النص المفهرس

صفحات 181-200

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
٣٣/١١٥٣ - حدّثني يحيى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ رُبَيِّعَ
بِنْتَ مُعَوَّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، جَاءَتْ هِيَ وَعَمُّهَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا
رَدَّ البدل الذي أخذه، رواه عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب، قال: فكان
الزهري يقول ذلك، اهـ. وتقدم في الباب السابق ما قال الحافظ: إن للعلماء
فيه ثلاثة آراء، وهي أقوال للشافعي، وتقدم كلام الموفق في ذلك.
٣٣/١١٥٣ - (مالك عن نافع أن ربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وتثقيل
التحتية وعين مهملة، صحابية لها أحاديث(١)، وربما غَزَتْ مع النبي وَّ كانت
من المبايعات بيعة الشجرة، روي عنها ((كان النبي ◌َّر يأتينا، فقال: اسكبي لي
وضوءاً)) الحديث، أخرجه أبو داود وغيره، وروى البخاري وغيره عنها ((جاء
النبي ◌ّ﴿ حين بنى عليّ فجلس على فراشي، كمجلسك مني، وجُوَيْرِيّاتٌ
يضربن بالدُّف)) الحديث، تزوجها إياس بن بكير الليثي كذا في ((الإصابة)) (بنت
معوذ) بشد الواو مفتوحة على الأشهر، وجزم بعضهم بالكسر ابن الحارث
الأنصاري شهد بدراً، وكان ممن قتل أبا جهل، ثم قاتل حتى استشهد ببدر
(ابن عفراء) بنت عبيد النجارية الصحابية، وهي أم معوذ ومعاذ وعوف أولاد
الحارث، وإليها يُنْسبون، ولها خصيصة لم توجد لغيرها، وهي أنها صحابية لها
سبعة بنين، كلهم شهدوا بدراً، هؤلاء الثلاثة وإخوتهم لأمهم: إياس، وخالد،
وعاقل، وعامر أولاد البكير بن ياليل الليثي.
(جاءت هي وعمها) كذا في النسخ المصرية(٢)، وفي الهندية بدله عمتها
(إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (فأخبرته أنها) أي الربيع (اختلعت من
زوجها) أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) بسنده إلى عبد الله بن محمد بن عقيل
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٨٥/٣).
(٢) وكذا في ((الاستذكار)) (١٨٣/١٧).
١٨١

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
فِي زَمَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. فَبَلَغَ ذُلِكَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ.
عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: كان بيني وبين ابن عمي كلام، وهو
زوجها. قالت: فقلت له: لك كل شيء لي وفارِقْنِي، قال: قد فعلتُ، قالت:
فأخذ - والله - كلَّ شيء كان لي حتى فراشي. قالت: فجئت عثمان بن عفان،
فذكرت له ذلك، وقد حُصِر، فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء لها حتى
عقاص رأسها إن شئت (في زمان عثمان بن عفان) - رضي الله عنه - أي في
زمان خلافته وكان ذلك في زمان حصاره - رضي الله عنه - يعني سنة خمس
وثلاثین .
(فبلغ ذلك) أي خبر اختلاعها بكل شيء لها (عثمان بن عفان) - رضي الله
عنه _ (فلم ينكره) بل قضى بوفق ذلك، وأخرج ابن سعد عن الربيع، قالت:
قلت لزوجي: أختلع منك بجميع ما أملك؟ قال: نعم، فدفعت إليه كل شيء
غير درعي، فخاصمني إلى عثمان، فقال: له شرطه، فدفعته إليه، وتقدم قريباً
بلفظ آخر، وفيه: الشرط أملك.
وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق(١) والبيهقي(٢) عن الربيع،
قالت: كان لي زوج يقلُّ على الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني،
فكانت مني زلّة يوماً، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه؟ قال: نعم،
ففعلتُ، فخاصم عَمِّي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخلع،
وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، ولفظ البيهقي بسنده إلى الربيع قالت:
تزوجت ابن عم لي فشقي بي، وشقيتُ به، وعنى بي وعنيتُ به، وإني استأديتُ
عليه عثمان - رضي الله عنه -، فَظَلَّمَني وظَلَّمْتُه(٣)، وكثُر عليّ وكثرت عليه،
وإنما انفلتَتْ مني كلمة، أنا أفتدي بمالي كله، قال: قد قبلت، فقال عثمان -
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٥٠٤/٦)، (١١٨٥٠).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣١٥/٧).
(٣) معناه: نسبني إلى الظلم ونسبته إليه.
١٨٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ.
رضي الله عنه -: خذ منها، قالت: فانطلقتُ، فدفعت إليه متاعي كله إلا ثيابي
وفراشي، وأنه قال: لا أرضى، وأنه استأداني على عثمان - رضي الله عنه -،
فلما دنونا منه، قال يا أمير المؤمنين: الشرط أملك؟ قال: أجل، فخذ منها
متاعها كله حتى عقاصها، قالت: فانطلقت، فدفعت إليه كل شيء حتى أجفتُ
بيني وبينه الباب.
(وقال عبد الله بن عمر) رضي الله عنه -: (عدتها) أي عدة المختلعة (عدة
المطلقة) إذا الخلع طلاق بعوض، والعدة لا تختلف باختلاف الطلاق، وقال
السيوطي: أخرج ابن أبي شيبة (١) عن نافع أن الرُّبَيِّعَ اختلعت من زوجها فأتى
عمها عثمان - رضي الله عنه -، فقال: تعتدّ حيضة، قال: وكان ابن عمر -
رضي الله عنه - يقول: تعتدّ ثلاث حيض حتى قال: هذا عثمان - رضي الله
عنه -، فكان ابن عمر يُفتي به، ويقول عثمان: خيرنا وأعلمنا .
وأخرج النسائي وابن ماجه (٢) عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت؛
قلت للربيع: حدّثيني حديثك قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان -
رضي الله عنه - فسألت: ماذا عليّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون
حديث عهد بك، فتمكثين حتى تحيضي حيضة، قال: إنما أتبع في ذلك قضاء
رسول الله ◌ّية في مريم المغالية.
وأخرج الترمذي(٣) عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد
رسول الله وَر فأمرها النبي ◌َ ◌ّ أن تعتدّ بحيضة. قال صاحب ((المحلى)): فلعله
وقع للربيع الخلع مرتين، مرة في عهده بَّر، ومرة في زمن عثمان - رضي الله
عنه -.
(١) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١١٤/٥).
(٢) أخرجه النسائي (٣٤٩٨)، وابن ماجه (٢٠٥٨).
(٣) أخرجه الترمذي (١١٨٥).
١٨٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حدیث
وحدّثني عَن مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ
يَسَارِ، وَابْنَ شِهَابٍ، كَانُوا يَقُولُونَ: عِدَّةُ الْمُخْتَلِعَةِ مِثْلُ عِدَّةِ
الْمُطَلَّقَةِ. ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ.
(مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار) الهلالي أحد
الفقهاء السبعة (وابن شهاب) الزهري (كانوا يقولون: عدة المختلعة مثل عدة
المطلقة ثلاثة قروء) إن لم تكن حاملاً أو آيسة، قال السيوطي: أخرج البيهقي (١)
عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي بَ ير جعل الخلع تطليقة بائنة.
وأخرج عبد الرزاق(٢) عن علي بن أبي طالب، قال: عدة المختلعة مثل
عدة المطلقة، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عمر وابن عباس: عدة
المختلعة حيضة، وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن
عباس في قصة امرأة ثابت بن قيس أمرها النبي وَ لّ أن تعتدّ بحيضة.
قال الموفق(٣): كلُّ فُرْقَةٍ بين زوجين فعدتها عدة طلاق، سواء كانت
بخلع أو رضاع أو لعان أو فسخ بعيب أو إعسار أو غيره في قول أكثر أهل
العلم، ورُوي عن ابن عباس أن عدة الملاعنة تسعة أشهر، وأبى ذلك سائر
أهل العلم. وقالوا: عدتها عدة الطلاق، وأكثر أهل العلم يقولون: عدة
المختلعة عدة المطلقة، منهم سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله وعروة
وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز والحسن والشعبي والنخعي والزهري
وقتادة وخلاس بن عمر وأبو عياض ومالك والليث والأوزاعي والشافعي،
ورُوي عن عثمان وابن عمر وابن عباس وأبان بن عثمان وإسحاق وابن المنذر:
أن عدة المختلعة حيضة، ورواه ابن القاسم عن أحمد لما روى ابن عباس أن
(١) ((سنن البيهقي)) (٤٥١/٧).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٥٠٦/٦).
(٣) ((المغني)) (١٩٥/١١).
١٨٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُفْتَدِيَةِ :
امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل النبي والر عدتها حيضة، رواه النسائي،
وعن ربيع بنت معوذ مثل ذلك، وأن عثمان قضى به، رواه النسائي وابن ماجه.
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ﴾ الآية، ولأنها فرقة بعد الدخول
في الحياة، فكانت ثلاثة قروء، وحديثهم يرويه عكرمة مرسلاً، قال أبو بكر:
هو ضعيف مرسل، وقول عثمان وابن عباس قد خالفه قول عمر وعلي، فإنهما
قالا : عدتها ثلاث حيض، وقولهما أولى، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد)) (١) عن العيني في ((شرح الهداية)) حكى مذهب
عثمان غير ما ذكر إذ قال: اختلفوا أن الخلع تطليقة أم لا؟ فقال أصحابنا: إنه
تطليقة بائنة، وهو قول عثمان وعلي وابن مسعود والحسن وعطاء وشريح
وقبيصة ومجاهد وأبي سلمة والثوري ومكحول وابن أبي نجيح والشافعي في
الجديد ومالك. وقالت الظاهرية: تطليقة رجعية، وقال أحمد وإسحاق: فرقة
بغير طلاق، وهو قول الشافعي في القديم، اهـ.
وحكى الشيخ في ((البذل))(٢) عن ((فتح الودود)): أن الواجب في العدة
ثلاثة قروء بالنص، فلا يترك النص بخبر الآحاد، وعن غيره أن المراد بالحيضة
الجنس الذي يصدق على القليل والكثير، وتُعقّب بأنه وقع في النسائي التصريح
بالوحدة، ويجاب عنه بأن زيادة الوحدة في رواية النسائي مبنيٌّ على فهم الراوي
إذ فهم من لفظ الحيضة حيضة واحدة، اهـ.
(قال مالك في المفتدية) تقدم في الباب الماضي الفرق بين المفتدية
والمختلعة إلا أن حكمها واحد، قال الباجي (٣): إن المفتدية حكمها حكم
(١) (٢ /٥١٧).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٣٢/١٠).
(٣) ((المنتقى)) (٤/ ٦٧).
١٨٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
إِنَّهَا لا تَرْجِعُ إِلَى زَوْجِهَا إِلَّا بِنِكَاحِ جَدِيدٍ .
المختلعة (إنها لا ترجع إلى زوجها إلا بنكاح جديد) لأن الخلع طلاق بائن عند
الجمهور.
قال ابن رشد (١): جمهور من رأى أنه طلاق يجعله بائناً؛ لأنه لو كان
للزوج في العدة منه الرجعة عليها، لم يكن لافتدائها معنى، وقال أبو ثور: إن
لم يكن بلفظ الطلاق لم يكن له عليها رجعة، وإن كان بلفظ الطلاق كان له
عليها الرجعة، اهـ.
قال الباجي: قوله: في المفتدية يقتضي فصلين: أحدهما: أن طلاقه ليس
برجعي، بل بائن خلافاً لأبي ثور، والدليل على ما نقوله أنها إنما أعطته
العوض لتملك نفسها، ولو كان طلاق الخلع رجعياً لم تملك نفسها، ولا
اجتمع للزوج العوض، والمعوض عنه.
والفصل الثاني: أن له أن يتزوجها بنكاح جديد في العدة وبعدها. فأما
بعد العدة فهو أحد الخُطَّاب، وأما في العدة فإن العدة منه فلا تمنعه عقد
النكاح، وإنما تمنعه غيره. فإن كانت حائلاً فذلك مباح له في جميع أوقات
العدة، وإن كانت حاملاً فذلك له ما لم يثقل حملها، فتكون حينئذ بمنزلة من
تزوج مريضة.
ولو بذلت العوض وشرط الرجعة، ففيها روايتان، رواهما ابن وهب عن
مالك، إحداهما: ثبوتها، وبها قال سحنون، والثانية: نفيها، قال سحنون:
وجه الرواية الأولى أنهما قد اتفقا على أن يكون العوض في مقابلة ما سقط من
عدد الطلاق وذلك جائز، ووجه الرواية الثانية أنه شرط في العقد ما يمنع
المقصود منه، كما لو شرط في عقد النكاح أني لا أطأ، اهـ.
قال ابن رشد: إن جمهور العلماء أجمعوا على أنه لا رجعة للزوج على
(١) ((بداية المجتهد)) (٦٩/٢).
١٨٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
المختلعة في العدة، إلا ما روي عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا :
إن ردّ لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها، والفرق الذي ذكرنا عن
أبي ثور بين أن يكون بلفظ الطلاق أو لا يكون، وأجمع الجمهور على أن له
أن يتزوجها برضاها في عدتها، وقالت فرقة من المتأخرين: لا يتزوجها هو ولا
غيره في العدة.
قال الموفق(١): لا يثبت في الخلع رجعة سواء قلنا: هو فسخ أو طلاق
في قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن، وعطاء، وطاووس، والنخعي،
والثوري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وحُكي عن الزهري،
وسعيد بن المسيب أنهما قالا: الزوج بالخيار بين إمساك العوض، ولا رجعة
له، وبين رده، وله الرجعة، وقال أبو ثور: إن كان الخلع بلفظ الطلاق فله
الرجعة؛ لأن الرجعة من حقوق الطلاق، فلا تسقط بالعوض كالولاء مع العتق.
ولنا قوله سبحانه: ﴿فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾ وإنما يكون فداء إذا خرجت به عن
قبضته وسلطانه، وإذا كانت له الرجعة فهي تحت حكمه، ولأن القصد إزالة
الضرر عن المرأة، فلو جاز ارتجاعها لعاد الضرر، وفارق الولاء، فإن العتق لا
ينفك منه، والطلاق ينفكُ عن الرجعة فيما قبل الدخول، وإذا أكمل العدد.
فإن شرط في الخلع أن له الرجعة، فقال ابن حامد: يبطل الشرط،
ويصح الخلع، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك؛ لأن الخلع
لا يفسد بكون العوض فاسداً، فلا يفسد بالشرط الفاسد، كالنكاح، ولأنه لفظ
يقتضي البينونة، فإذا شرط الرجعة معه بطل الشرط كالطلاق الثلاث، ويحتمل
أن يبطل الخلع وتثبت الرجعة، وهو منصوص الشافعي؛ لأن شرط الرجعة
والعوض متنافيان، فإذا شرطاهما سقطا، وبقي مجرد الطلاق، فثبت الرجعة
بالأصل لا بالشرط، اهـ.
(١) ((المغني)) (٢٧٨/١٠).
١٨٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
فَإِنْ هُوَ نَكَحَهَا، فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمسَّهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ مِنَ.
الطَّلَاقِ الآخَرِ. وَتَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا الْأُوَلَى.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذُلِكَ.
قَالَ مَالِكُ: إِذَا افْتَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيْءٍ، عَلَى أَنْ
يُطَلِّقُهَا. فَطَلَّقَهَا طَلَاقاً مُتَتَابِعاً نَسَقاً،
(فإن هو نكحها) أي عقد عليها بعد الخلع عقداً جديداً في عدة الخلع
(ففارقها) أي طلقها (قبل أن يمسها، لم يكن له عليها عدة) أخرى (من الطلاق
الآخر) أي الطلاق الثاني الذي وقع بعد النكاح في عدة الخلع (وتبني على
عدتها الأولى) التي شرعتها بعد الخلع لعدم المسيس في هذا النكاح الثاني، فلم
تبق عليها إلا العدة الأولى لم تتم بعد.
(قال مالك: وهذا) المذكور من عدم تجديد العدة (أحسن ما سمعت في
ذلك) الباب لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُرَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ
عِدَّةٍ تَعْنَدُّونَهَا﴾(١) فإنه شامل لهذه الصورة أيضاً، قال الباجي(٢): يريد
- رحمه الله - أن هذا نكاح لم يمسّ فيه، فلا تثبت فيه عدة للآية المذكورة،
هذا إن كان تزوجها بعد انقضاء العدة، فإن تزوجها وفارقها قبل أن تنقضي
العدة، فهي على عدتها الأولى؛ لأن النكاح الثاني لا يؤثر في العدة، ولا
يبطل التمادي عليها إلا بالمسيس، فإذا عرا من المسيس فلا يثبت فيه حكم
العدة، اهـ.
(قال مالك: إذا افتدت المرأة من زوجها بشيء على أن يطلقها، فطلقها
طلاقاً متتابعاً) وهو المراد بقوله (نسقاً) بفتحتين، قال صاحب ((مختار الصحاح)):
ثغر نسق إذا كانت أسنانه مستوية، والنسق أيضاً ما جاء من الكلام على نظام
(١) سورة الأحزاب: الآية ٤٩.
(٢) ((المنتقى)) (٦٨/٤).
١٨٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١١٥٣) حديث
فَذْلِكَ ثَابِتٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذُلِكَ صُمَاتٌ، فَمَا أَتْبَعَهُ بَعْدَ
الصُّمَاتِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ .
واحد، والنسق بالتسكين مصدر نسق الكلام، إذا عطف بعضه على بعض،
وبابه نصر (فذلك) الطلاق كله (ثابت عليه).
قال الباجي: يريد أن من قال لزوجته في طلاق الخلع الذي تبين به
الزوجة، وتخرج به عن حكم الزوج: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكان
ذلك متصلاً، فإن حكمه في اللزوم حكم من قال لها ذلك في لفظ واحد: أنت
طالق ثلاثا خلافاً للشافعي، والدليل على ذلك أن نسق الكلام بعضه على بعض
متصلاً، يوجب له حكماً واحداً، ولذلك إذا اتصل الاستثناء باليمين بالله أَثَّرَ،
وثبت له حكم الاستثناء، اهـ.
قال ابن رشد (١): قال مالك: لا يرتدف على المختلعة طلاق إلا إن كان
الكلام متصلاً، وقال الشافعي: لا يرتدف وإن كان الكلام متصلاً، وقال أبو
حنيفة: يرتدف، ولم يفرق بين الفور والتراخي (فإن كان بين ذلك) أي بين
كلامه في التطليق (صُمات) بالضم سكوت (فما أتبعه) أي ما تكلم من الطلاق
(بعد الصمات فليس بشيء).
قال الباجي(٢): يريد إن لم يتصل كلامه وتخلله صمت أو كلام، لم
يتعلق بما قبله، ولما كانت المختلعة لا يلحقها طلاق مبتدأ لم يلحقها طلاق
يتخلل بينه وبين المخالعة صمات؛ لأن ما حال بينه وبين طلاق صمت، فهو
كلام مبتدأ، له حكم الطلاق المبتدأ، ولما كانت المختلعة لا يلحقها طلاق في
العدة، لم يلحقها الطلاق الذي حال بينه وبين الطلاق الأول صمت، وقال أبو
حنيفة: يلحق المختلعة الطلاق في العدة، اهـ.
(١) ((بداية المجتهد)) (٧٠/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٦٨/٤).
١٨٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١٣) باب ما جاء في اللعان
وقال الموفق(١): المختلعة لا يلحقها طلاق بحال، وبه قال ابن عباس،
وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن، والشعبي، ومالك،
والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يلحقها الطلاق
الصريح المعين دون الكناية، والطلاق المرسل، وهو أن يقول: كل امرأة لي
طالق، ورُوي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب، وشريح، وطاووس، والنخعي،
والزهري، والحكم، وحماد، والثوري، لما روي عن النبي ◌َّ أنه قال:
((المختلعة يلحقها الطلاق ما دامت في العدة))(٢).
ولنا، أنه قول ابن عباس وابن الزبير، ولا نعرف لهما مخالفاً في
عصرهما، ولأنها لا تحل له إلا بنكاح جديد، فلم يلحقها طلاقه كالمطلقة قبل
الدخول أو المنقضية عدتها، وحديثهم لا نعرف له أصلاً ولا ذكره أصحاب
السنن، اهـ.
وقال ابن الهمام(٣): المختلعة يلحقها صريح الطلاق عندنا، وبه قالت
الظاهرية، وهو قول ابن مسعود، وعمران بن حصين، وأبي الدرداء، وابن
المسيب، وزاد على من ذكر الموفق مكحولاً وعطاء، وقال: قال مالك
والشافعي وأحمد: لا يلحقها، ولنا ما رواه أبو يوسف بإسناده في ((الأمالي))
عن النبي ولو أنه قال: ((المختلعة يلحقها صريح الطلاق ما دامت في
العدة))، اهـ.
(١٣) ما جاء في اللعان
مصدر لَاعَنَ كقَاتَلَ من اللعن، وهو الطرد، والإبعاد، سُمِّي به لا
(١) («المغني)) (٢٧٨/١٠).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٨٩/٦).
(٣) ((فتح القدير)) (٨٢/٤).
١٩٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
بالغضب، مع أنه مشتمل على ذكر الغضب في جانبها، كاللعن في جانبه للعنة
نفسه قبلها، والسبق من أسباب الترجيح، وقرنت شهادتها بالغضب؛ لأنهن
يكثرن اللعن، كما ورد في الحديث، فعساهن يجترئن على الإقدام عليه؛ لكثرة
جريه على ألسنتهن، وسقوط وقعه عن قلوبهن، فقرن الركن في جانبهن
بالغضب ردعاً لهن عن الإقدام، اهـ. كذا في ((الدر المختار))(١) وشرحه.
وقال الحافظ(٢): مأخوذ من اللعن؛ لأن الملاعن يقول: ((لعنة الله عليه
إن كان من الكاذبين))، واختير لفظُ اللعن دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول
الرجل، وهو الذي بُدِئَ به في الآية، وهو أيضاً يبدأ به، وله أن يرجع عنه
فيسقط عن المرأة بغير عكس، وقيل: سُمِّي لعاناً؛ لأن اللعن الطرد والإبعاد،
وهو مشترك بينهما، وإنما خصت المرأة بالغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها؛
لأن الرجل إذا كان كاذباً لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف. وإن كانت هي
كاذبة فذنبها أعظم؛ لما فيه من تلويث الفراش والتعرض لإلحاق من ليس من
الزوج به، فتنشر المحرمية، وتثبت الولاية والميراث لمن لا يستحقها، واللعان
والالتعان والملاعنة بمعنى، ويقال: تلاعنا والتعنا ولاعن الحاكم بينهما،
والرجل ملاعن لوقوعه غالباً من الجانبين، اهـ.
قال العيني(٣): سُمّي به لما فيه من لعن نفسه في الخامسة، وهي من
تسمية الكل باسم البعض، كالصلاة تسمى ركوعاً وسجوداً، ومعناه الشرعي
شهادات مؤكدات بالأيمان مقرونة باللعن، وقال الشافعي: هي أيمان مؤكدات
بلفظ الشهادة فيشترط أهلية اليمين عنده، فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة،
وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وبه قال مالك وأحمد، وعندنا
(١) (٥٣٠/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٤٠).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣١٣/١٤).
١٩١

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
يشترط أهلية الشهادة فلا يجري إلا بين المسلمين الحرين العاقلين البالغين غير
محدودین في قذف، اهـ.
وقال الموفق(١): اختلفت الرواية في صفة الزوجين اللذين يصحّ اللعان
بينهما، فروي عنه أنه يصح من كل زوجين مكلفين. سواء كانا مسلمين أو
كافرين عدلين أو فاسقين، وأجمعوا على مشروعيته، وعلى أنه لا يجوز مع
عدم التحقق، واختلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقق أن الولد ليس منه
قَوِي الوجوب، اهـ.
وقال أيضاً: هو ينقسم إلى واجب ومكروه وحرام.
فالأول: أن يراها تزني أو أقرّت بالزنا، فصَدَّقها، وذلك في طهرٍ لم
يجامعها فيه، ثم اعتزلها مدة العدة، فأتت بولد لزمه قذفها لنفي الولد لئلا
يلحقه، فيترتب عليه المفاسد.
الثاني: أن يرى أجنبياً يدخل عليها بحيث يغلب على ظنه أنه زنى بها،
فيجوز له أن يلاعن، لكن لو ترك لكان أولى للستر؛ لأنه يمكنه فراقها
بالطلاق .
الثالث: ما عدا ذلك لكن لو استفاض، فوجهان لأصحاب الشافعي
وأحمد الإجازة والمنع، اهـ. وبسط هذه الأنواع الثلاثة الرازي في ((تفسيره))
فقال: القذف ينقسم إلى محظور، ومباح، وواجب.
وجملة الكلام أنه إذا لم یکن ثَمَّ ولد یرید نفیه فلا یجب، وهل يباح أم
لا؟ ينظر إن رآها بعينه تزني، أو أقرّت هي على نفسها، ووقع في قلبه صدقها
أو نحو ذلك، فيباح للزوج القذف لتأكد التهمة، ويجوز أن يمسكها ويستر
(١) ((المغني)) (١٢٢/١١).
١٩٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
عليها، لحديث: ((امرأتي لا تردُّ يد لامسٍ))، أما إذا سمعه ممن لا يُوثق بقوله
أو استفاض من بين الناس، لكن الزوج لم يره معها، أو بالعكس، لم يحلَّ له
قذفُها؛ لأنه قد يذكره من لا يكون ثقة فينتشر، اهـ مختصراً. وسيأتي قريباً في
كلام الباجي: لعان من وجد مع امرأته رجلاً ولم يرها تزني.
وقال الموفق(١): القذف على ثلاثة أضرب: واجبٌ: وهو أن يرى امرأته
تزني في طهر لم يطأها فيه، فإنه يلزمه اعتزالها حتى تنقضي عدتها، فإذا أتت
بولد لستة أشهر من حين الزنا، وأمكنه نفيه عنه، لزمه قذفها ونفي ولدها؛ لأن
ذلك يجري مجرى اليقين، في أن الولد للزاني، فإذا لم ينفه لحقه الولد،
وورثه، وورث أقاربه وورثوا منه، ونظر إلى بناته وأخواته، وليس ذلك بجائز،
فيجب نفيه لإزالة ذلك، ولو أقرّت بالزنا، ووقع في قلبه صدقُها، فهو كما لو
رآها .
الثاني: أن يراها تزني أو يثبت عنده زناها، وليس ثَمَّ ولد يلحقه نسبها،
وثَمَّ ولد، لكن لم يعلم أنه من الزنا، أو يشيع في الناس أن فلاناً يفجر بفلانة،
ويشاهده عندها، أو داخلاً إليها، أو يغلب على ظنه فجورُها، فهذا له قذفها،
وإن سكت جاز وهو أحسن؛ لأنه يمكنه فراقها بطلاقها، ويكون فيه سترها
وستر نفسه، ولیس ثم ولد یحتاج إلى نفيه.
وقد رُوي عن عبد الله(٢): أن رجلاً أتى النبي ◌َّ فقال: أرأيتَ رجلاً
وجد مع امرأته رجلاً، فَتَكَلَّم جلدتُموه، أو قتل قتلتموه، أو سكت سكت على
غيظٍ، فذكر أنه يتكلمُ أو يسكتُ، ولم ينكر عليه النبي وَّ .
الحال الثالث: محرم، وهو ما عدا ذلك من قذف أزواجه والأجانب،
(١) ((المغني)) (١٥٦/١١).
(٢) أخرجه مسلم في اللعان (١٤٩٥)، وأبو داود (٢٢٥٣).
١٩٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
فإنه من الكبائر، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾(١)
الآية، ولا يجوز قذفها بخبر من لا يوثق بخبره؛ لأنه غير مأمون على الكذب
عليها، ولا برؤيته رجلاً خارجاً من عندها من غير أن يستفيض زناها؛ لأنه
يجوز أن يكون دخل سارقاً أو هارباً أو لحاجة أو لغرض فاسد فلم يمكنه، ولا
الاستفاضة ذلك في الناس من غير قرينة تدل على صدقهم لاحتمال أن يكون
أعداؤها أشاعوا ذلك عنها .
وفيه وجه آخر أنه يجوز؛ لأن الاستفاضة أقوى من خبر الثقة، ولا
بمخالفة الولد لون والديه، ولا لشبهه بغير والديه، لحديث: ((عسى أن يكون
نزعه عرق))، وذكر القاضي أبو الخطاب: أن ظاهر كلام أحمد جواز نفيه، وهو
الوجه الثاني لأصحاب الشافعي، لقوله و لر في حديث اللعان: ((إن جاءت به
أورق جَعْداً جُماليًّا(٢)، فهو للذي رُمِيَتْ به)).
فأتت به على الوجه المكروه، فقال النبي وَلّ: ((لولا الأيمان لكان لي
ولها شأن)) فجعل الشبه دليلاً على نفيه، والصحيح الأول، وهذا الحديث إنما
يدل على نفيه عنه مع ما تقدم من لعانه، ونفيه إياه عن نفسه، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٣): الإقرار بالولد الذي ليس منه حرام كالسكوت
لاستلحاق نسب من ليس منه، قال ابن عابدين: لقوله {وَ * حين نزلت آية
الملاعنة: ((أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في
شيء، ولن يدخلها الله جنته))، اهـ. وفيه أيضاً: جاز نكاح من رآها تزني، وله
وطؤها بلا استبراء، وأما قوله تعالى: ﴿وَالَِّيَّةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾(٤)
(١) سورة النور: الآية ٦.
(٢) جُماليّ: ضخم الأعضاء تام الأوصال، كأنه الجمل.
(٣) (٥٤١/٣).
(٤) سورة النور: الآية ٣.
١٩٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١١٥٤) حديث
٣٤/١١٥٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ
سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُويْمِراً الْعَجْلَانِيَّ
فمنسوخ بآية: ﴿فَتْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَآءِ﴾(١).
وفي آخر حظر ((المجتبى)): لا يجب على الزوج تطليق الفاجرة، ولا
عليها تسريح الفاجر إلا إذا خافا أن لا يقيما حدود الله، فلا بأس أن يتفرقا،
قال ابن عابدين: استثناء منقطع؛ لأن التفريق حينئذ مندوب، بقرينة قوله: لا
بأس، لكن في أول ((باب الطلاق)): أنه يستحب لو مؤذية أو تاركة صلاة،
ويجب لو فات الإمساك بالمعروف، فالظاهر أنه استعمل لا بأس ههنا للوجوب
اقتداءً بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾(٢) الآية، فإن
نفي البأس في معنى نفي الجناح، اهـ.
واستدل ابن عابدين تبعاً لصاحب ((البحر)) لجواز إبقاء الفاجرة في النكاح
بحديث: ((لا تَرُدُّ يَدَ لامسٍ)) وعُلم من ذلك أن القذف ليس بواجب عند الحنفية
أيضاً، إذا لم يتحقق علوق الولد الذي ليس منه، وإذا تحقق ذلك، فالسكوت
حرام.
٣٤/١١٥٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن سهل بن سعد) بن مالك
(الساعدي) الخزرجي الصحابي ابن الصحابي (أخبره أن عويمراً) بضم العين
المهملة وفتح الواو مصغراً (العجلاني) بفتح العين المهملة وسكون الجيم نسبة
إلى جده، وهكذا رواه البخاري(٣) برواية إسماعيل عن مالك، قال الحافظ (٤):
وفي رواية القعنبي عن مالك، عويمر بن أشقر. وكذا أخرجه أبو داود وأبو
(١) سورة النساء: الآية ٣.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
(٣) ((صحيح البخاري)) ح (٥٣٠٨).
(٤) «فتح الباري)) (٩/ ٤٤٧ - ٤٤٨).
١٩٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١١٥٤) حديث
عوانة بسند آخر عن الزهري، ووقع في ((الاستيعاب)) عويمر بن أبيض، وعند
الخطيب في ((المبهمات)) عويمر بن الحارث، وهذا هو المعتمد، فإن الطبري
نسبه في ((تهذيب الآثار)) فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن
عجلان، فلعل أباه كان يلقب أشقر أو أبيض.
وفي الصحابة ابن أشقر آخر، وهو مازني، أخرج له ابن ماجه، قلت:
وتقدمت روايته في ((الموطأ)) في ((الأضاحي))، قال: واتفقت الروايات عن ابن
شهاب على أنه في مسند سهل، إلا ما أخرجه النسائي من طريق عبد العزيز
وإبراهيم كلاهما عن الزهري، فقال فيه: عن سهل عن عاصم بن عدي، قال:
كان عويمر رجلاً من بني عجلان، فقال أي عاصم، فذكر الحديث، والمحفوظ
الأول.
وفي كتاب ((الحدود)) من البخاري: قال سهل بن سعد: شهدت
المتلاعنين وأنا ابن خمس عشرة سنة، وفي نسخة أبي اليمان عن شعيب عن
الزهري عن سهل بن سعد قال: توفي رسول الله وّل وأنا ابن خمس عشرة
سنة، فهذا يدل على أن قصة اللعان كانت في السنة الأخيرة من زمان النبي وَثاره
لكن جزم الطبري وأبو حاتم وابن حبان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع،
وجزم به غير واحد من المتأخرين، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند
الدارقطني أن قصة اللعان كانت بمنصرف النبي وَلَو من تبوك، وهو قريب من
قول الطبري ومن وافقه.
لكن في إسناده الواقدي، فلا بد من تأويل أحد القولين، فإن أمكن وإلا
فطريق شعيب أصح، ومما يوهن رواية الواقدي ما اتفق عليه أهل السير أن
التوجه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في ((الصحيحين)) أن هلال بن أمية
أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وفي قصته أن امرأته استأذنت له النبي وَلقر أن
تخدمه، فأذن لها بشرط أن لا يقربها .
١٩٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١١٥٤) حديث
جَاءَ إِلَى عَاصِمُ بْنِ عَدِيِّ الْأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَاصِمُ. أَرَّأَيْتَ
رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً،
وفيه: أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يوماً، فكيف تقع قصة
اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك، ويقع الهلال مع كونه فيما ذكر
من الشغل بنفسه وهجران الناس له وغير ذلك، وقد ثبت في حديث ابن عباس
أن آية اللعان نزلت في حقه، وكذا عند مسلم (١) من حديث أنس أنه أول من
لاعن في الإسلام.
والذي يظهر أن القصة كانت متأخرة، ولعلها كانت في شعبان سنة عشر
لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة باتفاق،
فیلتئم حينئذ مع حديث سهل بن سعد، ووقع عند مسلم من حديث ابن مسعود:
كنا ليلة الجمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار، فذكر القصة في اللعان
باختصار، فتعين اليوم، لكن لم يتعين الشهر ولا السنة، اهـ مختصراً.
(جاء إلى) ابن عم أبيه (عاصم بن عدي) بن الجد العجلاني (الأنصاري)
وكان سيد بني عجلان، كما تقدم في آخر الحج (فقال له: يا عاصم أرأيت
رجلاً) أي أخبرني عن حكم رجل وعبّر بالإبصار عن الإخبار؛ لأن الرؤية سبب
العلم، وبه يحصل الإعلام (وجد مع امرأته رجلاً) أجنبياً، كذا اقتصر على
قوله: مع، فاستعمل الكناية، ومراده معية خاصة، يعني جزم بأنه زنى بها .
وقال الباجي(٢): قوله: وجد مع امرأته رجلاً يحتمل أن يكون اقتصر
على هذا اللفظ فقط، ويحتمل أنه زاد على هذا رآها تزني، فإن فسر ذلك.
فقال القاضي أبو محمد: إنه إذا ادّعى الرؤية ووصف ذلك كما يصف الشهود
على إحدى الروايتين، وادّعى الرؤية، ولم يفسرها على الرواية الثانية، فإن له
(١) أخرجه مسلم ح (١٤٩٦).
(٢) ((المنتقى)) (٧٠/٤).
١٩٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١١٥٤) حديث
أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُوْنَهُ؟
أن يلاعن، وأما إذا لم يَدَّع رؤية، فهل يلاعن أم لا؟ فعن مالك في ذلك
روايتان: إحداهما: يلاعن. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والثانية: أنه يُحدّ
ولا يُلاعن، وجه قولنا أنه يلاعن، قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾(١) ولم
يفرق بين أن يدعي رؤية أو لا، ولأنه قاذف لزوجته، لم يتبين كذبه، فكان له
أن يلاعن كما لو ادعى رؤية، وجه الرواية الثانية أنها حرة عفيفة مسلمة، قذفها
من لم يحقق قذفه، فلزمه الحد كالأجنبي، ولفظ الوجود مع امرأته ليس بصريح
في القذف (أيقتله) بهمزة الاستخباري (فتقتلونه) قصاصاً لتقدم علمه بحكم
القصاص.
قال الحافظ(٢): قد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلاً فتحقق
الأمر فقتله هل يقتل به؟ فمنع الجمهور الإقدامَ، وقالوا: يقتصُّ منه إلا أن يأتي
ببينة الزنا، أو على المقتول بالاعتراف، أو يعترف به ورثته، فلا يقتل القاتل به
بشرط أن يكون المقتول محصناً، وقيل: بل يقتل به؛ لأنه ليس له أن يقيم الحد
بغير إذن الإمام، وقال بعض السلف: بل لا يقتل أصلاً ويُعَزّر فيما فعله إذا
ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه
قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية، لكن زاد أن
يكون المقتول قد أحصن، اهـ.
وقال الموفق(٣): إذا قتل رجلاً وادّعى أنه وجده مع امرأته، أو أنه قتله
دفعاً عن نفسه، أو أنه دخل منزله يكابره عن ماله، فلم يقدر على دفعه إلا
بقتله، لم يقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص، روي نحو ذلك عن علي. وبه
قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر. ولا أعلم فيه مخالفاً سواء وجد في دار
(١) سورة النور: الآية ٦.
(٢) ((فتح الباري)) (٤٤٩/٩).
(٣) ((المغني)) (٤٦١/١١).
١٩٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١١٥٤) حديث
القاتل أو غيرها، أو وُجِدَ معه سلاح، أو لم يوجد، لما روي عن علي
- رضي الله عنه - أنه سئل عمن وجد مع امرأته رجلاً فقتله، فقال: إن لم يأت
بأربعة شهداء فليعط برُمَّته.
ولأن الأصل عدم ما يدعيه، فلا يثبت بمجرد الدعوى، وإن اعترف الولي
بذلك فلا قصاص عليه ولا دية؛ لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان
يوماً يتغذّى إذ جاءه رجل يعدو، وفي يده سيف ملطّخ بدم، ووراءه قوم يعدون
خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر - رضي الله عنه -، فجاء الآخرون فقالوا: يا
أمير المؤمنين هذا قتل صاحبنا فقال له عمر - رضي الله عنه -: ما يقولون؟
فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني ضربت فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد
فقتلته، فقال عمر - رضي الله عنه -: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إنه
ضرب بالسيف، فوقع في وسط الرجل وفخذي المرأة، فأخذ عمر - رضي الله
عنه - سيفه فهزّه، ثم دفعه إليه، وقال: إن عادوا فعُدْ، رواه سعيد في ((سننه)).
وروي عن الزبير أنه كان يوماً قد تخلّف عن الجيش، ومعه جارية له،
فأتاه رجلان فقالا: أعطِنا شيئاً، فألقى إليهما طعاماً كان معه، فقالا: خَلِّ عن
الجارية، فضربهما بسيفه، فقطعهما بضربة واحدة، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(١): ويكون التعزير بالقتل، كمن وجد رجلاً مع
امرأته لا تحلّ له، ولو أكرهها فلها قتله ودمه هدر، وكذا الغلام إن كان يعلم؛
لأنه لا ينزجر بصياح وضرب بما دون السلاح، وإن علم أنه ينزجر، لا. وإن
كانت المرأة مطاوعة قتلهما، ولو كان مع امرأته وهو يزني بها أو مع محرمه
وهما مطاوعان قتلهما جميعاً .
ومفاده الفرق بين الأجنبية والزوجة والمحرم، فمع الأجنبية لا يحلّ القتل
(١) (٩٩/٦ - ١٠٢).
١٩٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٣) باب
(١١٥٤) حديث
أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟
إلا بالشرط المذكور من عدم الانزجار، وفي غيرها يحلّ مطلقاً، ورَدَّه في
((النهر)) من التسوية بين الأجنبية وغيرها بلا شرط إحصان، لأنه ليس من الحد،
بل من الأمر بالمعروف. وفي ((المجتبى)): الأصل أن كل شخص رأى مسلماً
يزني يحلُّ له قتله، وإنما يمتنع خوفاً من أن لا يصدق أنه زنى.
قال ابن عابدين: حاصله أنه يحلّ ديانة لا قضاء فلا يصدقه القاضي إلا
ببينة، والظاهر أنه يأتي ههنا التفصيل المذكور في السرقة، وهو ما في
((البزازية)) وغيرها إن لم يكن لصاحب الدار بينة، فإن لم يكن المقتول معروفاً
بالشر والسرقة قتل صاحب الدار قصاصاً، وإن كان متهماً به فكذلك قياساً،
وفي الاستحسان: تجب الدية في ماله؛ لأن دلالة الحال أورثت شبهة في
القصاص، اهـ.
(أم كيف) مفعول به لقوله (يفعل) أي: أي شيء يفعل، وأم يحتمل أن
تكون متصلة، يعني إذا رأى الرجل هذا المنكر والأمر الفظيع أيقتل فتقتلونه؟ أم
يصبر على ذلك الشنآن والعار، ويحتمل أن تكون منقطعة، ورجحّه صاحب
((مجمع البحار)).
والمعنى أنه سأل أوّلاً عن القتل مع القصاص، ثم أضرب عنه إلى سؤال
آخر؛ لأن ((أم)) المنقطعة متضمنة لمعنى (بل))، ولمسلم عن ابن عمر - رضي الله
عنهما -، فقال: ((أرأيت إن وجد مع امرأته رجلاً، فإن تكلّم تكلّم بأمرٍ عظيم،
وإن سكت سكت عن مثل ذلك؟)) وله عن ابن مسعود: ((إن تكلم جلدتمُوه،
وإن قتل قتلتُمُوه، وإن سكت سكت على غيظ))، وفي رواية عن ابن عباس: لما
نزل ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(١) قال عاصم بن عدي: إن دخل رجل منا بيته،
فرأى رجلاً على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك، فقد قضى
(١) سورة النور: الآية ٤.
٢٠٠