن يخفى عليهم مع محلهم من العلم والدين، ولكن عندهم أن الحكمين ينبغي أن يكونا وكيلين، أحدهما وكيل المرأة، والآخر وكيل الزوج، وكذا رُوي عن علي - رضي الله عنه -، ثم ذكر حديث عبيدة السلماني المذكور في أول الباب، ثم قال: فأخبر علي - رضي الله عنه - أن قول الحكمين إنما يكون برضا الزوجين. قال: وزعم إسماعيل أن علياً - رضي الله عنه - إنما ظهر منه النكير على الزوج، لأنه لم يرض بكتاب، قال: ولم يأخذه بالتوكيل، وإنما أخذه بعدم (١) (١٩٠/٢). ٣٦٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٧) باب (٢٧) باب يمين الرجل بطلاق ما لم ينكح الرضا بكتاب الله، قال: وليس هذا على ما ذكر، لأن الرجل لما قال: أما الفرقة فلا، قال علي: كذبت، أما والله لا تنفلت مني حتى تُقِرَّ كما أقرَّتْ، فإنما أنكر على الزوج ترك التوكيل بالفرقة، وأمره بأن يوكل بالفرقة، وما قال الرجل: لا أرضى بكتاب الله حتى ينكر عليه، وإنما قال: لا أرضى بالفرقة بعد رضى المرأة بالتحكيم. وفي هذا دليل على أن الفرقة عليه غير نافذة إلا بعد توكيله بها، قال: وقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم قالوا: ما مضى به الحكمان من شيء فهو جائز، وهذا عندنا كذلك أيضاً، ولا دلالة فيه على قوله، لأنهم لم يقولوا: إن فعل الحكمين في الجمع والتفريق جائز بغير رضا الزوجين، بل جائز أن يكون مذهبهم أن الحكمين لا يملكان التفريق إلا برضا الزوجين بالتوكيل، ولا یکونان حکمین إلا بذلك، اهـ. (٢٧) يمين الرجل بطلاق ما لم ينكح استعمل ما في العاقل على لغة، وقد تقدم في أبواب الظهار أن العلماء كافة أجمعوا على أن تنجيز الطلاق على الأجنبية لا يصحّ، مثل أن يقول أحد: زوج فلان طالق أو هذه المرأة طالق، وإن تزوجها بعد، لا يقع أيضاً عليها الطلاق، ولا خلاف بينهم في ذلك أصلاً، أما تعليق الطلاق، فالخلاف فيه شهير معروف في الفقه والأصول(١). ومذهب الحنفية في ذلك أن الرجل إذا علّق الطلاق أو العتق إلى الملك أو سبب الملك فيصح التعليق، ويُنَفَّذُ في الطلاق والعتق معاً، مثل أن يقول الرجل: إذا زوجت فلانة فهي طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو إن (١) انظر: في هذه المسألة، ((فتح القدير)) (١٢٧/٣)، ((المغني)) (٤٧٤/١٠)، و((المهذب)) (٩٨/٢). ٣٦٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٧) باب ملكت هذا العبد فهو حر، أو كل عبد ملكته فهو حر، فينفذ الطلاق، والعتق في الصور كلها، قول واحد، لا خلاف بين الحنفية في ذلك. ولا يصح الطلاق ولا العتق عند الشافعية لا تنجيزاً ولا تعليقاً لا تعميماً ولا تخصيصاً، وللإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات: الأولى مثل الحنفية، والثانية مثل الشافعية، والثالثة التفريق بين الطلاق والعتق، ففي الطلاق مثل الشافعية، وفي العتق مثل الحنفية، واختلفت الحنابلة في الترجيح، فمنهم من رجح الرواية الثانية كالموفق، ومنهم من اختار الثالثة كالخرقي. وللإمام مالك في ذلك ثلاث روايات، الأولى: المرجوحة عدم الوقوع مطلقاً، وهي رواية ابن وهب والمخزومي عنه، والثانية: التوقف في ذلك، والثالثة: الراجحة في المذهب، وهو المشهور المعروف من مذهبه، والمختار عند المالكية أنه إن عين امرأة أو عبداً، مثل أن يقول: إن تزوجت هذه المرأة أو ملكت هذا العبد، أو نسبهما إلى قبيلة أو مكان أو زمان لزمه الطلاق والعتق، وإن أطلق وعَمَّمَ مثل أن يقول: كل امرأة أتزوجها أو كل عبد ملكته. فلا ينفذ الطلاق ولا العتق. وفي ((الجوهر النقي)) عن ((الاستذكار))(١): لم يختلف عن مالك أنه إن عمّ لم يلزمه، وإن سمى امرأة أو أرضاً أو قبيلة لزمه، اهـ. قال الباجي(٢) لرواية ابن وهب والمخزومي: ليست هذه الرواية بالمشهورة، قال ابن عبد البر(٣): روي أحاديث كثيرة في عدم الوقوع إلا أنها معلولة عند أهل الحديث، ومنهم من يصحح بعضها، وأحسنها ما رواه الترمذي وغيره مرفوعاً: ((لا طلاق إلا بعد نكاح))، ولأبي داود ((لا طلاق إلا فيما يملك)). (١) انظر: ((الاستذكار)) (١١٩/١٨). (٢) ((المنتقى)) (١١٥/٤). (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢١٤/٣). ٣٦٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٧) باب (١١٩٣) حديث ٧٣/١١٩٣ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، قال البخاري: هو أصح شيء في الطلاق قبل النكاح، وأجيب عنهما بأنا نقول بموجبهما، لأن الذي دلّ عليه إنما هو انتفاء وقوع الطلاق قبل النكاح، ولا نزاع فيه، وإنما النزاع في التزامه قبل النكاح، اهـ. قال الشيخ في ((البذل))(١): والجواب عن الأحاديث المذكورة أنها محمولة على نفي التنجيز، لأنه هو الطلاق، وأما المعلق به، فليس به بل عرضية أن يصير طلاقاً، وذلك عند الشرط، والحمل مأثور عن السلف كالشعبي والزهري، قال عبد الرزاق في ((مصنفه))(٢): أنا معمر عن الزهري أنه قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة هو كما قال، فقال له معمر: أوليس قد جاء؛ ((لا طلاق قبل النكاح ولا عتق إلا بعد ملك)) قال: إنما ذلك أن يقول: امرأة فلان طالق وعبد فلان حر، اهـ. ٧٣/١١٩٣ - (مالك أنه بلغه) وقد رويت الآثار عن هؤلاء، وعن غيرهم في ذلك عند ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي وغيرهم (أن عمر بن الخطاب) قال الزرقاني(٣): مما روي عنه بسند فيه ضعف وانقطاع، لكنه يعتضد بما صح عنه من علق ظهار امرأته على تزوجها، فيقاس عليه تعليق الطلاق أشار له أبو عمر، اهـ. وفي ((الجوهر النقي)) عن ((الاستذكار)) (٤): ولا أعلم أنه روي عن عمر - رضي الله عنه - في الطلاق قبل النكاح شيء صحيح، وإنما روي عنه فيمن ظاهر عن امرأة، وجائز أن يقاس على هذا الطلاق، اهـ. وحديثه في الظهار مرّ في بابه. (١) ((بذل المجهود)) (٢٧٢/١٠). (٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٢٠/٦) ح (١١٤٧٥). (٣) ((شرح الرزقاني)) (٢١٤/٣). (٤) (١٨/ ١١٥). ٣٦٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٧) باب (١١٩٣) حديث وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وقال الجصاص: روي عن ياسين الزيّات عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قال: هو كما قال(١). (وعبد الله بن عمر) رضي الله عنه وصله محمد في ((موطئه))(٢) عن مالك أخبرنا مجبر، عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول: إذا قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك إذا نكحها، الحديث. (وعبد الله بن مسعود) قال الجصاص(٣): روى الثوري عن محمد بن قيس، عن إبراهيم عن الأسود أنه قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فتزوجها ناسياً، فأتى ابن مسعود فذكر ذلك له، فألزمه الطلاق، وبمعناه أخرجه ابن أبي شيبة برواية وكيع عن سفيان بهذا السند، وأخرجه البيهقي في ((سننه)) والسيوطي في ((الدر))(٤) عن ابن مسعود أنه قال بذلك، وأنكر عليه ابن عباس بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُرٍ﴾ (٥) الآية. (وسالم بن عبد الله) بن عمر - رضي الله عنه - (والقاسم بن محمد) بن أبي بكر - رضي الله عنه -، أخرج ابن أبي شيبة (٦) عن ابن نمير وأبي أسامة عن (١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٢١/٦)، الأثر (١١٣٧٤). (٢) («موطأ محمد)) (ص٥٦٣)، ((التعليق الممجد)) (٥١٨/٢). (٣) ((أحكام القرآن)) (٣٦٢/٣). (٤) انظر: ((الدر المنثور)) (٦/ ٥٥٢). (٥) سورة الأحزاب: الآية ٤٩. (٦) ((المصنف)) (١٦/٤، ١٧). ٣٦٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٧) باب (١١٩٣) حديث وَابْنَ شِهَابٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِطَلَاقِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا ثُمَّ أَثِمَ، إِنَّ ذُلِكَ لَازِمٌ لَهُ إِذَا نَكَحَهَا . يحيى بن سعيد قال: كان سالم وقاسم وعمر بن عبد العزيز يرونه جائزاً، وعن أبي أسامة عن عمرو بن حمزة أنه سأل سالماً والقاسم وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن حزم، وعبد الله بن عبد الرحمن عن رجل قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق البتة، فقالوا كلهم: لا يتزوجها . (وابن شهاب) الزهري، وصله ابن أبي شيبة، عن حماد بن خالد عن هشام بن سعد قال: قال الزهري: إذا وقع النكاح وقع الطلاق، وقال الزيلعي(١): روى عبد الرزاق في ((مصنفه)) أخبرنا معمر عن الزهري أنه قال في رجل قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وكل أمة أشتريها فهي حرة: هو كما قال، فقال معمر: أوليس قد جاء ((لا طلاق قبل نكاح))، ((ولا عتق إلا بعد ملك))، قال: إنما ذلك أن يقول الرجل: امرأة فلان طالق، وعبد فلان حرٍّ (وسليمان بن يسار) الهلالي المدني أحد الفقهاء السبعة كلهم (كانوا يقولون: إذا حلف الرجل) والتعليق في معنى الحلف كما ثبت في محله (بطلاق المرأة) المعينة عند مالك، ومن وافقه، والمطلقة عند الحنفية (قبل أن ينكحها). قال الباجي(٢): يريدون أن يقول: إن تزوجتك فأنت طالق، أو يقول: إن تزوجتك ثم دخلت الدار فأنت طالق، فيضيف الطلاق إلى النكاح، وأما إذا لم يُضف الطلاق إلى النكاح، فإنه لا يلزمه شيء مثل أن يقول لأجنبية أنتِ طالق، ثم يتزوجها، فتدخل الدار، فهذا لا خلاف أنه لا يلزمه من ذلك شيء، قال ابن حبيب: هذا مجمع عليه، اهـ. وكذا حكى الإجماع عليه غير واحد. (ثم أثم) أي حنث (إن ذلك) الطلاق (لازم له إذا نكحها) قال الزيلعي(٣): (١) (نصب الراية)) (٢٣٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (١١٥/٤). (٣) انظر: ((نصب الراية)) (٢٣٣/٣). ٣٧٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٧) باب (١١٩٣) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهَي طَالِقٌ: إِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ قَبِيلَةً أَوِ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَهْذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ. وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ. وَمَالُهُ صَدَقَةٌ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا، فَحَنِثَ. قَالَ: أخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن سالم، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي، والنخعي، والزهري، والأسود، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عبد الرحمن، ومكحول، في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو يوم أتزوجها فهي طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق، قالوا: هو كما قال، وفي لفظ: يجوز ذلك عليه، اهـ. (مالك أنه بلغه) قال صاحب ((المحلى)): هذا البلاغ أسنده ابن أبي شيبة من طريق الأسود عنه، اهـ. (أن عبد الله بن مسعود كان يقول فيمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق: إنه إذا لم يُسَمِّ) أي لم يُعَيِّنْ (قبيلة) بعينها (أو امرأة بعينها) أي المرأة الفلانية مثلاً (فلا شيء عليه) أي لا يلزمه هذا الطلاق العمومي، قال مالك: إذ فيه سدٌّ لباب النكاح. (قال مالك: وهذا) الذي تقدم من أقاويلهم، وجملتها أنه إذا عين امرأة أو قبيلة أو غير ذلك لزم الطلاق، وإن لم يعين بل أطلق كل النساء لم يلزم (أحسن ما سمعت) في هذا الباب يعني في تعليق الطلاق. (قال مالك، في الرجل يقول لامرأته) واحدة كانت أو أكثر (أنت الطلاق) إن لم يفعل كذا (وكل امرأة أنكحها فهي طالق) إن لم يفعل كذا (وماله) كله (صدقة إن لم يفعل كذا وكذا) الشرط يتعلق بالصور الثلاثة المذكورة (فحنث) أي فعل الذي علق عليه الطلاق أو الصدقة، (قال) مالك في هذه الصور ٣٧١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٤) حديث أَمَّا نِسَاؤُهُ، فَطُلَاق كَمَا قَالَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا فَهِيَ طَالِقٌ. فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يُسَمِّ امْرَأَةً بِعَيْنِهَا، أَوْ قَبِيلَةً أَوْ أَرْضاً أَوْ نَحْوَ هُذَا، فَلَيْسَ يَلْزَمُهُ ذُلِكَ. وَلْيَتَزَوَّجْ مَا شَاءَ. وَأَمَّا مَالُهُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِثُلُثِهِ. (٢٨) باب أجل الذي لا يمس امرأته ١١٩٤/ ٧٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً الثلاثة: (أما نساؤه فَطُلَّقٌ) بضم الطاء المهملة وتشديد اللام جمع طالق، وفي نسخة طلاق، والمعنى أن في الصورة الأولى تعليقه، وتطلق نساؤه واحدة كانت أو متعددة (كما قال) لصحة تعليقه في الخصوص. (وأما قوله) في الصورة الثانية: (كل امرأة أنكحها فهي طالق فإنه إذا لم يسم) ولم يعين (امرأة بعينها) ولم يذكرها بالتسمية (أو قبيلة) بالنصب، عطف على امرأة أي لم يعين المرأة بنسبتها إلى القبيلة (أو أرضاً) أو لم يعينها بالنسبة إلى البلدة (أو نحو هذا) أي لم يعينها بنوع آخر من أنواع التعيين، كالجميلة أو السوداء (فليس يلزمه ذلك) التعليق لما تقدم من الإمام مالك أن التعليق العمومي لا يصح عنده بخلاف الحنفية (وليتزوج ما شاء) لعدم لزوم الطلاق. (وأما) في الصورة الثالثة (ماله فليتصدق) أي يجب عليه التصدق (بثلثه) عند الإمام مالك، وذلك لما تقدم في أبواب النذور أن من حلف بتصدق جميع ماله يجب ثلثه عنده، وفي المسألة عشرة مذاهب للعلماء، بل أكثر من هذا. (٢٨) أجل الذي لا يمس امرأته يعني الذي لا يقدر على جماع امرأته لاعتراض ونحوه في الذكر يُعَيَّنُ له زمانٌ للعلاج، فهذا بيان هذا الزمان كم يكون؟ ومن أيّ وقتٍ يبتدأ؟ ٧٤/١١٩٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: من تزوّج امرأة) هكذا في النسخ المصرية، وهو أوجه، مما في ٣٧٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٤) حديث فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنَّ يَمَسَّهَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ. النسخ الهندية من لفظ امرأته (فلم يستطع أن يمسّها) أي يجامعها، قال الباجي(١): ظاهره أنه معترضٌ عنها. ظن أنه يستطيع ذلك، فاعترض عنها، لأن المجبوب المسموح لا يستعمل فيه ذلك إلا أن يكون بمعنى أنه ظهر إلى الزوجة ذلك منه المؤثرُ في منع الوطء، (فإنه يُضْرب له) ببناء المجهول أي يعين الحاكم (أجل سنةٍ) بالإضافة، أو تنوين أجل فسنة بالنصب، وعين السنة لأنها مستوعبة لجميع الفصول الموافقة له والمخالفة، فأبيح له أن يتعانى في جميعها ليصل إلى المعاناة على الوجه الذي يوافقه مع ما في ذلك من سعة المدة والفسحة، كذا في ((المنتقى)) (٢). وقال الموفق(٣): ضربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة، فإن كان من يُبْس زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة، وإن كان انحراف من مزاج زال في فصل الاعتدال، فإذا مضت الفصول الأربعة، واختلفت عليه الأهوية فلم تَزلْ، عُلِمَ أنه خِلقةٌ، وحكِي عن أبي عبيدة أنه قال: أهل الطب يقولون: الداءُ لا يستمر في البدن أكثر من سنة، ثم يظهر. قال ابن الهمام(٤): لا بد من مدة معرفة لكون الامتناع لعلة معترضة أو آفة أصلية في أصل الخلقة، فقدّرنا بالسنة، لأنها معرفة لذلك، لأنه إن كان من علة معترضة، فلا يخلو من كونها من غلبة حرارة أو برودة أو رطوبة أو يبوسة، والسَّنَةُ تشمل على الفصول الأربعة، كل فصل بأحد هذه الكيفيات، فالصيف حار يابس، والخريف بارد يابس، والشتاء بارد رطب، والربيع حار رطب، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٤/ ١١٧). (٢) (١١٨/٤). (٣) ((المغني)) (٨٣/١٠). (٤) ((فتح القدير)) (١٢٨/٤). ٣٧٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٤) حديث ثم قال الموفق: ويؤجل سنة في قول عامة أهل العلم، وعن الحارث بن ربيعة أنه أجل رجلاً عشرة أشهر، اهـ. قال الباجي(١): قال ابن حبيب: الاعتراض والعُنَّةُ والحصر والخصاء والجب، وقال أبو محمد: هي أربعة أشياء: الاعتراض والعُنَّةُ والجُبُّ والخصاء، قال ابن حبيب: المعترض هو بصفة من يأتي النساء، وربما جامع بعضهن، واعترض عن بعض، والعنين، قال ابن حبيب: لا ينتشر ذكره، هو كالأصبع في الجسد لا ينقبض ولا ينبسط، والحصور انفرد ابن حبيب بذكره. قال: هو الذي خلق بغير ذكر أو بذكر صغير لا يمكن به وطء، وقال أبو محمد: العنين هو الذي ذكره شديد الصغر، لا يمكنه الجماع بمثله، والخصيّ هو المنتزع الأنثيين. فأما العِنِّيْن والخصيّ والمجبوب فمن أقرّ منهم بحالة، فللزوجة الخيار في فرقته دون ضرب أجل، لأن كل واحد منهم قد أقرّ بمعنى لا يُرجى برؤه، وهو مما يوجب الخيار للزوجة، فمن أنكر ذلك منهم، فقد قال ابن حبيب في الحصور والمجبوب أو مقطوع الخصي: يعتبر هذا بالجس على الثوب. وقال الباجي: عندي إذا كان للنساء أن ينظرن إلى الفرج فيما يصدق فيه النساء جاز للرجال الشهود أن ينظروا إلى هذا، إذا كان غير مصدق فيه، وأما المعترض، فإن أقر بذلك فلا يخلو أن يكون حراً أو عبداً، فإن كان حراً ضرب له أجل سنة، وإن كان عبداً. فقد روى ابن القاسم عن مالك: أجله ستة أشهر . وقال الباجي: اختلف في أجل العبيد، فوجه القول بأنه سنة، اعتباره بالحر. ولأن الغرض في ذلك اختباره بتأثير الأزمنة فيه، وذلك يستوي فيه الحر (١) ((المنتقى)) (١١٨/٤). ٣٧٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٤) حديث والعبيد. فأشار إلى أنها مقولة مالك، وبها قال الجمهور، ووجه القول بأنها ستة أشهر، أنها مدة تقربه من الفراق، فكان له فيها نصف مدة الحر كمدة الإيلاء، اهـ. قال الموفق (١): العنين هو العاجز عن الإيلاج، مأخوذ من عَنَّ، أي اعْتَرَضَ، فإذا كان الرجل كذلك فهو عيب به، ويستحق به فسخُ النكاح بعد أن تُضْرب له مدة، يختبر فيها ويعلم حاله، وهذا قول عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة - رضي الله عنهم -، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي وقتادة. وعليه فتوى فقهاء الأمصار، منهم مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وشَذَّ الحكم بن عيينة، وداود، فقالا: لا يؤجل، وهي امرأته. وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - لقصة امرأة عبد الرحمن بن الزبير، قال لها النبي ◌َلور: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلته، ويذوقُ عُسيلتك)) ولم يضرب له مدة. ولنا ما رُوي أن عمر - رضي الله عنه - أَجَّل العنين سنة، وروى ذلك الدارقطني بإسناده عن عمر وابن مسعود والمغيرة بن شعبة -رضي الله عنهم -، ولا مخالف لهم، ورواه أبو حفص عن علي، ولأنه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار كالجبِّ في الرجل، والرّْقِ في المرأة، فأما الخَبَر، فلا حجة لهم فيه، فإن المدة إنما تُضرب له مع اعترافه، وطلب المرأة ذلك، ولم يوجد واحد منهما، وقد رُوي أن الرجل أنكر ذلك، وقال: إني لأعرُكُها عَرْكَ الأديم. قال ابن عبد البر: وقد صحّ أن ذلك كان بعد طلاقه، فلا معنى لضرب المدة، وصحح ذلك قولُ النبي ◌َّه: ((تريدين أن ترجعي إلى رفاعة)) ولو كان (١) ((المغني)) (١٠/ ٨٢). - ٣٧٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٤) حديث فَإِنْ مَسَّهَا، وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا . قبل طلاقه لما كان ذلك إليها، وقيل: إنها ذكرت ضعفه، وشَبَّهتْه بهُدْبة الثوب، ولذلك قال النبي ◌َّل: ((حتى تذوقي عسيلته)) والعاجز عن الوطء لا يحصل منه ذلك، اهـ. وقال الباجي(١): لا خلاف بين الصحابة في ذلك فيما نعلم إلا رواية عن علي - رضي الله عنه - لا تثبت. وانفرد داود بقوله: لا يؤجل للزوج، ولا خيار للزوجة، وهو محجوج بالإجماع، اهـ. (فإن مسّها) أي جامعها في هذه المدة فيها (وإلا فرق) ببناء المجهول من التفريق أي يفرق الحاكم (بينهما) قال الموفق(٢): فإذا انقضت المدة فلم يطأ فيها فلها الخيار، فإن اختارت الفسخ لم يجز إلا بحكم الحاكم، لأنه مختلف فيه، فإما أن يفسخ، وإما أن يردّه إليها فتفسخ هي في قول عامة القائلين به، ولا يفسخ حتى تختار الفسخ، وتطلبه، لأنه لحقّها، فلا تُجْبَرُ على استيفائه كالفسخ بالإعسار، فإذا فسخ فهو فسخٌ، وليس بطلاق، وهذا قول الشافعي، وقال أبو حنيفة، ومالك، والثوري: يفرق الحاكمُ بينهما، وتكون تطليقة، لأنه فرقة لعدم الوطء فكانت طلاقاً كفرقة المولى، اهـ. وفي ((المحلى)): فرق القاضي بينهما بتطليقة، وتبين بطلقة بائنة عند أبي حنيفة، ولها كلُّ المهر، إن خلا بها، ونصفها إن لم يخلُ بها، وقال الشافعي وأحمد: فسخٌ لا يجب المهر، ولا المتعة، وتجب العدة، لأنه فرقة من جهتها ، اهـ. وقال الباجي(٣): إن انقضت السَّنَةُ، وأَقَرًّا بعدم الوطء كان لها الخيار في (١) ((المنتقى)) (١١٨/٤). (٢) ((المغني)) (٨٤/١٠). (٣) ((المنتقى)) (١١٩/٤). ٣٧٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٥) حدیث ١١٩٥/ ٧٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ: مَتَى يُضْرَبُ أن تقيم عنده أو تفارقه، ثم ليس لها أن تفارق دون إذن السلطان، قاله ابن حبيب، وروى أبو زيد عن ابن القاسم أن لها أن تطلق نفسها متى شاءت بغير إذن من السلطان، وجه القول الأول أنه أمر مختلف فيه، فلا بد من حاكم يحكم به، وجه القول الثاني، أن الحاكم لما ضرب له الأجل، فقد حكم بما یؤول إليه. والطلاق في ذلك طلقة بائنة، ولا رجعة له، وحكم إيقاع الطلاق أن يؤمر الزوج بإيقاعه، فيوقع منه ما شاء، فإن امتنع من إيقاعه، فالحاكم يفسخ نكاحه بطلاق خلافاً للشافعي، وإنما يوقع الحاكم عليه طلقة واحدة تكون بائنة، لأنها قبل الدخول، فلا رجعة فيها، ولا حاجة إلى إيقاع أكثر منها . فإذا فرق بينهما ففي ((الموازية)): روى أشهب عن مالك: إن ضرب لها الأجل بقرب البناء، فلها نصف الصداق، وقد قال مالك مرة: لها جميعه، وبه أخذ ابن القاسم، قال أشهب عن مالك: وإن دفعته بعد طول المدة، ثم فرّق بينهما بعد انقضاء الأجل فلها الصداق كله، اهـ. وفي ((المحلى)): روى ابن أبي شيبة عن ابن المسيب عن عمر - رضي الله عنه - أنه أجل العِنيْن سنة، فإن أتاها وإلا فرق بينهما، ولها الصداق كاملاً. وقال محمد في ((الآثار)) (١): أنا أبو حنيفة ثنا إسماعيل بن مسلم المكي عن الحسن عن عمر رضي الله عنه أن امرأة أتته، فأخبرته أن زوجها لا يصل إليها، فأَجَّله حولاً، فلما انقضى الحول ولم يصل إليها خَيَّرها، فاختارت نفسها، فَفَرَّقَ بينهما عمر - رضي الله عنه -، وجعلها تطليقة بائنة، قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة إلخ. ٧٥/١١٩٥ - (مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (متى يضرب) ببناء (١) (ص١٠٧). ٣٧٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٨) باب (١١٩٥) حديث لَهُ الْأَجلُ؟ أَمِنْ يَوْمَ يَبْنِي بِهَا أَمْ مِنْ يَوْمَ تُرَافِعُهُ؟ فَقَالَ: بَلْ مِنْ يَوْمَ تُرَافِعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ . قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الَّذِي قَدْ مَسَّ امْرَأَتَهُ ثُمَّ اعْتَرَضَ عَنْهَا، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّهُ يُضْرَبُ المجهول (له الأجل) أي أجل سنة (أمن يوم يبني بها أم من يوم تُرَافِعُه؟) ببناء المضارع من المرافعة (فقال) الزهري: (بل من يوم ترافعه إلى السلطان) ومثله روى ابن أبي شيبة عن الشعبي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى شريح يؤجل سنة من يوم يرفع إليه، فإن استطاعها وإلا خَيَّرها، وبه أخذ الجمهور، كذا في ((المحلى)). قال الموفق(١): ابتداء السنة منذ ترافعه، قال ابن عبد البر: على هذا جماعة القائلين بتأجيله، قال معمر في حديث عمر: يؤجل سنة من يوم مرافعته، اهـ. قال الباجي(٢): والسنة في ذلك من يوم ترافعه امرأته إلى السلطان، قاله ابن المواز عن مالك. قال الباجي: هذه عبارة أصحابنا، وتحقيق ذلك عندي أن أول السنة من يوم الحكم بها، وذلك أن رفعها إلى السلطان لا يوجب لها الحكم، إلا بعد إقرار الزوج أو إثبات ما يوجب لها، وربما كان ذلك في المدة الطويلة، فإذا ثبت عند الحاكم ما يوجب ضرب الأجل استأنف ضربه من يوم إنفاذ الحكم، اهـ، وفي فروع الحنفية ابتداؤها من وقت الخصومة. (قال مالك: فأما الذي مسّ امرأته) أي جامعها ولو مرة (ثم اعترض عنها) أي منعه من جماعها مانع (فإني لم أسمع) من أحد من أهل العلم (أنه يضرب (١) («المغني)) (١٠/ ٨٤). (٢) ((المنتقى)) (١١٨/٤). ٣٧٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٩) باب لَهُ أَجَلٌ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا . (٢٩) باب جامع الطلاق له أجل) بل هي زوجته (ولا يفرق بينهما) قال الزرقاني (١): أي ما لم تتضرر فلها التطليق بالضرر كما بُيِّن في الفروع، اهـ. قال الباجي(٢): هذا على ما قال مالك أن من مسّ امرأته ولو مرة واحدة، ثم اعترض عنها، فإنه لا يؤجل له سنة، ولا يفرق بينهما، ولا حجة لها عليه في ذلك، وعلى هذا فقهاء الأمصار غير أبي ثور، فإنه قال: يؤجل، وهو محجوج بالإجماع قبله، ولأن الملامسة الواحدة يكمل بها الصداق. فيبطل بها الاعتراض، اهـ. قال الموفق(٣): أكثر أهل العلم على هذا يقولون: متى وطئ امرأته مرة، ثم ادّعت عجزه لم تُسْمَعْ دعواها، ولم تُضْرَب له مدة، منهم عطاء، وطاووس، والحسن، والزهري، وقتادة، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: إن عجز عن وطئها أُجِّلَ لها، لأنه عجز عن وطئها، فيثبت حقها، كما لو جُبّ بعد الوطء، ولنا أنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح وزوال عُنَّته، فلم تُضْرب له مدة، ولأن حقوق الزوجية من استقرار المهر، والعدة ثبتت بوطء واحد، وقد وُجِد، وأما الجَبُّ فإنه يتحقق به العجز، فافترقا اهـ. (٢٩) جامع الطلاق أي الأحاديث المتفرقة في الطلاق (١) ((شرح الزرقاني)) (١١٦/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٢٢/٤). (٣) ((المغني)) (٨٨/١٠). ٣٧٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٢٩) باب (١١٩٦) حديث ٧٦/١١٩٦ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلَ قَالَ ٧٦/١١٩٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: بلغني أن رسول الله وَّ قال) قال ابن عبد البر(١): هكذا رواه جماعة رواة ((الموطأ)) وأكثر رواة ابن شهاب، ورواه ابن يونس عن ابن شهاب عن عثمان بن محمد بن سويد أن رسول الله 8# قال لغيلان بن سلمة الثقفي حين أسلم، فذكره. ووصله الترمذي(٢) وابن ماجه من طريق معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، وقال الترمذي: هكذا روى معمر، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهري، قال: حُدِّثْتُ عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان، فذكره، ويقولون: إنه من خطأ معمر مما حدّث به بالعراق، اهـ. قال الزرقاني(٣): وقد حدث به جماعة من أهل البصرة عن معمر، ويقال: إن معمراً حَدَّثَ بالبصرة أحاديثَ وهِمَ فيها، وكشف مسلم في ((كتاب التمييز)) عن علّته، وبَيَّنَها بياناً شافياً، فقال: كان عند الزهري في قصة غيلان حديثان: أحدهما مرفوع، والآخر موقوف، فأدرج معمر المرفوع على إسناد الموقوف، فأما المرفوع، فرواه عقيل عن الزهري، قال: بلغني عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن غيلان فذكره، وأما الموقوف فرواه الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان طلّق نساءه في عهد عمر، وقسم ميراثه بين بنيه، اهـ. قال: أي أدرجه في أوله هو في ((مسند إسحاق بن راهويه)) عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن غيلان أسلم، وتحته عشرة نسوة، فقال النبي وَلّ: (١) ((الاستذكار)) (١٤٢/١٨). (٢) ((سنن الترمذي)) (٤٢٦/٣)، و((سنن ابن ماجه)) ح (١٩٥٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢١٦/٣). ٣٨٠