النص المفهرس
صفحات 101-120
٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٠) حديث قول الشافعي وأحمد وإسحاق وداود وأتباعهم وجمهور أصحاب الحديث، وقال بالوقوع مطلقاً أبو حنيفة وأصحابه، وقال بالتفصيل ربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى ومن قبلهم ابن مسعود وأتباعه. وبه قال مالك في المشهور عنه، وعنه عدم الوقوع مطلقاً، ولو عيّن، وعن ابن القاسم مثله، وعنه أنه توقف، وكذا عن الثوري وأبي عبيد. وقال جمهور المالكية بالتفصيل، فإن سمى امرأة أو طائفة أو قبيلة أو مكاناً أو زماناً يمكن أن يعيش إليه لزمه الطلاق والعتق، وجاء عن عطاء مذهب آخر مفصل بين أن يشترط ذلك في عقد نكاح امرأته أو لا، فإن شرطه لم يصح تزويج من عينها، والأصح أخرجه ابن أبي شيبة، اهـ. وقال الموفق(١): اختلفت الروايات عن أحمد في هاتين المسألتين يعني مسألة الطلاق أو العتق، فعنه: لا يصح طلاق ولا عتق، روي هذا عن ابن عباس. وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وعروة وجابر والشافعي وأبو ثور وابن المنذر. ورواه الترمذي عن علي وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح. وقال: هو قول أكثر أهل العلم، وهي مختار الموفق. والرواية الثانية عن أحمد، وهي مختار الخرقي، أنه يصح في العتق ولا يصح في الطلاق، قال في رواية أبي طالب: إذا قال: إن اشتريت هذا الغلام فهو حرٌّ، فاشتراه عتق، وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فهذا غير الطلاق، وقال أبو بكر في ((كتاب الشافي)): لا يختلف قول أبي عبد الله أن الطلاق إذا وقع قبل النكاح لا يقع، وأن العتاق يقع إلا ما روى محمد بن الحسن بن هارون في العتق أنه لا يقع، وما أراه إلا غلطاً، كذلك سمعت الخلال، وعن أحمد - رحمه الله - ما يدل على وقوع الطلاق والعتق، وهو (١) ((المغني)) (٤٨٨/١٣). ١٠١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٠) حديث قول الثوري وأصحاب الرأي؛ لأنه يصح تعليقه على الأخطار، فصح تعليقه على حدوث الملك كالوصية والنذر واليمين، وقال مالك: إن خص جنساً من الأجناس أو عبداً بعينه عتق إذا ملکه، اهـ. وأخرج محمد في ((موطئه)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يقول: إذا قال الرجل: إذا نكحت فلانة فهي طالق، فهي كذلك إذا نكحها، قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، و((في التعليق الممجد))(١): به قال طائفة من السلف، فأخرج ابن أبي شيبة عن سالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز وعامر الشعبي وإبراهيم النخعي والأسود بن يزيد وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبي بكر بن عمرو بن حزم والزهري ومكحول الشامي في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو كل امرأة أتزوجها فهي طالق قالوا: هو كما قال، اهـ. وأما المسألة الثانية: فقد قال الخرقي: إذا قال لامرأة أجنبية: أنت عليّ كظهر أمي لم يطأها إن تزوجها حتى يأتي بالكفارة، قال الموفق(٢): وجملته أن الظهار من الأجنبية يصحّ سواءٌ قال ذلك لامرأة بعينها، أو قال: كل النساء علي كظهر أمي، وسواء أوقعه مطلقاً أو علّقه على التزويج. فقال: كل امرأة أتزوجها فهي عليّ كظهر أمي، ومتى تزوّج التي ظاهر منها لم يطأها حتى يُكَفِّرَ، يروى نحو هذا عن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال سعيد بن المسيب وعروة وعطاء والحسن ومالك وإسحاق. ويحتمل أن لا يثبت حكم الظهار قبل التزويج، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي، ويروى ذلك عن ابن عباس؛ لقوله تعالى: ﴿لَّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ كِسَابِهِمْ﴾(٣) الآية، اهـ. (١) (٥١٨/٢ - ٥١٩). (٢) (المغني)) (٧٥/١١). (٣) سورة المجادلة: الآية ٢. ١٠٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٠) حديث قلت: هكذا قال الموفق، ولم يصب في نقل المذاهب، فإن مذهب مالك ليس بموافقٍ لمذهب أحمد في ذلك، بل يصح الظهار عنده في التعليق لا في التنجيز، كما سيأتي في الأثر الآتي من كلام الباجي، وكذا ما حكي من توافق الشافعي وأبي حنيفة في ذلك، وليس بذاك، فإن محمداً - رحمه الله - أخرج في ((موطئه))(١) أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور في الباب بهذا السند عن القاسم أن رجلاً سأل عمر بن الخطاب فقال: إن قلت: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي، قال: إن تزوجتها فلا تقربها حتى تكفر. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة يكون مظاهراً منها إذا تزوجها فلا يقربها حتى یکفّر. وقال ابن رشد(٢): وأما هل من شرط الظهار كون المظاهر منها في العصمة؟ فمذهب مالك أن ذلك ليس بشرط، وأن من عيَّن امرأة بعينها، وظاهر منها بشرط التزويج كان مظاهراً منها، وكذلك إن لم يعين، وقال: كل امرأة أتزوّجها فهي مني كظهر أمي، وذلك بخلاف الطلاق، وبقول مالك في الظهار قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي، وقال قائلون: لا يلزم الظهار إلا فيما يملك الرجل، وممن قال بهذا القول الشافعي وأبو ثور وداود. وفرّق قوم فقالوا: إن أطلق لم يلزمه ظهار، وهو أن يقول: كل امرأة أتزوجها فهي مني كظهر أمي، فإن قَيَّدَ لزمه، وهو أن يقول: إن تزوجت فلانة أو سمى قرية أو قبيلة، وقائل هذا القول ابن أبي ليلى والحسن بن حيي، ودليل الفريق الأول قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودٍ﴾ ولأنه عقد على شرط الملك، فأشبه إذا ملك، وهو قول - عمر رضي الله عنه -، ودليل الشافعي حديث: ((لا طلاق إلا فيما تملك)) والظهار شبيهٌ بالطلاق، وهو قول ابن عباس، اهـ. (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٢٠/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٠٨/٢). ١٠٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤١ - ١١٤٢) حديث ١١٤١/ ٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ رَجُلاً سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ رَجُلِ تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكِحَهَا؟ فَقَالَا: إِنْ نَكَحَهَا، فَلَا يَمَسَّهَا حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمُتَظَاهِرِ . ٢٢/١١٤٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّهُ قَالَ، فِي رَجُلِ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ نِسْوَةٍ لَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ : ... ٢١/١١٤١ - (مالك أنه بلغه أن رجلاً سأل القاسم بن محمد) بن أبي بكر (وسليمان بن يسار) الهلالي أحد الفقهاء السبعة (عن رجل تظاهر من امرأة) أي جعلها عليه كظهر أمه (قبل أن ينكحها) قال الباجي(١): سؤاله عن رجل تظاهر من امرأته قبل أن ينكحها، يريد قال لها: إن تزوجتك فأنت عليّ كظهر أمي، فهذه التي يلزمه التظاهر منها إن تزوجها، وأما لو قال: أنت علي كظهر أمي، ولم يُضف ذلك إلى تزوّجها لم يلزمه شيء، وروى ابن مزين عن عيسى بن دينار أن معنى قول القاسم وسليمان: أن السائل كان قد قال: إن تزوجتك، وأما إن لم يقل ذلك، فلا ظهار عليه إذا تزوجها، وقال الشافعي والثوري: لا يلزمه ظهار في الوجهين، والدليل على ما نقوله أن هذا أضاف الظهار إلى حال الزوجية، فوجب أن يلزمه إذا وجدت الزوجية، اهـ. (فقالا: إن نكحها، فلا يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر) قال الباجي: يريد أن بعقد النكاح تتعين عليه الكفارة لما وجدت منه العودة المصححة للكفارة قبل المسيس، أما لو كَفَّر قبل أن يتزوجها فإنه لا يجزئه؛ لأن العودة لا تصح منه، وهي شرط في صحة الكفارة. ٢٢/١١٤٢ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (أنه قال في رجل تظاهر من أربع نسوة له بكلمة واحدة) يعني قال لهن: أنتن علي كظهر :: (١) ((المنتقى)) (٤٠/٤). ١٠٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيَعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، مِثْلَ ذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. أمي، فهو مظاهر من جميعهن، و(إنه ليس عليه) في الحنث (إلا كفارة واحدة) إلا أربع كفارات، وسيأتي اختلاف الأئمة في ذلك. (مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) الرأي الفقيه الشهير (مثل ذلك) أي مثل الذي روي عن عروة. (قال مالك: وعلى ذلك) أي توحيد الكفارة (الأمر) المختار (عندنا) قال الزرقاني(١): وهو المشهور في المذهب، وفيه قول ضعيف بالتعدد، قال الباجي(٢): معنى ذلك أنه من قال لأربع نسوة له: أنتن عليّ كظهر أمي أنه متظاهر بهذا اللفظ من جميعهن، ويجزئه في ذلك كفارة واحدة خلافاً لأحد قولي الشافعي وأبي حنيفة؛ لأن يمينه واحدة، وظهاره واحد، فلم يلزمه إلا كفارة واحدة، فإن وطئ واحدة منهن، فقد حنث في جميعهن، ولم يجز له أن يقرب واحدة منهن، حتى يكفر لوجوب تقديم الكفارة على المسيس. فإن كَفَّرَ عن واحدة منهن فقد بطل حكم الظهار، وجاز أن يطأ سائرهن دون كفارة تلزمه، وإن لم ينو بكفارته إلا الأولى، قاله كله في ((المدونة))، ولو أفرد كل واحدة منهن بلفظ ظهار في مجلس أو مجالس، فيقول لإحداهن: أنت عليّ كظهر أمي، ثم يقول للأخرى: وأنت علي كظهر أمي، ثم قال للثالثة كذلك، ويقول للرابعة كذلك لوجب عليه لكل واحدة منهن كفارة كاملة بالعودة، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٧٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (٤١/٤). ١٠٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْمُتَظَاهِرِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ﴾ وقال الخرقي: لو تظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة لم يكن عليه أكثر من كفارة واحدة، قال الموفق(١): بغير خلاف في المذهب، وهو قول علي وعمر - رضي الله عنهما - وعروة وطاووس وعطاء وربيعة ومالك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور والشافعي في القديم، وقال الحسن والنخعي والزهري ويحيى الأنصاري والحكم والثوري وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد: عليه لكل امرأة كفارة؛ لأنه وجد الظهار والعود في حق كل امرأة منهن، فوجب عليه عن كل واحدة كفارة كما لو أفردها به. ولنا، عموم قول عمر وعلي - رضي الله عنهما - رواه عنهما الأثرم، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً، فكان إجماعاً. ومفهوم كلام الخرقي أنه إذا ظاهر منهن بكلمات، فقال لكل واحدة منهن: أنت علي كظهر أمي، فإن لكل يمينٍ كفارةً، وهذا قول عروة وعطاء، قال أبو عبد الله بن حامد: المذهب رواية واحدة في هذا، قال القاضي: المذهب عندي ما ذكر الشيخ أبو عبد الله. وقال أبو بكر: فيه رواية أخرى أنه يجزئه كفارة واحدة، وأختار ذلك، وقال: هذا الذي قلنا اتباعاً لعمر - رضي الله عنه - والحسن وعطاء وإبراهيم وغيرهم؛ لأن كفارة الظهار حق الله تعالى، فلم تتكرر بتكرر سببها، ولنا، أنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة كفارة، اهـ. (قال مالك: قال الله تبارك وتعالى في كتابه في) أقسام (كفارة المتظاهر) قال الزرقاني (٢): وفي نسخة في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ (﴿فَتَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ﴾) أي إعتاقها، قال الموفق(٣): كفارة المظاهر القادر (١) ((المغني)) (٧٨/١١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٧/٣). (٣) ((المغني)) (٨١/١١). ١٠٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث ﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأَ على الإعتاق عتقُ رقبةٍ لا يُجزئه غيره بغير خلاف علمناه بين أهل العلم، فمن وجد رقبة يستغني عنها، أو وجد ثمنها فاضلاً عن حاجته ووجدها به لم يجزئه إلا الإعتاق. ولا يجزئه إلا عتق رقبة مؤمنة في كفارة الظهار وسائر الكفارات، هذا ظاهر المذهب، وهو قول الحسن ومالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد. وعن أحمد رواية ثانية: أنه يجزئ فيما عدا كفارة القتل، من الظهار وغيره، عِتقُ رقبة ذمية. وهو قول عطاء والنخعي والثوري وأبي ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر؛ لأنه تعالى أطلق الرقبة في هذه الكفارة، فوجب أن يجزئ ما تناوله الإطلاق، انتهى. قال الباجي(١): قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يقتضي أن الرقبة تجزئ، ولها صفات الإسلام والسلامة. قال الموفق(٢): لا يجزئه إلا رقبة سالمة من العيوب المضرّة بالعمل ضرراً بَيِّناً؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، ويمكنه التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضرراً بيناً، فلا يجزئ الأعمى، ولا المُفْعد، ولا المقطوع اليدين والرجلين، ولا المجنون جنوناً مطبقاً، وبهذا كله قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحُكي عن داود أنه جَوَّزَ كلَّ رقبة يقع عليها الاسم أخذاً بإطلاق اللفظ (﴿مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَأْ﴾) بالوطء والاستمتاع بقُبلة أو مباشرة حملاً له على عمومه عند أكثر العلماء، وبعضهم حمله على الوطء، فله أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، قاله الزرقاني (٣). (١) ((المنتقى)) (٤١/٤). (٢) («المغني)) (٨٢/١١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٧٨/٣). ١٠٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ وقال ابن رشد(١): اتفقوا على أن المظاهر يحرم عليه الوطء، واختلفوا فيما دونه من ملامسة ونظر لذة، فذهب مالك إلى أنه يحرم الجماع وجميع أنواع الاستمتاع ما عدا وجهها ويديها وكفيها، وقال الشافعي: إنما يحرم الوطء في الفرج فقط. وبه قال الثوري وأحمد، انتهى. قال الموفق(٢): المظاهر يحرم عليه وطء امرأته قبل أن يكفر، وليس في ذلك اختلاف إذا كانت الكفارة عتقاً أو صوماً؛ لقوله تعالى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآَأ﴾ وأكثر أهل العلم على أن التكفير بالإطعام مثل ذلك، كما سيأتي قريباً، وأما التلذذ بما دون الجماع من القُبلة واللمس والمباشرة فيما دون الفرج، ففيه روايتان، إحداهما: يحرم وهو اختيار أبي بكر، وهو قول الزهري ومالك والأوزاعي وأبي عبيد وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن النخعي وهو أحد قولي الشافعي. والرواية الثانية: لا تحرُمُ، قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وهو قول الثوري وإسحاق وأبي حنيفة. وحُكي عن مالك، وهو القول الثاني للشافعي، انتھی. وفي ((الهداية))(٣): لا يحلُّ له وطؤها ولا مسّها ولا تقبيلها حتى يُكَفِّرَ عن ظهاره، انتھی. (﴿فَ لَّمْ يَجِدْ﴾) الرقبة، وتقدم قريباً أن الإعتاق يتعين على واجد الرقبة إجماعاً، وقال الباجي: الوجود هو أن يملك رقبة أو ثمنها أو ما قيمته قدر ثمنها من عرض أو غيره، فمن لم يكن عنده إلا أمة ظاهر منها، فقد قال ابن (١) ((بداية المجتهد)) (١٠٩/٢). (٢) («المغني)) (٦٦/١١). (٣) (٢٦٥/١). ١٠٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث القاسم لا يجزئه الصيام، وكذلك روي عن مالك فيمن يملك من العروض ما يشتري به رقبة، أو كانت له دار يسكنها ثمنها قيمة رقبة لا يجزئه الصوم؛ لأنه واجد لرقبة، انتھی. قال الموفق(١): أجمعوا على أن من وجد رقبة فاضلة عن حاجته فليس له الانتقال إلى الصيام، وإن كانت له رقبة يحتاج إلى خدمتها لِزمَنِ (٢) أو كِبرِ أو مَرَض أو عِظَم ◌َخَلْقٍ ونحوه مما يُعْجِزُه عن خدمة نفسه، أو يكون ممن لا يخدُمُ نفسَه في العادة، ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته، فليس عليه الإعتاق. وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي: متى وجد رقبةً لزمه إعتاقُها، ولم يَجُزْ له الانتقالُ إلى الصِّيام، سواء كان محتاجاً إليها أو لم يكن؛ لأنه تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام أن لا يجدَ رقبة، وهذا واجدٌ، وإن وجد ثمنها وهو محتاج إليه لم يلزمه شراؤها. وبه قال أبو حنيفة. وقال مالك: يلزمه لأن وجدان ثمنها كوجدانها، انتهى. وقال أيضاً(٣): الاعتبار في الكفارة بحالةِ الوجوب في أظهر الروايتين، وهو أحد أقوال الشافعي، فعلى هذا يُعْتبر يساره وإعساره حال وجوبها عليه، فإن كان مُوسراً حال الوجوب استقرّ وجوب الرقبة عليه، فلم يسقط بإعساره بعد ذلك، وإن كان معسراً ففرضه الصوم، فإذا أيسر بعد ذلك لم يلزم الانتقال إلى الرقبة، والرواية الثانية: الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين الوجوب إلى حين التكفير، فمتى وجد رقبة فيما بين ذلك لم يجزئه إلا الإعتاق، وهذا قول ثانٍ للشافعي، وله قول ثالث: أن الاعتبار بحالة الأداء، وهو قول أبي حنيفة ومالك، انتھی. (١) ((المغني)) (٨٦/١١). (٢) الزِّمَن: العلة الملازمة. (٣) «المغني)) (١٠٧/١١). ١٠٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّاً (﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنٍ﴾) قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر ثم قطعه لغير عذرٍ وأفطر أنَّ عليه استئناف الشهرين، وإنما كان كذلك لورود لفظ الكتاب والسنة به، ومعنى التتابع الموالاة بين صيام أيامها، فلا يفطر فيها ولا يصوم عن غير الكفارة، وأجمع أهل العلم على أن الصائمة متتابعا، إذا حاضت قبل إتمامه تقضي إذا طَهُرَت وتبني، وذلك لأن الحيض لا يمكن التحرز عنه في الشهرين إلا بتأخيره إلى الإياس، وفيه تغرير بالصوم؛ لأنها ربما ماتت قبله، والنفاس كالحيض في أنه لا يقطع التتابع في أحد الوجهين؛ لأنه بمنزلته في أحكامه. والوجه الثاني: أنه يقطع التتابع؛ لأنه فظْرٌ أمكن التحرز منه، لا يتكرر كل عام فقطع التتابع، كالفطر لغير عذر، وإن أفطر لمرض مخوُفٍ لم ينقطع التتابع أيضاً. روي ذلك عن ابن عباس. وبه قال ابن المسيّب والحسن وعطاء والشعبي وطاووس ومجاهد ومالك وإسحاق. وفي ((الهداية))(٢): إذا لم يجد المظاهر ما يعتق، فكفارته صوم شهرين متتابعين، ليس فيهما شهر رمضان، ولا يوم الفطر ولا يوم النحر ولا أيام التشريق، انتهى. وفي ((المغني))(٣): إذا تخلل صوم الظهار زمانٌ لا يصحّ صومُه عن الكفارة، مثل أن يبتدئ الصوم من أول شعبان، فيتخلَّله رمضانُ أو يبتدئ من ذي الحجة فيتخلَّله أيام النحر والتشريق، فإن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني على ما مضى من صيامه، وقال الشافعي: ينقطع التتابع ويلزمه الاستئناف. (﴿مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَأَ﴾) وتقدم قريباً أن تقديم الكفارة إذا كانت عتقاً أو (١) (٨٨/١١). (٢) (٢٦٨/١). (٣) (١٠٣/١١). ١١٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطِعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ . صوماً إجماع، قال الموفق: فإن أصابها في ليالي الصوم أفسد ما مضى من صيامه، وابتدأ الشهرين. وبهذا قال مالك والثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي. وروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا، ويبني. وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر. وإن وطئها أو وطئ غيرها في نهار الشهرين عامداً أفطر، وانقطع التتابع إجماعاً . قال الباجي(١): إن جامع في أثناء صومه ليلاً أو نهاراً المظاهر منها أو غيرها نهاراً ابتدأ الصوم، قاله في ((المختصر الكبير)) و((المدونة)) خلافاً للشافعي في أنه إن وطئها ليلاً لم يبطل صيامه، انتهى. قال البجيرمي(٢): يحرم الوطء فيهما ولو ليلاً؛ لأنه لا يجوز له الوطء في الظهار إلا بعد تمام الكفارة، لكنه فيه لا يقطع التتابع خلافاً لمالك وأبي حنيفة، انتهى. وقال ابن رشد(٣): إذا وطئ في صيام الشهرين هل عليه استئناف الصيام؟ فقال مالك وأبو حنيفة: يستأنف إلا أن أبا حنيفة شرط في ذلك العمد، ولم يُفَرِّق مالك بين العمد والنسيان، وقال الشافعي: لا يستأنف على حال (﴿فَمَنْ أَّ يَسْتَطِعْ﴾) الصيام (﴿فَإِطِّعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِينَا﴾). فيه عدة مباحث، الأول: ما قال الموفق(٤): أكثر أهل العلم على أن التكفير بالإطعام مثل العتق والصوم في أنه يحرم وطؤها قبل التكفير. منهم عطاء والزهري والشافعي وأصحاب الرأي. وذهب أبو ثور إلى إباحته الجماعَ (١) ((المنتقى)) (٤٤/٤). (٢) ((شرح الإقناع)) (٢٣/٤). (٣) ((بداية المجتهد)) (١١١/٢). (٤) ((المغني)) (٦٦/١١). ١١١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث قبل التكفير بالإطعام، وعن أحمد ما يقتضي ذلك؛ لأنه عز اسمه لم يمنع المسيس قبله، كما في العتق والصيام. ولنا، ما رُوي عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رجلاً أتى النبي وَل﴿ل فقال: يا رسول الله! إني تظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبل أن أُكَفِّرَ. فقال: ((ما حملك على ذلك يرحمك الله؟)) قال: رأيت خَلْخَالها في ضوء القمر، قال: ((فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله))، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن، اهـ. قال الباجي(١): لا يجوز له الوطء في أثناء إطعامه، ومن شرط إطعامه تقديمه على وطء المظاهر منها خلافاً للشافعي، وسواء وطئ ناسياً أو عامداً، فإنه يبطل ما تقدم من إطعامه، ويجب عليه ابتداء إطعام آخر، اهـ. قال الموفق: لو وطئ في أثناء الإطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. وقال مالك: يستأنف، اهـ. وعُلِمَ من ذلك كله أن ههنا مسألتين: إحداهما: حرمة الوطء قبل التكفير ولا خلاف في ذلك بين الأئمة، ومن حكى فيه خلاف الإمام الشافعي فقد وهم، ففي ((شرح الإقناع))(٢) من فروع الشافعية: لا يحل وطؤها حتى يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية، ويقدر من قبل أن يتماسا في الإطعام حملاً للمطلق على المقيد، اهـ. والثانية: استئناف الإطعام. وفيه خلاف للإمام مالك، وفي ((الهداية)): إن قرب التي ظاهر منها في خلال الإطعام لم يستأنف، انتھی . والثاني: ما قال الموفق(٣): أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم (١) ((المنتقى)) (٤٦/٤). (٢) (٢٦/٤). (٣) ((المغني)) (٩٢/١١). ١١٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام، أن فرضه إطعام ستين مسكيناً على ما أمره الله عز وجل، وجاء في سنة نبيه سواء عجز عن الصيام لكبر أو مرض يخاف بالصوم تباطؤه أو الزيادة فيه، أو الشبق، فلا يصبر فيه عن الجماع، فإن أوس بن الصامت لما أمره رسول الله وَ له بالصيام قالت امرأته: يا رسول الله إنه شيخ كبير، ما به من صيام، قال: ((فليطعم ستين مسكيناً)) (١)، ولما أمر سلمة بن صخر بالصيام قال: هل أصبتُ الذي أصبتُ إلا من الصيام؟ قال: فأطعِمْ، فنقله إلى الإطعام لما أخبره أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام. والواجب في الإطعام إطعام ستين مسكيناً لا يجزئه أقل من ذلك، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لو أطعم مسكيناً واحداً في ستين يوماً أجزأه، وحكاه القاضي أبو الحسين رواية عن أحمد، انتهى. قال الزرقاني: ولا خلاف عند المالكية أن هذا العدد معتبر، فلا يجزئه ما دونه، ولو دفع إليهم مقدار إطعام الستين، وقاله الشافعي، انتهى. والثالث: ما قال الزرقاني(٢): إن مقدار الطعام لكل مسكين مُدٌّ وثُلْثُان بمده ◌َّ، انتهى. وهكذا قال الدردير، قال الدسوقي: فمجموعها، مائة مدِّ بمدِّه وَ ◌ّر، وذلك خمسة وعشرون صاعاً؛ لأن الصاع أربعة أمداد، انتهى. وبسط الباجي(٣) اختلاف أقوال المالكية في ذلك، وجزم أيضاً أن مُدَّ هشام مدان بمد النبي ◌ّ، وقال: المستحب أن يزاد في كفارة الظهار ويبلغ المدين، فقد روى عيسى بن دينار عن ابن القاسم في ((المدينة))، أما الظهار فمُدَّ بمُدِّ (١) ((سنن أبي داود)) (٥١٣/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٨/٣). (٣) انظر: ((المنتقى)) (٤٥/٤). ١١٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث هشام أو مدان بمد النبي ◌ّ﴾، انتهى. وهو موافق لما تقدم في ((الموطأ)) في أبواب صدقة الفطر من قول الإمام مالك - رضي الله عنه -: إن الكفارات كلها بالمد الأصغر مد النبي * إلا الظهار، فإن الكفارة فيه بالمد الأعظم مد هشام، انتھی. قال الدردير(١): لكل منهم مدٌّ وثلثان من بر إن اقتاتوه، وإن اقتاتوا تمراً أو مخرجاً في الفطرة من شعير أو سلت أو غيرهما، فعدله شبعاً لا كيلاً خلافاً للباجي، قال عياض: معنى عدله شبعاً أن يقال: إذا شبع الرجل من مد حنطة كم يشبعه غيرها، فيقال: كذا، فيخرج سواء زاد عن مد هشام أو نقص، انتھی . وقال الموفق: إن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين أو نصف صاع من تمر أو شعير. وممن قال مدُّبرٍ زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر حكاه عنهم الإمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مداً من حنطة بالمد الأصغر مد النبي وَلّ، وقال أبو هريرة: يطعم مداً من أي الأنواع كان. وبهذا قال عطاء والأوزاعي والشافعي. وقال مالك: مدان من جميع الأنواع، وممن قال: مدان من قمح مجاهدٌ وعكرمة والشعبي والنخعي، وقال الثوري وأصحاب الرأي: من القمح مدان، ومن التمر والشعير صاعٌ لكل مسكين، لقول النبي ( 18 في حديث سلمة بن صخر: ((فأطعم وسقاً من تمر))، رواه الإمام أحمد في ((المسند)) وأبو داود (٢) وغيرهما، انتهى. (١) ((الشرح الكبير)) (٤٥٤/٢). (٢) أخرجه أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (١١٩٨)، وابن ماجه (٢٠٦٢). ١١٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث والرابع: ما قال الموفق(١): إن الواجب تمليك كل إنسان من المساكين القدرَ الواجبَ له من الكفارة، ولو غَدَّى المساكين أو عَشَّاهم لم يجزئه، سواء فعل ذلك بالقدر الواجب أو أقل أو أكثر، ولو غَدَّى كل واحد بمُدٍّ لم يجزه إلا أن يُمَلِّكَه إياه، وهذا مذهب الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يجزئه إذا أطعمهم بالقدر الواجب، وهو قول النخعي وأبي حنيفة، انتهى. وقال الإمام مالك: لا أحب في كفارة الظهار الغداء والعشاء؛ لأني لا أظنه يبلغ مداً بالهشامي. قال الدردير(٢): معنى لا أحبُّ: لا يجزئ، ويدل عليه قوله: لأني لا أظنه يبلغ مداً بالهشامي، فأخذ منه أنه لو تحقق بلوغه أجزأه، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): فإن غَدَّاهم وعَشَّاهم جاز، قليلاً كان ما أكلوا أو كثيراً، وقال الشافعي: لا يجزئ إلا التمليك اعتباراً بالزكاة وصدقة الفطر، وهذا لأن التمليك أدفع للحاجة فلا ينوب منابه الإباحة، ولنا، أن المنصوص عليه هو الإطعام، وهو حقيقة في التمكين من الطعم وفي الإباحة ذلك كما في التمليك، أما الواجب في الزكاة الإيتاء، وفي صدقة الفطر الأداء وهما للتمليك حقیقة، انتهى. والخامس: ما قال الباجي(٤): إن الذي يجزئه منه في الجنس على حسب ما تقدم في کفارة الیمین، انتهى. قلت: وتقدم في كفارة اليمين أن أنواع الأطعمة هي ما يخرج في زكاة (١) ((المغني)) (١١/ ٩٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٤٥٤/٢). (٣) (٢٦٨/١). (٤) ((المنتقى)) (٤٥/٤). ١١٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَتَظَاهَرُ مِنِ امْرْأَتِهِ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ. قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. الفطر، وهي الأنواع التسعة، وتقدم في الفطرة أن العبرة عند المالكية لغالب قوت البلد. وبه جزم الدردير في الظهار أيضاً إذ قال: مد وثلثان براً إن اقتاتوه، وإن اقتاتوا تمراً أو مخرجاً في الفطرة من شعير أوسلت أو أرز أو دخن أو ذرة فعدله شبعاً لا کیلاً، انتهى. وقال الموفق(١): إن المُجزئ في الإطعام ما يُجْزئ في الفطرة وهو البر والشعير والتمر والزبيب سواء كانت قوته أو لم تكن، وما عداها، فقال القاضي: لا يُجزئ إخراجها سواء كان قوت بلده أو لم يكن؛ لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف على ما جاء في الأحاديث، وقال أبو الخطاب: عندي يجزئُ الإخراج من جميع الحبوب التي هي قُوتُ بلده كالذرة والدُّخْنِ، وهذا مذهب الشافعي. ولا تُجزئ القيمة في الكفارة نقلها الميموني والأثرم وهو مذهب الشافعي، وخَرَّجَ بعضُ أصحابنا عن كلام أحمد روايةً أخرى، أنه يجزئ، وهو ما روى الأثرم أن رجلاً سأل أحمد قال: أعطيتُ في كفارة خمسة دوانيق؟ فقال: لو استَشَرْتَنِي قبل أن تُعْطِي لم أُشِرْ عليك، وهذا ليس برواية، وإنما سكت عن الذي أعطى؛ لأنه مختلف فيه فلم ير التضييق عليه فيه، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): يطعم كل مسكين نصف صاع براً وصاعاً من تمر أو شعير؛ لأن المعتبر دفع حاجة اليوم لكل مسكين، فيعتبر بصدقة الفطر، وقوله: قيمة ذلك مذهبنا، انتهى. (قال مالك في الرجل يتظاهر من امرأته في مجالس متفرقة قال: ليس عليه إلا كفارة واحدة) قال الباجي (٣): وهذا على إطلاق النية دون تقييدها بالتكرار، (١) ((المغني)) (٩٩/١١). (٢) (٢٦٨/١). (٣) ((المنتقى)) (٤٦/٤). ١١٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث مثل أن يقول لها: أنتِ عليّ كظهر أمي، ثم يقول لها مثل ذلك في ذلك المجلس أو مجلس آخر، ونَوى تأكيد القول الأول، وتكراره، أو لم ينو شيئاً، فليس عليه إلا كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة تكررت في شيء واحد، فكان إطلاقها يقتضي التأكيد، ولو نوى بالقول الثاني كفارة ثانية، ففي ((كتاب ابن المواز)): تلزمه كفارة ثانية، وهذا كله ما لم تلزمه الكفارة الأولى بالوطء، فإن وطئ ثم ظاهر منها مرة أخرى، ففي ((مختصر ابن عبد الحكم)): عليه كفارة ثانية، ووجه ذلك أنه لما وقع الحنث بالوطء ولزمته الكفارة كان ظهاره بعد ذلك ظهاراً مبتدأ له حکمه، انتهى. وقال الموفق(١): إذا ظاهر من زوجته مراراً. فلم يكفر فكفارة واحدة، هذا ظاهر المذهب، سواء كان في مجلس أو مجالس، ينوي بذلك التأكيد أو الإستئناف أو أطلق، نقله عن أحمد جماعة واختاره أبو بكر وابن حامد، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -. وبه قال عطاء وجابر بن زيد وطاووس والشعبي والزهري ومالك وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وهو قول الشافعي القديم، ونقل عن أحمد فيمن حلف أيماناً كثيرة، فإن أراد تأكيد اليمين، فكفارة واحدة، فمفهومه إن نوى الاستئناف فكفارتان. وبه قال الثوري والشافعي في الجديد، وقال أصحاب الرأي: إن كان في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات. وروي عن علي وعمرو بن دينار وقتادة، انتهى. وفي ((رد المحتار))(٢) عن ((فتح القدير)): لو كرر الظهار من امرأة في مجلس أو مجالس تتكرر الكفارة بتعدده، إلا إن نوى بما بعد الأول تأكيداً، فيصدق قضاء فيهما، لا كما قيل في المجلس لا المجالس، انتهى. قال في (١) ((المغني)) (١١٤/١١). (٢) (٥١٨/٣). ١١٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث فَإِنْ تَظَاهَرَ ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ تَظَاهَرَ بَعْدَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضاً. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَيَكُفُّ عَنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ. وَيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. ((البحر)): وفي بعض الكتب فرق بين المجلس والمجالس، والمعتمد الأول، انتھی . (فإن تظاهر) أحد (ثم كفر، ثم تظاهر بعد أن يكفر) أي بعد الكفارة (فعليه الكفارة) الأخرى (أيضاً) مستقلة؛ لأنه إذا ظاهر بعد أن أتم الكفارة، فلا بد لذلك الظهار من كفارة؛ لأن الكفارة الأولى ليست بكفارة عما يأتي بعدها من الأيمان، وهذا إجماع، قال الموفق: فأما إن كَفَّر عن الأولى ثم ظاهر لزمته للثاني کفارة بلا خلاف، انتهى. (قال مالك: من تظاهر من امرأته ثم مَسَّها قبل أن يكفر أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة) وهي كفارة الظهار، وليس عليه لأجل المس كفارة أخرى، وفعله ذاك حرام؛ لقوله عز اسمه: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَا﴾ لكن مع الحرمة لا تتعدد الكفارة (ويكف عنها) بعد ذلك (حتى يكفر) ولا يتوهم أنه إذا وقع مرة قبل التكفير يباح له الوقاع إذ ذاك متى شاء؛ لأنه وَ ل* قال لرجل ظاهر من امرأته وواقعها: لا تقربها حتى تكفر، رواه أبو داود وغيره(١) (ويستغفر الله) عز وجل، أي ليتب عن فعله ذاك لكونه حراماً . (قال مالك: وذلك) أي وجوب الكفارة الواحدة لا غير (أحسن ما سمعت) في ذلك، وعلم منه أنه - رضي الله عنه - سمع في ذلك أقوالاً مختلفة، قال الموفق (٢): المظاهر يحرم عليه وطء زوجته قبل التكفير؛ لقوله عز (١) أخرجه أبو داود (٢٢٢١)، والترمذي (١١٩٩)، والنسائي (٣٤٥٨)، وابن ماجه (٢٠٦٥). (٢) («المغني)) (١١٠/١١). ١١٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث اسمه في العتق والصيام: ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآْسَأَ﴾(١) فإن وطئ عصى ربه لمخالفة أمره. وتستقر الكفارة في ذمتّه، فلا تسقط بعد ذلك بموت ولا طلاق ولا غيره، وتحريم زوجته عليه باقٍ بحاله حتى يكفر، هذا قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن سعيد بن المسيّب وجابر بن زيد وأبي مِجْلَز والنخعي وعبد الله بن أُذَيْنَةَ ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور. وروى الخلّال عن الصّلت بن دينار، قال: سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر؟ قالوا: ليس عليه إلا كفارة واحدة، الحسن وابن سيرين وبكر المزني ومُوَرّقُ العجلي وعطاء وطاووس ومجاهد وعكرمة وقتادة، قال وكيع: وأظن العاشر نافعاً. وحُكِيَ عن عمرو بن العاص أن عليه كفارتين، وروي ذلك عن قبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة، لأن الوطء يوجب كفارة، والظهار موجبٌ لأخرى، وقال أبو حنيفة: لا تثبت الكفارة في ذمته، وإنما هي شرط للإباحة، كما كانت قبله، وحُكِيَ عن بعض الناس أن الكفارة تسقط؛ لأنه فات وقتها، انتھی. وفي ((الهداية)): إن وطئها قبل أن يُكفر استغفر الله ولا شيء عليه غير الكفارة الأولى، ولا يعود حتى يُكَفِّرَ؛ لقوله ◌َ ◌ّ للذي واقع في ظهاره قبل الكفارة: ((استغفر الله ولا تَعُدْ حتى تكفر)) ولو كان شيء آخر واجباً لنَبَّه عليه، قال ابن الهمام(٢): لأنه مقامُ البيان، فعُلِم أنه تمام الحكم الحادثة، فلا تجب كفارتان، كما نقل عن عمرو بن العاص وقبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة، ولا ثلاث كفارات، كما روي عن الحسن البصري والنخعي، انتهى. (١) سورة المجادلة: الآيتان ٣، ٤. (٢) ((فتح القدير)) (٨٨/٤). ١١٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالظُّهَارُ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالنَّسَبِ، سَوَاءٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ظِهَارٌ. (قال مالك: والظهار من ذوات المحارم من الرضاعة والنسب سواء) لأنه تشبيه من تحلّ بمن تحرم، فهو شامل لمن حرمت بالرضاعة، قال الباجي(١): ولم يذكر تحريم المصاهرة لأم زوجته وزوجة أبيه، ويجب أن يكون حكمهن حكم من ظاهر؛ لأنهن ممن حرم عليه على التأبيد، انتهى. وفي ((المحلى)): فلو قال: أنت عليَّ كظهر أختي من الرضاع، أو عمتي من النسب، أو أم امرأتي فهو مظاهر. وهو مذهب أبي حنيفة، وعن الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري نحوه، وقال الشافعي: لا يكون الظهار إلا بالأم وحدها، وهو قول قتادة والشعبي، وعن الشعبي: لم ينس الله أن يذكر البنات والأخوات والعمات والخالات إذا أخبر أن الظهار إنما يكون بالأمهات، انتهى. وتقدم في أول الباب من كلام الموفق أن ذلك قول الشافعي القديم: والجدة في هذا القول بمنزلة الأم، وأما قوله الجديد، فهو موافق للجمهور في أن الظهار يكون بمن يحرم على التأبيد، انتهى. (قال مالك: وليس على النساء ظهار) فلو قالت المرأة للرجل: أنت علي كظهر أمي ونحوه لغا، وهو قول سائر أهل العلم، كذا في ((المحلى))، وقال ابن رشد(٢): عن العلماء في ذلك ثلاثة أقوال: أشهرها: أنه لا يكون منها ظهار، وهو قول مالك والشافعي، والثاني: أن عليها كفارة يمين، والثالث: عليها كفارة الظهار، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٤٨/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (١٠٩/٢). ١٢٠