النص المفهرس
صفحات 481-500
٢٧ - كتاب النكاح (١٤) باب (١٠٩٨) حديث قلت: ما حكي عن علي - رضي الله عنه -، فالظاهر أن مذهبه - رضي الله عنه - هو ذاك، وقد تقدم قريباً عنه مبسوطاً فيمن سأل عن تزويجها، فقال: أرأيت لو طلّقها أليست ترجع إليك؟ وما حكي عن الحنفية يخالفه ما في الفروع، وما حُكِي من قول محمد في ((الآثار)) ليس بنصٍّ في عدم الحلّة بالتزويج، بل كلامه في الآثار نصٌّ في حلّتها بنكاح وغيره. وقال الموفق(١): إذا وطئ إحداهما ليس له وطء الأخرى قبل تحريم الموطوءة على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج، هذا قول علي وابن عمر والحسن والأوزاعي وإسحاقَ والشافعي، فإن رهَنها لم تحلّ له أختها، لأن منعه من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها، ولذا يحِلُّ له بإذن المرتهن في وطئها، وقال قتادة: إن استبرأها حلّت له أختها، لأنه قد زال فراشه، فأشبه ما لو زوّجها . وإن حَرَّم إحداهما على نفسه لم تُبَح الأخرى، لأن هذا لا يُحَرِّمها، إنما هو يمين يكفر، ولو كان يحرمها إلا أنه لعارض، متى شاء أزاله بالكفارة، فهو كالحيض والنفاس والإحرام والصيام، وإن كاتب إحداهما فظاهر كلام الخرقي أنه لا تحلّ له الأخرى، وقال أصحاب الشافعي: تحلّ له الأخرى، لأنها حُرِّمَتْ عليه بسبب لا يقدر على رفعه، فأشبه التزويج، ولنا: أنه بسبيل من استباحتها، اهـ. وقال ابن الهمام(٢): فيمن تزوّج أخت أمةٍ موطوءةٍ لا يطأ واحدةً منهما بعد العقد، حتى يحرم الأمة على نفسه بسبب كبيع الكل أو البعض والهبة مع التسليم والإعتاق أو بالكتابة والتزويج، وعن أبي يوسف: لا تحلّ المنكوحة بالكتابة، وقال ابن عابدين: في أسباب تحريم المملوكة ببيعها كلاً أو بعضاً، (١) ((المغني)) (٥٣٩/٩). (٢) ((فتح القدير)) (١٢٢/٣). ٤٨١ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب (١٥) باب التهي عن أن يصيب الرجل أمة كانت لأبيه وإعتاقها كذلك وهبتها مع التسليم، وكتابتها، وتزويجها بنكاح صحيح، بخلاف الفاسد إلا إذا دخل بها الزوج، فإنها لوجوب العدة عليها منه تحرم على المالك. ولا يؤثر الإحرام والحيض والرهن والإجارة والتدبير، لأن فرجها لا يحرم بهذه الأسباب، فإن عادت الموطوءة إلى ملكه بعد الإخراج سواء كان بفسخ أو بشراء جديد لم يحلّ وطء واحدة منهما حتى يحرمها على نفسه بسبب كما كان أولاً، اهـ. وقال الدردير(١): حلّت الأخت الثانية من كل مُحَرَّمَتَي الجمع، إذا أراد وطء الثانية بملك أو نكاح ببينونة السابقة أو زوال ملكٍ عنها بعتق، وإن لأجل أو كتابة أو إنكاح يكون صحيحاً لازماً أو فاسداً يمضي بالدخول أو أسرٍ أو إباق أو إياس أو بيع، ولا حيض وردّةٍ من أمة وإحرام ولا بيع خيار إلى آخر ما قال، قال الدسوقي: اقتصاره على العتق والكتابة يقتضي عدم حِلِّية الأخت بتدبير السابقة، اهـ. النهي عن أن يصيب - أي يجامع - الرجل أمة كانت لأبيه قد عرفت فيما سبق أن الوطء ثلاثة أنواع: وطء حلال، وهو وطء في نكاح صحيح أو ملك يمين، فيتعلق به تحريم المصاهرة إجماعاً، والثاني: الوطء بالشبهة، وهو الوطء في نكاح فاسد أو شراء فاسد، أو وطء امرأة ظنها امرأته أو أمة وأشباه هذا، فيتعلق به التحريم إجماعاً، كتعلقه بالوطء المباح إلا أنه لا يصير به الرجل محرماً لمن حرمت عليه، ولا يباح به النظر إليها، ووطء محرم حراماً محضاً، وهو الزنا، فيثبت به التحريم عند أحمد في رواية جماعة. وكذا عند الحنفية خلافاً لمالك والشافعي. (١) ((الشرح الكبير)) (٢٥٥/٢). ٤٨٢ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب وأما ما دون الوطء فقال الموفق(١): المباشرة فيما دون الفرج إن كان بغير شهوة لم تنشر الحرمة بغير خلاف نعلمه، وإن كانت بشهوة وكانت في أجنبية، فكذلك وإن كانت المباشرة لامرأة محللة له كامرأته أو مملوكته لم تحرم عليه ابنتها، وبه قال طاووس وعمرو بن دينار، وأما الأمة فمتى باشرها دون الفرج لشهوة. فهل يثبت به تحريم المصاهرة؟ فيه روايتان: إحداهما: ينشرها، روي ذلك عن ابن عمر وابن عمرو ومسروق، وبه قال القاسم، ومكحول، والنخعي، والشعبي، ومالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وعلي بن المديني، وهو أحد قولي الشافعي، والرواية الثانية: لا يثبت به التحريم. ومن نظر إلى فرج امرأة بشهوة فهو كلمسها بشهوة، فيه روايتان: إحداهما: ينشر الحرمة، روي ذلك عن عمر، وابن عمر، وعامر بن ربيعة، وابن عمرو، وهو قول القاسم والحسن ومجاهد ومكحول وحماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة؛ لما روي عن ابن مسعود مرفوعاً: ((من نظر إلى فرج امرأة لم تحلّ له أمها وابنتها))، والثانية: لا يتعلق به التحريم، وهو قول الشافعي وأكثر أهل العلم. وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر حرمة، وقال بعض أصحابنا: لا فرق بين النظر إلى الفرج وسائر البدن بشهوة، والصحيح خلاف هذا، فإن غير الفرج لا يقاس عليه، ولا خلاف نعلمه أن النظر إلى الوجه لا يثبت الحرمة، فكذلك غيره، ولا خلاف أيضاً في أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر حرمة؛ لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان بغير شهوة، فالنظر أولى، اهـ. وقال الجصاص(٢): اتفق أصحابنا والثوري ومالك والأوزاعي والليث (١) ((المغني)) (٥٣١/٩). (٢) («أحكام القرآن)) (١٢١/٢). ٤٨٣ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب والشافعي، أن اللمس بشهوة، بمنزلة الجماع في تحريم أم المرأة وبنتها، فكل من حرم بالوطء الحرام أوجبه باللمس إذا كان لشهوة، ومن لم يوجبه بالوطء الحرام لم يوجبه باللمس لشهوة، ولا خلاف أن اللمس المباح في الزوجة وملك اليمين يوجب تحريم الأم والبنت، إلا شيئاً يحكى عن ابن شبرمة أنه قال: لا تحرم باللمس، وإنما تحرم بالوطء الذي يوجب مثله الحد، وهو قول شاذٌّ قد سبقه الإجماع. وقد اختلف الفقهاء في النظر، هل يحرم أم لا؟ فقال أصحابنا جميعاً: إذا نظر إلى فرجها بشهوة كان ذلك بمنزلة اللمس في إيجاب التحريم، ولا يحرم النظر للشهوة إلى غير الفرج، وقال الثوري: إذا نظر إلى فرجها متعمداً حرمت عليه أمها وبنتها، ولم يشترط الشهوة، وقال مالك: إذا نظر إلى شعر جارية تلذذاً أو صدرها أو ساقها أو شيء من محاسنها تلذذاً حرمت عليه أمها وبنتها، وقال ابن أبي ليلى والشافعي: النظر لا يحرم ما لم يلمس، اهـ. وفي ((الدر المختار))(١): اللمس ونحوه كالدخول عند أبي حنيفة، قال ابن عابدين: لا يخفى أن المتون طافحةٌ بأن اللمس ونحوه، كالوطء في إيجابه حرمة المصاهرة من غير اختصاص بموضع دون موضع، لكن لما كانت الآية مصرحة بحرمة الربائب بقيد الدخول وبعدمها عند عدمه كان ذلك مظنة أن يتوهم أن خصوص الدخول لههنا لا بد منه، وأن تصريحهم بأن اللمس ونحوه يُوجب حرمة المصاهرة مخصوص بما عدا الربائب لظاهر الآية، فنقل التصريح عن أبي حنيفة بأنه قائم مقام الوطء هنا لدفع ذلك الوهم. ثم قال صاحب ((الدر)): وحرم أيضاً بالمصاهرة أصلُ ممسوسته بشهوةٍ ولو لشعرٍ على الرأس، وأصل ماسّته وناظرة إلى ذكره، والمنظور إلى فرجها (١) انظر: ((رد المحتار)) (١١١/٤). ٤٨٤ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب (١٠٩٩) حديث ٣٦/١٠٩٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهَبَ لاِبْنِهِ جَارِيَةً. فَقَالَ: لَا تَمَسَّهَا . الداخل وفروعهن لا المنظور إلى فرجها من مرآة أو ماء بالانعكاس كوطء دبر مطلقاً، قال ابن عابدين: قوله: مطلقاً أي سواء كان بصبي أو امرأة والعلة في عدم إيجاب وطء الدبر المصاهرة التيقن بعدم كون الوطء في الفرج الذي هو محل الحرث. وأورد عليه أن المسّ بشهوة يُوجب الحرمة، وهو فيه أقوى، وأجيب بأن العلة هي الوطء السبب للولد وثبوت الحرمة بالمسّ ليس إلا لكونه سبباً لهذا الوطء، ولم يتحقق فيه قيد بالفرج؛ لأنهم اتفقوا على أن النظر بشهوة إلى سائر أعضائها لا عبرة به، ما عدا الفرج، انتهى مختصراً. وقال الدردير(١): حرم بالعقد وإن لم يتلذذ أصول زوجته، وبتلذُّذه بزوجته، ولو بنظرٍ فصولُها كالملك يعني يحرم الأصول والفصول بالتلذُّذ لا بمجرد الملك، قال: وهو المراد بقوله تعالى: ﴿دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ فسر الإمام الدخول بالتلذّذ. ٣٦/١٠٩٩ - (مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب) هكذا بالبلاغ أخرجه البيهقي (٢) برواية ابن بكير عن مالك، وأخرج ابن أبي شيبة برواية ابن المبارك عن حجّاج عن مكحول أن عمر - رضي الله عنه - جرّد جاريةً له، فطلبها إليه بعض بنيه، فقال: إنها لا تحلّ لك، وبرواية أبي خالد الأحمر عن حجاج بلفظ جرد جارية له، ونظر إليها، فذكر بلفظه (وهب لابنه) أي لأحد من أبنائه لم يسم (جارية) كانت لعمر - رضي الله عنه - (فقال) بعد إعطائه (لا تمسّها) بشدة السين، قال الباجي(٣): قوله - رضي الله عنه - هذا لابنه، يقتضي صحة ملك (١) ((الشرح الكبير)) (٢٥١/٢). (٢) ((السنن الكبرى)) (١٦٢/٧). (٣) ((المنتقى)) (٣٢٦/٣). ٤٨٥ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب (١٠٩٩) حدیث فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتُهَا . وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: وَهَبَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابنه لمن لا يحلّ له وطؤها، وإنما نهاه عنه ليعرفه أنه قد جرى له ما حرم على ابنه وطؤها . (فإني قد كشفتها) هذا بيان لعلة منع ابنه عن مسّها، ومراده على مسلك المالكية ما قال الباجي: يريد أنه قد كشف عنها، ونظر إلى بعض ما تستره من جسدها على وجه طلب اللذة، قال ابن حبيب: من ملك أمة فتلذذ منها بتقبيل أو تجريد، أو مباشرة، أو ملاعبة، أو مغامرة، أو نظر إلى شيء من محاسنها نظر شهوة، فكل ذلك يحرم على ابنه، وعلى أبيه التلذذ بشيء منها إن ملكها بعده، ورواه ابن المواز عن مالك وزاد، وكذلك إن نظر إلى ساقها أو معصمها تلذذّاً، فلا تحلّ لابنه ولا لأبيه. وقال القاضي أبو الحسن: إن نظره إلى فرجها أو غيره من جسدها لا يحرمها، قال الباجي: فأما إن نظر إليها عند اشترائه أو مرض فقامت عليه، واطلعت على عورته، ومسّت ذلك منه، ففي كتاب ابن المواز عن مالك: لا يحرمها ذلك على أبيه ولا على ابنه، قال أصبغ: وذلك عندي إذا صحّ هذا، ولم يكن شيءٌ من اللذة بقلب، ولا بصرٍ، ولا يدٍ، ولا فعل، اهـ. وعند الجمهور إذاً كشفها عمر - رضي الله عنه - بنفسه، فوُجِد المسّ بالشهوة بداهة، وقال الشاه ولي الله في ((إزالة الخفاء)) بعد هذا الأثر: قال أبو حنيفة: النظر إلى الفرج يحرم، وقال الشافعي: لا، قال البيهقي: يشبه أن يكون الجماع هو المراد بالكشف، فإن أهل المروءات يكنُون عن الجماع بمثل هذا، اهـ. (مالك عن عبد الرحمن بن المجبر) على زنة المفعول من التجبير، اسمه أيضاً عبد الرحمن كابنه وأبيه، فهو عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب (أنه قال: وهب) عمه (سالم بن عبد الله) بن ٤٨٦ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب (١٠٩٩) حدیث الإِبْنِهِ جَارِيَةً. فَقَالَ: لَا تَقْرَبْهَا. فَإِنِّي قَدْ أَرَدْتُهَا، فَلَمْ أَنْشَطْ إِلَيْهَا . عمر - رضي الله عنه - هكذا أخرجه البيهقي(١) برواية ابن بكير عن مالك (لابنه جارية) لسالم، (فقال: لا تقربها) بفتح الراء يريد منعه من وطئها، والاستمتاع بها، وهذا اللفظ إذا اسْتُعِمل، فإنما معناه المنع من المنفعة المقصودة المعتادة من ملك العين، ولذا قال تعالى: ﴿وَلَ نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وإنما أراد المنع من أكلها، ولذا قال: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾(٢) وقال: ﴿أَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾. (فإني قد أردتها) يعني أنه أراد وطأها؛ لأن مثل هذا اللفظ من الإرادة والشهوة والكراهة متى علّق على عينٍ، فإنما يقتضي تعلّقه بالفعل المقصود منه، فإذا قال: أردت الجارية، فإنما يعني إرادة جماعها. وإذا قال: أردت الطعام اقتضى ذلك إرادة أكله إلا أن الإرادة هاهنا يحتمل أن يريد بها الإرادة بالقلب خاصة، وهذا لا يحرم إلا أن يقترن بها من المباشرة أو النظر ما يوجب التحريم، وأما مجرد الإرادة فلا يتعلق بها حكم، ويحتمل أن يريد به عالجتُها وحاولت ذلك منها، فهذا يتعلق به التحريم، كذا في ((المنتقى))(٣). (فلم أبسط لها) بالموحدة والسين المهملة كذا في جميع النسخ الهندية، قال صاحب ((المحلى)) بضم السين وكسرها، أي لم أتسع لجماعها، وفي أكثر النسخ المصرية(٤): فلم أنشط لها، وعزاه صاحب ((المحلى)) إلى رواية، فقال: وفي رواية بالنون والشين المعجمة من النشاط بمعنى الفرح، وفي نسخة الزرقاني: ((فلم أنبسط إليها)) من الانبساط، والمؤدى واحد أي لم ينتشر لها . (١) ((السنن الكبرى)) (١٦٢/٧). (٢) سورة طه: الآية ١٢١. (٣) ((المنتقى)) (٣٢٧/٣). (٤) ((الاستذكار)) (٣٥٧/١٦). ٤٨٧ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب (١١٠٠) حديث ٣٧/١١٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَبَا نَهْشَلِ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: إِنِّي رَأَيْتُ جَارِيَةً لِي مُنْكَشِفاً عَنْهَا، وَهِيَ فِي الْقَمَرِ. قال الباجي: لما وجد منه بالمحاولة ما يقتضي التحريم لزمه أن يخبر ابنه حين وهبه إياها بما يمنعه من الاستمتاع بها. وأخبره بوجه المنع منها، وهذا يلزم كل من وهب ابنه جاريةً جرى فيها ما يحرمها عليه أن يُعْلِمه بذلك ليتوقّاها . وإن لم يكن جرى منه ما يحرمها عليه أن يُبَيِّنَ له ذلك، فيعلم بذلك أنها مباحة له، فإن لم يتبين له أحدُ الأمرين، فقد قال ابن حبيب: لا يحل لولدٍ مسيسُ جارية ملكها أبوه، ولا لوالد مسيسُ جارية ملكها ولده إذا بلغ مبلغ من يلتذّ بالجواري خيفة أن يكون قد مسّها أو تلذّذ بشيء، حتى يبين الوالد للولد، والولد للوالد أنه لم يمسها ولا التَذَّ بشيء منها، اهـ ٣٧/١١٠٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن أبا نهشل) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الشين المعجمة آخره لام (ابن الأسود)، هكذا في جميع نسخ ((الموطأ)» المصرية والهندية مع الاختلاف فيهما بتنكير أسود في النسخ الهندية والتعريف في المصرية، وفي نسخة ((البيهقي)) برواية ابن بكير عن مالك بلفظ أبا نهشل الأسود بدون لفظ الابن، ولم يذكره الدولابي في ((الكنى))، وذكره الحافظ في أسماء ((التعجيل)) ورقم عليه لمالك فقط، فقال: الأسود أبو نهشل الأنصاري، ذكره ابن الحذّاء في ((رجال الموطأ)) لهذا الحديث، قال: ولا أعرف له ذكراً غير هذا، اهـ. (قال للقاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة (إني رأيت جارية لي منكشفاً عنها) ثيابها (وهي في) ضوء (القمر)، قال الباجي: يريد أنه رأى جارية قد انكشف ثوبها عنها وأن الموجب لذلك أو المعين عليه كونها في القمر، اهـ. والأوجه عندي أن الإنسان طالما يتنوَّر في القمر لا سيما منكشف الثياب فصار سبباً للمراودة. ٤٨٨ ٢٧ - كتاب النكاح (١٥) باب (١١٠١) حديث فَجَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ. فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقُمْتُ. فَلَمْ أَقْرَبْهَا بَعْدُ. أَفَأَهَبُهَا لاِبْنِي يَطَؤُّهَا؟ فَنَهَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ ذُلِكَ. ٣٨/١١٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ؛ أَنَّهُ وَهَبَ لِصَاحِبٍ لَهُ جَارِيَةً. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهَا. فَقَالَ: قَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَهَبَهَا لإِبْنِي، فَيَفْعَلُ بِهَا كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَمَرْوَانُ كَانَ أَوْرَعَ مِنْكَ. (فجلستُ) بصيغة المتكلم (منها مجلس الرجل من امرأته) يعني على شعبها الأربع (فقالت: إني حائض فقمت) عن المجلس (فلم أقربها بعدُ) مبني على الضم أي لم أجامعها بعد قولها ذاك، أو لم أقربها بعد ذلك بهذا القصد (أفأهبها) أي يجوز لي أن أهبها (لابني) هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها لأبي، ولفظ البيهقي يوافق الأول (يطؤها؟ فنهاه القاسم عن ذلك) أي عن الهبة للوطء، لا مطلق الهبة؛ لأن صحة ملك الأب أو الابن لا مانع لها، وإنما حرم عليه الاستمتاع منها لما أنه وجد من أبيه الالتذاذ بالنظر إليها . ومحاولة مجامعته لها، ومباشرة جسمه بجسمها على وجه الاستمتاع منها، ثم منعه من إتمام الجماع ما أخبرته به من أنها حائض، كذا في ((المنتقى))(١). ٣٨/١١٠١ - (مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة اسمه شمر بكسر الشين المعجمة (عن عبد الملك بن مروان) بن الحكم الأموي أحد ملوك بني أمية (أنه وهب لصاحب له جارية، ثم سأله عنها) أي عن حالها (فقال) مرتب على محذوف سيأتي (قد هممت أن أهبها لابني فيفعل بها كذا وكذا) كناية عن الجماع (فقال عبد الملك: لمروان) بفتح اللام جواب قسم أي والله لمروان أي أبوه (كان أورع منك). (١) (٣٢٧/٣ - ٣٢٨). ٤٨٩ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب وَهَبَ لاِبْنِهِ جَارِيَةً. ثُمَّ قَالَ: لَا تَقْرَبْهَا. فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ سَاقَهَا مُنْكَشِفَةً. (١٦) باب النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب قال الباجي(١): قوله: قد هممت إلخ لم يذكر أنه قد جرى له فيها ما يمنع ذلك، وهو كلام محذوف، وذلك أنه رُوِي أن الأب قد رامها فعجز عنها، كذلك رواه ابن حبيب عن مطرف عن مالك أنه قال: أردتها فلم أستطعها، وقد هممت أن أهبها لابني، ولذا قال له عبد الملك: لَمروانُ كان أورعَ منك، اهـ. ثم بَيِّنَ عبدُ الملك وجهَ أورعيّةٍ مروان، فقال: (وهب) مروان (لابنه) يحتمل أنه أراد نفسه أو غيره من إخوته (جارية، ثم قال) له بعد الإعطاء (لا تقربها) بفتح الراء أي لا تجامعها (فإني قد رأيت ساقها منكشفة) ومجرد النظر بالشهوة يكفي للتحريم عند المالكية، كما سبق في أول الباب، وعند الجمهور تحمل هذه الآثار على المسّ بالشهوة. قال الباجي: يريد أنه رآها مكشوفة، ولعله قصد اللذة والاستمتاع بالنظر إلى ذلك منها، فحرمت على ابنه بذلك أو لم يقصد ذلك، وأراد التناهي في الورع والتوقف عما فيه بعض الشبهة عنده، اهـ. (١٦) النهي عن نكاح إماء - جمع أمة - أهل الكتاب اعلم أولاً أن ههنا عدة مباحث مناسبة للباب: الأول: أنه لا اختلاف بين أهل العلم في حلِّ حرائر أهل الكتاب(٢)، (١) ((المنتقى)) (٣٢٨/٣). (٢) انظر: ((المغني)) (٥٤٥/٩ - ٥٤٦). ٤٩٠ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب قال ابن المنذر: لا يصحّ عن أحد من الأوائل أنه حرّم ذلك، وبه قال سائر أهل العلم، وحَرَّمَتْه الإمامية لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾(١) ﴿وَلَا تُفْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾(٢) ولنا، قوله تعالى: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ اُلْكِتَبَ﴾(٣) وإجماع الصحابة، وأما قوله عز اسمه: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ فروي عن ابن عباس أنها نسخت بالآية التي في سورة المائدة، وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان على آية المائدة. وقال آخرون: ليس هذا نسخاً، فإن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿لَّ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ﴾ الآية، ولغير ذلك من الآيات التي فصلت بينهما، إلا أن الأولى أن لا يتزوج كتابية؛ لأن عمر - رضي الله عنه -، قال للذين تزوّجوا من أهل الكتاب: طَلَّقُوهُنَّ، فطلقوهن إلا حذيفة، فقال له عمر: طَلِّقْها، قال: تشهد أنها حرام؟ قال: هي خمرة، إلى آخر ما قال الموفق. وقال الجصاص(٤): لا خلاف بين السلف وفقهاء الأمصار في نكاح الحرائر منهن إذا كن ذميّات، إلا شيئاً يروى عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه کرهه، اهـ. قلت: وهكذا حكى خلاف ابن عمر - رضي الله عنه - في ذلك غير واحد منهم الباجي، فقال: تعلق ابن عمر - رضي الله عنه - بعموم آية ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ في المنع من نكاح الحرائر الكتابيات، وقال: لا أعلم شركاً أعظم (١) سورة البقرة: الآية ٢٢١. (٢) سورة الممتحنة: الآية ١٠. (٣) سورة النساء: الآية ٢٤. (٤) ((أحكام القرآن)) (٣٣٤/٢). ٤٩١ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب ممن جعل الله صاحبة وولداً، وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) عن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح اليهودية والنصرانية، قال: إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى. وقال الجصاص(١): وقد اختلف في نكاح الكتابيات من وجه آخر، فقال ابن عباس: لا تحلُّ نساء أهل الكتاب إذا كانوا حرباً، وتلا قوله تعالى: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال الحكم: حدثت بذلك إبراهيم فأعجبه، ولم يفرق غيره ممن ذكرنا من الصحابة بين الحربيات والذميات، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (٢): صح نكاح كتابية وإن كره تنزيهاً، اهـ. وقال الدردير(٣): وحرم الكافرة إلا الحرة الكتابية، فيجوز نكاحها للمسلم بكره عند الإمام مالك، وأجازه ابن القاسم بلا كراهة، وهو ظاهر الآية، وتأكد الكره بدار الحرب، اهـ، قال ابن الهمام(٤): تكره الكتابية الحربية إجماعاً لانفتاح باب الفتنة من إمكان التعلق المستدعي للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر، اهـ. الثاني: أن المراد بأهل الكتاب، كما تقدم في أبواب الجزية هم أهل التوراة والإنجيل، فأهل التوراة اليهود والسامرة، وأهل الإنجيل النصارى ومن وافقهم في أصل دينهم من الأفرنج والأرمن وغيرهم، وأما الصائبون، فاختلف فيهم السلف كثيراً، فروي عن أحمد أنهم جنس من النصارى، ونصّ عليه الشافعي، وعلّق القول فيهم في موضع آخر، وعن أحمد أنه قال: بلغني أنهم (١) ((أحكام القرآن)) (٣٣٤/١). (٢) انظر: ((در المحتار)) (١٣٢/٤). (٣) ((الشرح الكبير)) (٢٦٧/٢). (٤) ((فتح القدير)) (١٣٥/٣). ٤٩٢ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب يسبتون، فهؤلاء إذاً يُشْبِهُون اليهودَ، والصحيح فيهم أنهم إن كانوا يوافقون النصارى أو اليهودَ في أصل دينهم، ويخالفونهم في فروعه، فهم ممن وافقوه، وإن خالفوهم في أصل الدين؛ فليس هم منهم. وأما من سوى هؤلاء من الكفار مثل المتمسك بصحف إبراهيم وشيث وزبور داود، فليسوا بأهل كتاب، ولا تحلّ مناكحتهم ولا ذبائحهم، وهذا قول الشافعي، وذكر القاضي فيهم وجهاً آخر: أنهم من أهل الكتاب وتحلّ ذبائحهم ونكاح نسائهم ويقرّون بالجزية؛ لأنهم تمسَّكُوا بكتاب من كتب الله، فأشبهوا اليهود. ولنا، قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَبُ﴾(١) الآية، ولأن تلك الكتب كانت مواعظ وأمثالاً، لا أحكام فيها، وليس للمجوس كتاب، ولا تحلّ ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، وهو قول عامة العلماء إلا أبا ثور، فإنه أباح ذلك؛ لقوله ويثير: ((سنوا بهم سنةَ أهل الكتاب))، ولأنه يروى أن حذيفة - رضي الله عنه - تزوّج مجوسيةً، ولأنهم يقرون بالجزية. ولنا، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾، ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ فرخّص من ذلك في أهل الكتاب، فمن عداهم يبقى على العموم، ولم يثبت أن للمجوس كتاباً، وسئل أحمد أيصح أن للمجوس كتاباً؟ فقال: هذا باطل، واستعظمه جداً، وقوله وَله: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) دليل على أنه لا كتاب لهم، وإنما أراد به النبي ◌َّ في حقن دمائهم وإقرارهم بالجزية لا غير. وذلك أنهم لما كانت لهم شبهة كتاب غلب ذلك في تحريم دمائهم، فيجب أن يغلب حكم التحريم لنسائهم، وذبائحهم، ولم يثبت أن حذيفة تزوّج مجوسية، وضعف أحمد هذه الرواية، وقال أبو وائل يقول: تزوّج يهودية، وهو (١) سورة الأنعام: الآية ١٥٦. ٤٩٣ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب أوثق ممن روى عنه أنه تزوّج مجوسية، وقال ابن سيرين: كانت امرأة حذيفة نصرانية، ومع تعارض الروايات لا يثبت حكم إحداهن إلا بترجيح، على أنه لو ثبت ذلك عن حذيفة، فلا يجوز الاحتجاج به مع مخالفة الكتاب، وقول سائر العلماء(١)، اهـ. وقال الزرقاني(٢): المراد بالكتاب التوراة والإنجيل، لا المجوس وإن كان لهم شبهة کتاب إذ لا کتاب بأیدیھم، وكذا من تمسك بصحف شیٹ وإدریس وإبراهيم وزبور داود؛ لأنها لم تنزل بنظم يدرس ويتلى، وإنما أوحى إليهم معانيها أو أنها لم تتضمن أحكاماً وشرائع، بل كانت حكماً ومواعظ، اهـ. وفي ((الدر المختار))(٣): صحّ نكاحُ كتابيةٍ مؤمنة بنبي مرسل، مقرة بكتاب منزل، وإن اعتقدوا المسيح إلهاً، وكذا حلّ ذبيحتهم على المذهب، لا نكاح عابدةٍ كوكبٍ لا كتاب لها، ولا وطؤها بملك يمين، والمجوسية والوثنية، قال ابن عابدين: قوله: مُقِرّةٍ بكتاب أن من اعتقد ديناً سماوياً وله كتاب مُنَزَّلٌ، كصحف إبراهيم وشيث، وزبور داود، فهو من أهل الكتاب، فيجوز مناكحتهم وأكل ذبائحهم، قوله: على المذهب أي خلافاً لما في ((المستصفى)) من تقييد الحلِّ بأن لا يعتقدوا ذلك، وقوله: لا عابدة كوكب لا كتاب لها، هذا معنى الصابئة المذكورة في المتون على أحد التفسيرين فيها . قال في ((الهداية)) (٤): يجوز تزوّج الصابئات إن كانوا يؤمنون بدين نبي ويُقِرُّون بكتاب، لأنهم من أهل الكتاب، وإن كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب (١) انظر: ((المغني)) (٥٤٦/٩ - ٥٤٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٠/٣). (٣) انظر: ((رد المحتار)) (١٣٢/٤). (٤) (١٨٨/١). ٤٩٤ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب لهم، لم تجز مناكحتهم؛ لأنهم مشركون، والخلافُ المنقولُ بين الإمام القائل بالحلِّ بناءً على أن لهم كتاباً، ولكنهم يُعَظِّمُون الكواكبَ كتعظيم المسلم الكعبةَ، وبين صاحبيه القائلَين بعدم الحلّ بناء على أنهم يعبدون الكواكب محمولٌ على اشتباه مذهبهم، فكلٌّ أجاب على ما وقع عنده، وعلى هذا حال ذبیحتهم . قوله: والمجوسية، عدم جواز نكاحهم ولو بملك يمين مجمعٌ عليه عند الأئمة الأربعة خلافاً لداود، بناءً على أنه كان لهم كتابٌ ورُفِع، وتمامه في ((فتح القدير))، اهـ. وقال ابن الهمام(١): الكتابي من يؤمن بنبي ويُقِرُّ بكتاب، والسامرية من اليهود، ومن آمن بزبور داود وصحف إبراهيم وشيث، فهم أهل كتاب تحلّ مناکحتُھم عندنا، اهـ. والثالث: ما في ((الدر المختار))(٢): المجوسي ومثله كوثني وسائر أهل الشرك شر من الكتابي، والنصراني شر من اليهودي في الدارين، لأنه لا ذبيحة له، بل يخنق كمجوسي، وفي الآخرة أشدُّ عذاباً، قال ابن عابدين: قوله: النصراني شرٌّ من اليهودي، كذا نقله في ((البحر) عن ((البزازية)) و((الخبازية)) ونقل عن ((الخلاصة)) عكسه، وفي أضحية ((الولوالجية)): يكره الأكل من طعام المجوسي والنصراني؛ لأن المجوسي يطبخ المنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنصراني لا ذبيحة له، وإنما يأكل ذبيحة المسلم أو يخنق، ولا بأس بطعام اليهودي، لأنه لا يأكل إلا من ذبيحة اليهودي أو المسلم. فعلم أن النصراني شرٌّ من اليهودي في أحكام الدنيا، قوله: أشدُّ عذاباً؛ (١) ((فتح القدير)) (١٣٥/٣). (٢) انظر: ((رد المحتار)) (٣٦٩/٤). ٤٩٥ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب لأن نزاع النصارى في الإلهيات، ونزاع اليهودي في النبوات، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُّ أَبْنُ اللَّهِ﴾ كلام طائفةٍ منهم قليلةٍ، وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً﴾ الآية، لا يَرد، لأن البحث في قوة الكفر وشدته، لا في قوة العداوة وضعفها، اهـ. قال الرازي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾(٢) الآية: إنه تعالى لما ذكر من أحوال أهل الكتاب، اليهود والنصارى ما ذكره ذكر في هذه الآية أن اليهود في غاية العداوة مع المسلمين، ولذلك جعلهم قرناء للمشركين في شدة العداوة. وقيل: نَبّه على أنهم أشدّ في العداوة من المشركين من جهة أنه قَدَّمَ ذكرهم على ذكر المشركين، ولعمري إنهم كذلك، وعن النبي وَلّ: ((ما خلا يهوديان بمسلم إلا هَمَّا بقتله)) وذكر الله تعالى أن النصارى ألين عريكةً من اليهود، وأقرب إلى المسلمين منهم. وههنا مسألتان: الأولى: قال ابن عباس وغيره: إن المراد به النجاشى وقومه لا جميع النصارى، وقال آخرون: مذهب اليهود إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، فإن قدروا على القتل فذاك، وإلا فبغصب المال أو بنوع من المكر، وأما النصارى فليس مذهبهم ذاك، بل الإيذاء في مذهبهم حرام، فهذا هو وجه التفاوت. والمسألة الثانية: المقصود من بيان هذا التفاوت تخفيف أمر اليهود على الرسول بأن التمرد والمعصية عادة قديمة لهم، فَفَرِّغ خاطرك عنهم، ولا تُبالِ بمكرهم وكيدهم، ثم بيّن - عز اسمه - سبب هذا التفاوت، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ (١) (٦٥/١٠). (٢) سورة المائدة: الآية ٨٢. ٤٩٦ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب مِنْهُمْ﴾ الآية، فِعلّة لهذا التفاوت أن اليهود مخصوصون بشدة الحرص على الدنيا . والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنَجِدَتَهُمْ أَخْرَصََ النَّاسِ عَلَى حَيَوْةٍ﴾(١) الآية، فقرنهم في الحرص بالمشركين، والحرص معدن الأخلاق الذميمة؛ لأن من كان حريصاً على الدنيا طرح دينه في طلب الدنيا، وأقدم على كل محظور ومنكر لطلب الدنيا، فلا جرم تشتد عداوته مع كل من نال مالاً أو جاهاً، وأما النصارى فهم في أكثر الأمر معرضون عن الدنيا مقبلون على العبادة، وكل من كان كذلك لا يحسد الناس، فهذا هو الفرق بين الفريقين. وههنا دقيقة، وهو أن كفر النصارى أغلظ من كفر اليهود، لأن النصارى ينازعون في الإلهيات والنبوات، واليهود لا ينازعون إلا في النبوات، ثم إن النصارى مع غلظ كفرهم، لما لم يشتدّ حرصهم على طلب الدنيا شَرَّفهم الله بقوله: ﴿وَلَنَجِدَنَّهُمْ﴾ الآية، واليهود مع أن كفرهم أخفُّ في جنب النصارى، طردهم وخصهم بمزيد اللعن، وما ذاك إلا بسبب حرصهم على الدنيا، وذلك يُنَبِّهك على صحة قوله وَ طاهر: ((حب الدنيا رأس كل خطيئة))، اهـ. وقريب منه ما في ((الجمل)) عن ((الخازن)). الرابع: ما في ((المغني)) (٢): أن أمته الكتابية حلال له، وهذا قول عامة أهل العلم إلا الحسن البصري، فإنه كرهه؛ لأن الأمة الكتابية يحرم نكاحها، فحرم التّسَرِّي بها كالمجوسية، ولنا، قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَ أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَكَتْ أَيْمَهُهُمْ﴾ الآية، ولأنها ممن يحلّ نكاح حرائرهم، فحلّ له التسري بها كالمجوسية، اهـ. (١) سورة البقرة: الآية ٩٦. (٢) (٥٥٢/٩). ٤٩٧ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب وقال الجصاص(١): لا خلاف بين الفقهاء في إباحة وطء الأمة الكتابية بملك اليمين، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): للحر أن يتزوج أربعاً من الحرائر والإماء، وليس له أن يتزوج أكثر من ذلك، قال ابن الهمام(٣): وأما الجواري فله ما شاء منهن، وفي ((الفتاوى)): رجل له أربع نسوة وألف جارية أراد أن يشتري جارية أخرى، فلامه رجل آخر يخاف عليه الكفر، اهـ. '۔۔ الخامس: ما في ((المغني)) (٤): أن من حرّم نكاح حرائرهم من المجوسيات وسائر الكوافر سوى أهل الكتاب، لا يباح وطء الإماء منهن بملك اليمين في قول أكثر أهل العلم، منهم الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي، قال ابن عبد البر: على هذا جماعة فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء، وما خالفه فشذوذٌ لم يُعَدَّ خلافاً، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاووس، ووجه قوله عموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ وروى أبو سعيد أن رسول الله وَلل بعث يوم حنين بعثاً قبل أوطاس، فأصابوا منهم سبايا، الحديث، وفيه نزول قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ الآية. وعنه، أن رسول الله وَ ل قال في سبايا أوطاس: ((لا توطأ حامل حتى تضع)) الحديث، رواهما أبو داود، وهو حديث صحيح وهم عبدة أوثان، وهذا ظاهر في إباحتهن، ولأن الصحابة في عصر النبي ﴿ كان أكثر سباياهم من كفار العرب، وهم عبدة أوثان، فلم يكونوا يرون تحريمهن لذلك، ولا نقل عن النبي وَ ط ﴿ تحريمهن، ولا أمر الصحابة باجتنابهن، وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهم مجوس، ولم يبلغنا أنهم اجتنبوهن، وهذا ظاهر في إباحتهن لولا اتفاق أهل العلم على خلافه. (١) ((أحكام القرآن)) (١٦٤/٢). (٢) (١٨٩/١). (٣) ((فتح القدير)) (١٤٣/٣). (٤) (٥٥٢/٩). ٤٩٨ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب وقد أجبت عن حديث أبي سعيد بأجوبة، منها: أنه يحتمل أنهن أسلمن، كذلك روي عن أحمد وقد سئل عن هوازن، أليس كانوا عبدة أوثان؟ قال: لا أدري كانوا أسلموا أو لا، وقال ابن عبد البر: إباحة وطئهن منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾ الآية. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (١): وطء السبايا حينئذ هل كان وهو على الوثن أو بعد ما أسلم؟ وقد أجاز ذلك عطاء وعمرو بن دينار، ومنعه سائر الناس، وقال بعض المتأولين: إن ذلك السبي لم يوطأ واحدة منهن حتى أسلمت، وهذه قلة بصيرة في الحديث، ففي الصحيح واللفظ لمسلم عن أبي سعيد قال: ((غزونا بني المصطلق فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا في الفداء، وأردنا أن نعزل))، الحديث، فلو أسلموا فافدوا (٢) بهن، اهـ. وقال ابن الهمام (٣): أجاز سعيد بن المسيب وعطاء وطاووس وعمرو بن دينار وطء المشركة والمجوسية بملك اليمين لورود الإطلاق في سبايا العرب كأوطاوس وغيرها وهن مشركات، والمذهب عندنا وعند عامة أهل العلم منع ذلك، اهـ. وسيأتي الجواب عن هذه السبايا في باب العزل أيضاً. وحكى العيني إباحة وطء الوثنيات والمجوسيات عن ابن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد، وقال: هذا قول شاذٍّ لم يلتفت إليه أحد من العلماء، واتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز وطء الوثنيات، اهـ. السادس: نكاح الأمة الكتابية، وهي مسألة الباب، قال الموفق(٤): وليس (١) ((عارضة الأحوذي)) (٦٦/٥). (٢) كذا في الأصل. (٣) ((فتح القدير)) (١٣٨/٣). (٤) («المغني)) (٥٥٤/٩). ٤٩٩ ٢٧ - كتاب النكاح (١٦) باب للمسلم وإن كان عبداً أن يتزوج أمة كتابية؛ لقوله تعالى: ﴿مِّن فَيَتِكُمُ اُلْمُؤْمِنَتِ﴾ هذا ظاهر مذهب أحمد، رواه عنه جماعة، وهو قول الحسن والزهري ومالك والشافعي والثوري والأوزاعي والليث وإسحاق، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود ومجاهد، وقال أبو ميسرة وأبو حنيفة: يجوز للمسلم نكاحها؛ لأنها تحلّ بملك اليمين، فحلّت بالنكاح، ونُقل ذلك عن أحمد، قال: لا بأس بتزويجها إلا أن الخلاّل ردّ هذه الرواية، وقال: إنما توقف أحمد فيها، ولم ينفذ له قول، ومذهبه أنها لا تحلّ، ولا فرق بين الحر والعبد في تحريم نكاحها، اهـ. وقال الدردير(١): الأمة الكتابية يجوز وطؤها لمالكها المسلم بالملك بخلاف نكاحها، فلا يجوز لمسلم ولو عبداً خشي العنت أم لا، ولو كانت مملوكة لمسلم، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): يجوز تزويج الأمة مسلمة كانت أو كتابية، وقال الشافعي: لا يجوز للحر أن يتزوج بأمة كتابية. قال ابن الهمام(٣): قيد الحر غير مفيد؛ لأن الشافعي - رحمه الله - لا يجيز للعبد المسلم الأمة الكتابية، وعن مالك وأحمد كقوله، وعنهما كقولنا، فعندنا الجواز مطلق في حالة الضرورة، وعدمها في المسلمة والكتابية، وعند طول الحرة وعدمه، لإطلاق المقتضى من قوله تعالى: ﴿فَأَنكِحُواْ مَا طَابَ الآية ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ فلا يخرج منه شيء إلا بما يوجب التخصيص، ولم ينتهض ما ذكروا حجة مخرجة. (١) ((الشرح الكبير)) (٢٦٧/٢). (٢) (١٨٩/١). (٣) ((فتح القدير) (١٤٠/٣). ٥٠٠