النص المفهرس

صفحات 541-560

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(٢٠) باب نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله
(٢٠) نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله
اعلم أن ههنا عدة فروع وفاقية، وخلافية، نقدم إجمال المذاهب فيه،
لنكون على بصيرة عليها في أحاديث الباب، أكثرها من ((المغني))(١)، وما كان
من غيره عزوته إلى قائله:
الأول: أن الزوجين إذا أسلما معاً، فهما على النكاح، سواء كان قبل
الدخول أو بعده، وليس بين أهل العلم في هذا اختلاف، ذكر ابن عبد البر أنه
إجماعٌ من أهل العلم، وذلك لأنه لم يوجد منهم اختلافُ دينٍ .
قال الموفق(٢): ويعتبر تلفظهما بالإسلام دفعة واحدة، لئلا يسبق أحدهما
صاحبه، فيفسد النكاح، ويحتمل أن يقف على المجلس، كالقبض ونحوه، فإن
حكم المجلس كله حكم حالة العقد، ولأنه يبعد اتفاقهما على النطق بكلمة
الإسلام دفعة واحدة، فلو اعتبر ذلك لوقعت الفرقة بين كل مسلمين قبل
الدخول إلا في الشاذ النادر، فيبطل الإجماع، اهـ.
وقال أيضاً: أنكحة الكفار صحيحة يُقَرُّون عليها إذا أسلموا، إذا كانت
المرأة ممن يجوز ابتداءً نكاحُها في الحال، ولا يُنْظَرُ إلى صفة عقدهم و کیفیته،
ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي والشهود، وصيغة الإيجاب
والقبول، وأشباه ذلك بلا خلاف بين المسلمين، اهـ.
الثاني: إذا أسلم أحد الزوجين الوثنيين أو المجوسيين، أو كتابي يتزوج
بوثنية أو مجوسية، قبل الدخول تعجلت الفرقة بينهما من حين إسلامه، ويكون
ذلك فسخاً لا طلاقاً، يعني عند أحمد، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:
لا تتعجل الفرقة، بل إن كان في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر، فإن
أبى وقعت الفرقة حينئذٍ، وإن كان في دار الحرب، وقف ذلك على انقضاء
(١) انظر: ((المغني)) (٥/١٠ -١٣ - ٣٢).
(٢) ((المغني)) (٥/١٠ -١٣).
٥٤١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
عدتها، فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة، فإن كان الإباء من الزوج كان
طلاقاً، لأن الفرقة حصلت من قبله، وإن كان من المرأة كان فسخاً لأن المرأة
لا تملك الطلاق.
وقال مالك: إن كانت هي المسلمة عرض عليه الإسلام، فإن أسلم وإلا
وقعت الفرقة، وإن كان هو المسلم، تُعُجِّلَتْ الفرقةُ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ
بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾(١) .
الثالث(٢): إذا أسلم زوج الكتابية، قبل الدخول، أو بعده أو أسلما معاً،
فالنكاح باقٍ بحاله، لأن للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابية، فاستدامته أولى، ولا
خلاف في هذا بين القائلين بجواز نكاح الكتابية، كما تقدم في آخر الصداق،
وأوّل النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب، وأنه لا خلاف في ذلك بين أهل
العلم، إلا ما شذّ.
الرابع: إذا أسلم أحد الزوجين المذكورين في المبحث الثاني بعد
الدخول، ففيه عن أحمد روايتان: إحداهما: يقف على انقضاء العدة، فإن
أسلم الآخر قبل انقضاء العدة فهما على النكاح، وإن لم يسلم حتى انقضت
العدة وقعت الفرقة منذ اختلف الدينان، فلا يحتاج إلى استئناف العدة، وهذا
قول الزهري، والليث، والحسن بن صالح، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق،
ونحوه عن مجاهد، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن الحسن.
والرواية الثانية عن أحمد تتعجّل الفرقة، وهو اختيار الخلال، وقول
الحسن وعكرمة وقتادة والحكم، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز، ونصره
ابن المنذر، وقول أبي حنيفة ههنا، كقوله قبل الدخول، إلا أن المرأة إذا كانت
(١) سورة الممتحنة: الآية ١٠.
(٢) انظر: ((المغني)) (٣٢/١٠).
٥٤٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
في دار الحرب، فانقضت عدتها، وحصلت الفرقة لزمها استئناف العدة.
وقال مالك: إن أسلم الرجل قبل امرأته عرض عليها الإسلام، فإن
أسلمت وإلا وقعت الفرقة، وإن كانت غائبة تعجلت الفرقة، وإن أسلمت المرأة
قبله وقفت على انقضاء العدة، وقال الحافظ(١): في إسلام المرأة قبل زوجها،
هل تقع الفرقة بينهما بمجرد إسلامها، أو يثبت لها الخيار، أو يوقف في
العدة؟ فإن أسلم استمر النكاح، وإلا وقعت الفرقة، فيه خلاف مشهور،
وتفاصيل، وميل البخاري إلى أن الفرقة تقع بمجرد الإسلام.
ثم حكى عن ((السيرة النبوية)) للعماد بن كثير: أن المرأة تتخيّر بين أن
تتزوج غيره، أو تربص إلى أن يسلم فيستمر عقده عليها، اهـ.
وحكى الباجي(٢): عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - أنها تخير، فإن
شاءت فارقته، وإن شاءت أقرت عنده، اهـ. وحكاه عن عمر - رضي الله عنه -
غير واحد، ومعنى أقرت على الظاهر أنها تربص إسلامه.
الخامس: إذا أسلم أحد الزوجين المذكورين، وتخلف الآخر حتى
انقضت العدة، انفسخ النكاح في قول عامة العلماء، قال ابن عبد البر: لم
يختلف العلماء في هذا، إلا شيء روي عن النخعي شذّ فيه عن جماعة العلماء
فلم يتبعه عليه أحد، زعم أنها تُرَدُّ إليه وإن طالت المدة، لما روي أنه نَ ◌ّهُ ردّ
ابنته زينب على زوجها أبي العاص بنكاحها الأول، رواه أبو داود(٣)، واحتجّ
به أحمد، قيل له: أليس يروى أنه رَدَّها بنكاح مستأنف، قال: ليس له أصل،
وقيل: كان بين إسلامها وردّها إليه ثمان سنين، ولنا قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤٢٠/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٣/٣).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٢٤٠).
٥٤٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
١/ ٤٤ - حدّثني مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ
وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَنَّ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ والإجماع المنعقد
على تحريم تزوج المسلمات على الكفار.
فأما قصة أبي العاص مع امرأته، فقال ابن عبد البر: لا يخلو من أن
تكون قبل نزول تحريم المسلمات على الكفار، فتكون منسوخة، بما جاء
بعدها، أو تكون حاملاً استمرّ حملها حتى أسلم زوجها، أو مريضة لم تحِضْ
ثلاث حيضات حتى أسلم، أو تكون رُدَّت إلیه بنكاح جدید، فقد روى ابن
أبي شيبة في ((سننه) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَّ ردّها
على أبي العاص بنكاح جديد، ورواه الترمذي(١)، وقال: سمعت عبد بن حميد
يقول - سمعت يزيد بن هارون يقول: حديث ابن عباس أجود إسناداً، والعمل
على حديث عمرو بن شعيب، اهـ. وسيأتي شيء من ذلك في آخر الأثر الثاني.
السادس: ما قال الموفق(٢): سواء فيما ذكرنا اتفقت الدار أو اختلفت،
وبه قال مالك والأوزاعي، والليث، والشافعي، وقال أبو حنيفة: إن أسلم
أحدهما وهما في دار الحرب، ودخل دار الإسلام، انفسخ النكاح، ولو تزوج
حربي حربية، ثم دخل دار الإسلام، وعقد الذمة، انفسخ نكاحه لاختلاف
الدارين، اهـ. قلت: وسيأتي الكلام على ذلك مبسوطاً .
السابع: أن الفرقة باختلاف الدين فرقة فسخ عند الثلاثة وأبي يوسف
وعند أبي حنيفة، ومحمد فيه تفصيل، وهو أنها إن كانت بإباء الزوج فطلاق
بائنة، وإن كانت بإبائها ففرقة فسخ كما سيأتي في آخر جامع عدة الطلاق.
٤٤/١١٠٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه بلغه) قال
(١) أخرجه الترمذي ح (١١٤٣).
(٢). («المغني)) (١٣/١٠).
(٣) ((التمهيد)) (١٩/١٢).
٥٤٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
أَنَّ نِسَاءَ كُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ يُسْلِمْنَ بِأَرْضِهِنَّ. وَهُنَّ غَيْرُ
مُهَاجِرَاتٍ. وَأَزْوَاجُهُنَّ، حِينَ أَسْلَمْنَ، كُفَّارٌ. مِنْهُنَّ بِنْتُ الْوَلِيدِ بْنِ
الْمُغِيرَةِ.
ابن عبد البر(١): لا أعلمه يتصل من وجه صحيح، وهو حديث مشهور معلوم
عند أهل السير، وابن شهاب إمام أهل السير، وكذلك الشعبي، وشهرة هذا
الحديث أقوى من إسناده إن شاء الله، كذا في ((التنوير))(٢).
قلت: أخرجه البيهقي برواية ابن بكير عن مالك، وقد رويت قِطعُ هذه
القصة مختصرة في عدة روايات (أن نساءً) عديدة (كن) بضم الكاف وشدّ النون
على صيغة الجمع (في عهد رسول الله وَ الله يسلمن بأرضهن) أي بمكة (وهن غير
مهاجرات) أي لم يهاجرن (وأزواجهن) بالرفع على الابتداء خبره كُفَّارٌ (حين
أسلمن كفار) يعني لم يُسُلموا بعد.
(منهن) أي من جملتهن (بنت الوليد بن المغيرة) المخزومية أخت خالد بن
الوليد، اختلف في اسمها، فجزم الزرقاني(٣) بأنها فاختة بفاء ومعجمة وفوقية،
وجزم الباجي(٤) بأنها عاتكة بنت الوليد، وبه جزم صاحب ((المحلى)) وحكاه
عن عبد الرزاق فقال: عاتكة، سماه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، وذكر
الحافظ في ((الإصابة))(٥) كلتيهما زوجة صفوان، فقال: فاختة بنت الوليد بن
المغيرة المخزومية أخت خالد بن الوليد كانت زوج صفوان بن أمية أسلمت يوم
الفتح وبايعت.
قال أبو عمر: أسلمت قبل إسلام زوجها بشهر، قاله داود بن الحصين،
(١) (ص٤٣٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٦/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٣٤١/٣).
(٤) ((الإصابة)) (١٥٤/٨).
٥٤٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
وأخرج أبو نعيم بسنده إلى الزهري قال: كانت فاختة بنت الوليد عند صفوان بن
أمية، وأم حكيم عند عكرمة فأسلمتا يوم الفتح.
وقال أيضاً (١): عاتكة بنت الوليد بن المغيرة أخت خالد بن الوليد كانت
زوج صفوان بن أمية ذكرها المستغفري في الصحابة، وأسند عن محمد بن ثور
عن ابن جريج، قال: جاء الإسلام وعند أبي سفيان بن حرب ست نسوة وعند
صفوان بن أمية ست، أم وهب بنت أبي أمية وفاختة بنت الأسود بن مطلب،
وأميمة بنت أبي سفيان بن حرب، وعاتكة بنت الوليد بن مغيرة، وبرزة بنت
مسعود بن عمرو، وابنة مُلاعب الأسنة(٢) عامر بن مالك، فطلّق أم وهب،
وكانت قد أسنت، وفرق الإسلام بينه وبين فاختة بنت الأسود، وكان أبوه
تزوجها فخلف هو عليها، ثم طلق عاتكة في خلافة عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
قلت: وفاختة بنت الأسود هذه هي أخرى، قال الحافظ في ترجمتها:
فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية كانت
تحت صفوان بن أمية بن خلف الجمحي خلف عليها بعد أبيه، ففرق الإسلام
بينهما، أخرجه المستغفري بسنده إلى ابن جريج، قال: فرق الإسلام بين أربع
وبين أبناء بعولتهن، فذكرها، اهـ. ولم يذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) إلا
فاختة بنت الوليد فقال: أسلمت قبل زوجها صفوان بن أمية بشهر، قاله داود بن
الحصين، اهـ.
وفي ((التجريد)) للذهبي: فاختة أخت خالد بن الوليد إحدى زوجات
صفوان بن أمية بايعت يوم الفتح، وفاختة بنت الأسود القرشية زوجة أمية بن
خلف، ثم ابنه صفوان، وعاتكة أخت خالد بن الوليد زوجة صفوان بن أمية
طلقها أيام عمر، اهـ.
(١) ((الإصابة)) (١٣٩/٨).
(٢) انظر: ((أسد الغابة)) (٥٠٥/٥).
٥٤٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ .
وقال ابن الأثير في ((أسد الغابة))(١): عاتكة بنت الوليد أخت خالد امرأة
صفوان بن أمية، كان عنده ست نسوة: منها عاتكة، فلما أسلم طلّق منهن
اثنين، وبقيت عاتكة، فطلّقها أيام عمر - رضي الله عنه -، وذكر قول ابن جريج
المذكور في ست نسوة في ترجمة أم وهب، ولم يعدّ منهن فاختة بنت الوليد،
وعَدَّ منهن عاتكة بنت الوليد، وفاختة بنت الأسود، وذكر ترجمة فاختة بنت
الأسود، وقال فيه: كانت تحت أمية، فخلف عليها ابنه صفوان، وَفَرَّقَ بينهما
الإسلام، وذكر ترجمة فاختة بنت الوليد أخت خالد، وقال: كانت زوج
صفوان أسلمت يوم الفتح وبايعت رسول الله وقدر مع النساء اللاتي بايعنه، اهـ.
وذكر ابن جرير في غزوة الفتح أن فاختة بنت الوليد كانت عند صفوان
إلى أن قال: فلما أسلم صفوان أقرهما رسول الله بَّليل على النكاح الأول، اهـ.
وكذا قال ابن هشام في ((سيرته)) (٢) في غزوة الفتح، فيُشْكل كونهما معاً
في نكاحه وهما أختان، ولم يفرق الإسلام بينهما كما فرق بين صفوان وزوجة
أبيه فاختة بنت الأسود، بل ذكروا بقاءهما في نكاحه حتى طلق عاتكة في زمان
عمر - رضي الله عنه -، وأما الكلام الفقهي فيمن أسلمن وعنده أكثر من أربعة،
سيأتي في جامع الطلاق تحت حديث الغيلان الثقفي.
(كانت) بنت الوليد (تحت صفوان بن أمية) بن خلف بن وهب بن حذافة
الجمحي، يكنى أبا وهب وأبا أمية، قال ابن عبد البر: هما كنيتان مشهورتان،
قتل أبوه ببدر كافراً، وقتل رسولُ الله وَ ل عمه أبيّ بن خلف بأحد كافراً طعنه،
فمات من جرحه ذاك، وهرب صفوان يوم الفتح، ثم رجع إلى النبي ◌ّل فشهد
معه حنيناً والطائف وهو كافر، وامرأته مسلمة أسلمت يوم الفتح قبل صفوان،
ثم أسلم صفوان، فأُقِّرًا على نكاحهما.
(١) (٣٤٠/٥).
(٢) انظر: ((الروض الأنف)) (١١٦/٧).
٥٤٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ.
ثم قيل له: من لم يهاجر هلك، ولا إسلام لمن لا هجرة له، فقدم
المدينة مهاجراً، فنزل على العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - وذکر
ذلك لرسول الله ﴾، فقال رسول الله وَلجر: ((لا هجرة بعد الفتح))، ثم أمره أن
ينصرف إلى مكة فانصرف إليها، فأقام بها حتى مات، وكان أحد أشراف قريش
في الجاهلية، وإليه كانت فيهم الأزلام، وكان أحد المطعمين، وكان أحد
المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامهم، روي عنه في مسلم وغيره.
يقال: لم يجتمع لقوم أن يكون منهم مُطْعمون خمسة إلا لعمرو بن
عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف، أطعم خلف وأمية وثم وثم، وقال
معاوية يوماً: من يطعم بمكة من قريش؟ فقالوا: عمرو بن عبد الله بن صفوان،
فقال: بخ تلك نار لا يُطفأ، وأخوه ربيعة بن أمية تقدمت قصته مع عمر -
رضي الله عنه - قريباً، أنه حَدَّه في الخمر، فتنصّر.
وقال ابن الأثير: لما فتح رسول الله وَل مكة، هرب صفوان إلى جدة،
فأتى عمير بن وهب بن خلف، وهو ابن عم صفوان إلى رسول الله وَليه، ومعه
ابنه وهب بن عمير، فطلب له أماناً، فآمنه، وبعث إليه بردائه أو بيردة له، وقيل
بعمامته التي دخل بها مكة أماناً له، فأدركه وهب بن عمير، فرجع معه، فوقف
على رسول الله وَطير، وناداه في جماعة من الناس: يا محمد! هذا وهب بن
عمير، يزعم أنك آمنتني، فذكر نحو حديث الباب، وفيه فنزل، وسار مع
رسول الله وَله إلى حنين، قال: والله لقد أعطاني النبي وَّل، وإنه لأبغض الناس
إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إلي، مات أيام شهادة عثمان،
وقيل: في أوائل خلافة معاوية - رضي الله عنه -.
(فأسلمت) بنت الوليد زوجة صفوان (يوم الفتح)، أي فتح مكة، قال
الباجي(١): يحتمل من جهة اللفظ أن تكون أسلمت في وقت تُمْكِنُ الهجرة فيه،
(١) ((المنتقى)) (٣٤١/٣).
٥٤٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حدیث
وَهَرَبَ زَوْجُهَا صَفْوَانُ بْنُ أَميَّةً مِنَ الْإِسْلَامِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ
ابْنَ عَمِّهِ
صَلى الله
وسام
وذلك قبل الفتح، لأنه قال: أسلمن بأرضهن، ولم يُهاجرن، ولو كان وقت لا
يمكن فيه الهجرة لما احتاج إلى نفي الهجرة منهن، لأن تلك حال سائر النساء
لا يُمْکن سواها .
ثم قال: منهن بنت الوليد، وأما من أسلمت بعد الفتح فقد فاتتها
الهجرة، وعاتكة أسلمت يوم الفتح، وفي ذلك اليوم فَرَّ زوجُها، لكنه إنما
أضافها إلى من لم تهاجر، وصفها بعدم الهجرة لأن القرآن إنما أنزل بحكم من
هاجر، اهـ.
(وهرب زوجها صفوان بن أمية) مع غلامه المسمى بيسار، قال صاحب
((الخميس))(١): لما علم صفوان أن النبي ◌َللمر أهدر دمه، هرب مع عبد له اسمه
يسار إلى جدة، يريد أن يركب منها إلى اليمن، اهـ. وفي ((المجمع)): لم يلقوا
قتالاً، أي في فتح مكة إلا فوج خالد بن الوليد، فإنه لقيه صفوان بن أمية،
وسهيل بن عمرو، وعكرمة، فاقتتلوا، فقتل ثمانية وعشرون منهم، ورجلان من
المسلمين، اهـ. فانهزم الباقون منهم صفوان.
قال الحافظ: ذكر ابن إسحاق أن أصحاب خالد لقوا ناساً من قريش،
منهم سهيل بن عمرو وصفوان بن أمية، كانوا تجمّعوا بالخدمة مكان أسفل
مكة ليقاتلوا المسلمين، فناوشوهم شيئاً من القتال، فقتل من المشركين اثنا
عشر أو ثلاثة عشر وانهزموا، اهـ.
(من الإسلام) يريد أنه فرّ لئلا يدخل في الإسلام بغضاً له في الإسلام،
ولم يفر من القتل لأنه لو أسلم أمن من القتل (فبعث إليه) أي إلى صفوان
(رسول الله ◌َّ﴿ ابن عمه)، أي إلى ابن عم صفوان، قال الباجي(٢): أرسل
(١) ((تاريخ الخميس)) (٩٣/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٤١/٣).
٥٤٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ .
ابن عمه لسكون صفوان إلى قوله وثقته به وقرابته منه ومعرفته بإشفاقه، اهـ.
قلت: والوارد في الروايات أن ابن عمه هذا هو الذي استأمن له
رسول الله 18 كما تقدم قريباً عن ابن الأثير في ترجمة صفوان (وهب بن
عمير) بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي كان
من أحفظ الناس، فكانت قريش تقول: له قلبان، من شدة حفظه، فأنزل الله
تعالى: ﴿َّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهٍ﴾(١).
فلما كان يوم بدر أقبل منهزماً ونعلاه واحدة في يده، والأخرى في
رجله، فقالوا: ما فعل الناس؟ قال: هزموا، قالوا: فأين نعلاك؟ قال: في
رجلي، قالوا: فما في يدك؟ قال: ما شعرت، فعلموا أن ليس له قلبان، وذكر
الثعلبي هذه القصة لجميل بن معمر، قال ابن عبد البر: أسر وهب يوم بدر، ثم
قدم أبوه المدينة فأسلم، فأطلق له رسول الله وَ ◌ّلّ ابنه وهباً، فأسلم، وكان له
شرف وهو الذي بسط له رسول الله وَ له رداءه إذ جاءه يطلب الأمان لصفوان بن
أمية، ومات بالشام مجاهداً، اهـ.
قال الحافظ في ((الإصابة))(٢): له ذكر في ((الموطأ)) فذكر حديث الباب،
ثم قال: إن المعروف أن هذه القصة لأبيه عمير بن وهب، كذا ذكر موسى بن
عقبة وغيره من أهل المغازي، وذكر في ترجمة عمير عن ابن شهاب: لما رجع
كل المشركين إلى مكة أقبل عمير حتى جلس إلى صفوان بن أمية في الحِجر،
فقال صفوان: قَبَّحَ الله العيش بعد قتلى بدر، قال: أجل والله ما في العيش خير
بعدهم، ولولا دين علي لا أجد له قضاء، وعيال لا أدع لهم شيئاً لرحلت إلى
محمد فقتلته، فإن لي عنده علة أعتلّ بها عليه، أقول: قدمت من أجل ابني هذا
(١) سورة الأحزاب: الآية ٤.
(٢) (٣٢٧/٦).
٥٥٠

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
بردَاءِ رَسُولِ اللَّهِ وَ هَ. أَمَاناً لِصَفْوَانَ بْن أُمَيَّةَ، وَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَل
إِلَى الْإِسْلَامِ.
الأسير، ففرح صفوان، ثم ذكر القصة بتمامها من تكفل صفوان دينه وعياله
ومجيئه المدينة لفتك رسول الله 18 وإخباره وَل بما شرط صفوان وإسلامه لهذا
الخبر، وأطلق له رسول الله ◌َ ﴿ أسيره، ثم قال الحافظ: وله قصة مع صفوان،
حتى أسلم صفوان، وعاش عمير إلى خلافة عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
وقال ابن عبد البر: عاش إلى صدر من خلافة عثمان، ونص كلام
الحافظ أن قصة الباب لعمير، وظاهر كلام ابن عبد البر المذكور أنها لوهب،
وتقدم في ترجمة صفوان ما قال ابن الأثير أن عميراً وابنه كليهما جاءا يطلبان
الأمان، وبه یجمع بین الروايات.
(برداء رسول الله وَلـ) إعطاؤه رداءه ليتحقق بذلك صفوان ما يخبره به
وهب من تأمين النبي ◌َّ ودعائه إياه على حسب عادة العرب في ذلك من أن
من آمن معهم أحداً أعطاه سوطه أو رداءه أو حبلاً أو شيئاً يكون كالشاهد له
على التأمين، كذا في ((المنتقى)).
وتقدم عن ابن أثير: بعث إليه بردائه أو ببردة له، وقيل بعمامته التي دخل
بها مكة أماناً له.
وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق، قال: خرج صفوان يريد جدة
ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله! إن صفوان سيد قومه
وقد خرج هارباً منك ليقذف بنفسه في البحر، فآمِنْه صلى الله عليك، قال: هو
آمن، قال: يا رسول الله أعطني شيئاً ليعرف بأمانك؟ فأعطاه عمامته التي دخل
فيها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر (أماناً
لصفوان بن أمية) بعد أن أهدر دمه كما تقدم عن ((الخميس)).
(ودعاه رسول الله وَله إلى الإسلام)، قال الباجي: بمعنى أن يعرض عليه
٥٥١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
وَأَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ. فَإِنْ رَضِيَ أَمْراً قَبِلَهُ. وَإِلَّا سَيِّرْهُ شَهْرَيْنٍ، فَلَمَّا قَدِمَ
صَفْوَانُ
الإسلام، ويبين شرائعه وأحكامه وهديه، (وأن يقدم) بفتح الهمزة عطفاً على
الإسلام، ويقدم بفتح الدال (عليه) وَ لّ (فإن رضي أمراً) أي إسلاماً (قَبِلَه) يعني
إن رضي صفوان الإسلام التزمه، ودخل فيه (وإلاّ) أي إن لم يرضه وكرهه
(سَيِّره) بتشديد التحتية على صيغة الأمر من التسيير (شهرين) يقال: سَيَّره من
بلده أخرجه وأجلاه، والمعنى في الحديث تمكينه من السير في الأرض آمنا
حيث شاء لينظر في أحوال المسلمين، فإن شاء أسلمَ وإن شاء يرجع إلى دار
الحرب آمناً من غير أن يلحقه أحد ضرراً، كذا في ((المحلى)).
قال الباجي(١): سَيَّرَه شهرين يعني يُؤَمِّنُه فيهما لا يعرض له أحد، حكاه
ابن المزين عن عيسى بن دينار، قال الباجي: وعندي أن ذلك إنما كان ليتمكن
فيهما من الخروج إلى حيث يأمن من بلاد الشرك، قال أبو المطرف القنازعي:
هذا أصل في عقد الصلح بين المشركين والمسلمين مدة معلومة، وما قاله ليس
بالبين، وإنما هو تأمين لرجل من المشركين ليرى الإسلام وحاله، فإن رضيه
دخل فيه، وإلا كان آمناً مدة يمكنه أن يبلغ مأمنه إلا أن يريد أن يسمى التأمين
صلحاً مجازاً، ولأن المؤمن أيضاً يأمنه من أمنه.
لكن لهذا المعنى اسم يختص به، وهو التأمين، والصلح اسم لمعنى آخر
يختص به، وتختلف أحكامها لأن المصالح يملك نفسه، ويجري علیه حکمه،
والمُؤَمَّنُ لا يملك نفسه، ولا يجري عليه حكمه، وإنما يجري عليه حكم من
أَمنَهَ .
(فلما قدم صفوان) أي رجع مع وهب من جدة. وقد أدركه يريد أن يركب
البحر، قال ابن التركماني(٢): أدركه وهو يريد أن يركب البحر فرجع به، وذكره
(١) ((المنتقى)) (٣٤١/٣).
(٢) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (١٨٦/٧).
٥٥٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَّه بِرِدَائِهِ، نَادَاهُ، عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا
مُحَمَّدُ! إِنَّ هُذَا وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ جَاءَنِي بِرِدَائِكَ. وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي
إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ. فَإِنْ رَضِيتُ أَمْراً قَبِلْتُهُ. وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ))
القدوري في ((التجريد)) عن الواقدي أنه أدركه بمرفأ السفن لأهل مكة، ومنه
ركب المسلمون في الهجرة إلى الحبشة، ومنه أخذت قريش السفينة التي سقفت
بها الكعبة، وهذه المواضع من توابع مكة وفي حكمها، فلم يختلف به وبزوجته
الدار، اهـ.
(على رسول الله وَ ليل بردائه) وكان راكباً على فرسه (ناداه) وَلقر (على رؤوس
الناس) أي جهراً يريد إشهار تأمينه والإعلان به، ويحتمل أن يكون لكفره قد
خاف أمراً من النبي بَّر، أو أعلن ليعلم ذلك أصحابه، فربما خفي ذلك على
بعضهم فاغتاله، وبدأ بقتله، أو أراد تحقيق ما جاء به ابن عمه لتجويزه الوهم
عليه .
(فقال) منادياً: (يا محمد) وَلّ (إن هذا وهب) بالنصب والرفع (ابن عمير
جاءني بردائك) شاهداً على التأمين (وزعم) أي قال (أنك دعوتني إلى القدوم
عليك فإن رضيت) بضم التاء على المتكلم (أمراً) أي الإسلام (قبلتُه وإلا
سيرتني) إن أجزتني أن أسيح في الأرض (شهرين، فقال رسول الله وَليل: انزل)
عن فرسك (أبا وهب) إحدى كنيتي صفوان، خاطبه بها إكراماً واستئلافاً .
قال عيسى بن دينار من رواية ابن مزين عنه: لا بأس أن يكنى اليهودي
والنصراني، كما فعل رسول الله وَ ل بصفوان وكان مشركاً، وقال غيره: لا
يكنى اليهودي ولا النصراني؛ لأنه عز اسمه ألزمهم الذلة والصغار، وفي تكنيته
تعظيمه، وإنما كان رسول الله صل* يدعو العرب خاصة بكناها مع الإشراك
استئلافاً لها بذلك، فكأنه قصر ذلك على مشركي العرب خاصة دون غيرهم،
وفيه تأمل، والكنى قد يدعى بها على غير سبيل الإكرام، إما لشهرتها، فهذا لا
٥٥٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. لَا أَنْزِلُ حَتَّى تُبَيِّنَ لِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((بَلْ
لَكَ تَسِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)) فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ قِبَلَ هَوَازِنَ
﴾﴾ فكناه
اختلاف في جوازه، وقد قال تعالى: ﴿تَبَّتْ بَدَآ أَبِ لَهَبٍ وَتَبَّ
لاشتهاره بها ولم يرد إكرامه ولا استئلافه، أما الكنية على سبيل الإكرام فهي
التي يصح فيه الاختلاف، كذا في ((المنتقى)) مختصراً، وترجم البخاري في
((صحيحه)) بكنية المشرك، وبسط الكلام في ذلك الحافظان ابن حجر
والعيني(١).
(فقال) صفوان: (لا والله لا أنزل) عن فرسي (حتى تبين لي) صحة ما قال
وهب، قال الباجي(٢): يحتمل أن يريد به حتى تبيّن ما أنفذت به إلي. هل هو
على ما بلغني فأنزل، أو على غيره فأنظر فيه، فيكون التبيين حينئذٍ له خاصة
ليعلم وجه التأمين كيف هو، ويحتمل أن يريد حتى تبين لي بأن يسمع هؤلاء
تأمينك لي فأمن في المستقبل إذا اشتهر الأمان، أو تعلم بذلك أصحابك فلا
يكون منهم من أخاف.
(فقال رسول الله وَلو: بل لك) زيادة شهرين ضعف ما بلغك (تسير أربعة
أشهر) من إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، كقوله: يا سارق الليلة.
وفي أكثر النسخ ((تسير)) أجابه النبي والر بالزيادة في التأمين على ما بلغه
شرحاً لصدره ◌َ ﴿ إلى ما سينزل في قوله عز اسمه: ﴿فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةً
أَشْهُرٍ﴾ وإنما بالغ في ذلك النبي ◌َ ◌ّ استئلافاً له واستمالة إلى الإسلام، وليعلم
أنه ليس الغرض في قتله ولا التشفي منه لعداوته.
(فخرج رسول الله (َّه) من مكة بعدما افتتحها، وأقام فيها بضعة عشر
يبعث السرايا حول مكة (قِبَل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (هوازن)
(١) انظر: باب كنية المشرك، في ((فتح الباري)) (٥٩١/١٠)، و((عمدة القاري)) (٣٢٦/١٥).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٢/٣).
٥٥٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
بِحُنَيْنٍ. فَأَرْسَلَ إِلَى صَفْوَانَ بْنٍ أُمَيَّةَ يَسْتَعِيرُهُ أَدَاةً وَسِلَاحاً عِنْدَهُ.
قبيلة كبيرة فيها عدةُ بطون يُنْسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن
قيس عيلان بن إلياس بن مضر (بحنين) بحاء مهملة ونونين مصغراً، وادٍ بين
مكة والطائف، خرج إليها العاشر من شوال، أو قبيل ذلك في اثني عشر ألفاً
من أهل المدينة وألفين من الطلقاء.
(فأرسل) وَله (إلى صفوان بن أمية يستعيره) أي يستعير رسول الله وَل من
صفوان، قال ابن الهمام: فيه أنه عند الحاجة يتوسل إلى الجهاد إذا لم يكن
بالمسلمين قوة بالاستعارة من أهل الذمة بشرط الضمان لهم، اهـ. وقال
الباجي: العارية مباحة من الكافر وغيره، اهـ. (أداة) قال المجد: الأداة
الآلة،، جمعه أدوات، وفي ((المجمع)): يستعير أداة أي آلة الحرب من سلاح
ونحوه (وسلاحاً عنده).
قال ابن القاسم عن مالك: لا يجوز أن يلبس المسلم ثوباً لبسه كافر
حتى يغسله، وقال ابن الماجشون: إلا أن يكون من الثياب التي يفسدها الغسل
فليلبسها ويصلي فيها دون أن يغسلها، فعلى رواية ابن القاسم يحتمل أن يكون
من لبسها من الصحابة لم يستدم لبسها حين الصلاة، وعلى قول ابن الماجشون
يجوز أن يصلي فيها؛ لأن الدروع مما يفسدها الغسل، كذا في ((المنتقى))(١).
قال الموفق(٢): أما ثيابهم فما لم يستعملوه، أو عَلاَ منها، كالعمامة
والطيلسان والثوب الفوقاني، فهو طاهر، لا بأس بلبسه، وما لاقى عوراتهم،
كالسراويل والثوب السفلاني والإزار، فقال أحمد: أحبُّ إلي أن يُعيد
الصلاةَ، يعني من صلى فيه، ويحتمل وجهين: أحدهما: وجوب الإعادة،
وهو قول القاضي، وكره أبو حنيفة والشافعي الأزر، والسراويلات؛ لأنهم لا
(١) (٣٤٣/٣).
(٢) ((المغني)) (١١١/١).
٥٥٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
فَقَالَ صَفْوَانُ: أَطَوْعاً أَمْ كَرْهاً؟ فَقَالَ: (بَلْ طَوْعاً)). فَأَعَارَهُ الْأَدَاةَ
وَالسِّلَاحَ الَّتِي عِنْدَهُ. ثُمَّ خَرَجَ صَفْوَانُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ ل﴿ وَهُوَ كَافِرٌ.
فَشَهِدَ حُنَيْناً وَالطَّائِفَ،
يتحرّزون من النجاسة، فالظاهر نجاسة ما ولي مخرجها، والثاني: لا يجب
الإعادة، وهو قول أبي الخطاب؛ لأن الأصل الطهارة، فلا تزول بالشك،
اهـ.
(فقال صفوان: أطوعاً أم كرهاً، فقال:) وَلّ (بل طوعاً) وفي رواية:
أغصباً يا محمد؟ فقال: بل عاريةً مضمونةً حتى نردّها إليك، فقال: ليس بهذا
بأس (فأعاره الأداة والسلاح التي عنده) وفي رواية أبي داود: فأعاره ما بين
الثلاثين إلى الأربعين درعاً .
قال الزرقاني(١): وفي رواية: فأعطى له مائة درع بما فيها من السلاح،
فسأله وَّر أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس، ويقال: أعاره أربعمائة درع
بما يصلحها، وحكى ابن الهمام عن سيرة ابن إسحاق أربعمائة درع، قال: ثم
استحمله إياها، فحمله على مائتي بعير، وقال القسطلاني في ((المواهب)):
استعار منه مائة درع بأداتها .
قال الزرقاني (٢) على ((المواهب)): أي بآلاتها من التروس والخود،
ويقال: استعار أربعمائة درع بما يصلحها، فإن صح فالمائة داخلة في
الأربعمائة (ثم خرج) كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: ثم رجع أي من مكة
إلى حنين وغيره، والأول أوضح (صفوان مع رسول بَلَ وَّل وهو كافر) إذ ذاك
(فشهد) معه وَالّ (حنيناً والطائف) أي غزوتهما مع كفره.
قال الباجي(٣): لم يذكر أن رسول الله وَلو دعاه إلى الخروج، فيحتمل أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣/ ١٥٧).
(٢) ((شرح الزرقاني على المواهب)) (٤٩٩/٣).
(٣) («المنتقى)) (٣٤٣/٣).
٥٥٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
وَهُوَ كَافِرٌ. وَامْرَأَتُهُ مُسْلِمَةٌ. وَلَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
امْرَأَتِهِ .
يكون إنما خرج باختياره، ولم يدعه النبي وَّ إلى ذلك، لما روي عنه وَل أنه
لا يستعين بمشرك، ولم يمنعه من الخروج لما رجا أن يرى في طريقه وسفره
مع النبي ◌َِّ ما يُقَوِّي فى نفسه أمر الإسلام، فيكون سبباً لإسلامه، وهل المنع
لم يتناول خروجه معه، وإنما يتناول استعانته به؟ اهـ.
قال الموفق(١): لا يستعان بمشرك، وبهذا قال ابن المنذر،
والجوزجاني، وجماعة من أهل العلم، وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة
به، وكلام الخرقي يدل عليه أيضاً عند الحاجة، وهو مذهب الشافعي لخبر
صفوان بن أمية، ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين،
فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به، ووجه الأول ما روت عائشة
من قوله وقلقه: (لن أستعين بمشرك)) رواه الشيخان وغيرهما، اهـ.
وفي ((البذل))(٢) عن الشوكاني: إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين،
ذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه، تجوز
الاستعانة بالكفار والفُسّاق حيث يستقيمون على أوامره ونواهيه لاستعانته ول
بصفوان، وبإخباره وَلّ بأنها ستقع من المسلمين مصالحة الروم، ويغزون جميعاً
عدواً من وراء المسلمين. اهـ. وحكى ابن رسلان عن الشافعي وغيره الجواز
إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة به وإلا فيكره، اهـ.
(وهو) أي صفوان (كافر) إذ ذاك (وامرأته) اختلف في اسمها، كما تقدم
(مسلمةٌ، ولم يفرق رسول الله (َّليل بينه وبين امرأته) قال الباجي: يريد لم يفسخ
نكاحه، وأما التفرقة بأن لا يجامعها، فهي متيقنة، وإن لم يذكرها الراوي في
(١) ((المغني)) (٤١٤/٨).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٣٢/١٢).
٥٥٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٧) حديث
حَتَّى أَسْلَمَ صَفْوَانُ. وَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذْلِكَ النِّكَاحِ.
وقد روى بعض هذا الحديث مسلم في: ٤٣ - كتاب الفضائل، ١٤ - باب ما
سئل رسول الله وَ﴾ قط فقال: لا. وكثرة عطائه، حديث ٥٩.
حديثه (حتى أسلم صفوان) لكثرة عطائه و لتر، فقد روي عنه: لقد أعطاني
النبي ◌ُّ، وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يُعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس
إلي.
وفي (المحلى)): حكي أنه لما رجع النبي ◌َلّر من الطائف، ووصل إلى
الجعرَّانة بين شعب من شعابه، وكان مملوءاً من البعير والغنم والدواب، وكان
صفوان ينظر إليها، فنظر إليه النبي وَ ل# بموقه، وقال: ((أبا وهب يعجبك هذا؟))
قال: نعم، قال: ((وهبت لك كلها))، قال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل
هذا إلا نفس نبي، فأسلم هناك (واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح) السابق
الذي كان في الجاهلية لإسلامه في عدتها عند الجمهور.
قال الباجي(١): وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوالٍ؛ فعند
مالك أن الزوجة لا تبين من زوجها الكافر بنفس إسلامها، وروي عن ابن عباس
أنه قال: إذا أسلمت قبله بساعة حرمت عليه، وحديث ابن شهاب هذا، وإن
كان مرسلاً، ومراسيل ابن شهاب لا يُحتجّ بها غير أن هاتين القصتين: قصة
صفوان بن أمية، وقصة عكرمة قد شهرتا وتواتر خبرهما، فكان ذلك يقوم لهما
مقام الإسناد المتصل، ثم بسط الباجي في فروع المسألة.
وحاصل ما في الدردير(٢): أن الزوج إن أسلم، وكانت الزوجة كتابية،
می
(١) ((المنتقى)) (٣٤٣/٣).
(٢) انظر: ((الشرح الكبير)) (٢٦٨/٢).
٥٥٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٨) حديث
٤٥/١١٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ؛ أَنَّهُ قَالَ:
كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِ صَفْوَانَ وَبَيْنَ إِسْلَامِ امْرَأَتِهِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرِ.
يُقَرُّ على النكاح، وإن كانت غير كتابية، فإن أسلمت بقرب إسلامه كالشهر يُقَرُّ
على النكاح، إلا أنها إن عرض عليها الإسلام، فأبت الإسلام فلا يُقَرُّ على
النكاح، وإن أسلمت بعد ذلك بقرب، وإن أسلمت الزوجة أولاً، سواء كانت
كتابية أو غيرها، ثم أسلم الزوج في عدتها يقرّ على النكاح، وإن أسلمت قبل
البناء بانت مكانها لعدم العدة حينئذٍ، ولا تحل له إلا بعقد جديد.
وفي ((البذل))(١): قال أبو حنيفة: تحصل الفُرقة بأحد ثلاثة أمور: انقضاء
العدة، أو عرض الإسلام على الآخر مع الامتناع عنه، أو بنقل أحدهما من دار
الإسلام إلى دار الحرب أو بالعكس، وسواء عنده الإسلام قبل الدخول، أو
بعده، اهـ.
٤٥/١١٠٨ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه قال: كان بين إسلام
صفوان وبين إسلام امرأته نحوّ من شهر) هكذا حكاه أبو عمر عن داود بن
حصين، كما تقدم في ترجمة فاختة بنت الوليد، وعند ابن إسحاق: رَدَّ
رسولُ اللهِ وَالَّ امرأةَ صفوان بعد أربعة أشهر، وبينه وبين قول الزهري بونٌ
بعيد، والأوجه الأول، لأن فتح مكة كان لعشر بقين من رمضان، فبايع
النبي ◌َ﴾ الرجال، ثم النساء، وكان إذ ذاك إسلام امرأته، كما تقدم في
ترجمتها .
وكان إسلام صفوان في أوائل ذي القعدة؛ لأنه وَّل انتهى إلى الجعرّانة
لخمس ليال خلَوْن من ذي القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة، وقسم غنائم حنین،
وكان فيها إسلام صفوان، فبينهما شهر وأيام، ويمكن أن يجمع بينهما أن ردّها
عليه كان بعد إسلامه بشهرين، ويمكن أن يكون أمره و له باستقرار نكاحها لما
(١) ((بذل المجهود)) (٣٧٣/١٠).
٥٥٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢٠) باب
(١١٠٨) حديث
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ، إِلَّا فَرَّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا
وَبَيْنَ زَوْجِهَا. إِلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِراً قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا .
وصل إلى المدينة بقصد الهجرة، فأرجعه النبي وَل# بقوله: ((لا هجرة بعد
الفتح)).
(قال ابن شهاب) المذكور (ولم يبلغنا أن امرأة) واحدة أيضاً (هاجرت
إلى الله ورسوله ◌َّله) مسلمة (وزوجها) الواو حالية (كافر مقيم بدار الكفر) وفي
نسخة: بدار الحرب (إلا فرّقت) بتشديد الراء من التفريق (هجرتها بينها وبين
زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجراً قبل أن تنقضي عدتها) قال صاحب
(المحلى)): فلو رجعت المرأة مسلمة وزوجها كافر مقيم بداره. فهما على
نكاحهما حتى تنقضي العدة، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، فلا يأتي الفرقة
عندهم بتباين الدارين إذا لم تنقض العدة، وقال أبو حنيفة: إنها تبين بتباين
الدارين، اهـ. قلت: وهكذا تقدم في المبحث السادس من أول الباب.
ويُشكل على قول الزهري ما رُوي أن النبيِ وَ﴿ رَدَّ ابنتَها زينب على
زوجها بعد ثمان سنين، وقيل: ست سنين، وقيل: سنتين، وجمع بينهما
الحافظ(١) بأن المراد بست سنين ما بين هجرة زينب وإسلامه، وهو بين في
المغازي فإنه أُسِر ببدر، فأرسلت زينب من مكة في فدائه، فأطلق لها بغير
فداء، وشرط النبي القر أن يرسل له زينب، فوفى له بذلك، والمراد بالسنتين أو
الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لٍَّ﴾ وقدومه
مسلماً، فإن بينهما سنتين وأشهراً.
قال الباجي(٢): وقد روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٢٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٣/٣).
٥٦٠