النص المفهرس
صفحات 341-360
٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلاً. وَذُلِكَ لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَلِيِّهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَكُونُ ذُلِكَ غُرْماً عَلَى وَلِيِّهَا لِزَوْجِهَا، إِذَا ٠٠ كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا، هُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوِهَا، أَوْ مَنْ يُرَى الأول لم يصح لأنه من رواية جميل بن زيد وهو متروك، عن زيد بن كعب بن عجرة وهو مجهول، لا يعلم للكعب ولد اسمه زيد، ولو سلّم جاز أن يكون طلاقاً فإن لفظ ((الحقي بأهلك)) من كنايات الطلاق، وأما الثاني فظاهره غير مراد للاتفاق على إباحة القرب منه، ويثاب بخدمته وتمريضه وعلى القيام بمصالحه، انتهى. (فمسّها) الزوج (فلها) أي للمرأة (صداقها كاملاً) على الزوج، يعني أن ما بها من الجنون وغيره لا يوجب استباحة بُضْعها دون الصداق، بل لا بد لها من صداق، وإن كان للزوج ردّها بهذه العيوب (وذلك) الصداق الذي أدى الزوج (لزوجها غُزْمٌ) بضم معجمة وسكون راء مصدر غرم (على وليها) أي ولي المرأة الذي أنكحها . ولفظ الدارقطني(١) بسنده إلى داود العطار عن يحيى بن سعيد بهذا السند: أيما امرأة غَرَّبها رجل بها جنون أو جذام أو برص فلها مهرها بما أصاب منها، وصداق الرجل على وليه الذي غَرَّه، وبسنده إلى شعبة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر - رضي الله عنه - في البرصاء والجذماء والمجنونة إذا دخل بها فرق بينهما، والصداق لها لمسيسه إياها، وهو له على وليها قال: قلت: أنت سمعته؟ قال: نعم. (قال مالك: وإنما يكون ذلك) الصداق المذكور في أثر عمر - رضي الله عنه - (غرماً على وليها لزوجها إذا كان وليها الذي أنكحها) أي المرأة المعيبة (هو أبوها أو أخوها أو من يرى) بضم الياء أي يظن به من الأولياء كعمّ وابن عمِّ (١) ((سنن الدارقطني)) (٢٦٦/٣). ٣٤١ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث أَنَّهُ يَعْلَمُ ذُلِكَ مِنْهَا. فَأَمَّا إِذَا كَانَ وَلِيُّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا، ابْنَ عَمِّ، أَوْ مَوْلَّى، أَوْ مِنَ الْعَشِيرَةِ، مِمَّنْ يُرَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ ذُلِكَ مِنْهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ. وَتَرُدُّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ مَا أَخَذَتْهُ مِنْ صَدَاقِهَا. وَيَتْرُكُ لَهَا قَدْرَ مَا تُسْتَخَلُّ بِهِ. معها في البيت بحيث لا يخفى عليهما عيبها كذا في ((الدردير))(١). (أنه يعلم ذلك) العيب (منها) أي من المرأة ولا يخيَّر به (فأما إذا كان وليها الذي أنكحها ابن عمِّ) لها الذي لا يكون معها في البيت (أو مولى) لها (أو) رجل (من العشيرة ممن يُرَى) ببناء المجهول أي يظن به (أنه لا يعلم ذلك) العيب (منها فليس عليه) أي على هذا النوع من الولي (غرم) للزوج. (وتَرُدُّ تلك المرأة ما أخذت من صداقها) أي ترد إلى الزوج الصداق الزائد على أقل مقدار المهر (ويترك) ببناء المجهول (لها قدر) أي مقدار (ما يستحلّ به) بتحتية في أوله في النسخ الهندية، فيكون مبنياً للفاعل، والضمير إلى الزوج، وبفوقية في النسخ المصرية، فيكون مبنياً للمفعول، والضمير إلى الزوجة، والمراد أو في مقدار المهر، وهو ربع الدينار عند المالكية، وذلك لئلا يخلو البضاع عن صداق. قال الباجي(٢): قول مالك هذا يعني التفريق بين الوليين بعد قول عمر - رضي الله عنه - يحتمل أن يكون خلافاً لقول عمر - رضي الله عنه -، وأن يكون مالك أورد قول عمر - رضي الله عنه - على ما رواه، وذكر رأيه على ما رآه، ويحتمل أن يكون مالك تلقّى قول عمر - رضي الله عنه - أنه موافق لرأيه، ولكنه خاص في الولي الذي يظن به أنه يعلم ذلك، وبيّن ذلك مالك بتفصيله الذي فصله، فإذا كان كذلك، وكان ما وجد من العيب بالمرأة موجوداً بها (١) ((الشرح الكبير)) (٢٨٦/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٩/٣). ٣٤٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث حين العقد، وظهر عليه الزوج بعد المسيس فلا يخلو أن يكون الولي عقد نكاحها ممن ظاهره المعرفة بحالها، والاطلاع على ما بها، أو يكون ممن ظاهره أنه لا يعلم بحالها، والأول لا يخلو أن يكون حاضراً معها قبل مدة النكاح أو غائباً عنها، فإن كان حاضراً معها، وكان العيب بموضع ظاهره، أنه لا يخفى على مثله فلا خلاف في المذهب أن جميع الصداق لها، ويرجع به الزوج على الولي خلافاً للشافعي في قوله: إنه لا يرجع على الولي ولا على المرأة بوجهٍ، ولو كان الولي غائباً عنها بحيث يعلم أنه يخفى عليه خبرها، فقد روى ابن المواز عن ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك أنه لا غرم عليه، وإنما الغُرم على المرأة، زاد ابن حبيب عن ابن القاسم: بعد أن يحلف أنه ما علم. وروي عن أشهب أن ذلك على الولي وإن كان غائباً، وإن كان الولي ممن ظاهره أنه لا يعلم ما بها كابن العم والرجل من العشيرة فلا غرم عليه ولا يمين، قاله ابن الموّاز، وقال ابن حبيب: إن اتّهم أنه علم حلف وإلا فلا شيء عليه، وترد المرأةُ من الصداق ما أخذته غير أنه يترك لها من ذلك ربع دينار، لأنه لا يجوز استباحة فرج بغير عوض، فوجب إنفاذ ذلك لها، قال ابن حبيب: وإنما يرجع عليها بالعين التي دفعها إليها دون الجهاز، انتهى. وقال الموفق(١): إن الفسخ إذا وجد قبل المسيس فلا مهر لها عليه، سواء كان من الزوج أو المرأة، وهذا قول الشافعي، لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها، وإن كان منه، فإنما فسخ لعيب بها دلّسْته بالإخفاء، فصار الفسخ كأنه منها، فإن كان الفسخ بعد الدخول فلها المهر، لأن المهر يجب بالعقد ويستقر بالدخول، والواجب المهر المسمى، وذكر القاضي فيه روايتين إحداهما: المسمى، والأخرى: مهر المثل، لأن الفسخ استند إلى العقد، فصار كالعقد الفاسد. (١) ((المغني)) (٦٢/١٠). ٣٤٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٣) حدیث ١٠/١٠٧٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ ابْنَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأُمُّهَا بِنْتُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، ولنا: أنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح، ثم إنه يرجع بالمهر على من غَرَّه، وقال أبو بكر: فيه روايتان: إحداهما يرجع به والأخرى لا يرجع، والصحيح أن المذهب رواية واحدة، وأنه يرجع به، فإن أحمد قال: كنت ذهبت إلى قول علي - رضي الله عنه - فهبته، فملت إلى قول عمر - رضي الله عنه -، فذكر أثر الباب، وهذا يدل على أنه يرجع إلى هذا القول، وبه قال الزهري وقتادة ومالك والشافعي في القديم، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه لا يرجع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد؛ لأنه ضمن ما استوى بدله وهو الوطء فلا يرجع به على غيره، كما لو كان المبيع معيباً فأكله. ولنا: أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور، فإن كان الولي علم غرم، وإن لم يعلم فالتغرير من المرأة، فيرجع عليها بجميع الصداق، وقال الزهري وقتادة: إن علم الولي غرم، وإلا استحلف بالله العظيم أنه ما علم، ثم هو على الزوج، وقال القاضي: إن كان الولي أباً أو جداً وممن يجوز له أن يراها، فالتغرير من جهته علم أو لم يعلم، وإن كان ممن لا يجوز له أن يراها كابن العم وغيره وعلم غرم، وإن أنكر، ولم تقم بينة فالقول قوله، ويرجع على المرأة بجميع الصداق، وهذا قول مالك، إلا أنه قال: ترك لها ما تستحلّ، لئلا تصير كالموهوبة، وللشافعي قولان كقول مالك والقاضي، انتهى. ١٠/١٠٧٣ - (مالك، عن نافع أن ابنة) لم تُسَمِّ (عبيد الله) مصغر (ابن عمر) بن الخطاب القرشي، وُلد في العهد النبوي، وكان من شُجعان قريش، وفُرسانهم، قاتل مع معاوية بصِفِّين سنة سبع وثلاثين (وأمها) الواو حالية والجملة حال عن اسم إن، وخبره كانت تحت إلخ (بنت) لم تُسَمَّ (زيد بن الخطاب) العدوي أخي عمر - رضي الله عنه -، وكان أسنَّ منه، وأسلم قبله. ٣٤٤ مٹ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٣) حديث كَانَتْ تَحْتَ ابْنِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. فَمَاتَ. وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا. وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقاً. فَابْتَغَتْ أُمُّهَا صَدَاقَهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَيْسَ لَهَا صَدَاقٌ. وَلَوْ كَانَ لَهَا صَدَاقٌ لَمْ نُمْسِكْهُ، وَلَمْ نَظْلِمْهَا. فَأَبَتْ أُمُّهَا أَنْ تَقْبَلَ ذُلِكَ. فَجَعَلُوا بَيْنَهُمْ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. وشهد بدراً والمشاهد، استشهد باليمامة. وكانت راية المسلمين معه سنة اثنتى عشرة في خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - وحزن عليه عمر - رضي الله عنه - حزناً شديداً، وقال لما قتل: سبقني إلى الحُسْنيين، أسلم قبلي، واستُشهد قبلي . (كانت) بنت(١) عبيد الله (تحت ابن) لم يسم (لعبد الله بن عمر) رضي الله عنهما أي كانت زوجة ابن عمه (فمات) الزوج (ولم يدخل بها) بل مات قبل البناء (ولم يسم لها صداقاً) بل كان نكحها تفويضاً (فابتغت) أي طلبت (أمها) بنت زيد بن الخطاب عن حموها (صداقها) وكالةً عن بنتها (فقال عبد الله بن عمر:) أي أب الزوج (ليس لها صداق) أي لا تستحق الصداق (ولو كان لها صداق لم نمسكه) أبداً (ولم نظلمها) بإمساك صداقها . (فأبت أمها أن تقبل ذلك) القول عن ابن عمر - رضي الله عنهما - (فجعلوا بينهم زيد بن ثابت) الأنصاري كاتب الوحي حكماً لفصل هذه القضية، ولعلها سمعت الاختلاف في ذلك بين أهل العلم. أوسمعت قصة بروع بنت واشق ١) الخطاب عمر رضي الله عنه زيد رضي الله عنه عبد الله عبيد الله ابن (المتوفى) بنت زوجة عبيد الله بن عمر الطالبة للمهر بنت . ... (زوجة المتوفى) ٣٤٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٣) حديث فَقَضَى أَنْ لَا صَدَاقَ لَهَا. وَلَهَا الْمِيرَاثُ. الآتية، فلم تقبل قول ابن عمر - رضي الله عنه - وحده، وحكما زيداً لتقدمه في العلم، أو يكون إذ ذاك مرجع الفتاوى. (فقضى) زيد وفاقاً لابن عمر - رضي الله عنهما - (أن لا صداق لها، ولها الميراث) واجب في مال المتوفى، وهو المرجح عند المالكية، ولهم قول آخر: إنه يجب الصداق بالموت، قال الزرقاني(١): وهو قول شاذ عندنا، ورجحه ابن العربي وغيره. وقال الباجي(٢): من تزوَّج على تفويض ثم مات أحد الزوجين قبل التسمية والمسيس، فالتوارث بينهما ثابت، ولا مهر للمرأة، رواه ابن عبد الحكم وغيره عن مالك، وهو أحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة: لها الصداق، وهو قولٌ ثانٍ للشافعي، اهـ. وقال الدردير(٣): أما موت واحد في التفويض قبل الفرض فلا شيء فيه، قال الدسوقي: يعني إذا مات واحد بعد الفرض فهو كنكاح التسمية، اهـ. قال الموفق(٤): لو مات أحدهما قبل الإصابة، وقبل الفرض ورثه صاحبه، وكان لها مهر نسائها، أما الميراث فلا خلاف فيه، فإن الله تبارك وتعالى فرض لكل واحد من الزوجين فرضاً، وعقد الزوجية ههنا صحيح ثابت، فورث به لدخوله في عموم النص. ٠ وأما الصداق فإنه يكمل لها مهر نسائها في الصحيح من المذهب، وإليه ذهب ابن مسعود وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق، ورُوي عن علي وابن عباس وابن عمر والزهري وربيعة ومالك والأوزاعي: لا مهر لها، وقال (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣١/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٨١/٣). (٣) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٣٠١). (٤) ((المغني)) (١٤٩/١٠). ٣٤٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٣) حديث أبو حنيفة كقولنا في المسلمة، وكقولهم في الذمية، وعن أحمد رواية أخرى: لا يكمل ويتنصف، وللشافعي قولان کالروايتين، اهـ. قلت: عامة نقلة المذاهب ذكروا القول الثاني للشافعي موافقاً لمالك لا التنصيف، وحكى الترمذي عن بعض أهل العلم أن لها الميراث ولا صداق لها، ثم قال: هو قول الشافعي، وقال: لو ثبت حديث بروع بنت واشق لكانت الحجة فيما روي عن النبي ◌ّ﴾، وروي عن الشافعي أنه رجع بمصر عن هذا القول، وقال بحديث بروع بنت واشق، اهـ. وفي (التعليق الممجد)) (١): ذهب قوم إلى أن لها المهر، واحتجُوا بما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه سُئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، ولم يدخل بها حتى مات، فقام ابن مسعود: لها صداق نسائها، لا وكس ولا شطط، فقام معقل بن سنان الأشجعي، فقال: ((قضى رسول الله (َّ في بروع بنت واشق مثل ما قضيت)). قال الشافعي: فإن ثبت حديث بروع فلا حجة في قول أحد دون النبي بَّر، وإن لم يثبت فلا مهر لها . قال القاري في ((شرح مسند أبي حنيفة))(٢): قال رئيس المفسرين الشيخ عطية السلمي المكي الشافعي: فقد ثبت حديثها. أخرجه أبو داود والترمذي وصححه، وأحمد، والحاكم وصححه، وابن أبي شيبة وعبد الرزاق، ولم ينفرد به معقل بن سنان، بل قال هو وجماعة من أشجع لابن مسعود: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله وَ﴾، وهو أحد قولَي الشافعي، ورجحه النووي، والقول الثاني رجحه الرافعي. اهـ. وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي، وقال: وفي الباب عن الجرّاح، وحديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، قد رُوي من غير وجه. (١) (٤٨٤/٢). (٢) (ص٢٨). ٣٤٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث ١١/١٠٧٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ فِي خِلَافَتِهِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ؛ وقال ابن العربي(١): إذا صح الحديث فلا ينبغي أن يعدل عنه فإن قيل: فقد قال الراوي: وقع هذا الحديث بالمدينة فلم يعرفه أحد، وقال الدارقطني: اختلف فيه، فروي عن يسار، وروى معقل بن سنان، وروى ناس من أشجع، ورُوي أن علياً قال: لا نقبل معقل بن سنان أعرابي مول(٢) على عقبه، وروي عن ابن عباس وابن عمر خلافه بعد ما سمعوه، فالجواب أن جهل أهل المدينة به لا يضر، فلكل بلدة زمرة من أصحاب النبي وَل# بلغت ما كان عندها فوعاها أهلها، فقال: هذه سنة، تفرد بها أهل المدينة، هذه سنة تفرد بها أهل البصرة. وأما الاختلاف في رواية ما لا يضر بعد معرفة عينه، وأن الصحابة الأحبار الكبار قد اختلف في أسمائهم كأبي ذر وأبي هريرة وغيرهما، فلم يقدح ذلك في روايتهم. وأما الذي روي عن علي فلم يصح ولو صح ما أثر فيه؛ لأن الرواة قد ذكروا عن عمر - رضي الله عنه - أنه رد حديث فاطمة بنت قيس وهو مشهور، اهـ. والحديث مذكور في ((مسند أبي حنيفة)) وبسط في هامشه تخريجه، وقال: رواه الحاكم من وجه صححه على شرط مسلم، ومن وجه على شرط الشيخين، ورواه ابن حبان في ((صحيحه))، اهـ. وحكى الزرقاني عن الإمام مالك بعد ذكر هذا الحديث قال مالك: ليس عليه العمل. ١١/١٠٧٤ - (مالك، أنه بلغه) قال الزرقاني: مما جاء من وجوه؛ منها، ما رواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب وغيره، اهـ. (أن) الخليفة العادل (عمر بن عبد العزيز) - رضي الله عنه - (كتب في) زمان (خلافته إلى بعض عُمَّاله (١) ((عارضة الأحوذي)) (٨٥/٥/٣). (٢) كذا في الأصل والمذكور في أثره ((بوّال على عقبه)) اهـ. (ش)). ٣٤٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حدیث أَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَطَ الْمُنْكِحُ، مَنْ كَانَ أَباً أَوْ غَيْرَهُ، مِنْ حِبَاءٍ أَوْ كَرَامَةٍ. فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ إِنِ ابْتَغَتْهُ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمَرْأَةِ يُنْكِحِهَا أَبُوهَا، وَيَشْتَرِطُ فِي صَدَاقِهَا الْحِبَاءَ يُحْبَى بِهِ: إِنَّ مَا كَانَ مِنْ شَرْطِ يَقَعُ بِهِ النِّكَاحُ، فَهُوَ لاِبْنَتْهِ إِنِ ابْتَغَتْهُ. وَإِنْ فَارَقَهَا زَوْجُهَا، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَلِزَوْجِهَا شَطْرُ الْحِبَاءِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ النِّكَاحُ. أن كل ما اشترط المنكح) بكسر الكاف أي الولي (من كان) أي كائناً من كان (أباً أو غيره) من الأولياء (من حباء) بالكسر والمد: العطية بلا عوض، ومن بيان لما (أو كرامة) شيء يكرم به، وهو بمعنى ما قبله (فهو للمرأة) المنكوحة (إن ابتغته) أي طلبته . (قال مالك في المرأة ينكحها) بضم الياء من الإفعال (أبوها) أو غيرها من الولي (ويشترط في صداقها الحباء يُخْبى به) ببناء المجهول من الحباء بالموحدة، والضمير للأب أي يشترط في الصداق شيئاً من العطاء لنفسه (إنه ما كان من شرط يقع به النكاح) أي يكون من شرط النكاح (فهو) كله (لابنته) لأنه من الصداق (إن ابتغته) يعني وإن تركته للأب تبرعاً فلا بأس فإنه حقها يتركها لوالدها . زاد في غير ((الموطأ)) من رواية ابن القاسم عن مالك: وإن أعطاه بعد ما زوّجه، فإنما هي تكرمة أكرمه بها، فلا شيء لابنته فيها (وإن فارقها زوجها قبل أن يدخل بها) زوجها (فلزوجها شرط الحباء الذي وقع به النكاح) هكذا في جميع النسخ الهندية بلفظ الشرط، وهكذا في ((المحلى)) ولم يتعرض عنه، والمعنى أن المشروط من الحباء للزوج إن فارقها قبل المسيس. وفي جميع النسخ المصرية بدلها، فلزوجها شطر الحباء الذي وقع به النكاح بلفظ الشطر بمعنى النصف، وعلى هذا بنى الكلام شُرّاح ((الموطأ)» المالكية . ٣٤٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث قال الزرقاني(١): لأنه من الصداق، وهو يتنصَّف بالطلاق قبل الدخول، وقال الباجي: يريد أن لها شطر الحباء الذي وقع به النكاح، ووجه ذلك أنه من جملة العوض الذي انعقد عليه النكاح، وثبت بالنكاح للزوجة، فكان للزوج نصفه إن طلّق قبل البناء كالمهر، اهـ. وهذا مبنيٌ على أن المشروط في عقد النكاح للزوجة عند المالكية. قال الباجي(٢): إن ما اشترط في عقد النكاح من عطاء يشترطه الولي لنفسه أو لغيره، فإن ذلك كله للزوجة، لأنه عقد مفاوضة، فوجب أن يكون جميع عوضه لمن عوضه من جهته كالبيع والإجارة، وقد قال مالك في ((المدنية)): إن الزوج جعل للرجل جعلًا على أن ينكحه، فإنها هو جعل جعله على أن يقوم له في ذلك فهذا سنة جعل السمسار على من استنابه. وما كان من ذلك الحباء بعد عقدة النكاح، فهو لمن اشترطه دون المرأة، ولا شيء للزوج منه إن طلق قبل المسيس، قاله مالك في ((المدنية)) زاد محمد بن الحكم قائماً كان الحباء أو فائتاً، ووجه ذلك أنه معنى تبرع به الزوج بعد تمام العقد، فكان ذلك هبة مبتدأة لمن وهبه. انتهى. وأخرج أبو داود بسنده إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله وَالر: ((أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه)) الحديث، قال صاحب ((المنتقى)): أخرجه الخمسة إلا الترمذي. قال الشيخ في (البذل))(٣) عن الشوكاني: ذهب إلى هذا عمر بن (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣١/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٣/٣). (٣) ((بذل المجهود)) (١٦٤/١٠). ٣٥٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث عبد العزيز والثوري وأبو عبيد ومالك، وقال أبو يوسف: إن ذكر قبل العقد لغيرها استحقه، وقال الشافعي: إن سمى لغيرها كانت التسمية فاسدة، وتستحق مھر المثل، انتھی. وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): وما يشترطه العاقد لنفسه وبعضهم يسميه الحلوان، فقيل: هو للمرأة مطلقاً، وهو قول عطاء وجماعة من التابعين، وبه قال الثوري وأبو عبيد، وقيل: هو لمن شرطه، قاله مسروق وعلي بن حسين، وقيل: يختص ذلك بالأب دون غيره من الأولياء، وقال الشافعي: إن وقع في نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، وإن وقع خارجاً عنه لم يجب، انتهى. وقال ابن رشد(٢): اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال، فقال أبو حنيفة وأصحابه: الشرط لازم، والصداق صحيح، وقال الشافعي: المهر فاسد ولها صداق المثل، وقال مالك: إذا كان الشرط عند النكاح فهو لابنته، وإن كان بعد النكاح فهو له، وسبب اختلافهم تشبيه النكاح في ذلك بالبيع، فمن شبّهه بالوكيل ببيع السلعة، ويشترط لنفسه حباء، قال: لا يجوز النكاح كما لا يجوز البيع، ومن جعل النكاح مخالفاً للبيع، قال: يجوز. وأما تفريق مالك فلأنه اتهمه إذا كان ذلك في عقد النكاح أن يكون نقصاناً لصداقها، ولم يتهمه إذا كان بعد النكاح، وحديث عمرو بن شعيب مختلف فيه من قِبَلٍ أنه صحيفة، ولكنه نص في قول مالك، وقال ابن عبد البر: إذا روته الثقات وجب العمل به، انتهى. وقال الموفق(٣): يجوز لأبي المرأة أن يشترط شيئاً من صداق ابنته (١) ((فتح الباري)) (٢١٨/٩). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٨/٢). (٣) ((المغني)) (١١٨/١٠). ٣٥١ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَهُ صَغِيرَاً لَا مَالَ لَهُ: إِنَّ الصَّدَاقَ عَلَى أَبِيهِ إِذَا كَانَ الْغُلَامُ يَوْمَ تَزَوَّجَ لَا مَالَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ مَالٌ فَالصَّدَاقُ فِي مَالِ الْغُلَامِ. إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الْأَبُ أَنَّ الصَّدَاقَ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ النِّكَاحُ ثَابِتٌ عَلَى الإِبْنِ إِذَا كَانَ صَغِيراً، وَكَانَ فِي وِلَايَةِ أَبِهِ . لنفسه، وبهذا قال إسحاق، وقد روي عن مسروق أنه لما زوّج ابنته اشترط لنفسه عشرةَ آلاف، فجعلها في الحج والمساكين، وروي نحو ذلك عن علي بن الحسين، وقال عطاء وطاووس وعكرمة وغيرهم: كل ذلك للمرأة، وقال الشافعي: لها مهر المثل، وتفسد التسمية. ولنا قوله تعالى في قصة شعيب: ﴿إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ الآية، فجعل الصداق الإجارة على رعاية غنمه، وهو شرط لنفسه، ولأن للوالد الأخذ من مال ولده، لقوله عليه السلام: ((أنت ومالك لأبيك))، فإذا شرط لنفسه شيئاً من الصداق يكون آخذاً من مال ابنته، فإن شرط ذلك غير الأب من الأولياء كالجد والأخ فالشرط باطل نص عليه أحمد وجميع المسمى لها، انتهى. (قال مالك في الرجل يزوج ابنه) حال كونه (صغيراً لا مال له: إن الصداق على أبيه) سواء نص بذلك، أو لم ينص، بل ولو نص بكونه على الابن على ما سيأتي من كلام الدردير، وحكى الباجي في النص الخلاف بينهم، وبسط في فروعه. (إذا كان الغلام) المذكور (يوم يُزَوَّجُ) ببناء المجهول من التزويج (لا مال له) ذكره مكرراً توكيداً وتوضيحاً (وإن كان للغلام) المذكور (مال) يوم النكاح (فالصداق في مال الغلام إلا أن يسمي) أي يصرح (الأب أن الصداق عليه) أي على الأب، فيكون عليه لالتزامه ذلك بنفسه. (وذلك النكاح) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، غير نسخة ((المحلى)) ففيها بزيادة لفظ أن، ونصه ذلك أن بفتح الهمزة أي لأن النكاح (ثابت على الابن إذا كان صغيراً، وكان في ولاية أبيه) وذلك إجماع، فإن للأب إجبار الصغير. ٣٥٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث قال الموفق(١): أما الغلام السليم من الجنون فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن لأبيه تزويجه، انتهى. وبسط الباجي (٢) في فروع المسألة بما لا مزيد عليه لا يسعه هذا الأوجز. والجملة ما في ((الدردير)) (٣) أن صداق المجنون والصغير والسفيه على القول بجبره إن كانوا مُعْدمين وقت العقد على الأب، ولو كان مُعدماً، ويؤخذ من ماله وإن مات الأب، لأنه لزم ذمته فلا ينتقل عنها بموته، وإن أيسروا بعد العقد، وإن شرط الأب أنه ليس عليه، بل عليهم، فإنه يلزمه، ولا عبرة الشرطه، وإن لم يكونوا مُعدمين وقت العقد، بل أيسروا فعليهم دون الأب، ولو أعدموا بعد العقد إلا لشرط على الأب، فيعمل به، انتهى. وفي ((المحلى)): روى ابن أبي شيبة عن الحسن والحكم أن الصداق على الابن، وله عن الشعبي وعمار هو على الأب، وقال ابن عمر - رضي الله عنهما -: هو للذي نكحتموه أي على الابن، وبه قال أبو حنيفة: إن الصداق على الابن، وليس لها أن تطالبه إلا بعد البلوغ، ذكره الشُّمني، انتهى. وقال الموفق(٤): إذا تعلق الصداق بذمة الابن موسراً كان أو معسراً لأنه عقد للابن، فكان عليه بذله، كثمن المبيع، وهل يضمنه الأب؟ فيه روايتان: إحداهما؛ يضمنه، نص عليه، فقال: تزويج الأب لابنه الطفل جائز، ويضمن الأب المهر، لأنه التزم العوض عنه، فضمنه كما لو نطق بالضمان، والأخرى لا يضمنه لأنه عقدُ معاوضةٍ ناب فيه عن غيره، فلم يضمن عوضه كثمن مبيعه، (١) ((المغني)) (٤١٥/٩). (٢) انظر: ((المنتقى)) (٢٨٣/٣). (٣) ((الشرح الكبير)) (٢٤٥/٢). (٤) ((المغني)) (٤١٨/٩). ٣٥٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي طَلَاقِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَهِيَ بِكْرٌ، فَيَعْفُو أَبُوهَا عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لِزَوْجِهَا مِنْ أَبِهَا، فِيمَا وَضَعَ عَنْهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ فَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّتِي قَدْ دُخِلَ بِهِنَّ ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ فَهُوَ قال القاضي: هذا أصح، وقال: إنما الروايتان إذا كان معسراً، أما الموسر فلا يضمن الأب عنه رواية واحدة، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١): لا يطالب الأب بمهر ابنه الصغير الفقير، أما الغني فيطالب أبوه بالدفع من مال ابنه لا من مال نفسه إلا إذا ضمنه على المعتمد، قال ابن عابدين: قوله: على المعتمد مقابله ما في ((شرح الطحاوي)) و ((التتمة)) أن لها مطالبة أب الصغير ضمن أو لم يضمن، قال في ((الفتح)) والمذكور في المنظومة أن هذا قول مالك - ونحن نخالفه، انتهى. (قال مالك في طلاق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها) يعني إذا طلق رجل امرأته قبل البناء (وهي بكر) جملة حالية ذكرها، لأن مدار الإجبار على البكارة عند المالكية، بخلاف الحنفية كما تقدم في محله (فيعفو أبوها) لا غيره (عن نصف الصداق) الواجب للمرأة عند الطلاق قبل البناء (إن ذلك) أي عفوه المهر (جائز لزوجها) وساقط عنه (من أبيها فيما وضع) وعُفِيَ (عنه) أي عن الزوج. (قال مالك: وذلك) أي دليل ذلك (أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه) ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةٌ فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ﴾، (﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾(٢) فهن) أي المراد بضمير الجمع في الآية (النساء اللاتي قد دخل بهن) ثم قال تعالى: (﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاعَ﴾ فهو) أي (١) (١٥٤/٣). (٢) سورة البقرة: الآية ٣٣٧ ٣٥٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حدیث الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الِْكْرِ، وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا الَّذِي سَمِعْتُ فِي ذُلِكَ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . المراد بالذي في يده العقدة (الأب في ابنته البكر والسيد في أمته) لأن لهما حق الإجبار عليهما . (قال مالك: وهذا الذي سمعت في ذلك) أي في معنى الآية (والذي عليه الأمر عندنا) بالمدينة المنورة، زاد مالك في بعض روايات ((الموطأ)) وفي غير ((الموطأ)) ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شيء من الصداق إلا الأب، لا وصي ولا غيره، قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن عفو الأب عن نصف الصداق إذا طلقت ابنته البكر جائز، وبه قال ابن عباس والحسن وعكرمة وطاووس والزهري وعلقمة والنخعي وقاله الشافعي في القديم، وقال في الجديد: ليس له ذلك، وبه قال أبو حنيفة وغيره من أهل العراق، والدليل على ما نقوله ما استدل به مالك - رضي الله عنه -، قال شيوخنا: فوجه الدلالة من الآية أنه قال: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ يريد النساء ﴿أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى بِيَدِهِ، عُقْدَةُ التِّكَاحِ﴾ الأب في البكر ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ يريد الزوج. فإن قيل: لا نسلم أن الذي بيده عقدة النكاح، هو الولي بل هو الزوج، وهذا الاسم أولى به؛ لأنه أملك للعقد من الولي، فالجواب: لا نُسَلِّم أن الزوج أملك بالعقد من الأب في ابنته البكر، بل أب البكر يملكه خاصة دون الزوج، لأن المعقود عليه البضع، ولا يملك الزوج أن يعقد عليه، بل الأب يملكه. وجوابٌ ثانٍ: إن وضع هذا الاسم على الولي أولى لأن هذا أبلغ صفاته من هذا العقد بخلاف الزوج والزوجة، فلهما اسم أخصّ من هذا وهو الزوج، والمعقود عليه والمعقود له والولي عارٍ من ذلك كله، وليس له بالعقد تعلق إلا أنه عاقده. (١) ((المنتقى)) (٢٨٧/٣). - ٣٥٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حدیث وجوابٌ ثالثٌ: وهو أننا إذا قلنا: إن المراد به الولي استوعبت الآية جهات الزوجية كلها دون تكرار لشيء منها ولا إخلال بجهة، وإذا حمل ذلك على الزوج لم تتناول الآية الولي، وتكرر فيها ذكر الزوج، اهـ. وقال الزرقاني(١): ذهب الأئمة الثلاثة إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وعفوه بإتمام الصداق، واحتجّوا بأنه مروي عنه وَّر، وبأن إسقاط الولي ما لموليته على خلاف الأصول. وأجيب عن الأول بالضعف، سَلَّمنا صحته لكن لا نسلم أنه تفسيرٌ للآية بل إخبار عن حال الزوج قبل الطلاق، وعن الثاني بأن حكم الولاية تصرف الولي بما هو أحسن للمولى عليه، وقد يكون العفو أحسن للبنت، فيحصل لها بذلك مصلحة، وهي رغبة الأزواج فيها إذا سمعوا بعفو الأب عن الزوج المطلق، وقد يرغب بذلك من في صلته غبطة عظيمة . ولنا وجوه: منها: أن المفهوم من قولنا: بيده كذا أي يتصرف فيه، والزوج لا يتصرف في عقد النكاح، سلّمنا أن الزوج بيده عقدة النكاح لكن بالنسبة إلى ما كان وانقضى، وذلك مجاز، وأما الولي فعقدة النكاح الآن بيده فهو حقيقة، ومنها؛ أن المراد بقوله: ﴿إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ﴾ الرشيدات، بلا خلاف إذ المحجور عليها لا ينفذ صرفها - فالذي يحسن في مقابلتهن هن المحجورات في أيدي أوليائهن. ومنها: أن الخطاب مع الأزواج وهو خطاب مشافهة، فلو كانوا مرادين في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَأْ الَّذِى﴾ وهو خطاب غيبة لزم تغيير الكلام، وضعف هذا الوجه بوروده في قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيحٍ، الآية. %% (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٢/٣). ٣٥٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث وأجيب بأن إقامة الظاهر مقام المضمر على غير الأصل، فلو كان المراد الزوج لقيل إلا أن يعفون أو تعفو، فلمّا عدل عن الظاهر دل على أن المراد غيرهم، ومنهما أن الأصل في العطف؛ والتشريك في المعنى فقوله: ﴿إِلَّ أَن يَعْفُونَ﴾ معناه الإسقاط، وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُواْ الَّذِى﴾ على رأينا الإسقاط، فيحصل التشريك، وعلى رأيهم ليس كذلك فيكون قولنا أرجح، اهـ. وقال الموفق(١): اختلف أهل العلم في الذي بيده عقدة النكاح، فظاهر مذهب أحمد أنه الزوج، روي ذلك عن علي وابن عباس وجبير بن مطعم، وبه قال سعيد بن المسيب وشريح وسعيد ونافع ابنا جبير ونافع مولى ابن عمر ومجاهد وإياس بن معاوية وجابر بن زيد وابن سيرين والشعبي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد، وعن أحمد أنه الولي إذا كان أبا الصغيرة وهو قول الشافعي القديم إذا كان أباً أو جداً. ولنا ما روى الدارقطني (٢) بسنده إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي وَ ير أنه قال: ((ولي العقدة الزوج))، ولأن الذي بيده عقدة النكاح بعد العقد هو الزوج يتمكن من قطعه وفسخه وإمساكه، وليس إلى الولي منه شيء، ولأنه تعالى قال: ﴿وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ والعفو الذي هو أقرب إلى التقوى هو عفو الزوج عن حقه، أما عفو الولي عن مال المرأة فليس هو أقرب إلى التقوى، ولأن المهر مال الزوجة، فلا يملك الولي هبته وإسقاطه كغيره من أموالها وكسائر الأولياء. ١ ولا يمتنع العدول عن خطاب الحاضر إلى خطاب الغائب كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَّ فَإِنْ تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُلَ وَعَلَيْهِكُمْ مَّا حُمِّلْتُمٌ﴾(٣) (١) ((المغني)) (١٦١/١٠). (٢) ((سنن الدارقطني)) (٢٧٩/٣). (٣) سورة النور: الآية ٥٤. ٣٥٧ ١٠٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ تَحْتَ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ، فَتُسْلِمُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا: إِنَّهُ لَا صَدَاقَ لَهَا . الآية. فعلى هذا متى طلق الزوج قبل الدخول تنصف المهر بينهما، فإن عفا الزوج لها عن النصف الذي له كمل لها الصداق جميعه، وإن عفت المرأة عن النصف الذي لها وتركت جميع الصداق جاز إذا كان العافي منهما رشيداً. ولا يصح عفو الولي عن صداق الزوجة أباً كان أو غيره، صغيرة كانت أو كبيرة، نصّ عليه أحمد في رواية الجماعة، وروى عنه ابن منصور جواز عفو الأب، قال أبو حفص: ما أرى هذا إلا قولاً لأبي عبد الله قديماً وظاهر قول أبي حفص أن المسألة رواية واحدة، وأن أبا عبد الله رجع عن قوله بجواز عفو الأب وهو الصحيح. وإن قلنا برواية ابن منصور لم يصح هذا إلا بخمس شرائط؛ أن يكون أباً، وأن تكون صغيرة ليكون ولياً على مالها، فإن الكبيرة تلي مال نفسها، وأن تكون بكراً؛ وأن تكون مطلقة، وأن تكون قبل الدخول، لأن ما بعده قد أتلف البضع. فلا يعفو عن بدل متلف، ومذهب الشافعي على نحو من هذا إلا أنه يجعل الجد كالأب، اهـ. وقال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في ((الأوسط)) والبيهقي بسند حسن عن ابن عمرو عن النبي ◌َّ- قال: ((الذي بيده عقدة النكاح الزوج))، اهـ. (قال مالك في) الكتابية تحت الكتابي: أي في (اليهودية أو النصرانية تحت اليهودي أو النصراني) نشرٌ على ترتيب اللَفِّ (فَتُسْلِم) هي (قبل أن يدخل بها: إنه لا صداق لها) قال الباجي(٢): وهو كذلك، فإن أسلمت بعد البناء وقبل (١) ((الدر المنثور)) (١/ ٦٦٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٨/٣). ٣٥٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث القبض وكان المهر مما يحلّ تملُّكُه كالدراهم والدنانير، فلها مطالبته به وأخذه منه، وإن كان مما لا يحلّ لها تملُّكُه كالخمر والخنزير، فلا شيء لها من المهر، وهي مصيبة حلّت، ووجه ذلك أنه لا يحلّ لها تملكُ ذلك، ولا يُقْضَى لها عليه بغير ذلك لأنه لم يستبح بضعها إلا به، اهـ. وقال الموفق(١): إذا أسلم زوج الكتابية قبل الدخول أو بعده أو أسلما معاً فالنكاح باقٍ بحاله، لأن للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابية، فاستدامته أولى، ولا خلاف في هذا بين القائلين بإجازة نكاح الكتابية فإن أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول تُعُجِّلَت الفرقة، إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، فإذا كانت هي المسلمة قبل الدخول فلا مهر لها لأن الفسخ منها . وإذا وقعت الفرقة بإسلام أحدهما بعد الدخول فلها المهر كاملاً لأنه استقر بالدخول فلم يسقط شيء، فإن كان مسمى صحيحاً فهو لها لأن أنكحة الكفار صحيحة، وإن كان محرماً وقد قبضته في حال الكفر فليس لها غيره، لأنا لا نتعرض لما مضى وإن لم تقبضه فلها مهر مثلها، لأن الخمر والخنزير لا يجوز أن يكون صداقاً لمسلمة، وقد صارت أحكامهم أحكام المسلمين، اهـ. وأما عند الحنفية، فقد قال ابن عابدين(٢): لو أسلمت وأبى الزوج، فلها نصف المهر قبل الدخول، وكله بعده كما في ((الكافي)) للحاكم، بخلاف ما إذا كانت كافرة، وأسلم الزوج فلا مهر لها إن كان قبل الدخول، لأن المنع من جهتها، اهـ. ملخصاً. وفي ((الهداية))(٣): إن تزوج الذمي ذمية على خمر أو خنزير، ثم أسلما أو. (١) ((المغني)) (١٠/ ٣٢). (٢) ((رد المحتار)) (٣٥٥/٤). (٣) (٢٠٨/١). ٣٥٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ بِأَفَلَّ مِنْ رُبْعِ دِيْنَارٍ . وَذُلِكَ أَدْنَى مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. أسلم أحدهما فلها الخمر والخنزير، يعني إذا كانا بأعيانهما والإسلام قبل القبض، وإن كانا بغير أعيانهما، فلها في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل، وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: المهر مهر المثل في الوجهين، وقال محمد: لها القيمة في الوجهين. وجه قولهما أن القبض مؤكد للملك في المقبوض، فيكون له شبهٌ بالعقد، فيمتنع بسبب الإسلام، وصار كما إذا كانا بغير أعيانهما، وإذا التحقت حالةُ القبض بحالة العقد، فأبو يوسف يقول: لو كانا مسلمين وقت العقد يجب مهر المثل، فكذا ههنا، ومحمد يقول: صحت التسمية لكون المسمَّى مالاً عندهم إلا أنه امتنع التسليم للإسلام، فيجب القيمة، ولأبي حنيفة أن الملك في الصداق المعين يتمُّ بنفس العقد، ولذا تملك التصرف فيه، وبالقبض ينتقل من ضمان الزوج إلى ضمانها وذلك لا يمتنع بالإسلام كاسترداد الخمر المغصوبة، وفي غير المعين القبض يوجب ملك العين، فيمتنع بالإسلام، اهـ. (قال مالك: لا أرى) بفتح الهمزة (أن تنكح) ببناء المجهول (المرأة بأقل) أي بمهر أقل (من ربع دينار) وثلاثة دراهم فضة أو قيمة ذلك من العروض (وذلك) المقدار أي ربع الدينار وما في معناه (أدنى) أي أقل (ما يجب فيه القطع) أي قطع اليد في السرقة، فقاسه عليها بجامع أن كل عضو محترم مستباح، قال الزرقاني(١): وافق مالكاً على قوله جميعُ أصحابه إلا ابن وهب، اهـ. قلت: وتقدم قول ابن وهب في أول الباب أنه درهم كما حكاه ابن العربي، وقال الباجي(٢): أجاز ابن وهب من رواية ابن حبيب النكاح (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٩/٣). ٣٦٠