النص المفهرس

صفحات 441-460

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٨٩) حديث
فِيهِ، لَرَجَمْتُ.
والأوجه ما في ((المحلى)) إذ قال: تقدمت ورجمت بزنة المتكلم المعلوم
فيهما، يعني لو أعلمت الناس أنه لا يحل نكاح إلا بشاهد وامرأتين، حتى
تعرفوا لرجمت فيه بعد تقدمي مَنْ فعله، كذا فسره الشافعي في ((الأم))، وقد
ضبطهما بعضهم بصيغة الخطاب بزنة المجهول، انتهى. وسيأتي عن عمر -
رضي الله عنه - نحو هذا القول في نكاح المتعة أيضاً، ووجّه هناك الباجي
معناه لو أعلمت الناس برأيي في ذلك بتحريمه ووجوب الحدّ فيه لأقمت الحد،
لأن الأحكام لا تجري عند الخلاف إلا على رأي الإمام، انتهى.
(فيه) أي في هذا الحكم (لرجمت) لأن البينة لم تكمل، وقد قال
النبيِ وَّ: ((البغايا اللاتي يُنْكحن أنفسَهن بغير بيِّنةٍ))، رواه الترمذي عن
ابن عباس، وقال: لم يرفعه غير عبد الأعلى، وقد وقفه مرة، والوقف أصحُّ،
قال ابن تيمية: هذا لا يقدح، لأن عبد الأعلى ثقة. فيقبل رفعه وزيادته. كذا
في ((المحلى)).
قال الباجي(١): قال ابن حبيب: إنما هذا من عمر - رضي الله عنه - على
وجه التشديد في الزجر عنه والمنع، ولا رجم ولا حَدّ إذا وقع، ولكن العقوبة.
قال الباجي: ويحتمل عندي في قول عمر - رضي الله عنه - أنه يوجب الحدَّ فيه
إذا لم يقع الإشهاد به، وظهر بهما بعد البناء والإقرار بالوطء من غير إعلان
ولا إشهاد، وكذلك روي أن قول عمر - رضي الله عنه - إنما كان في امرأة
مولّدَة تزوّجها ربيعة بن أمية الجمحي نكاح سِرٍّ، فَحَمَلَتْ منه، فَدَرَأ عنهما الحد
عمر - رضي الله عنه - لما لم يكن تقدم في ذلك، فيكون قول عمر: لو كنت
تقدمت، بمعنى أنه لو تقدم في ذلك تقدماً لمنع هذين الناكحين علمه، ولا
يكونان ممن يجهل حكمه فيه لرجمتهما، لما ظهر من حمل المرأة دون بينة
تشهد بعقد النكاح، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٣١٤/٣).
٤٤١

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
٢٧/١٠٩٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ. وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ؛
قلت: لكن الحافظ في ((الإصابة)) ذكر في ترجمة ربيعة قصة المتعة الآتية
في ((الموطأ)) لا قصة نكاح السِرِّ، وأخرج البيهقي أيضاً في ((سننه)) حديث
الباب، وحديث ربيعة في المتعة مثل (الموطأ)).
وقال الموفق(١): لا حدَّ في وطء النكاح الفاسد سواء اعتقد حلته أو
حرمته، وعن أحمد ما يدل على أنه يجب الحد بالوطء في النكاح بلا ولي، إذا
اعتقد حرمته، ولنا أن هذا مختلف في إباحته، فلم يجب به الحد كالنكاح بغير
شهود، انتھی.
وقال أيضاً في الحدود: لا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه
كنكاح المتعة والشِغار، والتحليل والنكاح بلا ولي ولا شهود، ونكاح الأخت
في عدة الأخت البائن، ونكاح الخامسة في عدة الرابعة البائن، ونكاح
المجوسية، وهذا قول أكثر أهل العلم، لأن الاختلاف في إباحة الوطء فيه
شبهة، والحدود تُدُرأ بالشبهات، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من
أهل العلم أن الحدود تدرأ بالشبهة، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): وطء في نكاح بغير شهود لا حدّ لشبهة العقد،
انتھی .
٢٧/١٠٩٠ - (مالك، عن ابن شهاب) هكذا في جميع النسخ الهندية
والمصرية، وكذا في ((البيهقي)) و((موطأ محمد)) فما في نسخة ((الزرقاني)) محله
ابن هشام غلطٌ من الناسخ، وهو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (عن
سعيد بن المسيب، وعن سليمان بن يسار) عطف على سعيد، زاد في ((موطأ
(١) («المغني)) (٣٥٣/٩).
(٢) ((رد المحتار)) (٣٨/٦).
٤٤٢

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
أَنَّ طَلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّةَ. كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدِ الثَّقَفِيِّ
محمد)) أنهما حَدَّثًا (أن طليحة) بنت عبد الله، كذا في ((الزرقاني)) و((الإصابة))
و((الاستيعاب)) بلفظ عبد الله مكبراً.
قال الحافظ في القسم الثالث من ((الإصابة)): لها إدراكٌ. (الأسدية) قال
أبو عمر: كذا وقع الأسدية في بعض نسخ ((الموطأ)) من رواية يحيى، وهو
خطأ. وجهل، لا أعلم أحداً قاله، وإنما هي تيمية أخت طلحة بن عبد الله أحد
العشرة التيمي، انتهى. قاله الزرقاني(١).
وفيه أن المعروف في كتب الرجال اسم والد طلحة، عبيد الله مصغراً،
وهذه بنت عبد الله، ووقع في ((موطأ محمد)) عن سعيد وسليمان أنهما حدّثا أن
ابنة طلحة بن عبيد الله كانت تحت رُشيد، وفي ((التعليق الممجد))(٢): هكذا في
نسخ متعددة من الکتاب، انتھی.
(كانت تحت رشيد) بضم الراء وفتح الشين المعجمة (الثقفي) هكذا في
جميع نسخ ((الموطأ))، وكذا في ((موطأ محمد)) و((البيهقي)) و((الاستيعاب)) وغيرها
بلفظ رشيد الثقفي. وقال الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة)) (٣): رشيد بن
علاج الثقفي يأتي في رويشد، وقال فيه: رويشد بمعجمة مصغراً الثقفي
صهر بني عدي اختطّ داراً بالمدينة في جملة من اختطّ بها من بني عدى، وله
قصة مع عمر - رضي الله عنه - في شربه الخمر، وروي عن سعيد بن إبراهيم
عن أبيه قال: رأيت عمر أحرق بيت رويشد الثقفي حتى كأنه جمرة، أو حممة،
وكان حانوتاً يبيع فيه الخمر، وفي ((الموطأ)) من طريق ابن المسيب وغيره، أن
طليحة كانت تحت رشيد، فذكره.
-
(١) انظر ((الاستذكار)) (٢٢٠/١٦)، و((شرح الزرقاني)) (١٤٥/٣).
(٢) (٤٨٩/٢).
(٣) (٢١٤/٢).
٤٤٣

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حدیث
فَطَلَّقَها. فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتَها. فَضَرَبَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَضَرَبَ
زَوْجَهَا بِالْمِخْفَقَةِ ضَرَبَاتٍ .
قال الحافظ: وإنما ذكرته في الصحابة لأن من كان بتلك السن في عهد
عمر يكون في زمن النبي صل﴿ مميزاً لا محالة، ولم يبق من قريش وثقيف أحدٌ
إلا أسلم، وشهد حجة الوداع مع النبي ◌ِّ، انتهى. ولم يذكره أبو عمر في
((الاستيعاب)) وفي ((الزرقاني)): الثقفي الطائفي، ثم المدني مخضرم (فطلقها) زاد
البيهقي البتة (فنكحت في عدتها) زاد محمد في ((موطئه)) أبا سعيد بن مُنَبِّه أو
أبا الجُلاس بن منية، ولفظ. ((أو))، شكٌّ من الراوي (فضربها عمر) رضي الله
عنه أي المرأة أيضاً. (وضرب زوجها) الذي تزوّجها في العدة (بالمخفقة) بكسر
الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء والقاف، هكذا ضبط بالقلم في نسخ قديمة؛
قاله الزرقاني.
وقال المجد: الخفق ضربك الشيء بدرّة أو بعريض، وكمنبرِ السيفُ
العريضُ وكمِكْنَسة: الدرة، أو سوط من خشب (ضربات) جمع ضربة؛ أي
مرات عديدة تعزيراً لهما على ارتكاب ما نهى الله عنه في كتابه حيث
قال عز اسمه: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَّى يَبْلُغَ الْكِنَبُ أَجَلَمْ﴾(١).
قال الباجي(٢): قوله: ضرب عمر - رضي الله عنه - إلخ، يريد على وجه
العقوبة لهما لما ارتكباه من المحظور؛ وقال ابن حبيب في التي تتزوج فيمسّها أو
يُقَبِّل أو يباشر: إن على الزوجين العقوبة، وعلى الولي وعلى الشهود من علم منهم
أنها في عدة، ومن جهل ذلك منهم فلا عقوبة عليه؛ وقال ابن المواز: على
الزوجين الحد إن كانا تعمّدا ذلك؛ فيحمل قول ابن حبيب على من علم بالعدة،
ولعله جهل التحريم، ولم يتعمد ارتكاب المحظور، فذلك الذي يعاقب، وعلى
ذلك كان ضرب عمر، وتكون العقوبة بحسب المعاقب.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٥.
(٢) ((المنتقى)) (٣١٥/٣).
٤٤٤

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
وَفَرَقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا .
فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا الَّذِي تَزَوَّجَهَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ اعْتَدَّتْ
بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ. ثُمَّ كانَ الآخَرُ خَاطِباً مِنَ الْخُطَّابِ ....
ويحمل قول ابن المواز على أنهما علما التحريم، وتقحّما ارتكاب
المحظور جرأة، وقال الشيخ أبو القاسم: إنهما روايتان في المتعمد: إحداهما؛
يحد، والثانية؛ لا يعاقب، ولا يحد؛ انتهى.
وتقدم في آخر الباب الماضي عدم الحدِّ في قول مالك قال الجصاص
بعد ما حكى رجوع عمر - رضي الله عنه - إلى قول علي: وفي اتفاق عمر
وعلي - رضي الله عنهما - على أن لا حَدَّ عليهما دلالةٌ على أن النكاح في
العدة لا يوجب الحد مع العلم بالتحريم. لأن المرأة كانت عالمة بكونها في
العدة، ولذلك جلدها عمر، وما خالفهما في ذلك أحد من الصحابة، فصار
ذلك أصلاً في كل وطء عن عقد فاسد أنه لا يوجب الحد، سواء كان عالمَيْن
بالتحريم أو غير عالمَين به، وهذا يشهد لأبي حنيفة فيمن وطئ ذات محرم منه
بنکاح أنه لا حد علیه، انتھی.
(وفرق بينهما) أي أَمَرَ بالتفريق (ثم قال عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -
(أيما امرأة نكحت في عدتها فإن كان زوجها) الثاني (الذي تزوجها) في العدة
(لم يدخل بها) أي لم يجامعها (فرق) ببناء المجهول (بينهما ثم اعتدّت) أي
أكملت (بقية عدتها من زوجها الأول)، وأما الزوج الثاني فلا عدة من تفريقه،
لأنه لم يدخل بها، وغير المدخولة لا عدة لها .
(ثم) بعد تمام العدة (كان) الزوج (الآخر) الذي فَرَقَتْ عنه (خاطباً من
الخُطّاب) أي من جملة الخاطبين لها، ليس هو بأحق من الخاطبين الآخرين،
ولا تَحْرُمُ عليه المرأة إلى التأبيد.
قال الباجي(١): يريد أن مجرد العقد لا يتأبَّدُ به التحريم؛ وعن مالك في
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٣).
٤٤٥

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ اغْتَدَّتْ مِنَ الآخَرِ .
ذلك روايتان: إحداهما مثل قول عمر - رضي الله عنه -، والثانية: أن التحريم
يتأبد بمجرد العقد؛ انتهى.
(وإن كان) الزوج الثاني الذي تزوج في العدة (دخل بها فُرِّقَ) ببناء
المجهول (بينهما) أي بينه وبين المرأة كالصورة الأولى؛ ولا فرق بينهما في
التفريق (ثم اعتدت) أي أكملت (بقية عدتها من) الزوج (الأول ثم اعتدّت)
مستقلة (من) الزوج (الآخر).
قال الباجي: وقد اختلف قول مالك في ذلك؛ فروى محمد عن
ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن عدتها من الثاني تكفيها من يوم فُرِّقَ بينه
وبينها، وبه قال أبو حنيفة والرواية الثانية عنه أنها إذا انقضت عدتُها من الأول
استأنفت عدة من الثاني، وبه قال الشافعي، والرواية الأولى هي الأظهر
عندي، اهـ.
وقال الموفق(١): المعتدَّة لا يجوز لها أن تنكح في عدتها إجماعاً أيّ
عدة كانت، وإن تزوّجت فالنكاح باطل، لأنها ممنوعة من النكاح لحق الزوج
الأول، فكان نكاحاً باطلاً، كما لو تزوجت وهي في نكاحه، ويجب أن يفرق
بينه وبينها، فإن لم يدخل بها فالعدة بحالها، ولا تنقطع بالعقد الثاني، لأنه
باطل، وإن وطئها انقطعت العدة سواء علم التحريم أو جهله، وقال أبو حنيفة:
لا تنقطع لأن كونها فراشاً لغير من له العدة لا يمنعها، وقال القاضي: إن
وطئها عالماً بأنها معتدة، وأنها تحرم فهو زانٍ، فلا تنقطع العدة بوطئه، وإن
كان جاهلاً أنها معتدة أو بالتحريم انقطعت العدة بالوطء.
ولنا أن هذا وطء بشُبهة النكاح، فتنقطع به العدة كما لو جهل، وإذا ثبت
(١) ((المغني)) (١١/ ٢٣٧).
٤٤٦

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
هذا فعليه فراقها، فإن لم يفعل وجب التفريق بينهما، فإن فارقها أو فرق بينهما
وجب عليها أن تكمل عدة الأول، لأن حقه أسبق، وعدته وجبت عن وطء في
نكاح صحيح، فإذا أكملت عدة الأول وجب عليها أن تعتدّ من الثاني، ولا
تتداخل العدتان، لأنهما من رجلين. وهذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة:
يتداخلان، فتأتي بثلاثة قروء بعد مفارقة الثاني تكون عن بقية عدة الأول، وعدة
الثاني، لأن القصد معرفة براءة الرحم، وهذا تحصل به براءة الرحم منهما
جميعاً .
ولنا: ما روى مالك عن عمر بن الخطاب، وروي عن علي - رضي الله
عنه - أنه قضى في العدّة بنحو ذلك، وهذان قولا سيدين من الخلفاء، لم يعرف
لهما في الصحابة مخالف، انتهى مختصراً.
وفي ((المبسوط)) (١) للسرخسي: إذا تزوجت المرأةُ المعتدةُ من الطلاق
برجل، ودخل بها، ففُرِّق بينهما، فعليه عدة واحدة من الأول والآخر، وهو
مذهبنا، لأن العدتين إذا وجبتا يتداخلان. وينقضيان بمضي مدة واحدة، إذا
كانتا من جنس واحد، وهو قول معاذ بن جبل، وعند الشافعي - رضي الله عنه
- لا يتداخلان اهـ.
وقال الجصاص: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر ومالك في
رواية ابن القاسم عنه، والثوري والأوزاعي: إذا وجبت عليها العدة من
رجلين، فإن عدةً واحدةً تكون لهما جميعاً، سواء كانت بالحمل، أو بالحيض،
أو بالشهور، وهو قول إبراهيم النخعي، اهـ.
وفي ((البدائع))(٢): العدة في عرف الشرع اسم لأجل ضرب لانقضاء ما
(١) (٢٠٢/٤).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٠٠/٣).
٤٤٧

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَداً .
بقي من آثار النكاح وهذا عندنا، وعند الشافعي هي اسم لفعل التربص، وعلى
هذا ينبني العدتان إذا وجبتا أنهما يتداخلان، سواء كانتا من جنس واحد أو من
جنسين .
ولنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَغْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِتَبُ أَجَلَمْ﴾(١)
سمى الله تعالى العدة أجلاً، والأجل اسم لزمان مقدر مضروب لانقضاء أمر
كآجال الديون وغيرها. والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كالآجال في
باب الديون، والدليل على أنها اسم للأجل، لا للفعل أنها تنقضي من غير فعل
التربص بأن لم تجتنب عن محظورات العدة، حتى انقضت العدة، ولو كانت
فعلاً لما تصور انقضاؤها مع ضدها، وهو الترك، اهـ.
وقال الزيلعي على ((الكنز)): قال الشافعي: لا يتداخلان، فإنهما حقان
لشخصين، فلا يتداخلان، كالمهرين، ولأنهما عبادتا كف في مدة، فلا يجتمع
الكفان في وقت واحد، كالصومين في يوم واحد، وهذا لأنها مأمورة بالتربص،
وهو فعل منها والفعل الواحد لا يُعَدُّ بفعلين، ولنا أن العدة مجرد أجل،
والآجال إذا اجتمعت تنقضي بمدة واحدة، كرجل عليه ديون إلى أجل فيمضي
الأجل، حَلَّت كلها .
والدليل على أنها أجل قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَثُ الْأَحْمَلِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ﴾ (٢) ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُهُنَّ﴾ ﴿حَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ ولأن المقصود
فيها براءة الرحم، وهي تحصل بالواحدة فصار كما كانت العدتان من شخص
واحد، أو من أشخاص، وهي حامل حيث ينقضي الكل بالوضع إجماعاً، اهـ.
(ثم لا يجتمعان أبداً) يعني لا يجوز لهذا الناكح في العدة أن يتزوجها
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٥.
(٢) سورة الطلاق: الآية ٤.
٤٤٨

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
أبداً، قال الباجي(١): يريد أن التحريم بينهما يتأبد. فلا تحلّ له أبداً، ولا
يخلو الناكح في العدة إذا بنى بها أن يبني بها في العدة أو بعدها، فإن كان بنى
بها في العدة، فالمشهور من المذهب أن التحريم يتأبد، وبه قال ابن حنبل.
وروى الشيخ أبو القاسم في ((تفريعه))، فيه روايتين: إحداهما: أن تحريمه
يتأبد على ما قدمناه، والثانية: أنه زانٍ، وعليه الحد ولا يلحق به الولد، وله أن
يتزوجها إذا انقضت عدتها، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وجه الرواية الأولى،
وهي المشهورة، ما ثبت من قضاء عمر - رضي الله عنه - بذلك. وقيامه به في
الناس، ولم يُعْلم له مخالف، فثبت أنه إجماع، قال القاضي أبو محمد: وقد
روي مثل ذلك عن علي - رضي الله عنه - ولا مخالف لهما مع شهرة ذلك
وانتشاره، وهذا حكم الإجماع.
فإن طلَّق رجلٌ امرأته البتةَ، ثم تزوّجها قبل أن تنقضي عدتُها، فقد روى
ابن حبيب عن ابن نافع أنه كالأجنبي، لا تحل له أبداً، وروى ابن حبيب عن
ابن القاسم وأصحاب مالك أنها تحلّ له بعد انقضاء العدة. وجه القول الأول
أنه متزوّج في عدة ممنوع من التزوج فيها، فأشبه الأجنبي. ووجه القول الثاني
وهو الأظهر أنه ليس بممنوع لأجل العدة. وإنما منعه أنه لا يجوز له نكاحها
إلا بشرط قد عدِم، فأشبه الذي تزوجها على أختها، وهذا كله إذا كان البناء
في العدة.
فإن نكح في العدة ولم يكن منه وطء فيها ولكن قَبّلَ أو باشر، فقد روى
أصبغ عن ابن القاسم في ذلك قولين: أحدهما: تأبيد التحريم. والثاني: غير
مؤبد .
ومن عقد في العدة، وبنى بعد العدة، ففي ذلك روايتان، روي عن مالك
(١) ((المنتقى)) (٣١٥/٣).
ـسـ
٤٤٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
في ((المدونة)) يتأبد تحريمها. وقال المخزومي: لا يتأبد إلا بالوطء في العدة. وإن
لم يوجد منه وطء أصلاً في العدة ولا غيرها ففيه روايتان: إحداهما نفيه. والأخرى
إثباته، وجه نفيه، وهو الظاهر أنه لم يوجد فيه معنى تأبيد التحريم، وهو إدخال
الشبهة في النسب، ومجرد العقد الفاسد لا يتعلق به تأبيد التحريم، اهـ.
وقال الدردير(١): تأبد تحريم المعتدة بوطء بنكاح بأن يعقد عليها،
ويطأها فيها ولو كان الوطء بعد العدة مع عقد فيها. وتأبد تحريمها بمقدمة
النكاح من قبله ومباشرة في العدة، ولا يتأبد بعقد، انتهى ملخصاً. قال
الدسوقي: فإن لم توطأ، ففي التأبيد بمجرد العقد قولان؛ الأظهر عدم التأبيد
وعليه اعتمد المصنف اهـ مختصراً.
وقال الموفق(٢): للزوج الثاني أن يتزوجها بعد قضاء العدتين، وعن
أحمد رواية أخرى أنها تحرم على الزوج الثاني على التأبيد. وهو قول مالك
وقديم قولي الشافعي، لقول عمر - رضي الله عنه -: لا ينكحها أبداً، ولأنه
استعجل الحق قبل وقته، فَحُرِمَه في وقته، كالوارث إذا قتل مورثه، ولأنه يفسد
النسب فيوقع التحريم المؤبد كاللعان، وقال الشافعي في الجديد: له نكاحها
بعد قضاء عدة الأول، ولا يمنع من نكاحها في عدتها منه، ولأنه وطء يلحق به
النسب، فلا يمنع من نكاحها في عدتها منه، ولأن العدة إنما شرعت حفظاً
للنسب وصيانة للماء، والنسب لاحق به ههنا فأشبه ما لو خالعها، ثم نكحها
في عدتها. وهذا حسن موافق للنظر.
ولنا على إباحتها بعد العدتين أنه لا يخلو إما أن يكون تحريمها بالعقد أو
بالوطء أو بهما، وجميع ذلك لا يقتضى التحريم بدليل ما لو نكحها بلا ولي
(١) ((الشرح الكبير)) (٢١٨/٢).
(٢) («المغني)) (٢٣٩/١١).
٤٥٠

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
ووطئها، ولأنه لو زنى بها لم تحرم على التأبيد فهذا أولى، وما روي عن عمر -
رضي الله عنه - في تحريمها فقد خالفه علي - رضي الله عنه - فيه، وروي عن عمر -
رضي الله عنه - أنه رجع عن قوله في التحريم إلى قول علي - رضي الله عنه -. انتهى.
قال محمد في ((موطئه)) (١) بعد ما ذكر أثر عمر - رضي الله عنه -
المذكور، قال محمد: بلغنا أن عمر - رضي الله عنه - رجع عن هذا إلى قول
علي، أخبرنا الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد قال: رجع عمر بن
الخطاب في التي تتزوج في عدتها إلى قول علي - رضي الله عنه -، وذلك أن
عمر - رضي الله عنه - قال: إذا دخل بها فرق بينهما، ولم يجتمعا أبداً، وأخذ
صداقها، فجُعِل في بيت المال، فقال علي - رضي الله عنه -: لها صداقها بما
استحلّ من فرجها، فإذا انقضت عدتها من الأول تزوجها الآخر إن شاء، فرجع
عمر - رضي الله عنه - إلى قول علي، قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
قلت: وأخرج البيهقي في ((سننه))(٢) بطرق عديدة رجوع عمر - رضي الله
عنه - إلى قول علي - رضي الله عنه -، منها: بسنده إلى الشعبي قال: أُتِي
عمر بن الخطاب بامرأة تزوجت في عدتها، فأخذ مهرها، فجعله في بيت
المال، وفَرَّق بينهما، وقال: لا يجتمعان، وعاقبهما، فقال علي رضي الله عنه:
ليس هكذا، ولكن هذه الجهالة من الناس، ولكن يفرق بينهما، ثم تستكمل بقية
العدة من الأول، ثم تستقبل عدة أخرى، وجعل لها علي - رضي الله عنه -
المهر بما استحلّ من فرجها، قال: فحمد الله عمر - رضي الله عنه -. وأثنى
عليه، ثم قال: يا أيها الناس رُدُّوا الجهالات إلى السنة؛ قال: وقال الشافعي:
وبقول علي - رضي الله عنه - نقول، اهـ.
(١) (ص١٨٣).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٤٤٢/٧).
٤٥١

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّب: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا اسْتَحَلَّ
٥
مِنْهَا .
وقال الجصاص(١): روى ابن المبارك عن أشعث عن الشعبي عن مسروق
قال: بلغ عمر - رضي الله عنه - أن امرأة من قريش تزوّجها رجلٌ من ثقيف في
عدتها، فأرسل إليهما، ففرّق بينهما، وعاقبهما، وقال: لا ينكحها أبداً، وجعل
الصداق في بيت المال، وفشا ذلك بين الناس، فبلغ علياً. فقال: رحم الله
أمير المؤمنين، ما بال الصداق وبيت المال، إنهما جهلا، فينبغي للإمام أن
يردَّهما إلى السنة، قيل: فما تقول؟ فذكر نحوه. وجعل المهر في بيت المال،
لأنه حصل من وجه محظورٍ، فسبيله التصدق، ويُشبه هذا قوله ◌َّ في الشاة
المأخوذة بغير إذن مالكها: ((أطعموها الأسارى)).
(قال مالك: وقال سعيد بن المسيب: لها) أي الموطؤة بنكاح في العدة
(مهرها بما استحل منها) قال الباجي(٢): يريد أن الناكحة في العدة لها على
زوجها المهر، إن أصابها في العدة أو بعدها لأنها لم تبذل له نفسها على وجه
السفاح. وإنما بذلت له نفسها على وجه شبهة النكاح. وذلك يوجب لها المهر
بالمسيس، وإنما روى ذلك عن سعيد مفرداً لأن الزهري روى عن سليمان في
هذا الحديث أنه قال: لها مهرها في بيت المال، كذلك رواه معمر عن الزهري
عنه، وإذا ثبت ذلك فلها المهر المسمى، قال ابن المواز وغيره من أصحابنا :
هذا إذا اتفقا على قدر المهر، اهـ.
ثم بسط الفروع في اختلاف الزوجين في المهر، وقد قال عمر - رضي الله
عنه - أولاً بمنع الصداق لها، ثم رَجَعَ عنه أيضاً، فقد أخرج البيهقي بسنده إلى
مسروق في هذه القصة قال عمر - رضي الله عنه -: النكاح حرام، والصداق
(١) ((أحكام القرآن)) (٤٢٥/١).
(٢) ((المنتقى)) (٣١٨/٣).
٤٥٢

٢٨ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْمُرَأَةِ الْحُرَّةِ، يُتَوَفَّى
حرام، وجعل الصداق في بيت المال، وفي أخرى أن عمر - رضي الله عنه -
جلدهما أسياطاً، وأخذ المهر، فجعله صدقة في سبيل الله، وقال: لا أجيزُ
مهراً، لا أُجيزُ نكاحه، ثم أخرج عن مسروق أن عمر - رضي الله عنه - رجع
عن قوله في الصداق. وجعله له بما استحلّ من فرجها، ورواه الثوري عن
أشعث بإسناده أن عمر - رضي الله عنه - رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها
وجعلهما يجتمعان.
وقال الموفق(١): إذا تزوج معتدة، وهما عالمان بالعدة وتحريم النكاح
فيها، ووطئها، فهما زانيان، عليهما حدُّ الزنا، ولا مهر لها، ولا يلحقه
النسب، وإن كانا جاهلين بالعدة أو بالتحريم، ثبت النسب وانتفى الحد،
ووجب المهر، وإن علم هو دونها، فعليه المهر والحد، ولا نسب له، وإن
علمت هي دونه فعليها الحدّ، ولا مهر لها، والنسب لَاحقٌّ به، وإنما كان
كذلك، لأن هذا نكاح متفقٌ على بطلانه، فأشبه بنكاح ذوات محارمه، اهـ.
وقال الدردير (٢): ومهر المثل في النكاح الفاسد يومَ الوطء بخلاف
الصحيح، فيوم العقد؛ واتحد المهر في تعدد الوطء إن اتّحدت الشُّبهة كالغالط
بغير عالمةٍ، أما لو علمت كانت زانية لا شيء لها وتُحَدُّ، قال الدسوقي: قوله في
النكاح الفاسد أي سواء كان متفقاً على فساده أو مختلفاً؛ وعُلِمَ من كلام
المصنف أربعةُ أقسام: علمهما معاً بأنهما أجنبيان، فلا شيء لها، وهو زنا
محض، علمها دونه؛ فهي زانيةٌ لا شيء لها، جهلهما معاً فيتّحد المهرُ إن اتحدت
الشبهة، وإلا تعدد بتعددها، علمه دونها فهو زانٍ، ويتعدد عليه المهر، اهـ.
(قال مالك: الأمر) المختار (عندنا في المرأة الحرة يتوفى) ببناء المجهول
(١) («المغني)) (٢٤٢/١١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣١٧/٢).
٤٥٣

٢٧ - كتاب النكاح
(١١) باب
(١٠٩٠) حديث
عَنْهَا زَوْجُهَا، فَتَعْتَدُّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً: إِنَّهَا لَا تَنْكِحُ إِنِ ارْتَابَتْ مِنْ
خَيْضَتِهَا، حَتَّى تَسْتَبْرِئَ نَفْسَهَا مِنْ تِلْكَ الرِّيْبَةِ، إِذَا خَافِتِ الْحَمْلَ.
(عنها زوجها فتعتد) على ما هو المعروف المجمع عليه (أربعة أشهر وعشراً)
وقيد بالحرة، وإن كانت الأمة أيضاً كذلك لقوله: أربعة أشهر، فإن عدة الأمة
نصف الحرة شهران وخمس، أو ذكر الحرة كالمثال (إنها) أي المعتدة (لا تنكح
بعدها) أي بعد تمام هذه المدة (إن ارتابت من) سببية (حيضتها حتى) غاية لمنع
النكاح (تستبرئ نفسها من تلك الريبة) بحيضة (إذا خافت الحمل).
٢
قال ابن رشد (١): إن المسلمين اتفقوا على أن عدة الحرة من زوجها الحر
أربعة أشهر وعشراً، لقوله تعالى: ﴿يَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرًا﴾
واختلفوا في عدة الحامل، وفي عدة الأمة إذا لم تأتها حيضةٌ في الأربعة
الأشهر وعشر ماذا حكمها؟ فذهب مالك إلى أن من شرط تمام هذه العدة أن
تحيض حيضةً واحدة في هذه المدة، فإن لم تحض فهي عنده مسترابة، فتمكث
مدة الحمل، وقيل عنها: إنها قد لا تحيض، ولا تكون مسترابة؛ وذلك إذا
كانت عادتها في الحيض أكثر من مدة العدة، وهذا إما غير موجود وإما نادر.
واختلف عنه فيمن هذه حالها من النساء إذا وجدت. فقيل: تنتظر حتى
تحيض، وروى عنه ابن القاسم تتزوج إذا انقضت عدة الوفاة، ولم يظهر بها
حمل؛ وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار: أبو حنيفة والشافعي والثوري، اهـ.
وقال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرة المسلمة غير ذات
الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، مدخولاً بها أو غيرَ مدخول بها
سواء كانت كبيرة بالغة أو صغيرة لم تبلغ، ولا يعتبر وجود الحيض في عدة
الوفاة في قول عامة أهل العلم، وحكي عن مالك أنها إذا كانت مدخولاً بها
(١) ((بداية المجتهد)) (٩٦/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٢٣/١١).
٤٥٤

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٢) باب نكاح الأمة على الحرة
وجب أربعة أشهر وعشراً فيها حيضة، واتباع الكتاب والسنة أولى، ولأنه لو
اعتبر الحيض في حقها لاعتبر ثلاثة قروء، كالمطلقة، وهذا الخلاف يختص
بذات القرء، فأما الآيسة والصغيرة فلا خلاف فيها، اهـ.
(١٢) نكاح الأمة على الحرة
قال الخرقي: ليس لحر مسلم أن يتزوج أمة مسلمة إلا أن لا يجد طَوْلاً
الحرة مسلمة، ويخاف العنت، قال الموفق(١): الكلام في هذه المسألة في
شيئين: أحدهما؛ أنه يحل له نكاح الأمة المسلمة إذا وجد فيه الشرطان: عدم
الطّوْل، وخوف العنت، وهذا قول عامة العلماء، لا نعلم بينهم اختلافاً فيه،
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾(٢) الآية، والصبر عنها
مع ذلك خير وأفضل لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ .
والثاني: إذا عدم الشرطان أو أحدهما لم يحلّ نكاحها لحرٍ، رُوي ذلك
عن جابر وابن عباس، وبه قال عطاء وطاووس والزهري وعمرو بن دينار
ومكحول ومالك والشافعي وإسحاق.
وقال مجاهد: مما وسَّع الله تعالى على هذه الأمة نكاح الأمة، وإن كان
موسراً، وبه قال أبو حنيفة إلا أن يكون تحته حرة، لأن القدرة على النكاح لا
تمنع النكاح كما يمنعه وجود النكاح، وقال قتادة والثوري: إذا خاف العنت
حلّ له نكاح الأمة، وإن وجد الطَّوْل، لأن إباحتها لضرورة خوف العنت، وقد
وجد، ولنا قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ الآية فشرط في نكاحها
عدم استطاعة الطول، وأما من يجد الطول، ويخاف العنت، فإن كان ذلك
لكونه لا يجد إلا صغيرة أو غائبة أو مريضة لا يمكن وطؤها أو لم يتزوج
(١) ((المغني)) (٩/ ٥٥٥).
(٢) سورة النساء: الآية ٢٥.
٤٥٥

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
لقصور نسبه، فله نكاح الأمة، لأنه عاجز عن حرة تُعِفُّه، فله نكاح أمة، نص
عليه أحمد في الغائبة، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجوز
لوجدان الطول. ولنا: أنه غير مستطيع الطّوْل، فأشبه من لم يجد شيئاً .
وإن قدر على تزوج كتابية تُعِفُّه لم يجز له نكاح الأمة، وهذا ظاهر
مذهب الشافعي، وذكر وجهاً آخر أنه يجوز لقوله تعالى: ﴿أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ
الْمُؤْمِنَتِ﴾ .
٠٠
ولنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ اُلْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ وهذا غير خائف له،
ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق، فلم يجز له إرفاقه، ومن كانت تحته حرة
يمكنه أن يستعفّ بها لم يجز له نكاح أمة، لا نعلم في هذا خلافاً، ولا فرق
بين الكتابية والمسلمة في ذلك، اهـ. قلت: وفيه أيضاً خلاف معروف.
قال ابن رشد (١): اختلفوا في نكاح الحر الأمةَ، فقال قوم: يجوز
بإطلاق، وهو المشهور من مذهب ابن القاسم، وقال قوم: لا يجوز إلا
بشرطين: عدم الطول، وخوف العنت، وهو المشهور من مذهب مالك، وهو
مذهب أبي حنيفة والشافعي، والسبب في اختلافهم معارضة دليل الخطاب في
قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُواْ
اَلْأَعَى مِنْكُمْ﴾ الآية، لكن دليل الخطاب ههنا أقوى.
:
واختلفوا من هذا الباب في فرعين مشهورين أعني الذين لم يجيزوا
النكاح إلا بالشرطين، أحدهما: إذا كانت تحته حرة، هل هي طول أو ليست
بطول؟ فقال أبو حنيفة: هي طول، وقال غيره: ليست بطول. وعن مالك في
ذلك القولان، والمسألة الثانية: هل يجوز لمن وجد فيه هذان الشرطان نكاح
أكثر من أمة واحدة أم لا؟ اهـ. قلت: وسيأتي الكلام على مذهب مالك قريباً.
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٢/٢).
٤٥٦

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩١) حديث
٢٨/١٠٩١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عَبَّاسٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، سُئِلَا عَنْ رَجُلِ كَانَتْ تَحْتَهُ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ.
فَأَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهَا أَمَةً. فَكَرِهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا .
وفي ((الدر المختار))(١): يصح نكاح الأمة ولو كتابية، أو مع طول الحرة
وإن كُره تنزيهاً، وحرة على أمة لا عكسه.
قال ابن الهمام (٢): الجواز عندنا مطلق في حالة الضرورة وعدمها في
المسلمة والكتابية، وعند طول الحرة وعدمه لإطلاق المقتضى من قوله تعالى:
﴿ فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ﴾، ﴿وَأُحِلَ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣)، اهـ.
واستدل الجصاص(٤) على جواز نكاح الأمة مع طول الحرة بقوله
عز اسمه: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنِ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾(٥) بأن الترغيب في
نكاح الأمة المؤمنة وترك الحرة المشتركة لا يصح إلا وهو يقدر على نكاح
الحرة، اهـ.
٢٨/١٠٩١ - (مالك أنه بلغه) وهكذا أخرجه البيهقي بسنده إلى الشافعي
عن مالك، وأخرج بسند آخر عن ابن عباس: نكاح الحرة على الأمة طلاق
الأمة (أن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما (سئلا) ببناء
المجهول (عن رجل كانت تحته امرأة حرة، فأراد) ذلك الرجل (أن ينكح عليها
أمة فكرها) أي ابن عباس وابن عمر (أن يجمع) ببناء المعلوم، والمجهول
(بينهما) أي بين الحرة والأمة.
(١) (١٣٥/٤).
(٢) ((فتح القدير)) (١٤٠/٣).
(٣) سورة النساء: الآية ٣، والآية ٢٤.
(٤) ((أحكام القرآن)) (١٥٨/٢).
(٥) سورة البقرة: الآية ٢٢١
٤٥٧

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩١) حديث
قال الباجي(١): كان السؤال إنما ورد على نكاح الأمة على الحرة،
فأجاب عن منع الجمع بينهما، وذلك أعمُّ من السؤال، لأن الجمع بينهما يكون
على ثلاثة أوجه، يتزوج الأمة على الحرة، وهو المسئول أو يتزوجهما معاً في
عقد واحد، أو يتزوج الحرة على الأمة لكنه لما تساوت عندهما هذه الوجوه
في المنع أجاب عن جميعها، أما الوجه الأول، وهو أن يتزوج الأمة على
الحرة، فقد كان من قول مالك المنع من ذلك، ثم رجع عنه، فقال: يجوز
ويتخيّرُ الحرة، وهو قول ابن المسيب، وبه أخذ ابن القاسم، وقد قال مالك:
هو في كتاب الله حلال.
وجه القول الأول: أي المنع، أن الطول الذي يتوصل به إلى نكاح الحرة
يمنعه نكاح الأمة. فبأن يمنعه من ذلك كون الحرة زوجة له أولى وأخرى.
وجه القول الثاني: أن الحرة ليست بطول لغةً ولا شرعاً، وبسط الباجي
في فروع هذا الباب واختلافهم في ذلك، وقال: أما قول مالك: فإنه في
كتاب الله حلال، فقد قيل لمحمد بن موّاز: أين ذلك في كتاب الله؟، فقال:
أُراه يريد قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ﴾ الآية، وهذا عام، قال محمد:
فهذه عند مالك ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ﴾ الآية.
وروى ابن حبيب عن أصبغ أن ابن القاسم يذكر أنه سمع مالكاً يقول:
نكاح الأمة في كتاب الله حلال، فاستوقفناه عليه في أيّ كتاب الله تعالى هو
حلال؟ وفي أيّ الآيات؟ فقال: لا أدري، وما قاله محمد فيه نظر، لأن النسخ
لا يثبت إلا بدليل، ثم بسط ما عنده في معنى قول مالك.
وقال الدردير(٢): يجوز تزوجها أي الأمة، إن خاف على نفسه زنا فيها
(١) ((المنتقى)) (٣١٩/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢٦٢/٢).
٤٥٨
٠

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩٢) حديث
٢٩/١٠٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ. إِلَّا
أَنْ تَشَاءَ الْحُرَّةُ.
أو في غيرها، وعدم مالاً يتزوّج به حرة، فإن خشى زنا في أمة بعينها لتعلقه
بها، فيتزوجها بلا شرط على المعتمد، ولو تزوّج حرّ أمة بشرطه، ثم تزوّج
عليها حرة، ولم تعلم بها خُيِّرت الحرة مع الزوج الحر، لا العبد في نفسها بين
أن تقيم مع الأمة أو تفارق بطلقة، كتزويج أمة عليها، عكس ما قبله أو تزويج
أمة ثانية على التي رضيت بها الحرة، فتُخَيَّر في نفسها في الصور الثلاث
بطلقة، وبطل النكاح في الأمة فقط، إن جمعها في العقد مع حرة، ويصح في
الحرة، قال الدسوقي: ومحله ما لم يكن نكاح الأمة جائزاً له والأصح العقد
عليهما، اهـ.
قلت: وتصوير جواز نكاح الأمة خوف الزنا فيها خاصة كما تقدم أولاً
يكفي له امرأة واحدة، ولا يستطيع طولاً لنكاح حرتين، كما هو الظاهر.
قال الدردير: فإن تزوّجها الحرُّ بدون الشرطين أو أحدهما فسخ بطلاق،
لأنه مختلف فيه، قال الدسوقي: أي قبل الدخول فقط، لأنه مختلف فيه في
المذهب وخارجه، حتى قال ابن رشد: المشهور جوازه بلا شرط، وهو قول
ابن القاسم، وكأنه حمل الآية على الأولوية أو على النسخ.
٢٩/١٠٩٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب أنه كان يقول: لا تنكح) ببناء المجهول (الأمة على الحرة إلا أن تشاء
الحرة) أي لا تحلّ بدون رضاء الحرة، فإن رضيت الحرة بالقيام معها، فيجوز.
قال الباجي(١): من أحد القولين اللذين قدمناهما أن له أن يتزوج الأمة
على الحرة مع وجود الطول، وأمن العنت، والثاني: ليس له ذلك إلا مع عدم
(١) ((المنتقى)) (٣٢١/٣).
٤٥٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩٢) حديث
فَإِنْ طَاعَتِ الْحُرَّةُ، فَلَهَا الثُّلْثَانِ مِنَ الْقَسْمِ.
الطول، وخوف العنت، وأما من منع نكاح الأمة على الحرة، فلا خيار ولا
مشيئة في ذلك للحرة.
قال أصبغ في ((الموازية)) و((الواضحة)): إنما وجه الحديث عندنا أن تخيّر
المرأة إذا نكح عليها الأمة، إنما ذلك فيمن يجوز له أن يتزوج الأمة بالنُّنْيَا
والشرط، وذلك بأن لا تكفيه الحرة، فيخاف العنت، ولا يجد طولاً إلى الحرة
أو هوى أمةً معينةً هوى غالباً، فيخاف على نفسه فيها العنت إن لم يتزوجها،
فيجوز له حينئذ أن يتزوجها على الحرة، فيكون للحرة الخيار، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): لا يتزوج أمة على حرة، لقوله ◌َّير: ((لا تنكح الحرة
على الأمة)) وهو بإطلاقه حجةٌ على الشافعي في تجويزه ذلك للعبد، وعلى
مالك في تجويزه ذلك برضا الحرة، قال ابن الهمام(٢): مالك يقول بحجية
المرسل إذا صح طريقه إلى التابعي، لكنه علله بإغاظة الحرة بإدخال ناقصة
الحال عليها، فإذا رضيت انتفى ما لأجله المنع، اهـ.
قال الباجي(٣): فإذا قلنا: إنه ينكح الأمة على الحرة، فإن للحرة الخيار
للنقص الداخل عليها؛ بأن تكون ضَرَّتُها أمة، اهــ قال صاحب ((المحلى)):
وذلك القول تفرّد به ابن المسيّب، ولم يأخذ به الأئمة، وعزاه صاحب
((الهداية)) إلى مالك، ولم يوجد في كتبه، اهـ.
وفيه أن ما في (الدردير)) يوافق ((الهداية)) إذ جعل لها الخيار بدون الرضا،
وأسقطه بعلمها، ورضائها كما تقدم قريباً من كلامه.
(فإن طاعت الحرة) أي رضيت القيام معها (فلها) أي للحرة (الثلثان من القسم)
(١) (٢١/٣).
(٢) ((فتح القدير)) (١٤١/٣).
(٣) ((المنتقى)) (٣٢١/٣).
٤٦٠