النص المفهرس

صفحات 41-60

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٦) حديث
والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسلمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن
جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلق سواهم.
الرابع عشر: أنه يمين مغلّظة يتعين بها عتق رقبة، قال ابن القيم: صح
أيضاً عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين.
الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إنها إن كانت غير مدخول بها، فهو ما نواه
من الواحدة فما فوقها، وإن كانت مدخولاً بها فهو ثلاث، وإن نوى أقل منها
وهو إحدى الروايتين عن مالك، ورواه في ((نهاية المجتهد)) عن علي وزيد بن
ثابت، اهـ.
واختلفت الروايات عن الأئمة أيضاً في ذلك والمرجح عندهم، كما في
فروعهم، هكذا قال الموفق(١): إذا قال لزوجته: أنت علي حرامٌ، وأطلق فهو
ظهار، وأما إن نوى غير الظهار فالمنصوص عن أحمد في رواية جماعة أنه
ظهار، نوى الطلاق أو لم ينوه.
وفي ((الروض المربع))(٢): إن قال لزوجته: أنت علي حرام، أو كظهر
أمي، فهو ظهار وإن نوى به الطلاق، وعدّ في ((شرح الإقناع)) من ألفاظ
الكنايات أنت حرام، قال البجيرمي (٣): وكذا علي الحرام فكناية إن قصد به
الطلاق وقع وإلا فلا، ومع عدم النية يلزمه كفارة يمين اهـ.
وعده صاحب ((الهداية)) في الكنايات التي إذا نوى بها الطلاق كانت
واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثاً كانت ثلاثاً، ثم قال في الإيلاء: إذا قال لامرأته:
أنتِ علي حرام، سئل عن نيته، فإن قال: أردت الكذب فهو كما قال؛ لأنه
(١) ((المغني)) (٣٩٦/١٠).
(٢) (١٥٣/٣).
(٣) (٤٩٥/٣).
٤١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٧) حديث
٧/١١٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
كَانَ يَقُولُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ: إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ. كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهما .
نوى حقيقة كلامه، وقيل: لا يُصَدَّق في القضاء؛ لأنه يمين ظاهراً، وإن قال:
أردت الطلاق فهي تطليقة بائنة إلا أن ينوي الثلاث، وإن قال: أردت الظهار
فهو ظهار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: ليس بظهار، وإن قال:
أردت التحريم أو لم أرد به شيئاً فهو يمين يصير به مولياً، اهـ.
وقال الباجي(١) بعد أثر علي - رضي الله عنه -: وهذا الذي ذهب إليه
مالك: إنها في المدخول بها ثلاث نوى واحدة أو ثلاثاً، وإن زعم أنه لم ينو
طلاقاً لم يصدق، وأما غير المدخول بها فإن مالكاً ينويه. وقوله: أردت واحدة
ويحمله على الثلاث إذا لم ينو عدداً، وحكى الزرقاني عن ((المدونة)) هي ثلاث
في المدخول بها ولا ينوي، وله نيته في التي لم يدخل بها .
وفي ((المحلى)): قال عياض: المشهور عن مالك أنه يقع به ثلاث سواء
كانت مدخولة بها أو لا، لكن لو نوى أقل من ثلاث قبل في غير المدخول بها
خاصة.
والثاني: أنه يقع به ثلاث، ولا تقبل نيته في المدخول بها ولا غيرها،
قاله ابن أبي ليلى وعبد الملك الماجشون المالكي.
والثالث: أنه يقع على المدخول بها ثلاثاً، وعلى غير المدخول بها
واحدة، قاله أبو مصعب وابن عبد الحكم المالكيان، وروي عن مالك أنه يقع
به واحدة بائنة. وعن عبد العزيز بن أبي سلمة المالكي طلقه رجعية، اهـ. وعدّه
الدردير (٢) في ألفاظ تجب بها الثلاث إلا أن ينوي أقل في غير المدخول بها .
٧/١١٢٧ - (مالك عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يقول في الخلية والبرية: إنها ثلاث تطليقات، كل واحدة منهما) أي من اللفظين
(١) ((المنتقى)) (٩/٤).
(٢) انظر: ((الشرح الكبير)) (٣٧٩/٢).
٤٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٨) حديث
٨/١١٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّ رَجُلاً كَانَتْ تَحْتَهُ وَلِيدَةٌ لِقَوْمٍ. فَقَالَ لِأَهْلِهَا:
شَأْنَكُمْ بِهَا. فَرَأَى النَّاسُ أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ.
المذكورتين، قال الباجي(١): هذا هو المشهور من مذهب مالك، وبه قال علي بن
أبي طالب وعائشة وابن عمر وزيد بن ثابت، ولم ينوه مالك في المدخول بها. وقد
روى أبو الفرج عن أشهب عن مالك في الخلية والبرية أنه ينوي في المدخول بها ،
وقال الشافعي: هي ما نوى أقل من ثلاثة فهي رجعية، وهو نحو رواية أشهب، وقال
أبو حنيفة في الخلية والبرية: إذا أراد طلاقاً فواحدة بائن، اهـ.
وقال الدردير: يلزم الثلاث إلا أن ينوي أقل في غير المدخول بها،
وتقدم في أول الباب من كلام الموفق، وقد عدّهما في الكناية الظاهرة أن
لأحمد فيها روايتين، إحداهما: أنها ثلاث، والثانية: يرجع إلى ما نواه، وهو
مذهب الشافعي، فإن لم ينو شيئاً وقعت واحدة رجعية، وفي ((الروض
المربع))(٢) عدهما في الكناية الظاهرة، وأنه يقع بها ثلاث وإن نوى واحدة.
٨/١١٢٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد؛ أن رجلاً
كانت تحته وليدة) أي أمة (لقوم فقال) الزوج المذكور (لأهلها) أي مواليها
(شأنكم) بالنصب (بها) أي خذوها (فرأى الناس أنها تطليقة واحدة) وفي
((المحلى)): هو قول الأئمة، ويقع بها رجعي عند مالك والشافعي، وبائن عند
أبي حنيفة، اهـ.
قال الزرقاني(٣): لأنها كناية خفية، فإذا أراد الطلاق وقع واحدة إلا لنية
أكثر، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١١/٤).
(٢) (١٥١/٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٦٩/٣).
٤٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٨) حديث
قال الخرقي(١): إذا وهب زوجته لأهلها، فإن قبلوها فواحدة يملك
الرجعة إن كانت مدخولاً بها، وإن لم يقبلوها فلا شيء، قال الموفق: هذا
المنصوص عن أحمد في هذه المسألة، وبه قال ابن مسعود، وعطاء،
ومسروق، والزهري، ومكحول، ومالك، وإسحاق، وروي عن علي - رضي الله
عنه - والنخعي إن قبلوها فواحدة بائنة، وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية، وعن
زيد بن ثابت والحسن إن قبلوها فثلاث، وإن لم يقبلوها فواحدة رجعية، وروي
عن أحمد مثل ذلك.
وقال ربيعة، ويحيى بن سعيد، وأبو الزناد، ومالك: هي ثلاث في كل
حال قبلوها أو ردُّوها، وقال أبو حنيفة فيها كقوله في الكناية الظاهرة، قبلوها
أو ردُوها، وكذلك قال الشافعي. واختلفا هاهنا بناءً على اختلافهما، اهـ.
يعني أن الواقع ثلاث إن نواها وإلا فما نوى عند الشافعي، وهي رجعي،
وواحدة بائنة عند أبي حنيفة.
قال الباجي(٢): قوله: شأنكم بها، يريد أنه قال ذلك على وجه
المغاضبة، أو طلب الطلاق منه، أو ما يقتضي أن يفهم منه الطلاق، وأما لو
تقدمت قبل ذلك رغبتهم إليه في أن تبيت عندهم أو تسافر معهم، فقال لهم:
شأنكم بها، وقال: لم أرد بذلك إلا إباحة ما سألتموني لم يكن عليه شيء،
قال أشهب: وأما إذا قال ذلك على ما قدمناه، وقال: لم أرد طلاقاً لم يُقْبل
منه؛ لأن هذا من الألفاظ التي جرت العادة باستعمالها في الطلاق، فإذا وقع
على وجهٍ يفهم منه ذلك حُمِل عليه.
ثم إن قال: نويت الطلاق، فقد روى ابن القاسم عن مالك أنها واحدة،
(١) («المغني)) (٣٧٩/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (١٣/٤).
٤٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٩) حديث
٩/١١٢٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابِ يَقُولُ،
فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِاِمْرَأَتِهِ: بَرِثْتِ مِنِّي وَبَرِثْتُ مِنْكِ: إِنَّهَا ثَلَاثُ
تَطْلِيقَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الْبَتَّةِ.
إلا أن يريد أكثر من ذلك في غير المدخول بها، فإنها ثلاث ولا نية له، كما لو
قال: وهبتكم إياها، وقال ابن حبيب: إنه حمل حديث القاسم على غير
المدخول بها. ولذلك رأى أهل العلم أنها تطليقة، وفي ((المدنية)): أن مالكاً
قال: لا يُعجبني ذلك يريد حديث القاسم. قال مالك: وأراها للتي قد دخل
بها، وإن لم يدخل بها فهو بَيِّنٌ، أنه ليست إلا واحدة، إذا لم تكن له نية.
وقال ابن حبيب وأصبغ: هي ثلاث بنى بها أو لم يبن بها، إلا أن ينوي
واحدة كالموهوبة. ورواه أشهب وابن وهب عن مالك، وفَرَّق أشهبُ بين أن
يقول لأهلها: شأنكم بها، وبين أن يقول لها: شأنك بأهلك، فلا ينوي في
الأول، وينوي في الثاني، وروى عيسى عن ابن القاسم أن ذلك سواء، ينوي
في التي لم يبن بها، ولا ينوي في المدخول بها، اهـ.
٩/١١٢٩ - (مالك أنه سمع ابن شهاب) الزهري (يقول في الرجل يقول
لامرأته: برئتِ) بكسر التاء (مني وبرئتُ) بضمها (منك: إنها ثلاث تطليقات
بمنزلة البتة) فيه أن البتة أيضاً ثلاث تطليقات عند الزهري، وتقدم في أول
الباب أن في البتة روايتين لأحمد؛ إحداهما: أنها ثلاث، وهو مختار الفروع،
وهو مذهب المالكية، ولا ينوي في المدخول بها ولا غيرها، والثانية لأحمد:
ما نوى، وهو مذهب الشافعي، فإن نوى أقل من الثلاث فهو رجعيٌّ، ومذهب
الحنفية أنه إن نوى ثلاثاً فذاك، وإن نوى أقل منها فهو واحدة بائنة.
قال الباجي(١): فيه مسألتان؛ إحداهما: أن لفظ البراءة يقتضي الثلاث؛
لأنه به تقع براءتهما من الزوجية وقد تقدم ذكره، اهـ. والمراد به ما تقدم في
(١) ((المنتقى)) (١٤/٤).
٤٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٩) حديث
البريّة من أن معنى البرية هي التي برئت من عصمة الزوج؛ لأن كلام الزوج
راجع إلى ذلك؛ لأنه لم يطلبها بدين، فيرجع قوله إليه، اهـ.
وعَدّ الدردير(١) ((أنا منك بريءٌ)) في الألفاظ التي يلزم بها الثلاث إلا أن
ينوي أقل في غير المدخول بها، اهـ. وفي ((البحر)) عن ((البزازية)) في ((أنا بريء
منك)) لا يقع وإن نوى. ولو قال: أبرأتك عن الزوجية، يقع بلا نية، اهـ.
المسألة الثانية: ما قال الباجي: إن إضافة الطلاق إلى الزوج أو الزوجة
سواء، فإذا قال: برئت مني أو برئت منك فهو سواء، وكذلك لو قال: أنت
مني بائن. أو أنت حرام، وأنا عليك حرام، وكذلك لو قال لها: أنا منك
طالق، أو أنت طالق سواء أضاف الطلاق إلى الزوج أو الزوجة، وقال أبو
حنيفة: إن إضافة الطلاق إلى الزوج بلفظ الطلاق لا يقع به الطلاق، والدليل
على ما نقوله أنها جهة، لو أضاف إليها الطلاق بلفظ البينونة ثبت حكمه كجهة
الزوجية، اهـ.
وقال السرخسي في ((المبسوط))(٢): لو قال: أنا منك طالق، فليس هذا
بشيء، وإن نوى الطلاق عندنا، وقال الشافعي: يقع به الطلاق إذا نوى الوقوع
عليها؛ لأنه لو قال: أنا منك بائن أو أنا عليك حرام؛ ونوى به وقوع الطلاق
يقع، ولفظ الصريح أقوى من لفظ الكناية، وهذا، لأن ملك النكاح مشترك بين
الزوجين حتى سميا متناكحين، ويبتدئ في النكاح بذكر كل واحد منهما،
وينتهي النكاح بموت كل واحد منهما، حتى يرث كل واحد منهما، من
صاحبه، فيصح إضافة الطلاق إلى كل واحد منهما، إلا أن إضافة الطلاق إلى
الزوج غير متعارف، فيحتاج فيه إلى النية، ومحل وقوع الطلاق المرأة، فلا بد
من نية الوقوع عليها، كما في ألفاظ الكنايات.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٧٩/٢).
(٢) ((المبسوط)) السرخسي (٧٨/٦).
٤٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٩) حديث
وحجتنا في ذلك ما روي أن امرأة قالت لزوجها: لو كان إلي ما إليك
لرأيت ماذا أصنع؟ فقال: جعلت إليكِ ما إلي، فقالت: طلقتك، فرفع ذلك إلى
ابن عباس - رضي الله عنهما -، فقال: فَضَّ اللَّهُ فاها. هلّا قالت: طلقت
نفسي منك، وفي الكتاب عِلَلٌ، فقال: لأن الزوج لا يكون طالقاً من امرأته،
ومعنى الطلاق هو الإطلاق والإرسال، وقيد المِلْك في جانبها، لا في جانبه،
ألا ترى أنها لا تتزوج بغيره، والزوج يتزوج بغيرها، فلا يتحقق الإرسال في
جانبه، ولذا يكون الوقوع عليها لا عليه، وبه فارق البينونة والحرمة؛ لأن
البينونة قطع الوصلة، والوصلة مشتركة بينهما، ألا ترى أنه يقال: بانت عنك
وبان عنها، وكذلك لفظ الحرمة، يقال: حرم عليها وحرمت عليه، والذي
يقول: الملك مشترك، كلام لا معنى له، بل الملك للزوج عليها خاصة، حتى
يتزوج المسلم الكتابية، إلى آخر ما بسطه.
والمسألة خلافية عند الأئمة، قال الموفق(١): إن قال: أنا منك طالق،
أو جعل أمر امرأته بيدها، فقالت: أنت طالق لم تطلق زوجته، نص عليه أحمد
في رواية الأثرم، وهو قول ابن عباس والثوري وأبي عبيد وأصحاب الرأي
وابن المنذر، وروي ذلك عن عثمان، وقال مالك والشافعي: تطلق إذا نوى به
الطلاق، وروي نحو ذلك عن عمر - رضي الله عنه - وابن مسعود - رضي الله
عنه - وعطاء والنخعي والقاسم وإسحاق؛ لأن الطلاق إزالة النكاح وهو مشترك
بينهما، ولا خلاف في أنه لا يقع به الطلاق من غير نية.
ولنا، أنه محل لا يقع الطلاق بإضافته إليه من غير نية، فلم يقع وإن نوى
كالأجنبي، ولأنه لو قال: أنا طالق، ولم يقل: منك، لم يقع، ولو كان محلاً
للطلاق لوقع بذلك كالمرأة، ولأن الرجل مالك في النكاح، والمرأة مملوكة،
فلم يقع إزالة الملك بإضافة الإزالة إلى المالك كالعتق.
(١) («المغني)) (٣٧١/١٠).
٤٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٩) حديث
ويدل على هذا أن الرجل لا يُوصف بأنه مُطَلَّقٌ بخلاف المرأة، وجاء
رجل إلى ابن عباس فقال: ملّكت امرأتي أمرها، فطلقتني ثلاثاً، فقال: خَطَّأَ (١)
الله نَوْءَها، إن الطلاقَ لك وليس لها عليك، رواه أبو عبيد (٢) والأثرم، واحتج
به أحمد .
وإن قال: أنا منك بائن أو بريء توقف فيه أحمد، قال أبو عبد الله بن
حامد: يتخرج على وجهين: أحدهما، لا يقع، لأن الرجل محل لا يقع
الطلاق بإضافة صريحه إليه، فلم يقع بإضافة كنايته إليه كالأجنبي. والثاني،
يقع؛ لأن لفظ البينونة والبراءة يوصف بهما كل واحد من الزوجين، يقال: بان
منها، وبانت منه، وبرئ منها، وبرئت منه، وكذلك لفظ الفرقة يضاف إليهما،
قال تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا﴾ الآية، اهـ.
وقال البيهقي(٣): روي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل جعل أمر امرأته
بيديها، فقالت: أنت طالق ثلاثاً، فقال ابن عباس: خطأ الله نَوْءَها. أَلَّا طَلَّقْتَ
نفسها ثلاثاً، ثم أخرج بسنده إلى الأعمش، وعن حبيب بن أبي ثابت عن ابن
عباس فذكره، ثم قال: ورواه الحسن بن عمارة عن الحكم، وحبيب عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس أتمّ من ذلك، والحسن متروٌ، ثم أخرج بهذا
السند، أن امرأة قالت لزوجها: لو أن ما تملك من أمري كان بيدي لعلمت
كيف أصنع، قال: فإن ما أملك من أمرك بيدك، قالت: قد طلقتك ثلاثاً، فقيل
ذلك لابن عباس، فقال: خطأ الله نوءها، فهلا طلقت نفسها، إنما الطلاق
علیها وليس عليه.
(١) أي: أخطأها المطر، دعاء عليها، انظر: ((غريب الحديث))، لأبي عبيد (٢١١/٤).
(٢) ((غريب الحديث)) (٢١٠/٤، ٢١١).
(٣) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٣٤٩/٧، ٣٥٠).
٤٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ
بَائِنَةٌ: إِنَّها ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي قَدْ دَخَلَ بِهَا. وَيُدَيَّنُ فِي الَّتِي
لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. أَوَاحِدَةً أَرَادَ أَمْ ثَلَاثاً. فَإِنْ قَالَ وَاحِدَةً أُحْلِفَ عَلَى
ذُلِكَ. وَكَانَ خَاطِباً مِنَ الْخُطَّابِ.
(قال مالك في الرجل يقول لامرأته: أنتِ خَلِيَةٌ أو بَرِيَّةٌ أو بائنة) أي قال
واحداً من هذه الألفاظ الثلاث (إنها ثلاث تطليقات للمرأة التي قد دخل بها)
كما تقدم قريباً في أثر ابن عمر - رضي الله عنه - في الخلية والبريّة، وفي
حكمها البائن ولا يدين في ذلك، وهو المرجح من روايتي أحمد، وروايته
الأخرى وهو مذهب الشافعي: له ما نوى، فإن نوى أقل من الثلاث فهو
رجعيٌّ، فيصحّ له الرجوع، وأما عند الحنفية فإن نوى ثلاثة فذاك، وإلا فهو
واحدة بائنة، فلا يصح الرجوع، وله تجديد نكاحها برضاها.
(ويُدَيَّنْ) ببناء المجهول من التديين، قال صاحب ((المختار)): دَيَّنَه تدييناً
وَكَّلَه إلى دينه، اهـ. أي يُؤَثَّلُ إلى دِينه ويُصَدَّقُ دِيانة فيما بينه وبين الله (في التي
لم يدخل بها) فيسأل عنه (أواحدةً أراد) بقوله (أم ثلاثاً، فإن قال) أردت (واحدة
حُلْفَ) ببناء المجهول من التحليف، وفي بعض النسخ من الإفعال (على ذلك)
أي على إرادته واحدة (وكان خاطباً من الخُطَّاب) يعني إن أراد تجديد النكاح
فله ذلك؛ لأنه لم ينوِ ثلاثاً فلم يُغَلِّطْ، لكنها صارت بائنة فلا يصحّ الرجوعُ،
وبذلك قالت الأئمة الأربعة؛ لأن غير المدخول بها تبين بالواحدة.
قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أن غير المدخول بها تبين بطلقة
واحدة، ولا يستحق مُطَلِّقها رجعتها؛ لأن الرجعة إنما تكون في العدة، ولا
عدة قبل الدخول، اهـ.
ثم بَيَّن الإمام مالك - رضي الله عنه - وجه الفرق في أن هذه الألفاظ
(١) («المغني)) (١٠/ ٥٤٧).
٤٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
لِأَنَّهُ لَا يُخْلِي الْمَرْأَةَ الَّتِ قَدْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَلَا يُبِينُهَا وَلَا يُبْرِثُهَا
إِلَّا ثَلاثُ تَظْلِيقَاتٍ. وَالَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، تُخْلِيهَا وَتُبْرِثُهَا وَتُبِينُهَا
الْوَاحِدَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ.
(٣) باب ما يبين من التمليك
ثلاث في المدخول بها ولا يُدَيَّنُ، ويُدَيَّنُ في غير المدخول بها. فقال: (لأنه)
الضمير للشأن (لا يُخْلِي) بضم التحتانية وسكون الخاء وكسر اللام (المرأة)
مفعول (التي قد دخل بها زوجُها) صفة المرأة وزوجها فاعل دخل (ولا يُبينها ولا
يُبرئها) بضم أولها الثلاثة مضارع من الإخلاء والإبانة والإبراء (إلا ثلاث
تطليقات) فلا يتحقق معنى هذه الألفاظ الثلاثة في المدخول بها إلا بثلاث
تطليقات.
(والتي لم يدخل بها) زوجها (تُخليها وتُبرئها وتُبينها) بالمضارع كالأول
(الواحدة) فاعل للكل، والمعنى أن هذه الألفاظ تدل على قطع الوصلة
والعصمة بينهما، وقطع العصمة لا يتفق في المدخول بها إلا بالثلاث؛ لأن
قبلها يقدر الزوج على رجعتها متى شاء، فهي باقية في عصمتها، فلم تَخْلُ
عنه، ولم تَبِنْ ولم تُبْرَأ منه، وغير المدخول بها تبين بواحدة، فإن ادعى ذلك
وحلف عليه يُصَدَّقُ قوله؛ لأن اللفظ يحتملها لتحقق البينونة حينئذ أيضاً.
(قال مالك: وهذا) الذي اخترته (أحسن ما سمعت إلي في ذلك) عندي
وإن وقع فيها أقوال أخر أيضاً.
(٣) ما يبين من التمليك
يعني إذا ملك الرجل امرأته أن تطلق نفسها مثل أن يقول لها: قد ملكتك
أمرك، أو أمرك بيدك، أو طلاقك بيدك أو نحو ذلك، فهل يكون ذلك طلاقاً أم
٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
لا؟ وعلى الأول كم يكون من التطليقات؟ ولما كان هذا طلاقاً في بعض
الصور، ولا يكون طلاقاً في بعضها ترجم المصنف - رحمه الله تعالى - بثلاث
تراجم. الأول: بيان الصورة التي يقع فيها الطلاق، وهذا إذا طلقت نفسها،
والثاني: كم تطلق في ذلك، والثالث: بيان الصورة التي لا يقع فيها الطلاق،
وهي إذا اختارت الزوج.
قال الدردير(١): النيابة في الطلاق أربعة: التوكيل، والتخيير، والتمليك.
والرسالة، والتوكيل: جعل إنشاء الطلاق بيد الغير باقياً منع الزوج من إيقاعه،
قال الدسوقي: فقوله: جعل إنشاء الطلاق بيد الغير جنسٌ يعُمُّ التمليك والتخيير
أيضاً، وقوله: باقياً منعُ الزوج منه فصلٌ يخرجهما؛ لأن له العزل في التوكيل
دونها، وكل لفظ دل على أن الزوج فوّض لها البقاء عن العصمة أو الذهاب
عنها، فهو تخيير، ومن صيغه: اختاريني أو اختاري نفسك، وكذا من صيغه
اختاري أمركِ، وكل لفظ دل على جعل الطلاق بيدها دون تخيير فهو تمليك،
ومن صيغه: أمرك بيدك، أو طلاقك بيدك، اهـ.
قال الخرقي: إذا قال لها: أمرك بيدك، فهو بيدها ما لم يَفْسَخْ أو
يَطَأُها، قال الموفق (٢): جملة ذلك أن الزوج مُخَيَّر بين أن يُطَلِّقَ بنفسه وبين أن
يوكل فيه، وبين أن يُفَوِّضَه إلى المرأة، ويجعله إلى اختيارها، بدليل أن
النبي وَلَّ خَّر نساءه فاخترنه، ومتى جعل أمرها بيدها فهو بيدها أبداً لا يتقيد
ذلك بالمجلس، روي ذلك عن علي - رضي الله عنه -، وبه قال الحكم وأبو
ثور وابن المنذر، وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: هو مقصور على
المجلس، ولا طلاق لها بعد مفارقته؛ لأنه تخيير لها، فكان مقصوراً على
المجلس، كقوله: اختاري.
(١) (الشرح الكبير)) (٤٠٥/٢).
(٢) («المغني)) (٣٨١/١٠).
٥١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
ولنا، قول علي - رضي الله عنه - في رجل جعل أمر امرأته بيدها، قال:
هو لها حتى تَنْكِلَ، ولا نعرف له في الصحابة مخالفاً، فيكون إجماعاً، ولأنه
نوع توكيل في الطلاق، فكان على التراخي، كما لو جعله لأجنبيٍّ. وفارق
قوله: اختاري، فإنه تخيير.
قلت: قوله: ((لا نعرف له في الصحابة مخالفاً)) مشكل، فقد روي عن
ابن مسعود وعمر وعثمان وغيرهم في التمليك أيضاً أنه يقتصر على المجلس،
كما سيأتي في آخر الباب الثالث، ثم قال الموفق: فإن رجع الزوج فيما جعل
إليها أو قال: فسختُ ما جعلت إليكِ بطل، وبذلك قال عطاء ومجاهد والشعبي
والنخعي والأوزاعي وإسحاق، وقال الزهري والثوري ومالك وأصحاب الرأي:
ليس له الرجوعُ؛ لأنه ملّكها ذلك فلم يملك الرجوعَ، كما لو طَلْقَتْ ولا يقع
الطلاق بمجرد هذا القول ما لم ينو به إيقاع طلاقها في الحال، أو تطلق
نفسها، ومتى ردت الأمر الذي جعل إليها بطل.
ولم يقع شيء في قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عمر، وسعيد بن
المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومسروق، وعطاء، ومجاهد، والزهري،
والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وقال قتادة: إن ردت فواحدة رجعية.
قال الحافظ (١): جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار على أن من
خَيَّرَ زوجته، فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق. وحكى الترمذي عن علي إن
اختارت نفسها فواحدة بائنة، وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية، وعن زيد بن
ثابت إن اختارت نفسها فثلاث، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وعن عمر
وابن مسعود إن اختارت نفسها فواحدة بائنة، وعنهما رجعيّة، وإن اختارت
زوجها فلا شيء، اهـ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٦٨/٩).
٥٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣٠) حديث
١٠/١١٣٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ
إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، إِنِّي جَعَلْتُ أَمْرَ
امْرَأَتِي فِي يَدِهَا، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا،
وقال الموفق(١): إن قالت: اخترت نفسي، فهي واحدة رجعيّة، رُوِي
ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس، وبه قال عمر بن عبد العزيز والثوري
وابن أبي ليلى والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وروي عن علي
- رضي الله عنه - أنها واحدة بائنة. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه؛ لأن تمليكه
إياها أمرها يقتضي زوال سلطانه عنها، وإذا قبلت ذلك بالاختيار وجب أن
يزول عنها، ولا يحصل ذلك مع بقاء الرجعة. وعن زيد بن ثابت أنها ثلاث.
وبه قال الحسن ومالك والليث إلا أن مالكاً قال: إذا لم تكن مدخولاً بها قبل
منه، إذا أراد واحدة أو اثنتين، لأن غير المدخول بها يزول سلطانه عنها
بواحدة، فاکتفي بها، اهـ.
هذا اختصار الأبواب الثلاثة، وما حكى الموفق في آخر كلامه من
التثليث عند مالك يكون في بعض الصور، كما سيأتي في كلام الباجي، وأيضاً
وهذا إذا لم تنو أكثر من واحدة، فإن نوت أكثر منها، فسيأتي قريباً.
١٠/١١٣٠ - (مالك أنه بلغه أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنهما - (فقال: يا أبا عبد الرحمن) كنية ابن عمر - رضي الله عنه - (إني جعلت
أمر امرأتي في يدها، فطلقت نفسها) قال الباجي(٢): يقتضي أنها جاوبته. تقول:
طلقت نفسي، والمشهور في المذهب أن المرأة تُسْأل عما أرادت بقولها :
طلقت نفسي، وروي عن ابن القاسم أنها لا تسأل. وهي واحدة في التمليك،
قال محمد: هو أحبّ إليّ.
(١) («المغني)) (٣٨٢/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (١٦/٣).
٥٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
فَمَاذَا تُرَى؟ فَقَالَ عَبْدَ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أُرَاهُ كَمَا قَالَتْ. فَقَالَ الرَّجُلُ:
لَا تَفْعَلْ، يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَنَا أَفْعَلُ؟ أَنْتَ
فَعَلْتَهُ .
١١/١١٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِذَا مَلَّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ
وجه القول الأول أنها تسأل لئلا تدعي أكثر من واحدة، فتناكر أو
تمضي، ووجه القول الثاني أنها إن ادّعت أكثر من واحدة لم يقبل قولها؛ لأن
اللفظ كثيراً ما يستعمل في الطلقة الواحدة، فإذا أطلقت هذا اللفظ الذي
يستعمل غالباً في الواحدة لم تقبل دعواها أنها أرادت أكثر من واحدة؛ لأن
ذلك استئناف دعوى منها، وهكذا كل لفظ لا يستدل به على الثلاث؛ لأنه
يحتمل غيره، فإن المرأة تسأل عما أرادت بذلك، قاله ابن القاسم.
وروى ابن حبيب عن ابن القاسم في المملَّكة تقول: قد طلقتك هي
واحدة، إلا أن تريد المرأة أكثر من ذلك، فثبت القولان لابن القاسم، وأما إن
قالت: قبلت نفسي، أو اخترت نفسي، أو طلّقت نفسي ثلاثاً، أو بنتُ منك،
أو حرمتُ عليك، أو برئت منك، فإنه محمول على الثلاث، ولا تسأل المرأة
عما أرادت بذلك؛ لأنها لو قالت: أردت أقل من ثلاثة في المدخول بها لم
تُصَدَّقْ فيه، رواه ابن القاسم عن مالك، وكذلك قولها: أنا خليّة منك، أو
بريّةٌ، أو بائن، وأنا عليك حرام، وهذه الألفاظ كلها قد تقدم القول فيها، اهـ.
(فماذا ترى) في ذلك هل طلقت أم لا؟ (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنهما - (أراه) أي أظنه (كما قالت) أي وقع الطلاق (فقال الرجل: لا تفعل، يا
أبا عبد الرحمن) أي لا تجعلها مطلقة (فقال ابن عمر) رداً عليه (أنا أفعل؟) أي
ما فعلته (بل أنت فَعَلْتَه) حيث جعلت أمرها بيدها .
١١/١١٣١ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -
(كان يقول: إذا مَلَّكَ) بصيغة الماضي من التمليك (الرجل) فاعل (امرأته) مفعوله
٥٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
أَمْرَهَا، فَالْقَضَاءُ مَا قَضَتْ بِهِ. إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيَقُولَ: لَمْ أُرِدْ إِلَّا
وَاحِدَةً. فَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ أَمْلَكَ بِهَا، مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا .
الأول (أمرها) مفعوله الثاني (فالقضاء ما قضت) به من واحدة أو أكثر، قال
الباجي(١): يريد أن لفظ التمليك يقتضي ذلك؛ لأن ظاهره تمليك نفسها،
وذلك لا يكون إلا بالطلاق، فقد فهم من هذا اللفظ وضع الطلاق بيدها، وإذا
كان ذلك المعلوم من اللفظ وجب أن يثبت حكمه، كما لو تلفَّظَ بلفظ الطلاق،
فلا يقبل منه إني لم أرد تمليك الطلاق، كما لا يقبل منه ذلك إذا تلفظ بلفظ
الطلاق، اهـ.
وهذا صريح فيما سيأتي في آخر البحث أن هذا اللفظ لا يحتاج إلى النية
عند مالك خلافاً للثلاثة، لا يخلو أن تكون المرأة مكلّفة أو غير مكلفة، فإن
كانت مكلَّفة لزمه ما قضت به، وإن كانت غير مكلّفة فلا يخلو أن تعقل التمليك
أو لا تعقله، فإن عقلته، ففي ((الموازية)) عن مالك في الذي يُخَيِّرُ زوجتَه قبل
أن تبلغ وقبل البناء، فاختارت نفسها فهو طلاق، قال ابن القاسم: يريد إذا
بلغت حدَّ الوطء، وروى عيسى عن ابن القاسم إذا بلغت مبلغاً تعرف ما
ملكت، قال عبد الملك وسحنون: وكذلك لو جعل أمرها بيد صبي، اهـ.
(إلا أن ينكر) الزوج (عليها) قضاءها (فيقول: لم أرد) بالتمليك (إلا
واحدة فيحلف) الزوج (على ذلك) أي على قوله: لم أرد إلا واحدة (ويكون)
الزوج (أملك) أي أحق (بها) من غيرها (ما كانت) ما بمعنى ما دام أي مدة
كونها (في عدتها) قال ابن المواز: وأخذ مالك بقول عمر - رضي الله عنه - أن
القضاء ما قضت إلا أن تناكر، وهذا يقتضي أيضاً أنها إن ردت التمليك أنه لا
يقع به طلاق لأنها قضت بالبقاء على الزوجية.
وقد روى ابن المواز أن مذهب ربيعة في التمليك هي واحدة قبلت أو
(١) ((المنتقى)) (١٨/٤).
٥٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
ردّت، قال مالك: وما أدري من أين أخذه، وقد اختار أزواج النبي ◌َّر المقام
معه فلم يكن ذلك فراقاً، وقول عمر - رضي الله عنه - إلا أن ينكر عليها الزوج
فيقول: لم أرد إلا واحدة، ذلك أنه لا يخلو التمليك أن ينوي به واحدة أو
أكثر من ذلك؛ أو لا ينوي شيئاً، فإن نوى واحدة أو اثنين فقضت بما نواه،
لزم ذلك ولم يلزم أكثر من ذلك؛ لأنه قد ملّكها طلقة واحدة، وأوقعتها،
فلزمها ذلك ولم يلزمها أكثر من ذلك؛ لأنه لم يوجد منه تمليك لما زاد ولا
منها رضي بذلك ولا إيقاع له ويكون له الرجعة، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يقع طلقة واحدة بائنة إلا أن ينوي ثلاثاً، فيكون ثلاثاً،
فإن أوقعت ثلاثاً، وهو قد نوى واحدة لزمته واحدة، ولم يلزمه أكثر منها،
وبهذا أخذ مالك، وهو قول عبد الله بن عمر؛ لأن له أن يناكرها، وروي عن
علي - رضي الله عنه - وسعيد بن المسيّب أن الأمر على ما قضت ولا ينفعه
المناكرة .
والدليل على صحة ما قلنا أن الطلاق إنما صار بيدها، بجعله ذلك إليها
وتفويضه، والذي جعل إليها طلقة واحدة، وما بعد ذلك من الطلاق لم يجعله
إليها، فلم يكن لها إيقاعه كالواحدة قبل أن يجعل ذلك إليها، وإن ملكها ثلاثاً
صرح بها، فأوقعت واحدة فلا يلزمه شيء في رواية ابن القاسم، وقال
الشافعي: يلزمه الطلقة، وهي رواية مطرف عن مالك، قال مالك: ولو قال
لها: قد ملكتك البتة، فأوقعت واحدة لم يكن ذلك شيئاً؛ لأن البتة لا تنقسم
والثلاثة تنقسم، اهـ (١).
قلت: وتقدم قريباً في كلام الموفق أنها إن ردّت فواحدة رجعيّة عند قتادة
خلافاً لأكثر أهل العلم، وإن قالت: اخترت نفسي فهي واحدة رجعيّة عند
(١) انظر: ((المنتقى)) (١٨/٤، ١٩).
٥٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
أحمد والشافعي والثوري وأبي عبيد وإسحاق وأبي ثور، وواحدة بائنة عند
الحنفية، وثلاث عند المالكية.
قال الموفق (١): هذا إذا لم تنو أكثر من واحدة، فإن نوت أكثر من واحدة
وقع ما نوت، لأنها تملك الثلاث بالتصريح، فتملكها بالكناية، وهكذا إن أتت
بشيء من الكناية فحكمها فيها حكم الزوج، إن كانت مما يقع بها الثلاث من
الزوج وقع بها الثلاث إذا أتت بها، وإن كانت من الكناية الخفية وقع ما نوت،
قال أحمد: إذا قال لها: أمرك بيدك، فقال: لا يدخل علي إلا بإذنٍ. تنوي في
ذلك، إن قالت: واحدة، فواحدة، وإن قالت: أردت أن أغيظه قُبِلَ منها، ولا
يقع شيء، وقوله: أمرك بيدك كناية في حق الزوج يفتقر إلى نية أو دلالة حال،
كما في سائر الكنايات، فإن عُدِمَ لم يقع شيء؛ لأنه ليس بصريح، وبهذا قال
أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: لا يفتقر إلى نية، لأنه من الكنايات الظاهرة، وقد سبق
الكلام فيها، وهو أيضاً كناية في حق المرأة إن قبلته بلفظ الكناية، وبهذا قال
الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يفتقر وقوع الطلاق إلى نيتها إذا نوى الزوج؛
لأن الزوج علّق الطلاق بفعل من جهتها، فلم يفتقر إلى نيتها، كما لو قال: إن
تكلمت فأنت طالق فتكلمتْ، وقال: لا يقع إلا واحدة بائنة وإن نوت ثلاثاً؛
لأن ذلك تخيير، والتخيير لا يدخله عدد.
ثم قال الموفق: وإن طلقت نفسها ثلاثاً، وقال: لم أجعل إليها إلا
واحدة لم يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت، وممن قال: القضاء ما قضت
عثمان وابن عمر وابن عباس. وروي ذلك عن علي وفضالة بن عبيد، وبه قال
سعيد بن المسيب وعطاء والزهري. وعن عمر وابن مسعود: أنها تطليقة
(١) ((المغني)) (٣٨٣/١٠).
٥٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
واحدة، وبه قال عطاء، ومجاهد، والقاسم، وربيعة، ومالك، والأوزاعي،
والشافعي. ونقل عبد الله عن أحمد ما يدل على أنه يرجع فيه إلى نيته، اهـ.
وفي ((الروض المربع)) (١): إن قال لزوجته: أمرك بيدك ملكت ثلاثاً ولو
نوى واحدة؛ لأنه كناية ظاهرة، ويتراخى، فلها أن تطلق نفسها متى شاءت ما
لم يحدَّ حدًّا ولم يفسخ، ويختص قوله لها: اختاري نفسك بواحدة بالمجلس
المتصل ما لم يزدها فيهما بأن يقول لها: اختاري نفسك متى شئت أو أي عدد
شئت، فيكون على ما قال، لأن الحق له، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): إذا قال لها: اختاري، أو أمرك بيدك، ينوي
بذلك الطلاق؛ لأنهما من كناية فلا يعملان بلا نية، فلها أن تطلق في المجلس
لا بعده، إلا إذا زاد متى شئت، ولا يصح رجوعه عن ذلك؛ لأنه تمليك ولیس
بتوكيل، والفرق بينهما في خمسة أحكام، ففي التمليك لا يرجع، ولا يعزل،
ولا يبطل بجنون الزوج، ويتقيد بمجلس لا بعقل، فيصح تفويضه لمجنون
وصبي لا يعقل. بخلاف التوكيل.
وفي ((اختاري)) لا تصح نية الثلاث، بل تبين بواحدة إن قالت: اخترت
نفسي، بخلاف أمرك بيدك، إذا قال لها ذلك ينوي ثلاثاً، فقالت: اخترت
نفسي بواحدة وقعن؛ لأن الاختيار يصلح جواباً للأمر باليد، ولو قالت: طلقت
نفسي بواحدة فهي واحدة بائنة، وإنما تصح نية الثلاث في قوله: أمرك بيدك
لأنه يحتمل العموم بخلاف قوله: اختاري؛ لأنه لا يحتمل العموم كما حقق في
((الهداية)).
وقال ابن الهمام(٣): الأمر باليد كالتخيير في جميع مسائله سوى نية
(١) (١٥٤/٣).
(٢) (٣٥٠/٣).
(٣) ((فتح القدير)) (٤١٩/٣).
٥٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
الثلاث، فإنها تصحّ ههنا لا في التخيير، وقال صاحب ((البدائع)) (١) بعد ما بسط
الكلام على الألفاظ التي تصلح جواباً لتمليكه الواقع بها طلاق واحد بائن
عندنا: إن كان التفويض مطلقاً عن قرينة الطلاق بأن قال لها: أمرك بيدك، ولم
ينو الثلاث، أما وقوع الطلقة الواحدة، فلأنه ليس في التفويض ما يُنبئ عن
العدد، وأما كونها بائنة، فلأن هذه الألفاظ جواب الكناية، والكنايات على
أصلنا مبينات، ولأن قوله: أمرك بيدك، جعل أمر نفسها بيدها، وإنما تصير
مالكة نفسها بالبائن لا بالرجعي.
وإن قرن به ذكر الطلاق بأن قال: أمرك بيدك في تطليقة، فاختارت
نفسها، فهي واحدة يملك الرجعة؛ لأنه فوض إليها الصريح حيث نص عليه،
ولو قال: أمرك بيدك، ونوى الثلاث، فطلقت نفسها ثلاثاً، كان ثلاثاً؛ لأنه
جعل أمرها بيدها مطلقاً، فيحتمل الواحد، ويحتمل الثلاث، فإذا نوى ثلاثاً،
فقد نوى ما يحتمله مطلق الأمر، فصحت نيته، وإن نوى اثنتين فهي واحدة عند
أصحابنا الثلاثة خلافاً لزفر، انتهى.
وعُلِم مما سبق كله أن قول الرجل لامرأته: أمرك بيدك كنايةٌ في حق
الزوج يفتقر إلى نية أو دلالة الحال، فإن عدما فلا شيء عند الثلاثة، وقال
مالك: هو من الكناية الظاهرة، فلا يفتقر إلى نيته، ثم الطلاق بيدها أبداً، ما
لم يفسخ ولا يتقيد بالمجلس عند أحمد خلافاً للأئمة الثلاثة إذا قالوا: يتقيد
بالمجلس، هذا في التمليك.
وأما التخيير فالأربعة متفقة على أنه على الفور، صرح به الموفق،
وسيأتي في الباب الآتي عن مالك في التمليك قولان حكاهما الباجي، وسيأتي
في آخر الباب الثالث البسط في ذلك، وأن لمالك في التخيير أيضاً قولين، إلا
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)» (١٨٧/٣، ١٨٨).
٥٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣) باب
(١١٣١) حديث
أن الراجح فيهما موافقة الجمهور، فإن رجع الزوج فيما جعل إليها، أو قال:
فسخت ذلك، بطل اختيارُها عند أحمد، وقال مالك والحنفية: ليس له
الرجوع .
ثم المرأة إن ردّت الأمر الذي جعل إليها بطل، ولم يقع شيء في قول
الجمهور، وقال قتادة: تقع واحدة رجعيّة، وحكي نحوه عن عليّ من أنها إن
اختارت الزوج فواحدة رجعية، وعن زيد بن ثابت: واحدة بائنة، وحكى مالك
مذهب ربيعة أنه واحدة قبلت أو ردّت، والأئمة الأربعة وجمهور العلماء على
أنها إن اختارت الزوج فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة رجعية عند
الثلاثة، وبائنة عند الحنفية.
هذا إذا لم تنو أكثر من واحدة، فإن نوت أكثر منها وقع ما نوت عند
الثلاثة، ولا تقع الثنتان عند الحنفية، بل واحدة أو ثلاثة، فإن طلقت نفسها
ثلاثاً، وقال الزوج: لم أجعل إليها إلا واحدة، فالقضاء ما قضت عند أحمد،
وعند الأئمة الثلاثة أنها تطليقة واحدة.
ولا يذهب عليك أن المشهور في كتب نقلة المذاهب وشروح الحديث أن
قوله: ((أمرك بيدك)) ثلاث عند المالكية مطلقاً، وهذا ليس بصحيح، فقد تقدم
قريباً عن الباجي، وهو صاحب المذهب، اعتبار نية الزوج في العدد، ولا يعتبر
إيقاعها على نفسها بأكثر مما ملّكها زوجها .
وصرح بذلك الدردير(١) أيضاً إذ قال: ناكر(٢) الزوج مخيّرةً لم تدخلْ
ومُمْلَّكَةً مطلقاً إن زادتًا أي المخيرة والمملكة في الطلاق على الواحدة بأن
يقول الزوج: إنما أردتُ واحدة فقط بشروط خمسة، إن نوى الواحدة عند
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٠٨/٢).
(٢) ((النكر)) بالضم: عدم الاعتراف.
٦٠