النص المفهرس

صفحات 121-140

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
وقال الخرقي: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت علي كظهر أمي لم تكن
مظاهرة ولزمتها كفارة الظهار؛ لأنها أتت بالمنكر من القول والزور، وقال
الموفق(١): جملة ذلك أن المرأة إذا قالت لزوجها: أنت علي كظهر أبي، أو
قالت: إن تزوجت فلاناً فهو علي كظهر أبي، فليس ذلك بظهار، قال القاضي:
لا تكون مظاهرة رواية واحدة، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك
والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وقال الزهري والأوزاعي: هو
ظهار، وروي ذلك عن الحسن والنخعي إلا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك
بعد ما تزوّج فليس بشيء، ولعلهم يحتجُون بأنها أحد الزوجين تظاهر من
الآخر.
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ﴾(٢) الآية، فخصهم بذلك، ولأن الحِلَّ
في المرأة حق للرجل، فلم تملك المرأة إزالته، إذا ثبت هذا فاختلف عن
أحمد في الكفارة، فنقل عنه جماعة: عليها كفارةُ الظهارِ، لما روى الأثرمُ
بإسناده عن إبراهيم أن عائشة بنت طلحة قالت: إن تزوجتُ مصعب بن الزبير
فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة فرأوا أن عليها الكفارة.
وروي علي بن مسهر عن الشيباني قال: كنت جالساً في المسجد أنا
وعبد الله بن مغفل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا، فسألته من أنت؟
فقال: أنا مولى لعائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن
الزبير، فقالت: هو عليّ كظهر أبي إن تزوجته، ثم رغبت فيه، فاستفتت
أصحابَ رسول الله وَّر، وهم يومئذ كثير، فأمروها أن تعتق رقبة وَتَزَوَّجَه،
فأعتقتني وتزوجته.
(١) («المغني)) (١١٢/١١).
(٢) سورة المجادلة: الآية ٢.
١٢١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن
◌ِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَّ تَفْسِيرَ ذُلِكَ أَنْ يَتَظَاهَرَ
الرَّجُلُ مِنْ أَمْرَأَتِهِ. ثُمَّ يُجْمِعُ عَلَى إِمْسَاكِهَا
وروى سعيد هذين الخبرين مختصرين، ولأنها زوج أتى بالمنكر من
القول والزور، فلزمته كفارة الظهار كالآخر، ولأن الواجب كفارة يمين،
فاستوى فيها الزوجان كاليمين بالله تعالى.
والرواية الثانية: ليس عليها كفارة، وهو قول مالك والشافعي وإسحاق
وأبي ثور؛ لأنه قول منكر وزور وليس بظهار، فلم يوجب كفارة كالسب
والقذف، والرواية الثالثة: عليها كفارة اليمين، قال أحمد: ذهب عطاء مذهباً
حسناً، جعله بمنزلة من حرم على نفسه شيئاً، مثل الطعام وما أشبه، وهذا
أقيس على مذهب أحمد وأشبه بأصوله، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (١): ظهارها منه لغو فلا حرمة عليها ولا كفارة، به
يفتى، ورجح ابن الشحنة إيجاب كفارة يمين، قال ابن عابدين: قوله: لا
حرمة، بيان لكونه لغواً أي فلا حرمة عليها إذا مكَّنته من نفسها، ولا كفارة
ظهار ولا يمين، وقوله: به يفتى، مقابله ما في ((شرح الوهبانية)) للشرنبلالي عن
الحسن بن زياد من صحة ظهارها، وعليها كفارة الظهار، وروي عن أبي
يوسف، انتهى.
(قال مالك في) تفسير (قوله) تبارك و(تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾)(٢) الآية (قال) مالك (سمعتُ) من أهل العلم (أن تفسيرَ ذلك)
أي تفسير العود المذكور في الآية (أن يتظاهر الرجل من امرأته ثم يُجمع) بضم
الياء وسكون جيم وكسر ميم أي يعزم ويصمم (على إمساكها) أي إمساك المرأة
(١) (٥١٣/٣).
(٢) سورة المجادلة: الآية ٣.
١٢٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
وَإِصَابَتِهَا. فَإِنْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
في نكاحها (وإصابتها) أي جماعها (فإن أجمع) أي عزم وصمم (على إمساكها
وإصابتها) هكذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية: فإن أجمع على ذلك
(فقد وجبت عليه الكفارة) لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ﴾ الآية.
قال الباجي(١): قال مالك: إن تفسير ذلك يعني العودة أن يُجمع بعد
الظهار على إمساكها وإصابتها، هذا الذي ذكره في ((الموطأ)) وعليه أكثر
أصحابه، وقد قيل عنه غير ذلك، وأصل هذا أن العلماء اختلفوا في الكفارة
بماذا تتعلق، فذهب مالك ومعظم الفقهاء إلى أنها تتعلق بشرطين: وجود
الظهار، والعودة، وقال مجاهد والثوري: تجب بنفس الظهار دون شرط آخر،
والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿وَلَِّينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ﴾(٢)
الآية، فعلّق الكفارة بالظهار والعودة.
ثم اختلف العلماء في العودة ما هي. ولمالك في ذلك ثلاثة أقوال؛ قال
الشيخ أبو القاسم: إحدى الروايتين: العزم على إمساكها، والثانية: العزم على
وطئها، وقد ذكر في ((الموطأ)) الأمرين جميعاً، ويقتضي قوله هذا أن إفراد كل
واحد منهما بالعزم عودة، قال الباجي (٣): وهما عندي راجعان إلى الإمساك،
وقال أحمد بن حنبل: روى عن مالك أبو القاسم بن الجلاب وغيره رواية
أخرى: أن العزم هو نفس الوطء، وبه قال الحسن والزهري وطاووس، وقال
الشافعي: أن يمضي من الزمان مدة يمكنه فيها إيقاع الطلاق، فلا يوقعه،
وذهب داود إلى أن العودة هي إعادة لفظ الظهار.
والدليل على ما نقوله أن الكفارة إنما تجب في الأيمان بمخالفة اليمين،
(١) ((المنتقى)) (٤٩/٤).
(٢) سورة المجادلة: الآية ٣.
(٣) ((المنتقى)) (٤٩/٤).
١٢٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
ومن ظاهر اقتضى ظهاره تحريم زوجته، فإذا أراد استباحتها، فقد عاد فيما ترك
ورجع إلى الوطء الذي حرم، وفي مثل هذا يقال: عاد فلان لكذا، ولو كان
التلفظ بالظهار ثانياً يوجب الكفارة لأوجبها الأول، فلما لم يوجبه الأول لم
يوجبه الثاني، لأنهما من جنس واحد لفظاً ومعنّى، انتهى.
وفي ((المحلى))(١): فالعود في ((الموطأ)) العزم على الوطء والإمساك معاً
وفي ((المدونة)) على الوطء خاصة، وروي الإمساك خاصة، كذا في
(المختصر))، انتھی.
وقال ابن رشد(٢): عن مالك في ذلك ثلاث روايات؛ إحداهن: أن العود
هو العزم على إمساكها والوطء معاً، والثانية: العزم على الوطء فقط، وهي
الرواية الصحيحة المشهورة عند أصحابه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، والثالثة:
هو نفس الوطء، وهي أضعف الروايات، وقال الشافعي: العود الإمساك نفسه،
انتهى .
وقال الدردير(٣): تجب الكفارة وجوباً موسعاً بالعود وتتحَتّم بالوطء ولو
ناسياً تحتمًّا لا يقبل السقوط، سواء بقيت في عصمته أو طلقها، ولا تجزئ قبل
العود، والعود هو العزم على الوطء فقط أو العزم مع نية الإمساك في العصمة،
أي لا يفارقها على الفور تأويلان، وخلاف، وسقطت الكفارة بعد العود
المذكور، وأولى قبله إن لم يطأ المظاهر بطلاقها البائن لا الرجعي.
قال الدسوقي: قوله: تأويلان وخلاف، أي تأويلان على ((المدونة))،
وخلاف في المذهب، يعني في المذهب قولان شَهَرَ كل منهما، وحملت
(١) انظر: ((المحلى)) (١٩٢/٩).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١٠٦/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٤٤٦/٢).
١٢٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
((المدونة)) على كل منهما، ولفظ ((المدونة)) العود إرادة الوطء والإجماع عليه.
واختلف الأشياخ بعد ذلك فيما تقتضيه ((المدونة))، فابن رشد فهم
((المدونة)) على أن العود مجرد العزم على الوطء بقيد بقاء العصمة، ولم يتعرض
للعزم على الإمساك، وقال: إنه المشهور، فقولها: والإجماع عليه، أي العزم
عليه مرادف لما قبله، وهو إرادة الوطء، وفهم عياض من ((المدونة)) على أنه
العزم على الوطء مع العزم على الإمساك وقال: إنه المشهور، انتهى.
وقال الموفق(١): العود وهو الوطء، فمن وطئ لزمته الكفارة، ولا تجب
قبل ذلك، إلا أنها شرط لحل الوطء، فيؤمر بها من أراده ليستحلّه، كما يؤمر
بعقد النكاح من أراد حل المرأة، وحكي ذلك عن الحسن والزهري، وهو قول
أبي حنيفة إلا أنه لا يوجب الكفارة على من وطئ، وهي عنده في حق من
وطئ كمن لم يوطأ، وقال القاضي وأصحابه: العود العزم على الوطء إلا أنهم
لم يوجبوا الكفارة على العازم على الوطء إذا مات أحدهما أو طلّق قبل الوطء
إلا أبا الخطاب، فإنه قال: إذا مات بعد العزم أو طلّق فعليه الكفارة، وهذا
قول مالك وأبي سعيد.
وأنكر أحمد هذا، فقال: مالك يقول: إذا أجمع لزمته الكفارة، فكيف
يكون هذا لو طلّقها بعد ما يجمع كان عليه كفارة؟ إلا أن يكون يذهب إلى قول
طاووس إذا تكلم بالظهار لزمه. مثل الطلاق، ولم يعجب أحمد قول طاووس،
وقال الشافعي: العود إمساكها بعد ظهاره زمناً يمكنه طلاقها فيه؛ لأن ظهاره
منها يقتضي إبانتها، فإمساكها عود فيها، وقال داود: العود تكرار الظهار مرة
ثانية؛ لأن العود في الشيء إعادته، ولنا، أن العود فعلٌ ضدُّ قوله، ومنه العائد
في هبته، انتھی.
(١) ((المغني)) (٧٣/١١).
١٢٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
وَإِنْ طَلَّقَهَا، وَلَمْ يُجْمِعِ بَعْدَ تَظَاهُرِهِ مِنْهَا، عَلَى إِمْسَاكِهَا وَإِصَابَتِهَا،
فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ .
وفي ((المحلى)): اختلفوا في تفسير العود، فقال الجمهور: معناه يعودون
إلى قولهم بالتدارك، وذلك يحصل عند مالك بالعزم على الجماع، وعند
الشافعي بإمساكها في النكاح، وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظر
شهوة، وقال جماعة: معناه يعودون إلى قولهم بالظهار في الإسلام بعد ما كانوا
يظاهرون في الجاهلية، وهو قول الثوري ومجاهد، وبتكراره لفظاً، وهو قول
الظاهرية، أو معنى بأن يحلف على ما قال، وهو قول أبي مسلم، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): وعوده المذكور في الآية عزمه عزماً مؤكداً على
استباحة وطئها، فلو عزم ثم بدا له أن لا يطأها لا كفارة عليه، قال ابن
عابدين: لعدم العزم المؤكد، لا لأنها وجبت عليه بنفس العزم ثم سقطت، كما
قال بعضهم؛ لأنها بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد، انتهى.
وفيهما أيضاً من قال: أنت علي كظهر أمي في كل يوم تجدّدَ الظهار كل
يوم، وله قربانها ليلاً، وكذا من قال في رمضان كله ورجب كله، له وطؤها في
شعبان بلا كفارة لعدم دخوله في مدة الظهار.
(وإن طلقها) أي زوجته (ولم يُجمع) بضم أوله فسكون أي لم يعزم (بعد
تظاهره منها على إمساكها) عنده في عصمته (وإصابتها، فلا كفارة عليه) لعدم
تحقق العود الموجب للكفارة، قال الموفق(٢): إن الكفارة لا تجب بمجرد
الظهار، فلو مات أحدهما أو فارقها قبل العود فلا كفارة عليه، وهذا قول
عطاء والنخعي والأوزاعي والحسن والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي، وقال
طاووس ومجاهد والشعبي والزهري وقتادة: عليه الكفارة بمجرد الظهار، لأنه
(١) (٥١٥/٣).
(٢) ((المغني)) (٧١/١١).
١٢٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ
الْمُتَظَاهِرِ .
سبب للكفارة، وقد وجب، وقال الشافعي: متى أمسكها بعد ظهاره زمناً يُمكنه
طلاقُها فيه، فلم يطلقها فعليه الكفارة؛ لأن ذلك هو العود عنده.
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَبِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ﴾(١) الآية، فأوجب
الكفارة بأمرين: ظهارٍ، وعودٍ، فلا تثبت بأحدهما، ولأن الكفارة في الظهار
كفارة يمين، فلا يحنث بغير الحنث كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العَوْدُ،
وترك طلاقها ليس بحنثٍ فيها، ولا فِعْلٍ لما حلف على تركه، فلا تجب به
الكفارةُ.
(قال مالك: فإن تزوّجها بعد ذلك) أي بعد الطلاق المذكور، وهو الطلاق
بعد الظهار قبل العود (لم يمسها) أي لا يجوز له أن يجامعها بنكاح جديد أيضاً
(حتى يكفر كفارة المتظاهر) لبقاء حكم الظهار، قال الموفق(٢): إذا طلّق من
ظاهر منها، ثم تزوجها لم يحلّ له وطؤها حتى يكفر، سواء كان الطلاق ثلاثاً
أو أقل منه، وسواء رجعت إليه بعد زوج آخر أو قبله، نص عليه أحمد، وهو
قول عطاء والحسن والزهري والنخعي ومالك وأبي عبيد، وقال قتادة: إذا بانت
سقط الظهار، فإذا عاد فنكحها فلا كفارة عليه، وللشافعي قولان كالمذهبين.
وقول ثالث: إن كانت البينونة بالثلاث لم يَعُدِ الظهارُ وإلَّا عاد، ولنا، عموم
الآية، فإنه قد ظاهر من امرأته فلا يحل أن يتماسا حتى يكفر، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٣): يحرم وطؤها عليه ودواعيه حتى يُكفر، وإن
عادت إليه بملك يمين أو بعد زوج آخر لبقاء حكم الظهار، قال ابن عابدين:
أفاد أنه لو طلقها ثلاثاً ثم عادت إليه تعود بالظهار، انتهى.
(١) سورة المجادلة: الآية ٣.
(٢) («المغني)) (٧٢/١١).
(٣) (٥١٤/٣).
١٢٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنْ أَمَتِهِ: إِنَّهُ إِنْ أَرَادَ أَنْ
يُصِيبَهَا، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الظَّهَارِ، قَبْلَ أَنْ يَطَأَّهَا .
(قال مالك، في الرجل يتظاهر من أمته: إنه إن أراد أن يصيبها) بعد ما
تظاهر منها (فعليه كفارة الظهار قبل أن يطأها) لأنه فرج حلال فيحرم بالتحريم،
ويدخل في عموم قوله تعالى: ﴿مِن نِسَآئِهِمْ﴾ وقد أخرج ابن الأعرابي في
((معجمه)) من طريق همام: سئل قتادة عن رجل ظاهر من سريته؟ فقال: قال
الحسن وابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار: مثل ظهار الحرة، وهو قول
الفقهاء السبعة، وبه قال مالك وربيعة والثوري والليث، قاله الحافظ (١).
وقال ابن رشد (٢): اتفقوا على لزوم الظهار من الزوجة التي في العصمة
واختلفوا في الظهار من الأمة، ومن التي في غير العصمة، وظهار المرأة من
الرجل، أما الظهار من الأمة فقال مالك والثوري وجماعة: الظهار منها لازم
كالظهار من الزوجة الحرّة وكذا المدبّرة وأم الولد، وقال الشافعي وأبو حنيفة
وأحمد وأبو ثور: لاظهار من أمة، وقال الأوزاعي: إن كان يطأ أمة فهو
مظاهر، وإن لم يطأها فهو يمين، وفيها كفارة يمين، وقال عطاء: هو مظاهر،
لكن عليه نصف كفارة، انتهى.
وقال الموفق(٣): لا يصح الظهار من أمته ولا أم ولده، رُوي ذلك عن
ابن عمر وابن عمرو وسعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي وربيعة والأوزاعي
والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه، ورُوي عن الحسن وعكرمة والنخعي وعمرو بن
دينار وسليمان بن يسار والزهري وقتادة والحكم والثوري ومالك في الظهار من
الأمة كفارة تامة؛ لأنها مباحة له، فصح الظهار منها كالزوجة، وعن الحسن
والأوزاعي إن كان يطأها فهو ظهار، وإلا فلا؛ لأنه إذا لم يطأها فهو كتحريم
(١) ((فتح الباري)) (٤٣٤/٩).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١٠٧/٢).
(٣) («المغني)) (٦٧/١١).
١٢٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَدْخُلُ عَلَى الرَّجُلِ إِيلَاءٌ فِي تَظَاهُرِهِ. إِلَّا أَنْ
يَكُونَ مُضَارًّا لَا يُرِيدُ أَنْ يَفِيءَ مِنْ تَظَاهُرِهِ.
ماله، وقال عطاء: عليه نصف كفارة حرة؛ لأن الأمة على النصف من الحرة
في كثير من أحكامها، وهذا من أحكامها، فتكون على النصف.
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَاءِهِمْ﴾(١) فخصهن به، ولأنه لفظ
يتعلق به تحريم الزوجة، فلا تحرم الأمة به كالطلاق، ولأن الظهار كان طلاقاً
في الجاهلية، فنقل حكمه، وبقي محله، وروي عن أحمد أن على المظاهر من
أمته كفارة ظهار، وقال أبو بكر: لا يتوجه هذا على مذهبه؛ لأنه لو كانت عليه
كفارة ظهار كان ظهاراً، ولكن عليه كفارة يمين؛ لأنه تحريم لمباح من ماله،
فکانت فیہ کفارة یمین، کتحریم سائر ماله، انتهى.
(قال مالك: لا يدخل على الرجل إيلاء في تظاهره) قال الباجي (٢): يريد
أن يكون تظاهراً غير معلِّق بصفة، وإن علّقه بصفة مثل أن يقول: إن لم أفعل
كذا وكذا، فإنه يضرب له أجل الإيلاء من يوم يرفعه إلى السلطان، ويلزمه
حكم المولي؛ لأن الوطء ممنوع محرم عليه حتى يفعل ما علق يمينه به، فإذا
كان ممتنعاً من الوطء لأجل يمينه بالظهار ولم تكن اليمين مباشرة للمنع من
الوطء لم يدخل عليه الإيلاء إلا إذا طالبته الزوجة بذلك ورفعته، فيضرب له
السلطان من ذلك اليوم أجل المولي، وأما إذا كان الظهار مطلقاً غير معلّق
بصفة، فلا يدخل عليه بمجرد الظهار؛ لأن يمينه لم تباشر المنع من الوطء،
وإنما تحريم الوطء حكم من أحكامه كالطلاق الرجعي، انتهى.
(إلا أن يكون) الزوج (مضارا) اسم فاعل من ضارُرَ أي مُدْخِل المضرة
على الزوجة، وفسره بقوله: (لا يريد أن يفيء) أي يعود (من تظاهره) كذا في
النسخ المصرية، وفي الهندية ((من ظاهره)) وفي الأخرى من ظهاره.
(١) سورة المجادلة: الآية ٣.
(٢) ((المنتقى)) (٥٠/٤).
١٢٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٢) حديث
قال الباجي(١): معنى ذلك أن يجد الكفارة فلا يكفر، قاله مالك في
((المبسوط)) قال مالك: وإذا لم يتبين ضرره لم يوقف إلا أن يطول ذلك، وروى
أشهب عن مالك في المتظاهر لا يجد ما يعتق ولا يقدر على الصيام، ولا يجد
ما يطعم، فلا مخرج له، وليكُفّ عن أهله حتى يجد ما يكفر به، يريد ولا
حجة لها، ففي هذا ثلاثة أحوال: أحدها: أن يتبين ضرره، فيدخل عليه الإيلاء
والثانية: لا يتبين ضرره، ولا عذره، فلا يدخل عليه أجل الإيلاء بطول المدة،
والحالة الثالثة: أن يتبين عذره، فلا يدخل عليه إيلاء جملة.
واختلف قول مالك في أجل الإيلاء، ففي ((المدونة)): يبتدأ له أجل
المولي عنه ما يرى الناس من إضراره، ثم يجري بحساب المولي، تأول بعض
القرويين على أنه يضرب له الأجل من يوم يتبين ضرره، وفي كتاب محمد:
أجله من يوم التظاهر، انتهى.
وقال ابن رشد(٢): هل يدخل الإيلاء على الظهار إذا كان مضاراً، وذلك
بأن لا يكفر مع قدرته على الكفارة، فإن فيه اختلافاً، فأبو حنيفة والشافعي
يقولان: لا يتداخل الحكمان؛ لأن حكم الظهار خلاف حكم الإيلاء، وسواء
كان عندهم مضاراً أو لم يكن، وبه قال الأوزاعي وأحمد وجماعة، وقال
مالك: يدخل الإيلاء على الظهار بشرط أن يكون مضاراً. وقال الثوري: يدخل
الإيلاء على الظهار، وتبين منه بانقضاء الأربعة الأشهر من غير اعتبار المضرة،
ففيه ثلاثة أقوال للعلماء، انتهى.
وقال ابن عابدين(٣): الظاهر أن الوقت إذا كان أربعة أشهر فأكثر أنه لا
(١) ((المنتقى)) (٥٠/٤).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١١٠/٢).
(٣) ((رد المحتار)) (٥١٧/٣).
١٣٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٣) حديث
٢٣/١١٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ رَجُلاً يَسْأَلُ
يكون إيلاء لعدم ركنه، وهو الحلف أو التعليق بمشق، وفي ((الزيلعي)): قول
من قال: إن الظهار يمين فاسد؛ لأن الظهار منكر من القول وزور محض،
واليمين تصرف مشروع مباح، ثم رأيت في ((كافي الحاكم)) لا يدخل على
المظاهر إيلاء وإن لم يجامعها أربعة أشهر، انتهى.
وقال الموفق(١): إن ترك الوطء بغير يمين لم يكُنْ مُؤْلياً؛ لأن الإيلاء
الحلف، لكن إن ترك ذلك لعذرٍ من مرض أو غَيبة ونحو لم تُضْرب له مدةٌ،
وإن تركه مضِرًّا بها، فهل تضرب له مدةٌ؟ على روايتين؛ إحداهما: تُضْرب له
مدةُ أربعة أشهر، فإن وطئها، وإلا دُعِي بعدها إلى الوطء، فإن امتنع منه أُمِر
بالطلاق، كما يفعل في الإيلاء سواء، لأنه أضَرَّ بها بترك الوطء في مدة
الإيلاء، فيلزم حكمه كما لو حلف، ولأن وجوبه في الإيلاء إنما كان لدفع
حاجة المرأة وإزالة الضرر عنها، وضررُها لا يختلف بالإيلاء وعدمه، فلا
يختلف الوجوب.
فإن قيل: فلا يبقى للإيلاء أثرٌ، فلم أفردتم له باباً؟ قلنا: بل له أثر، فإنه
يدل على قصد الإضرار، فيتعلق الحكم به وإن لم يظهر منه قصد الإضرار
اكتفي بدلالته، وإذا لم توجد اليمين احتجنا إلى دليل سواه. يدل على
المضارة، فيعتبر الإيلاء لدلالته على المقتضى لا لِعَينه، والرواية الثانية: لا
تضرب له مدة. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه ليس بمُوْلٍ، فلم تضرب
له مدة، كما لو لم يقصد الإضرار، ولأن تعليق الحكم بالإيلاء يدل على انتفائه
عند عدمه، إذ لو ثبت هذا الحكم بدونه لم يكن له أثر، انتهى.
٢٣/١١٤٣ - (مالك عن هشام بن عروة أنه سمع رجلاً يسأل) ببناء الفاعل
(١) ((المغني)) (٥٣/١١).
١٣١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٨) باب
(١١٤٣) حديث
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ رَجُلِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَنْكِحُهَا عَلَيْكِ، مَا
ےو
عِشْتِ، فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرٍ أَمِّي. فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: يُجْزِيهِ عِنْ ذَلِكَ
عِنْقُ رَقَبَةٍ.
(عروة بن الزبير عن) حكم (رجل قال لامرأته: كل امرأة أنكحها عليك) بكسر
الكاف (ما عشت) بكسر التاء (فهي عليّ كظهر أمي، فقال عروة بن الزبير:
يجزيه من ذلك) أي عن ظهاره المذكور (عتق رقبة) إن وجدها، وإلا فالصوم ثم
الإطعام، والمعنى يجزيه كفارة واحدة.
قال ابن مزيّن(١): قلت لعيسى بن دينار: أرأيت معنى هذا أي أول امرأة
يتزوجها عليها، فإنه يعتق عنها رقبة، ثم إن تزوج بعد ذلك فلا شيء عليه؟
قال: نعم، هو معنى قوله، وبه آخذ، وهو قول مالك بمنزلة من تظاهر من
نسوة له في كلمة واحدة، فليس عليه إلا كفارة واحدة، يجتزئ بها عنهن.
وقال يحيى بن يحيى، عن نافع بن نافع: لست آخذ به، ولكني أرى أنه
قد تظاهر من كل امرأة ينكحها عليها، فكلما نكح امرأة كَفَّر عنها قبل أن
يمسّها كفارة عن كل امرأة، ومثله في ((كتاب ابن الموّاز)) فيمن قال: كل امرأة
أتزوجها، فهي عليّ كظهر أمي، فإنه تلزمه كفارة عن كل امرأة يتزوجها أبداً،
وفي ((العتبية)) عن مالك من رواية ابن القاسم مثل ما في ((الموطأ)) ممن قال:
كل امرأة أتزوجها عليك ما عشت، فهي عليّ كظهر أمي، يجزئه في ذلك كفارة
واحدة، انتھی.
وقال الموفق(٢): إذا قال: كل امرأة أتزوَّجُها فهي عليّ كظهر أمي، ثم
تزوج نساءً، وأراد العود، فعليه كفارة واحدة، سواء تزوّجهن في عقد أو في
عقود متفرقة، نصّ عليه أحمد، وهو قول عروة وإسحاق؛ لأنها يمين واحدة،
(١) انظر: ((المنتقى)) (٥١/٤).
(٢) ((المغني)) (٧٥/١١).
١٣٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٩) باب
(١١٤٤) حديث
(٩) باب ظهار العبد
١١٤٤/ ٢٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابِ
عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ؟ فَقَالَ: نَحْوُ ظِهَارِ الْحُرِّ.
قَالَ مَالِكٌ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ كَمَا يَقَعُ عَلَى الْحُرِّ.
فكفارتها واحدة، كما لو ظاهر من أربع نساء بكلمة واحدة، وعنه: أن لكل
عقد كفارة، فلو تزوج ثنتين في عقد، وأراد العود، فعليه كفارة واحدة، ثم إذا
تزوج أخرى وأراد العود، فعليه كفارة أخرى، وروي ذلك عن إسحاق، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق أن الظهار بالأجنبية لا يصح عند الشافعي رحمه الله
مطلقاً، سواء كان بالتعليق أو بدونه، وعند الحنفية يصح إن كان معلقاً .
وإذا تظاهر لنسائه في كلمة واحدة، فعليه لكل واحدة كفارة مستقلة، قال
في ((الهداية)) (١): من قال لنسائه: أنتن عليّ كظهر أمي كان مظاهراً منهن
جميعاً، وعليه لكل واحدة كفارة؛ لأن الحرمة ثبتت في حق كل واحدة،
والكفارة لإنهاء الحرمة، فتعدد بتعددها، بخلاف الإيلاء؛ لأن الكفارة فيه
لصيانة حرمة الاسم ولم يتعدد ذكر الاسم، انتهى.
(٩) ظهار العبد
هكذا في الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ظهار العبيد بالجمع.
١١٤٤/ ٢٤ - (مالك) وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية إسماعيل بن
أبي أويس عن مالك (أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن ظهار العبد) وفي بعض
النسخ ((العبيد)) (فقال: نحو ظهار الحر) في لزومه وتعلق الأحكام به.
(قال مالك: يريد) الزهري (أنه) أي الظهار (يقع عليه) أي على العبد
(كما يقع على الحر) قال الباجي(٢): والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾
(١) (٢٦٦/١).
(٢) ((المنتقى)) (٥١/٤).
١٣٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٩) باب
(١١٤٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَظِهَارُ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَاجِبٌ. وَصِيَامُ الْعَبْدِ فِي الظُّهَارِ
شَهْرَانِ .
الآية. ولم يفرق بين الأحرار والعبيد، ولا يجوز أن يقال: إن العبد لما لم
يكفر بالعتق ليس من أهل الظهار ولا مخاطباً بالآية، كما لا يجوز أن
يقال: ذلك في المُعْسِرِ الضعيف عن الصيام، ولأنه قد قال تعالى: ﴿فَمَنْ
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾، والعبد ليس بواجد للرقبة، فيصوم شهرين،
انتھی .
وقال الحافظ(١): يحتمل أن يكون ابن شهاب كان يعطي العبد في ذلك
جميع أحكام الحر، ويحتمل أن يكون أراد بالتشبيه مطلق صحة الظهار من
العبد، كما يصح من الحر، ولا يلزم أن يعطى جميع أحكامه، لكن نقل ابن
بطال الإجماع على أن العبد إذا ظاهر لزمه، وأن كفارته بالصيام شهران
كالحر، نعم، اختلفوا في الإطعام والعتق كما سيأتي، وما نقل من الإجماع
فمردود، فقد نقل الشيخ الموفق عن بعضهم أنه لا يصح ظهار العبد؛ لأنه لا
يملك الرقاب، وتعقبه بأن تحرر الرقبة إنما هو على من يجدها، فكان كالمعسر
فغرضه الصيام، انتهى.
(قال مالك: وظهار العبد عليه واجب) كالحر (وصيام العبد في الظهار
شهران) كالحر، قال الباجي(٢): يريد أن حكمه في قدر الصيام حكم الحر؛
لأن صيامه على وجه الكفارة، والكفارات يستوي فيها حكم الأحرار والعبيد،
وأما العتق فلا يثبت في حقه، لوجهين: أحدهما: أنه محجورٌ عليه في ماله.
والثاني: أن الولاء لا يثبت له، ثم قال بعد ما ذكر: المحجور عليه، لحق نفسه
كالسفيه، أما المحجور عليه لحق غيره كالعبد، فإنه لا تجوز له الكفارة بالعتق
(١) «فتح الباري)) (٤٣٤/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٥١/٤).
١٣٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٩) باب
(١١٤٤) حديث
المعنيين: أحدهما: حق السيد، والثاني: أن الولاء لا يثبت، وذلك يمنع وقوع
العتق عنه.
وعن مالك في ((المدونة)) و((المبسوط)) لا يجزئه العتق وإن أذن له السيد
فيه؛ لأنه لا يكون له الولاء، وقد قال عبد الملك بن الماجشون: لا يكفر
بالعتق؛ لأن الولاء لسيده، فإذا قلنا: لا يجوز له العتق، وإن فرضه الصيام،
فهل لسيده أن يمنعه منه؟ ففي ((كتاب ابن المواز)): روى ابن القاسم عن مالك
لأهله منعه إذا أضرّ ذلك بهم في خدمتهم، وإذا لم يضر ذلك بهم، وإنما
قصدوا ليفرقوا بينه وبين أهله أجبروا على ذلك.
وقال ابن الماجشون: ليس لسيده منعه من الصوم وإن أضر ذلك في
عمله، وقاله محمد بن دينار في ((المدنية))، وجه قول مالك أنه معنى أدخله على
نفسه، فليس له أن يدخل على نفسه ما يضرّ بسيده في عمله، كحقوق الآدميين،
ووجه قول ابن الماجشون أن هذا صوم، قد ثبت عليه، فلم يكن لسيده منعه
كالفرض، فإذا كان يضرّ بعمله، وسوغنا للسيد منعه من الصوم، فقد قال ابن
القاسم: إن منعه سيده في الصيام وأذن له في الإطعام أجزأه، وقال مالك في
((المبسوط)): إن أذن له سيده في الإطعام، فالصيام أحبُّ إلي منه.
قال ابن القاسم: لا أدري ما هذا، وليس يطعم أحد يستطيع الصيام،
ولا أرى جواب مالك في المسألة إلا وهماً، ولعله أراد كفارة اليمين، وقال
القاضي أبو إسحاق: معناه أنه لا يقدر على الصيام. فيقول: الإطعام يجزئه،
وليس يستحسنه؛ لأن للسيد التصرف فيه قبل أن يخرجه إلى المساكين، إلى
آخر ما بسطه في توجيه كلام مالك من الأقاويل.
وقال ابن رشد(١): اختلفوا في العبد هل يكفر بالعتق أو الإطعام بعد
(١) ((بداية المجتهد)) (٢/ ١١١).
١٣٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٩) باب
(١١٤٤) حديث
اتفاقهم أن الذي يبدأ به الصيام، أعني إذا عجز عن الصيام؟ فأجاز للعبد العتق
إن أذن له سيده أبو ثور وأبو داود، وأبى ذلك سائر العلماء، وأما الإطعام،
فأجازه مالك إن أطعم بإذن سيده، ولم يجز ذلك أبو حنيفة والشافعي، ومبنى
الخلاف في هذه المسألة هل يملك العبد أو لا يملك؟، انتهى.
وقال الخرقي: إذا كان المظاهر عبداً لم يُكَفِّرْ إلا بالصيام، وإذا صام فلا
يجزئه إلا شهران متتابعان، قال الموفق(١): لأن العبد لا يستطيع الإعتاق فهو
كالحر المعسر. وأسوأ منه حالاً، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يجزئه غير
الصيام، سواء أذن له سيده في التكفير بالعتق أو لم يأذن، وحكي هذا عن
الحسن وأبي حنيفة والشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: إن أذن له السيد في
التكفير بالمال جاز، وهو مذهب الأوزاعي وأبي ثور؛ لأنه بإذن سيده يصير
قادراً على التكفير بالمال، وعلى هذه الرواية يجوز له التكفير بالإطعام عند
العجز عن الصيام.
وهل له العتق على روايتين؟ إحداهما: لا يجوز، وحُكِي هذا عن مالك،
وقال: أرجو أن يجزئه الإطعام. وأنكر ذلك ابن القاسم صاحبه، وقال: لا
يجزئه إلا الصيام، وجه هذه الرواية أن العتق يقتضي الولاء، والولاية،
والإرث، وليس ذلك للعبد.
والرواية الثانية: له العتق وهو قول الأوزاعي، واختارها أبو بكر، وعلى
كلتا الروايتين لا يلزمه التكفير بالمال، وإن أذن له السيد؛ لأن فرضه الصيام،
فلم يلزمه غيره، كما أذن مُؤْسر لحر مُعْسرٍ في التكفير بماله، وإذا صام فلا
يجزئه إلا شهران متتابعان، وبهذا قال الحسن والشعبي والنخعي والزهري
والشافعي وإسحاق، ولا نعلم لهم مخالفاً إلا ما رُوي عن عطاء أنه لو صام
(١) ((المغني)) (١٠٦/١١).
١٣٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٩) باب
(١١٤٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ يَتَظَاهَرُ مِنِ امْرَأَتِهِ: إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ
إِيلَاءٌ. وَذُلِكَ أَنَّهُ لَوْ ذَهَبَ يَصُومُ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ. دَخَلَ عَلَيْهِ طَلَاقُ
الْإِبْلَاءِ. قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صِيَامِهِ .
شهراً أجزأه، وقاله النخعي، ثم رجع إلى قول الجماعة، انتهى.
(قال مالك، في العبد يتظاهر من امرأته: إنه لا يدخل عليه إيلاء) وتقدم
في الباب السابق أنه يدخل على الحر عند مالك إذا كان مضاراً بها بخلاف
الأئمة الثلاثة، فإنه لا يدخل عندهم الإيلاء على الظهار، كما جزم به ابن رشد
(وذلك) أي وجه عدم دخوله على العبد (أنه) أي العبد (لو ذهب يصوم) صيام
(كفارة المتظاهر) وهو صيام شهرين (دخل عليه طلاق الإيلاء قبل أن يفرغ من
صيامه) عن الظهار.
قال الزرقاني(١): لأن إيلاء العبد شهران وأجله شهران، فلو أفطر ساهياً
أو لمرض لا ينقضي أجله قبل تمام كفارته، وهو بعض ما يعذر به العبد في
عدم دخول الإيلاء عليه، هكذا وجَّهَه الباجي، وهو أحسن من توجيه ابن
عبد البر بأنه مبنيٌّ على لزوم الطلاق بمجرد مضي الشهرين؛ لأنه خلاف
المعروف من مذهب مالك، انتهى.
وقال الباجي(٢): هذا القول من مالك يحتمل وجهين: أحدهما: أنه لا
يضرب له أجل الإيلاء بوجه، ولو أذن له السيد في الصوم؛ لأن صومه لا
ينقضي حتى ينقضي أجل الإيلاء، وتعليل مالك في ((الموطأ)) يقتضي غير هذا
غير أني لا أعلم أحداً من أصحابنا قال بذلك، ولا يوجد لمالك على هذا
التفسير. ولعله أراد أن هذا من بعض ما يعتذر به من العبد في رفع أجل الإيلاء
عن نفسه.
(١) ((شرح الزرقاني) (١٧٩/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٥٣/٤).
١٣٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٠) باب
(١٠) باب ما جاء في الخيار
والثاني: أن يريد العبد الصوم، ويمنعه منه سيده؛ لأنه يضر به، فإن في
ذلك عذراً للعبد يمنع دخول الإيلاء عليه، وبه قال أصبغ، وروى ابن القاسم
عن مالك: لا يدخل على العبد إيلاء إلا أن يكون مضارّاً، لا يريد أن يفيء أو
يمنعه أهله الصيام بأمر لهم فيه عذر، فهذا يضرب له أجل إيلاء إن رافعته
امرأته، انتھی.
(١٠) ما جاء في الخيار
بكسر المعجمة اسم من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين، وخيار المرأة
في النكاح يكون لوجوه، منها لعيب في الزوج، وقد تقدم الكلام عليه مبسوطاً،
وسيأتي شيء منه، ومنها خيار الحرة إذا نكح عليها الأمة عند مالك خاصة،
كما تقدم في محله، ومنها خيار الزوجين بعد البلوغ في خيار البلوغ، وتقدم
شيء منه، ومنها خيار العتق، وهو المذكور ههنا، ومنها خيار المرأة نفسها في
تخيير الطلاق، وتقدم شيء منه في التمليك، وسيأتي في آخر هذا الباب.
وهذان الخياران مقصود المصنف من الترجمة، وسيأتي بيانهما، وذكر
أثراً في خيار العيب أيضاً، ولا يثبت في النكاح خيار المجلس ولا خيار
الشرط. قال الموفق(١): لا يثبت في النكاح خيار وسواء في ذلك خيار
المجلس وخيار الشرط، ولا نعلم أحداً خالف في هذا، وذلك لأن الحاجة غير
داعية إليه، فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد تردد وفكر ومسألة كل واحد من
الزوجين عن صاحبه، والمعرفة بحاله، بخلاف البيع الواقع في الأسواق من
غير فكر ولا رؤية، ولأن النكاح ليس بمعاوضة محضة، ولهذا لا يعتبر فيه
العلم بالمعقود عليه برؤية ولا صفة، ويصح من غير تسمية العوض ومع فساده،
ولأن ثبوت الخيار فيه يُفْضي إلى فسخه بعد ابتذال المرأة، فإن في فسخه بعد
(١) ((المغني)) (٤٩٤/٩).
١٣٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٠) باب
العقد ضرراً بالمرأة، ولذلك أوجب الطلاق قبل الدخول نصف الصداق،
انتھی .
وقال ابن رشد(١): موجبات الخيار أربعة: العيوب، والإعسار بالصداق،
أو بالنفقة والكسوة، والثالث: فقد الزوج، والرابع: العتق للأمة المزوجة،
انتھی.
وقد عرفت أن مقصود المصنف من الترجمة بيان الخيارين خيار العتق،
وخيار التخيير، أما خيار العتق، فقال الشيخ في ((البذل)) (٢): إذا كان الزوج
عبداً، فأعتقت زوجته، فلها الخيار اتفاقاً، وأما إذا كان الزوج حراً، فأعتقت
زوجته، فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت لها الخيار، وجعلوا العلة في الفسخ
عدم الكفاءة، وذهب الشعبي والنخعي والثوري والحنفية إلى أنه يثبت لها
الخيار، انتهى.
يعني وجعلوا علة الفسخ ملكها بضعتها، ويستوي فيه كون زوجها حراً أو
عبداً، وهذه العلة أولى؛ لأنه مستفادٌ من قوله ◌َله: ((ملكت بضعك فاختاري))،
رتب خيارها على ملك بضعتها .
وقال الموفق(٣): إذا عتقت الأمة وزوجها عبد، فلها الخيار في فسخ
النكاح، وأجمع أهل العلم على هذا، ذكره ابنُ المنذر، وابنُ عبد البر
وغيرهما، وإن عتقت تحت حر فلا خيار لها، وهو قول ابن عمر وابن عباس
وسعيد بن المسيب والحسن وعطاء وسليمان بن يسار وأبي قلابة وابن أبي ليلى
ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وقال طاووس وابن سيرين ومجاهد
(١) ((بداية المجتهد)) (٥٠/٢).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٦٢/١٠).
(٣) («المغني)) (٦٨/١٠).
١٣٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٠) باب
(١١٤٥) حديث
٢٥/١١٤٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي
. ...
عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛
والنخعي وحماد بن أبي سليمان والثوري وأصحاب الرأي: لها الخيار، انتهى.
وفي ((التعليق الممجد) (١): بمثل قولنا قال جماعة من أهل العلم، فأخرج
الطحاوي وابن أبي شيبة عن طاووس أنه قال: للأمة الخيار إذا أعتقت، وإن
كانت تحت قرشي، وفي رواية: لها الخيار تحت حرِّ وعبد، وأخرج ابن أبي
شيبة عن ابن سيرين قال: تُخَيَّر حراً كان زوجها أو عبداً، وأخرج عن مجاهد
قال: تُخَيَّرُ ولو كانت تحت أمير المؤمنين.
وفي ((الهداية))(٢): إن تزوجت بإذن مولاها ثم أعتقت، فلها الخيار حراً
كان زوجها أو عبداً؛ لقوله {وَ ل﴿ لبريرة حين عُتِقَتْ: ((ملكت بضعكِ فاختاري))
فالتعليل بملك البضع صدر مطلقاً، فينتظم الفصلين، والشافعي يخالفنا فيما إذا
كان زوجها حراً، ولأنه يزداد الملك عليها عند العتق، فيملك الزوجُ بعده
ثلاث تطليقات، فتملك رفع أصل العقد دفعاً للزيادة، وكذلك المكاتبة، يعني
إذا تزوّجت بإذن مولاها، ثم عتقت، وقال زفر: لا خيار لها؛ لأن العقد نفذ
عليها برضاها، وكان المهر لها، فلا معنى لإثبات الخيار بخلاف الأمة؛ لأنه
لا يعتبر رضاها، ولنا، أن العلة ازدياد الملك، وقد وجدناها في المكاتبة؛ لأن
عدتها قرءان وطلاقها ثنتان، انتهى.
١١٤٥/ ٢٥ - (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) فروخ المعروف بربيعة
الرأي (عن القاسم بن محمد) بن الصديق الأكبر - رضي الله عنه - (عن) عمته
(عائشة أم المؤمنين) أخرج البخاري هذه القصة في عدة مواضع من ((صحيحه))
مطولاً ومختصراً، وأخرج هذا الحديث في باب ((لا يكون بيع الأمة طلاقاً))
(١) (٥٣٢/٢).
(٢) (١١٧/٣).
١٤٠