النص المفهرس

صفحات 161-180

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
فشكا إلى أبيها، فقال: لا أجمع عليه فراق أهلك ومالك، وقد خلعتها منك
بما أعطيتها، قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول خلع في العرب.
وأما أول خلع في الإسلام فسيأتي ذكره، ويسمى أيضاً فدية وافتداء،
وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور،
فإنه قال: لا يحِلُّ للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئاً، لقوله
تعالى: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا﴾(١) فأوردوا عليه ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ
بِهٌِ﴾(٢) فادعى نسخها بآية النساء، وأخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه، وتُعْقِّبَ
مع شذوذه بقوله تعالى في النساء أيضاً: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ
هَيْئًا فَرًِّا﴾(٣)، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، كذا في (الفتح)) (٤).
قال الموفق(٥): إن المرأة إذا كرهت زوجها لخَلْقه أو لخُلْقه أو دينه أو
كِبَره أو ضعفه أو نحو ذلك، وخشيت أن لا تؤدي حق الله تعالى في طاعته،
جاز لها أن تخالعه بعوض؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾(٦)
الآية، ولقصة حبيبة بنت سهل، وهو حديث صحيح ثابت الإسناد، رواه الأئمة
مالك وأحمد وغيرهما، ولرواية البخاري في قصة امرأة ثابت بن قيس، وبهذا
قال جميع الفقهاء بالحجاز والشام.
قال ابنُ عبد البر: لا نعلم أحداً خالفه إلا بكر بن عبد الله المزني، فإنه
لم يُجِزه، وزعم أن آية الخلع منسوخة، بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَرَدَثُمُ اُسْتِبْدَالَ
(١) سورة النساء: الآية ٢٠.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
(٣) سورة النساء: الآية ٤.
(٤) ((فتح الباري)) (٣٩٤/٩).
(٥) ((المغني)) (٢٦٧/١٠).
(٦) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
١٦١

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
٣١/١١٥١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ
الْأَنْصَارِيِّ،
زَوْجٌ﴾ (١)، ورُوي عن ابن سيرين وأبي قلابة أنه لا يحل الخلع حتى يجد على
بطنها رجلاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ إِلَّ أَنْ
يَأْتِيَنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾(٢) ولنا، الآية التي تلونا والخبر، وأنه قول عمر وعثمان
وعلي وغيرهم من الصحابة، لم نعرف لهم في عصرهم مخالفاً فيكون إجماعاً.
ودعوى النسخ لا تسمع حتى يثبت تعذر الجمع، وأن الآية الناسخة
متأخرة، ولم يثبتْ شيء من ذلك ولا يفتقر الخلع إلى حاكم، نص عليه أحمد،
ورواه البخاري عن عمر وعثمان، وبه قال الزهري وشريح ومالك والشافعي
وإسحاق وأهل الرأي، وعن الحسن وابن سيرين: لا يجوز إلا عند السلطان.
ولنا، قول عمر وعثمان، ولأنه معاوضة، فلم يفتقر إلى السلطان كالبيع
والنكاح، ولا بأس بالخلع في الحيض والطهر الذي أصابها؛ لأن المنع من
أجل الضرر الذي يلحقها بطول العِدَّة، والخلع لإزالة الضرر الذي يلحقها بسوء
العشرة، والمقام مع من تكرهه، وتُبغضه، وذلك أعظم من ضرر طول
العدة، اهـ.
٣١/١١٥١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عمرة بنت
عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية (أنها أخبرته عن حبيبة) بفتح
المهملة وموحدتين بينهما تحتية ساكنة (بنت سهل) بن ثعلبة بن الحارث بن زيد
(الأنصاري) صحابية أخت رغينة شقيقتها، أمهما عمرة بنت مسعود.
وعند ابن سعد عن يزيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن عمرة أخبرته
(١) سورة النساء: الآية ٢٠.
(٢) سورة النساء: الآية ١٩.
١٦٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
أن حبيبة بنت سهل تزوّجها ثابت بن قيس، وذكرت أن النبي وَ ﴿لقد كان هَمَّ
أن يتزوجها، وكانت جارية. وإن ثابتاً ضربها، وعند ابن أبي عاصم من طريق
الدراوردي، وعند ابن سعد من طريق حماد بن زيد كلاهما عن يحيى بن سعيد
مطولاً، وفيه: وهي إحدى عماتي، وفيه: ثم ذكر غيرة الأنصارى. فكره أن
يسوؤهم في نسائهم، وفيه: أن ثابتاً خطبها، فتزوجها، وكان في خلقه شدة،
فضربها، واختلف في اسم هذه المختلعة التي تحت ثابت، هل هي حبيبة أو
جميلة أو مريم؟ وعلى الثاني: أيُّ جميلة هي؟
قال البيهقي: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، وأخرج البخاري
في ((صحيحه)) عن عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي وَّ.
الحديث، قال الحافظ(١): أبهم في هذا الطريق اسم المرأة، وسُمِّيت في آخر
الباب عن عكرمة مرسلاً جميلة، ووقع في رواية أن أخت عبد الله بن أبي يعني
كبير الخزرج ورأس النفاق، فظاهره أنها جميلة بنت أبي، ويؤيده ما في ((ابن
ماجه)) عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول امرأة اختلف فيها هل هي أم أبيّ أو
امرأته؟ ووقع في رواية النسائي والطبراني من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابتاً
ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي، فأتى أخوها
يشتكي .
وبذلك جزم ابن سعد في ((الطبقات))، فقال: جميلة بنت عبد الله بن أبي
أسلمت، وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة، فقتل
عنها بأحد، وهي حامل، فولدت له عبد الله بن حنظلة، فخلف عليها ثابت بن
قيس، فولدت له ابنه محمداً، ثم اختلعت منه، فتزوجت مالك بن الدخشم، ثم
خبيب بن أساف.
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٨/٩).
١٦٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
ووقع في رواية أبي الزبير أن ثابتاً كانت عنده زينب بنت عبد الله بن أبي
ابن سلول، وكان أصدقها حديقة، فكرهته، الحديث، أخرجه الدارقطني
والبيهقي، وسنده قويٌّ مع إرساله. ولا تنافي بينه وبين الذي قبله، لاحتمال أن
يكون لها إسمان أو أحدهما لقب، وإن لم يؤخذ بهذا الجمع، فالموصول
أصح.
وقد اعتضد بقول أهل النسب أن اسمها جميلة، وبه جزم الدمياطي،
وذكر أنها كانت أخت عبد الله بن عبد الله بن أبي، شقيقة، أمهما خولة بنت
المنذر بن حرام، قال الدمياطي: والذي وقع في البخاري من أنها بنت أبيّ
وهمٌ.
قال الحافظ: ولا يليق إطلاق كونه وهما، فإنه نسب أخوها في هذه
الرواية إلى جده أبيّ، كما نسبت هي في رواية إلى جدتها سلول، فبهذا يجمع
بين المختلف من ذلك، وأما ابن الأثير وتبعه النووي، فجزما بأن قول من
قال: إنها بنت عبد الله بن أبيّ وهمٌ، وإن الصواب أنها أخت عبد الله بن أبيّ،
وليس كما قالا، بل الجمع أولى، وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمتها،
وأن ثابتاً خالع الثنتين واحدة بعد أخرى، ولا يخفى بعده، ولا سيما مع اتحاد
المخرج، وقد كثرت نسبة الشخص إلى جده، والأصل عدم التعدد حتى يثبت
صريحاً .
وجاء في اسم امرأة ثابت بن قيس قولان آخران: أحدهما: أنها مريم
المغالية، أخرجه النسائي وابن ماجه عن الربيع بنت معوذ، قالت: اختلعت من
زوجي، فذكرت قصة فيها، وإنما تبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله وَل في
مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه. وإسناده جيد، قال
البيهقي: اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت، ويمكن أن يكون الخلع تعدد
من ثابت، اهـ.
١٦٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
قال الحافظ: ويمكن رده للأول؛ لأن المغالية بفتح الميم وتخفيف الغين
نسبة إلى مغالة، وهي امرأة من الخزرج، ولدت لعمرو بن مالك بن النجار
ولده عدياً، فبنو عدي كلهم يعرفون ببني مغالة، منهم عبد الله بن أبيّ، فإذا كان
هو من بني مغالة، فيكون الوهم وقع في اسمها أو يكون مريم اسماً ثالثاً، أو
بعضها لقب لها، والقول الثاني في اسمها أنها حبيبة بنت سهل، أخرجه مالك
في ((الموطأ)) وأصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان من هذا
الوجه، وأخرجه أبو داود بطريق آخر عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند
ثابت.
قال ابن عبد البر: اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها
جميلة بنت أبيّ، وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل، قال الحافظ: والذي
يظهر أنهما قصتان، وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف
السياقين. بخلاف ما وقع من الاختلاف في تسمية جميلة، ونسبها، فإن سياق
قصتها متقارب، فأمكن رد الاختلاف فيه إلى الوفاق، وقد أخرج البزار من
طريق عمر - رضي الله عنه -، قال: أول مختلعة في الإسلام حبيبة بنت سهل
كانت تحت ثابت بن قيس، الحديث. وهذا على تقدير التعدد يقتضي أن ثابتاً
تزوج حبيبة قبل جميلة، ولو لم يكن في ثبوت ما ذكره البصريون إلا كون
محمد بن ثابت بن قيس من جميلة، لكان دليلاً عن صحة تزوج ثابت بجميلة،
ووقع لابن الجوزي في ((تنقيحه)) أنها سهلة بنت حبيب، وما أظنه إلا مقلوباً،
والصواب حبيبة بنت سهل، وقد ترجم لها ابن سعد في ((الطبقات))، وساق
نسبها إلى مالك بن النجار، وأخرج حديثها نحو حديث مالك، وزاد في آخره؛
وقد كان رسول الله وَلَّ هَمَّ أن يتزوجها، ثم كره ذلك لغيرة الأنصار، وكره أن
يسوؤهم في نسائهم، كذا في ((الفتح))(١).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٨/٩ - ٣٩٩).
١٦٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ. وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل
خَرَجَ إلى الصُّبْحِ. فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ. فَقَالَ
لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ هُذِهِ؟)) فَقَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا
رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((مَا شَأُنُكِ؟)) قَالَتْ: لَا أَنَا ولَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ.
لِزَوْجِهَا. فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ،. قَالَ لَهُ
(أنها) أي حبيبة (كانت تحت) أي في نكاح (ثابت بن قيس بن شماس)
بفتح الشين المعجمة والميم المشددة فألف فسين مهملة، الأنصاري الخزرجي
خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي ◌ّ ر بالجنة، واستشهد باليمامة،
ونفذ خالد بن الوليد وصيته بعد موته بمنام رآه بعضهم (وأن رسول الله وَلات
خرج) من بيته يوماً (إلى) صلاة (الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في
الغلس) بالغين المعجمة واللام المفتوحتين: بقية الظلام.
(فقال لها رسول الله مَله: من هذه)، قال الباجي(١): سؤاله هذا يقتضي
المبالغة في التغليس إلا أن لا يميزها، وإن عرف أنها من النساء إلا أن تكون
مستورة الوجه، لكن ذكر الغلس مع قوله: من هذه، أظهر فيما قلناه (فقالت:
أنا حبيبة بنت سهل، يا رسول الله قال) وَالَ: (ما شأنك) أي ما أمركِ وحالكِ؟
إنكار لمجيئها في ذلك الوقت، إذ لم يكن وقت زيارة لأمهات المؤمنين ولا
وقت طلب حاجة، وإنما تبكر في هذا الوقت لمعنى مهم فأخبرته بشأنها،
(قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس)، أي لا نجتمع.
وفي ((البخاري)) عن ابن عباس أول خلع كان في الإسلام، امرأة ثابت بن
قيس، قالت: يا رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبداً (لزوجها)، من
قول الراوي ليعلم من نقل إليه الحديث أن ثابتاً الذي أرادت مباينته وقطع ما
بينها وبينه هو زوجها .
(فلما جاء زوجها ثابت بن قيس)، في مجلس رسول الله وَليل، (قال له
(١) ((المنتقى)) (٦١/٤).
١٦٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: «هذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ. قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
تَذْكُر)»
رسول الله لي: هذه حبيبة بنت سهل) أتت إلي (قد ذكرت) في أمرك (ما شاء الله
أن تذكر) قال الباجي: قال ذلك إعلاماً له بما أتت، وظاهر اللفظ يقتضي أنه
قصد وَلّ الإخبار عما أتت له، ولم يفسر تفاصيل قولها، ويحتمل أن تكون هي
قد تشكت إليه ضرراً، فلم يحتج في أول الأمر إلى أن يفسر له ذلك الضرر
حتى يسأل عنه الزوج، ويكفي من الإعلام للزوج أن يقال له: اشتكت ضرراً،
فإن أنكره سئلت البيّنة عما تشكت منه، ويحتمل أن تكون حبيبة لم تشتك من
ثابت بن قيس ضرراً، ولكنها كرهت مصاحبته خاصة، فلذلك لم يحتج أن يذكر
له ما تشکت منه.
وقد روى البخاري من حديث ابن عباس أن امرأة ثابت أتت النبي وَؤ
فقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولادين، ولكن لا
أطيقه أي بغضاً، كما في رواية البيهقي، وفي أخرى للبخاري عن ابن عباس
بلفظ: ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، قال
الحافظ(١): بضم الخاء المعجمة أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان
دينه، لكني أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما يقتضي الكفر.
وهذا ظاهره أنه لم يصنع بها شيئاً يقتضي الشكوى منه بسببه، لكن في
رواية النسائي: أنه كسر يدها، فيحمل على أنها أرادت أنه سيئ الخلق، لكنها
ما تعيبه بذلك بل بشيء آخر، وكذا وقع في قصة حبيبة بنت سهل عند أبي داود
أنه ضَرَبَها، فكسر بعضها .
لكن لم تشكه واحدة منهما بسبب ذلك، بل وقع التصريح بسبب آخر،
وهو أنه كان دميم الخلقة، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩٩/٩).
١٦٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
ابن ماجه: ((كانت حبيبة بنت سهل عند ثابت بن قيس وكان رجلاً دميماً،
فقالت: والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ لبصقتُ في وجهه)).
وأخرج عبد الرزاق(١) عن معمر قال: ((بلغني أنها قالت يا رسول الله بي
من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميمٌ))، وفي رواية عن ابن عباس ((قالت: يا
رسول الله لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبداً، إني رفعت جانب الخباء، فرأيته
أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً))، اهـ.
قال الباجي(٢): والذي عليه جمهور الفقهاء أنه يجوز الخلع من غير
اشتكاء ضرر خلافاً لمن منع ذلك، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ
لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا﴾(٣) الآية، وإذا كان الضرر من قِبَل الزوجة، والكراهية
للزوج، فلا خلاف في جواز الخلع، وإن كان الضرر منهما معاً، فقد قال
بعض القرويين: لا يجوز أن يخالعها على ذلك بأن يأخذ منها شيئاً، قال: وهو
منصوص لمن تقدم من علمائنا، قال: وليست كمسألة الحكمين إذا كان الضرر
منها جاز ذلك؛ لأن النظر في مسألة الحكمين للحكمين، فينفذ حكمهما في
ذلك، اهـ.
وخلاصة ما في ((المغني)) (٤): أنها إذا خالعته بغير بغض وخشية من أن لا
يقيم حدود الله، والحال عامرة، والأخلاق ملتئمة، فإنه يكره لها ذلك، فإن
فعلت صح الخلع في قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة والثوري ومالك
والأوزاعي والشافعي، ويحتمل كلام أحمد تحريمه، فإنه قال: الخلع مثل
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (١١٧٥٩).
(٢) ((المنتقى)) (٦١/٤).
(٣) سورة النساء: الآية ٤.
(٤) («المغني)) (٢٧٠/١٠).
١٦٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
فَقَالَتْ حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ مَا أَغْطَانِي عِنْدِي. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ بَّه لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ: ((خُذْ مِنْهَا))
حديث سهلة تكره الرجل. فتعطيه المهر فهذا الخلع، وهذا يدل على أن الخلع
لا يكون صحيحاً إلا في هذه الحال، وهذا قول ابن المنذر وداود، قال ابن
المنذر: وروي معنى ذلك عن ابن عباس، وكثير من أهل العلم؛ لقوله تعالى:
﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾(١) الآية.
ثم غلظ بالوعيد فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ الآية، وروى ثوبان قال: قال
رسول الله مَ: ((أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس، فحرام
عليها رائحة الجنة))، رواه أبو داود(٢)، وهذا يدل على تحريم المخالعة لغير
حاجة. ولأنه إضرار بها، وبزوجها، وإزالة لمصالح النكاح بغير حاجة، فحرم،
واحتجّ من أجازه بقوله سبحانه: ﴿فَإِن ◌ِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ﴾ الآية، اهـ
(فقالت حبيبة: يا رسول الله كل ما أعطاني) زوجي من الصداق فهو
موجود (عندي) إشارة إلى أنها بذلته لزوجها على أن يفارقها(٣)، وقد صرح
ذلك في حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي وَلقر قال لها: ((أتردّين عليه
حديقته؟)) قالت: نعم.
قلت: وهذا أخرجه البخاري في ((صحيحه))، قال الحافظ(٤): ووقع في
حديث عمر، يعني عند البزار أنه كان أصدقها الحديقة المذكورة، ولفظه: وكان
تزوجها على حديقة نخل.
(فقال رسول الله وَ طهو الثابت: خذ) الحديقة (منها) قال الحافظ: أمر إرشاد
(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
(٢) أخرجه أبو داود ح (٢٢٢٦).
(٣) انظر: ((المنتقى)) (٦١/٤).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٠٠/٩).
١٦٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
فَأَخَذَ مِنْهَا. وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا .
أخرجه أبو داود في ١٣ - كتاب الطلاق، ١٧ - باب في الخلع.
والنسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ٣٤ - باب ما جاء في الخلع.
وابن ماجه: ١٠ - كتاب الطلاق، ٢٢ - باب المختلعة تأخذ ما أعطاها.
وإصلاح، لا إيجاب، ووقع في رواية جرير بن حازم: فرّت عليه، وأمره
بفراقها، وقال الباجي: قوله: خذ منها إباحة منه و 18 أخذ الفداء منها، وقد
يصح أن يكون ندباً إلى ذلك، لما رأى من إشفاقها واستضرارها بالمقام معه.
(فأخذ) ثابت (منها) أي من حبيبة ما أعطاها (وجلست) حبيبة (في أهلها)
قال الباجي(١): إتماماً منه لما قرره النبي بَل بينهما من الخلع، وليس فيه أنه
تكلم بطلاق ولا خلع، اهـ.
ولفظ البخاري في حديث عكرمة عن ابن عباس: ((أقبل الحديقة وطلِّقها
تطليقة))، قال الحافظ (٢): استدل بهذا السياق على أن الخلع ليس بطلاق، وفيه
نظر، فليس في الحديث ما يثبت ذلك ولا ما ينفيه، فإن قوله: طلقها يحتمل أن
يراد طلقها على ذلك، فيكون طلاقاً صريحاً على عوض، وليس البحث فيه.
إنما الاختلاف فيما إذا وقع لفظ الخلع، أو ما كان في حكمه من غير
تعرض للطلاق بصراحة، ولا كناية، هل يكون الخلع طلاقاً أو فسخاً؟ وكذلك
ليس فيه التصريح أن الخلع وقع قبل الطلاق أو بالعكس، نعم في رواية خالد
المرسلة عند البخاري: فردّتها، وأمره فطلقها، وليس صريحاً في تقديم العطية
على الأمر بالطلاق، بل يحتمل أيضاً أن يكون المراد إن أعطتك طلقها، وليس
فيه أيضاً التصريح بوقوع صيغة الخلع.
(١) ((المنتقى)) (٦١/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٠٠).
١٧٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥١) حديث
ووقع في مرسل أبي الزبير عند الدارقطني: فأخذها له وخلّى سبيلها،
وفي حديث ((الموطأ)): فأخذ منها وجلست في أهلها، لكن معظم الروايات في
الباب تسميته خلعاً، ففي رواية عمرو بن مسلم عن عكرمة عن ابن عباس: أنها
اختلعت من زوجها، أخرجه أبو داود والترمذي.
وللعلماء فيما إذا وقع الخلع مجرداً عن الطلاق لفظاً ونية ثلاثة آراء،
وهي أقوال للشافعي أحدها: ما نص عليه في أكثر كتبه الجديدة، أن الخلع
طلاق، وهو قول الجمهور، فإذا وقع بلفظ الخلع، وما تصرف منه نقص
العدد، وكذا إن وقع بغير لفظه مقروناً بنيته، وقد نص الشافعي في الإملاء على
أنه من صرائح الطلاق.
الثاني: وهو قول الشافعي في القديم، وذكره في ((أحكام القرآن)) من
الجديد أنه فسخ، وليس بطلاق، وصح ذلك عن ابن عباس وابن الزبير، ورُوِي
عن عثمان وعلي وعكرمة وطاووس، وهو مشهور مذهب أحمد.
والثالث: إذا لم ينو الطلاق لا يقع به فرقة أصلاً، ونص عليه في ((الأم))،
وقواه السبكي من المتأخرين، وذكر محمد بن نصر المروزي في ((كتاب
اختلاف العلماء)» أنه آخر قولَي الشافعي، اهـ.
وقال الموفق(١): اختلفت الرواية عن أحمد في الخلع، ففي أحدهما أنه
فسخ، وهذا اختيار أبي بكر وقول ابن عباس وطاووس وعكرمة وإسحاق وأبي
ثور وأحد قولي الشافعي، والرواية الثانية: أنه طلقة بائنةٌ، رُوي ذلك عن
سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وقبيصة وشريح ومجاهد وأبي سلمة بن
عبد الرحمن والنخعي والشعبي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح ومالك
والأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، وقد رُوي عن عثمان وعلي وابن
(١) ((المغني)) (٢٧٤/١٠).
١٧١

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
٣٢/١١٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةً
بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ؛ أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شِّيْءٍ لها. فَلَمْ يُنْكِرْ
ذُلِكَ
مسعود، لكن ضعف أحمد الحديث عنهم، وقال: ليس في الباب حديث أصح
من حديث ابن عباس أنه فسخ.
وفائدة الروايتين أنا إذا قلنا: هو طلقة، فخالعها مرة، حُسِبَت طلقة،
فينتقص بها عدد طلاقه. وإن خالعها ثلاثاً، فلا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره،
وإن قلنا: هو فسخ لم تحرم عليه، وإن خالعها مائة مرة، وهذا الخلاف فيما
إذا خالعها بغير لفظ الطلاق، ولم ينوه، فأما إن بذلت له العوض على فراقها،
فهو طلاق لا اختلاف فيه، اهـ.
وفي ((المنتقى))(١) عن ((المبسوط)) من رواية ابن وهب عن مالك في رجل
نكح امرأة، فندم، فقال له أهلها: نؤدي إليك ما أخذنا منك، وتؤدي إلينا
أختنا، ولم يكن بينهم طلاق ولا كلمة، فقيل: إنه إن تزوجها بعد ذلك كان ما
تقدم من ذلك تطليقة، وتكون عنده على تطليقتين، وفي ((العتبية)) من رواية ابن
القاسم إذا قصد إلى الصلح على أن أخذ متاعه، وسلّم إليها متاعها، فهو خلع
لازم، قال لها: أنت طالق، أو لم يقل، ووجه ذلك أن المفهوم مما أتوه إنفاذ
الطلاق وإيقاعه والفرقة الموجودة بينهما، والانفصال إنما كان على وجه
الطلاق، فوجب أن يكون طلاقاً كالإشارة به أو الكتابة له، اهـ.
٣٢/١١٥٢ - (مالك عن نافع عن مولاة) أي أمة (لصفية بنت أبي عبيد)
بضم العين المهملة زوجة ابن عمر - رضي الله عنه - (أنها) أي المولاة
(اختلعت من زوجها بكل شيء لها) أي بكل شيء يكون في ملكها، زاد ابن أبي
شيبة: حتى اختلعت ببعض ثيابها، كذا في ((المحلى)) (فلم ينكر ذلك) أي
(١) (٤ / ٦١).
١٧٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.
الافتداء بهذا (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - حين بلغه ذلك.
قال محمد في ((موطئه))(١) بعد ذلك: ما اختلعت به المرأة من زوجها،
فهو جائز في القضاء، وما نحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها. وإن جاء النشوز
من قبلها، فأما إذا جاء النشوز من قبله، لم نحب له أن يأخذ منها قليلاً ولا
كثيراً، وإن أخذ فهو جائز في القضاء، وهو مكروه له فيما بينه وبين الله تعالى،
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، اهـ.
وفي الأثر مسألتان: أولاهما: ما قال الباجي: قوله: بكل شيء لها
يحتمل أن يكون ذلك قدر ما أصدقها، وأن يكون أكثر أو أقل. فأما الخلع
بكل ما أصدقها أو أقل فجائز عند جميع الفقهاء، وأما الخلع بأكثر من ذلك،
فسنذكره بعد هذا، والمسألة الثانية: ما قال الباجي(٢) أيضاً: قولها بكل شيء
لها، يحتمل أن يكون سمته ووصفته وأحضرته حتى كان معروفاً غير مجهول،
ويحتمل أن يكون الخلع وقع لها، بهذا اللفظ على أن تخلع له من كل شيء
لها، فيكون ذلك مجهولاً، ولا يخلو ذلك من أن يوجد لها شيء، أو لا يوجد
لها شيء، فإن وجد لها شيء له مقدار، فالخلع نافذ، وذلك أن الخلع على
العبد الآبق جائز عند مالك، ويجوز ذلك على الجنين في بطن أمه، أو الجمل
الشارد، والثمرة التي لم يبد صلاحها، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي
رحمه الله، اهـ.
وقال الخرقي: إذا قالت له: اخلعني على ما في يدي من الدراهم ففعل،
فلم يكن في يدها شيء لزمه ثلاثة دراهم، قال الموفق(٣): الجملة أن الخلع
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥١٦/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٦٢/٤).
(٣) («المغني)) (٢٨١/١٠).
١٧٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
بالمجهول جائز، وله ما جُعِلَ له، وهذا قول أصحاب الرأي، وقال أبو بكر:
لا يصح الخلع ولا شيء له؛ لأنه معاوضة، فلا يصح بالمجهول كالبيع، وهذا
قول أبي ثور، وقال الشافعي: يصح الخلع، وله مهر مثلها، لأنه معاوضة
بالبضع، فإذا كان العوض مجهولاً وجب مهر المثل كالنكاح.
ولنا، أن الطلاق معنًى يجوز تعليقه بالشرط، فجاز أن يستحق به العوض
المجهول كالوصية، ولأن الخلع إسقاط لحقه من البضع، وليس فيه تمليك
شيء، والإسقاط تدخله المسامحة، ولذلك جاز من غير عوض، وعلى هذا إن
خلعها على ما في يدها من الدراهم صحّ، فإن كان في يدها دراهم فهي له،
وإن لم يكن في يدها شيء فله عليها ثلاثة، نص عليه أحمد؛ لأنه أقل ما يقع
عليه اسم الدراهم حقيقة.
والخلع على المجهول ينقسم أقساماً.
أحدها: أن يخالعها على عدد مجهول من شيء غير مختلف كالدراهم
والدنانير، فهي التي ذكرها الخرقي.
الثاني: أن يكون ذلك من شيء مختلف لا يعظم اختلافه مثل أن يخالعها
على عبد مطلق، فإنها تطلق بأي عبد أعطته، وقد قال أحمد فيما إذا قال: إذا
أعطيتني عبداً فأنت طالق، فإذا أعطته عبداً: فهي طالق، والظاهر من كلامه ما
قلناه، وقال القاضي: له عبد وسط، وتأول كلام أحمد على أنها أعطته عبداً
وسطاً. ولنا، أنها خالعته على مسمى مجهول، فكان له أقل ما يقع عليه
الاسم، كما في الدراهم.
والثالث: أن يخالعها على مسمى تعظم الجهالة مثل أن يخالعها على دابة
أو بعير أو بقرة أو ثوب، فالواجب في الخلع ما يقع عليه الاسم من ذلك،
ويقع الطلاق بها إذا أعطته إياه، وقال القاضي وأصحابه من الفقهاء: ترد عليه
ما أخذت من صداقها .
١٧٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
ومن هذا القسم لو خالعها على ما في بيتها من المتاع، فإن كان فيه متاع
فهو له، قليلاً كان أو كثيراً، معلوماً أو مجهولاً، وإن لم يكن فيه متاع، فله
أقل ما يقع عليه اسم المتاع، وفي قول القاضي عليها المسمى في الصداق،
وهو قول أصحاب الرأي.
الرابع: أن يخالعها على حمل أمتها أو غنمها أو قال: على ما في بطونها
أو ضروعها، وعن أبي حنيفة يصح الخلع على ما في بطونها، ولا يصح على
حملها، وإذا ثبت هذا فإن خرج الولد سليماً، أو كان في ضروعها شيء من
اللبن فهو له، وإن لم يخرج شيء، فقال القاضي: لا شيء له، وهو قول
مالك، وأصحاب الرأي، وقال ابن عقيل: لها مهر المثل، اهـ.
قال ابن رشد (١): أما صفة العوض، فإن الشافعي وأبا حنيفة يشترطان فيه
أن يكون معلوم الصفة ومعلوم الوجود، ومالك يجيز فيه مجهول الوجود والقدر
المعدوم مثل الآبق والشارد، والثمرة التي لم يبد صلاحها، والعبد غير
الموصوف، وحُكي عن أبي حنيفة جواز الغرر ومنع المعدوم، وسبب الخلاف
تردد العوض ههنا بين العوض في البيوع والأشياء الموهوبة، فمن شبههه بالبيوع
اشترط فيه ما يشترط فيها، ومن شبهه بالهبة لم يشترط ذلك، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): إن قالت له: خالعني على ما في يدي، فخالعها فلم
يكن في يدها شيء، فلا شيء له عليها؛ لأنها لم تغره بتسمية المال، وإن
قالت: خالعني على ما في يدي من مال، فخالعها، فلم يكن من يدها شيء،
ردت عليه مهرها، ولو قالت: خالعني على ما في يدي من دراهم، ففعل فلم
يكن في يدها شيء فعليها ثلاثة دراهم، اهـ.
(١) ((بداية المجتهد)) (٦٧/٢).
(٢) (٢٦٢/١).
١٧٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُفْتَدِيَةِ الَّتِي تَفْتَدِي مِنْ زَوْجِهَا: إنَّهُ إِذَا عُلِمَ
أَنَّ زَوْجَهَا أَضَرَّ بِهَا، وَضَيَّقَ
(قال مالك في المفتدية) وقال الحافظ (١): نقل ابن عبد البر عن مالك أن
المختلعة هي التي اختلعت من جميع مالها، وأن المفتدية التي افتدت ببعض
مالها، والمبارئة التي بارأت زوجها قبل الدخول. قال ابن عبد البر: وقد
يستعمل بعض ذلك موضع بعض، اهـ.
وقال الباجي(٢): روى ابن وهب عن مالك، أن المبارئة هي التي تباري
من زوجها قبل البناء بها، فتقول: خذ الذي لك واتركني، والمفتدية هي التي
تعطيه بعض الذي لها، وتمسك بعضه، وكذلك المُصالحة، والمُختلعة هي التي
تعطيه جميع مالها، وتنخلع عنه، وفي ((المدنية)) من رواية محمد بن يحيى عن
مالك، مثل ذلك في الثلاثة، وروى عيسى بن دينار عن مالك أن المبارئة هي
التي لا تأخذ شيئاً ولا تعطي، والمختلعة هي التي تعطي، اهـ.
وقال ابن رشد(٣): الخلع والفدية والصلح والمبارأة كلها تؤول إلى معنى
واحد، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها، إلا أن اسم الخلع يختصّ ببذلها
له جميع ما أعطاها، والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه
حقاً لها عليه على ما زعم الفقهاء، اهـ.
(التي تفتدي من زوجها إنه إن) وفي نسخة ((إذا)) (علم) ببناء المجهول أي
يعلم ويعرف ذلك عند الناس، قال الباجي: يقتضي أن ذلك لا يكون بمجرد
دعواها أنه أضر بها، وإنما يكون ذلك بإقراره إن أقر بذلك أو ببينة تشهد له،
إلى آخر ما بسطه الباجي (أن زوجها أضر بها) أي أصاب المرأة مضرة (وضَيَّقَ)
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٠٣).
(٢) ((المنتقى)) (٦٧/٤).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٦٦/٢).
١٧٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حدیث
عَلَيْهَا، وَعُلِمَ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا، مَضَى الطَّلَاقُ. وَرَدَّ عَلَيْهَا مَا لَهَا، قَالَ:
فَهَذَا الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُ والَّذِي عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا.
قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَنْ تَفْتَدِيَ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا، بِأَكْثَرَ مِمَّا
أَعْطَاهَا .
الزوج (عليها وعلم) ببناء المجهول (أنه ظالم لها مضى الطلاق) أي نفذ عليها
الطلاق (ورد) الزوج (عليها مالها) الذي افتدت به.
(قال) مالك: (فهذا) المذكور أن افتداءها إذا كان بإضرار الزوج يَرُدُّ مال
الخلع (الذي كنت أسمع) من أهل العلم (و)هو (الذي عليه أمر الناس عندنا)
قال الباجي(١): يعني أن المفتدية إذا كان افتداؤها لإضرار زوجها، وظلمه لها
لم يلزمها ما افتدت به، وذلك أن إضرار زوجها بها لا يجوز له، بل هو ممنوع
منه، فما التزمه من طلاق الخلع يلزمه؛ لأنه أوقعه باختياره، ويرد ما أخذ
منها، ولا يأخذ منها ما كانت التزمته له من نفقة ورضاع، اهـ. وتقدم قريباً في
قصة حبيبة بنت سهل ما قال الفقهاء في الخلع من غير اشتكاء ضرر للزوج.
(قال مالك: لا بأس بأن تفتدي المرأة من زوجها بأكثر مما أعطاها) لعموم
الآية، وقال الباجي: وهذا كما قال: إنه يجوز للرجل أن يطلق المرأة على أن
يأخذ منها أكثر مما أصدقها أو أقل أو مثل ذلك، والدليل عليه قوله تعالى:
﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَفْتَدَتْ بِهُ﴾(٢)، وهذا عام في الجنس والقدر إلا ما خصه
الدليل.
قال ابن رشد (٣): إن مالكاً والشافعي وجماعة قالوا: جائز أن تختلع
المرأة بأكثر مما يصير لها من الزوج في صداقها إذا كان النشوز من قبلها،
(١) ((المنتقى)) (٦٤/٤).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
(٣) ((بداية المجتهد)) (٦٧/٢).
١٧٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
وقال قائلون: ليس له أن يأخذ أكثر مما أعطاها على ظاهر حديث ثابت، اهـ.
وقال الخرقي: لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها.
قال الموفق(١): وهذا يدل على صحة الخلع بأكثر من الصداق، وأنهما
إذا تراضيا على الخلع بشيء صحّ، وهذا قول أكثر أهل العلم، ورُوي ذلك عن
عثمان وابن عمر وابن عباس وعكرمة ومجاهد وقبيصة بن ذويب والنخعي
ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، ويروى عن ابن عباس وابن عمر - رضي الله
عنهما - أنهما قالا: لو اختلعت امرأة من زوجها بميراثها وعقاص رأسها كان
ذلك جائزاً، وقال عطاء وطاووس والزهري وعمرو بن شعيب: لا يأخذ أكثر
مما أعطاها، روي ذلك عن علي - رضي الله عنه - بإسناد منقطع، واختاره أبو
بكر، قال: فإن فعل ردّ الزيادة، وعن سعيد بن المسيب قال: ما أرى أن يأخذ
كل مالها، ولكن ليدع لها شيئاً .
واحتجّوا بما روي أن جميلة بنت سلول أتت النبي وَ له فقالت: ((والله ما
أعيب على ثابت في دين)) الحديث، وفيه، فأمره النبي ول# أن يأخذ منها
حديقته، ولا يزدادَ، رواه ابن ماجه(٢). ولنا، قوله تعالى: ﴿فَلَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا
أَفْتَدَتْ بِهِءٌ﴾ (٣) ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، وقالت الربيع بنتُ معَوِّذٍ:
اختلعتُ من زوجي بما دون عقاص رأسي، فأجاز ذلك عثمان بن عفان، ومثل
هذا يشتهر، فلم يُنْكَرْ فيكون إجماعاً، ولم يصح عن علي خلافه، فإذا ثبت
هذا، فإنه لا يستحب له أن يأخذ أكثر مما أعطاها، فإن فعل جاز مع الكراهة،
ولم يكرهه أبو حنيفة ومالك والشافعي، قال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفداء
بأكثر من الصداق.
(١) («المغني)) (٢٦٩/١٠).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (١/ ٦٦٣).
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
١٧٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(١١) باب
(١١٥٢) حديث
ولنا، حديث جميلة، ورُوي عن عطاء عن النبي وَ لّ أنه كره أن يأخذ من
المختلعة أكثر مما أعطاها، رواه أبو حفص بإسناده، وهو صريح في الحكم،
فتجمع بين الآية والخبر، فنقول: الآية دالة على الجواز، والنهي عن الزيادة
للكراهة، اهـ.
وعلق البخاري في ((صحيحه)): وأجاز عثمان الخلع دون عِقَاص رأسها،
وذكر تخريجه الحافظ (١)، وقال: العقاص بكسر المهملة جمع عقصة، وهو ما
يربط به شعر الرأس بعد جمعه، وأخرجه البيهقي مطولاً، وقال في آخره:
فدفعتُ إليه كل شيء حتى أجفتُ الباب بيني وبينه، وهذا يدل على أن معنى
((دون)) سوى، أي أجاز للرجل أن يأخذ من المرأة في الخلع ما سوى عقاص
رأسها .
قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع
أكثر مما أعطاه، وقال مالك: لم أر أحداً ممن يقتدى به يمنع ذلك، لكنه ليس
من مكارم الأخلاق، واستدل على أن الفدية لا تكون إلا بما أعطى الرجل
المرأة عيناً، أو قدرها، بقوله ومَ له: ((أتردين عليه حديقته؟)) وقد وقع في حديث
ابن عباس عند ابن ماجه والبيهقي، فأمره أن يأخذ منها ولا يزداد، وفي رواية:
قال أيوب: ولا أحفظ ((ولا تزدد»، وفي رواية: وأما الزيادة فلا، وفي أخرى:
كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، ذكر ذلك كله البيهقي.
وفي مرسل أبي الزبير عند الدارقطني والبيهقي، ((أتردين عليه حديقته التي
أعطاك))؟ قالت: نعم وزيادة، قال النبي وَلور: ((أما الزيادة فلا، ولكن حديقته))،
قالت: نعم، فأخذ ماله وخلّى سبيلها، ورجال إسناده ثقات، اهـ. وسيأتي أثر
-
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٧/٩).
١٧٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٢) باب
(١٢) بلاب طلاق المختلعة
الربيع في الباب الآتي، وتقدم قريباً ما قال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر مولاة
صفية بنت أبي عبيد من قوله: جاز في القضاء، وما نحب له أن يأخذ أكثر مما
أعطاها .
وفي ((الهداية))(٢): إن كان النشوز من قبله، يكره له أن يأخذ منها عوضاً؛
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ إلى أن قال: ﴿فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاً﴾
ولأنه أوحشها بالاستبدال، فلا يزيد في وحشتها بأخذ المال، وإن كان النشوز
منها، كرهنا له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وفي رواية ((الجامع الصغير)):
طاب الفضل أيضاً لإطلاق ما تلونا بدءاً، ووجه الأخرى قوله {وَل# في امرأة
ثابت بن قيس: ((أما الزيادة فلا))، ذكر ابن همام(٣) تخريجه، وقال: قد رويت
مرسلة ومسندة، وأقرب الأسانيد سند عبد الرزاق، ثم قال صاحب ((الهداية)):
ولو أخذ الزيادة جاز في القضاء، وكذا إذا أخذ، والنشوز منه، اهـ.
(١٢) طلاق المختلعة
قال الباجي(٤): الخلع طلاق، وليس بفسخ، وفي الهداية: وقع بالخلع
تطليقة بائنة، ولزمها المال، قال ابن الهمام(٥): هذا حكم الخلع عند جماهير
الأئمة من السلف والخلف، وقالت الحنابلة: لا يقع بالخلع طلاق، بل هو
فسخ بشرط عدم نية الطلاق، وقال آخرون: يقع، ويكون رجعيًّا. فإن راجعها
(١) (٥١٦/٢).
(٢) (٢٦١/١).
(٣) انظر: ((فتح القدير)) (٦١/٤).
(٤) ((المنتقى)) (٦٧/٤).
(٥) ((فتح القدير)) (٥٨/٤).
١٨٠