النص المفهرس
صفحات 321-340
٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث جاز أن يقول له: التمس خاتماً من حديد، لأنه قد نفى أن يجد خاتماً من حديد، وما هو أقل منه، فلما أمره بعد ذلك أن يلتمس خاتماً من حديد علم أن النبي وَلّر عنى بالشيء أكثر من مقدار خاتم الحديد، ولذا قال له: ((ولو خاتماً من حديد))، وهذا إنما يستعمل في أقل ما يكون من المطلوب، انتهى. وقال الموفق(١): إن الصداق غير مقدّر لا أقله ولا أكثره، بل كل ما كان مالاً جاز أن يكون صداقاً، وبهذا قال الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وعن سعيد بن جبير، والنخعي، وابن شُبْرمة، ومالك، وأبي حنيفة، هو مقدر الأقل، ثم اختلفوا فقال مالك، وأبو حنيفة: أقله ما يُقْطع به السارق، وقال ابن شُبرمة: خمسة دراهم، وعن النخعي: أربعون درهماً، وعنه: عشرون، وعنه: رطلٌ من ذهب، وعن سعيد بن جبير: خمسون درهماً، انتھی. قال الحافظ (٢): أجازه الكافة بما تراضى عليه الزوجان، أو من العقد إليه بما فيه منفعة كالسوط، والنعل، وإن كانت قيمته أقل من درهم، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة غير مالك، ومن تبعه، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعي في أهل الشام، وحَدَّه بعضُ المالكية بما يجب فيه الزكاة . ونقل عياض الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتموَّل، ولا له قيمةٌ لا يكون صداقاً، ولا يحلّ به النكاحُ، فإن ثبت نقله فقد خرق هذا الإجماع (١) ((المغني)) (٩٩/١٠). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٠٩/٩، ٢١١). ٣٢١ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث ابن حزم، فقال: يجوز بكل ما يُسمَّى شيئاً، ولو حبة من شعير، ويؤيد الكافة حديث الباب؛ لأنه ورد مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شك أن الخاتم من الحديد له قيمة، وهو أعلى خطراً من النواة وحبة الشعير. وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم، وابن شبرمة: أقله خمسة، ومالك: أقله ثلاثة أو ربع دينار بناءً على اختلافهم في مقدار ما يجب فيه القطع، قال المازري: تعلق بالحديث من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التعليل، ولكن مالك قاسه على القطع في السرقة، قال عياض: تفرّد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ فإنه يدل على أن المراد ماله بالٌ من المال، وأقله ما استُبيح به قطع العضو المحترم، انتهى. وحكى الباجي عن ربيعة، جوازه بنصف درهم. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (١): اختلفوا في ذلك على سبعة أقوال، الأول: لا مهر أقل من أربعين، قاله النخعي، الثاني: لا أقل من دينار، قاله أبو حنيفة، الثالث: لا أقل من خمسة دراهم، قاله ابن شبرمة، الرابع: لا أقل من ربع دينار، قاله مالك، الخامس: هو درهم، قاله الأوزاعي، وابن وهب، السادس: قيراط، قاله ربيعة، السابع: ما قاله الشافعي، وغيره هو: ما تراضى عليه الأهلون، انتهى بتغير. وقد عرفت أن الأقوال أكثر من سبعة، قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): روي عن علي أنه قال: لا مهر أقل من عشرة دراهم، وهو قول الشعبي، وإبراهيم في آخرين من التابعين، وقول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زیاد. (١) ((عارضة الأحوذي)) (٣٢/٥/٣). (٢) ((أحكام القرآن)) (١٤٣/٢). ٣٢٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث قَالَ: ((الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَماً مِنْ حَدِيدٍ)» قال الموفق(١): واحتجّ أبو حنيفة بما روي عن النبي ◌َّر: ((لا مهر أقل من عشرة دراهم))، ولنا: حديث الباب، وأما أكثر الصداق، فلا توقيت فيه بإجماع أهل العلم، قاله ابن عبد البر، وقد قال عز اسمه: ﴿وَإِنْ أَرَدَّثُمُ أُسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَ قِنْطَارًا﴾(٢) الآية، وروى أبو حفص: أن عمر - رضي الله عنه - أصدق أم كلثوم ابنةَ عليّ أربعين ألفاً، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: خرجت وأنا أريد أن أنهى عن كثرة الصداق، فذكرت هذه الآية. وقال أبو صالح: القنطار مائة رطل، وقال أبو سعيد الخدري: ملء مسك ثورٍ ذهباً، وعن مجاهد: سبعون ألف مثقال. ويستحب أن لا يُغلي الصداق لما روي عنه وَل18 أنه قال: ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة))(٣)، وكل ما جاز ثمناً في البيع أو أجرة في الإجارة من العين، والدين، والحال، والمؤجل، والقليل، والكثير، ومنافع الحر، والعبد، وغيرهما، جاز أن يكون صداقاً، وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا تكون صداقاً؛ لأنها ليست مالاً، انتهى ملخصاً. قال القسطلاني: (٤) ولو كان الذي تجده خاتماً من حديد، فأصدقها إياه، ففيه حذف كان واسمها وجواب لو، انتهى. (قال:) وَ لّ ((التمس) أي: اطلب بصيغة الأمر (ولو خاتماً من حديد))) قال الحافظ: ولو تقليلية، قال عياض: وَهِمَ من زعم خلاف ذلك، انتھی، (١) ((المغني)) (٩٩/١٠). (٢) سورة النساء: الآية ٢٠. (٣) أخرجه الحاكم (١٧٨/٢)، والبيهقي (٢٣٥/٧)، وأحمد (٨٢/٦ - ١٤٥). (٤) ((إرشاد الساري)) (١١/ ٤١٣). ٣٢٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حدیث واستدل الشافعية بحديث الباب على جواز لبس خاتم الحديد، قال الحافظ: ولا حجة فيه؛ لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، فيحتمل أنه أراد وجوده لتنتفع المرأة بقيمته، انتهى، وفي فروع الشافعية: لا يكره خاتم النُّحاس والرصاص ولا الحديد على الأصح، واستدلوا بحديث الباب. وفي ((المحلى)): فيه جواز التختم بالحديد، وهو الأصح عند الشافعية؛ والحديث الوارد في النهي ضعيف، قاله النووي، انتهى، وفي ((نيل المآرب)): يكره تختمهما، أي: الرجل والمرأة، بالحديد، والرصاص، والنحاس، وقال الدسوقي: يكره التختم بالحديد، والنحاس، ونحوهما، انتهى وفي هامش ((الكوكب))(١) عن ((البدائع)): أما التختم بما سوى الذهب والفضة، من الحديد، والنحاس الأصفر، فمكروه للرجال والنساء جميعاً؛ لأنه زيّ أهل النار، انتھی . قلت: وأشار بذلك إلى حديث أبي طيبة عند أبي داود، أن رجلاً جاء عند النبي و18 وعليه خاتم من حديد، فقال: ((مالي أرى عليك حلية أهل النار))، قال المناوي في ((شرح الشمائل))(٢): لا يخلو عن درجة الحسن، وذكر العيني في ((شرح البخاري)) روايات أخر في هذا المعنى، قال الحافظ(٣): قال ابن المنذر: في الحديث ردٌّ على من زعم أن أقل المهر عشرة دراهم، وكذا من قال: ربع دينار؛ لأن خاتماً من حديد لا يساوي ذلك، قال المازري: تعلق به من أجاز النكاح بأقل من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التعليل. وقال ابن العربي: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما (١) ((الكوكب الدري)) (٢/ ٤٥٢). (٢) (١٣٩/٢). (٣) ((فتح الباري)) (٢٠٩/٩). ٣٢٤ د ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً، لا جواب عنه، ولا عذر فيه، لكن المحققين من أصحابنا نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾(١) الآية، فمنع الله القادر على الطّوْل من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهماً ما تعذر على أحد، ثم تعقبه بأن ثلاثة دراهم أيضاً كذلك. وانفصل بعض المالكية عن هذا الإيراد بأجوبةٍ، منها: أن قوله: ((ولو خاتماً من حديد)) خرج مخرج المبالغة في طلب التيسير عليه، ولم يرد عين خاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقة كقوله وسلم: ((تصدقوا ولو بظلف محرق ولو بفرسن شاة»، مع أن الظلف والفرسن لا ينتفع به، ولا يتصدق به. ومنها: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك جميع الصداق، وهذا جواب ابن قصّار، وهذا يلزم منه الرد عليهم حيث استحبوا تقديم ربع دينار وقيمته قبل الدخول، لا أقل منها . ومنها: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر دون غيره، وهذا جواب الأبهري. وتُعُقِّبَ بأن الخصوصية تحتاج إلى دليل خاص. ومنها: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، وقد وقع عند الحاكم والطبراني من طريق الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد ((أن النبي ﴿ ﴿ زوّج رجلاً بخاتم من حديد، فصه فضة))؛ انتهى. قلت: وأوجه الأجوبة عندي الثاني؛ لما حكى الحافظ برواية ابن مسعود عند الدارقطني في هذه القصة: ((قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها)) (فالتمس الرجل فلم يجد شيئاً) ولا خاتم من حدید. (١) سورة النساء: الآية ٢٥. ٣٢٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حدیث فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ؟)) فَقَالَ: نَعَمْ. مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا. لِسُوَرٍ سَمَّاهَا . قال الحافظ(١): ووقع في رواية غسان: ((فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه النبي ﴿ ﴿ فدعاه أو دُعِىَ له))، وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي: فقام طويلاً ثم ولّى فقال النبي ◌َّ: ((عليَّ الرجل))، وفي رواية للبخاري: ((فرآه النبي ◌َّ مولياً، فأمر به فدُعِيَ له، فلما جاء قال: ماذا معك من القرآن؟))، ويحتمل أن يكون هذا بعد قوله كما في رواية مالك: ((هل معك من القرآن شيءٌ؟)) فاستفهمه حينئذ عن كميته، ووقع الأمران في رواية معمر قال: ((فهل تقرأ من القرآن شيئاً؟)) قال: نعم، قال: ((ماذا؟)) قال: سورة كذا، وعرف بهذا المراد بالمعية، وأن معناها: الحفظ عن ظهر قلبه، اهـ. (فقال له رسول الله وَ له: ((هل معك من القرآن شيء؟))) أي: تحفظ كما تقدم في كلام الحافظ، ولذا ترجم البخاري على ذلك، ((باب القراءة عن ظهر القلب))، وأورد فيه هذا الحديث، وفيه قال: ((ماذا معك من القرآن؟» قال: معي سورة كذا وسورة كذا عدّها، قال: ((أتقرؤهُنّ عن ظهر قلبك؟))، قال: نعم، الحديث. قال ابن بطال: في قوله: ((أتقرؤهن عن ظهر قلب؟)) ردٌّ لما تأوَّله الشافعي في إنكاح الرجل على أن صداقها أجرة تعليمها، قال الحافظ(٢): لا دلالة فيه، قلت: والظاهر الأول؛ لأن التعليم لا يحتاج إلى القراءة عن ظهر القلب (فقال) الرجل: (نعم) زاد في النسخ المصرية ههنا لفظ: معي (سورة كذا وسورة كذا لسُوَرِ سمّاها). قال الزرقاني(٣) تبعاً للقسطلاني: في ((فوائد تمام الرازي)) أنها سبع من (١) ((فتح الباري)) (٢٠٨/٩). (٢) ((فتح الباري)) (٧٨/٩). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٢٩/٣). ٣٢٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: «قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا المفصل، قال الحافظ(١): ووقع في حديث أبي هريرة قال: ((ما تحفظ من القرآن؟)) قال: سورة البقرة أو التي تليها، كذا في كتابي أبي داود والنسائي بلفظ ((أو))، وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النسائي بأو، ووقع في حديث ابن مسعود: نعم، سورة البقرة، وسورة المفصل، وفي حديث ضميرة: ((أن النبي ◌َّ ه زوّج رجلاً على سورة البقرة، لم يكن عنده شيء)»، وفي حديث أبي أمامة: ((زوَّج النبي ◌ََّ رجلاً من أصحابه امرأة على سورة من المفصل جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: ((عَلِّمْها))، وفي حديث أبي هريرة المذكور: «تُعَلِّمُها عشرين آية، وهي امرأتك)). وفي حديث ابن عباس: ((أزوّجها منك على أن تُعَلِّمَها أربع أو خمس سور من كتاب الله))، وفي مرسل أبي النعمان: زَوَّج رسول الله بَّ امرأة على سورة من القرآن، وفي حديث ابن عباس وجابر: ((هل تقرأ من القرآن شيئاً؟)) قال: نعم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ ﴾﴾ قال: ((أصدقها إياه). ويجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعضٌ، أو أن القصص متعددة؛ اهـ. قالوا: التعدد بعيد جداً، والأوجه عندي التعدد، بل هو المتعين. (فقال رسول الله وَلير: ((قد أنكحتكها) وفي عدة روايات بدلها: ((ملكتكها))؛ واستدل بذلك من أجاز النكاح، بغير لفظ النكاح والتزويج كما تقدم قريباً؛ وتكلم على هذا اللفظ الدارقطني(٢) وقال: إنه وهم؛ والصواب زوّجتكها؛ وقال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصة واحدة؛ واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث؛ فالظاهر أن الواقع من النبي وَلّر أحد الألفاظ المذكورة، فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقال النووي: يحتمل صحة اللفظين. (١) ((فتح الباري)) (٢٠٨/٩). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٢٩/٣) وكتاب ((القبس)) (٦٩٤/٢). ٣٢٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ)». أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٤٠ - باب السلطان وليّ. ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ١٢ - باب الصداق. وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حدید وغير ذلك، حدیث ٧٦. وبسط الحافظ في ((الفتح)) الكلام على ألفاظ الروايات من قوله: أنكحتكها، وزوجتكها، وملّكْتكها، وأمكناكها، وقال: تعلّق بعض المتأخرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمةٌ، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عَبَّروا بها، فدلّ على أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النكاح بكل لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر في اللفظين، مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها، ولا حصر في الصريح. وفي الحديث جواز نكاح المرأة دون أن تسأل: هل لها ولي خاص أو لا؟ ودون أن تسأل: هل هي في عصمة رجل أو في عدته؟ وفيه أيضاً: أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة؛ إذ لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث حمد ولا تشهّد، ولا غيرهما من أركان الخطبة. وفيه أيضاً: أن الكفاءة في الحرية والدين والنسب، لا المال. وفيه: أن الفقير يجوز له نكاح من عَلِمَتْ بحاله، ورضيت به، إذا كان واجداً للمهر، وكان عاجزاً عن غيره من الحقوق. واستدل به على صحة النكاح بغير شهود إلى آخر ما ذكر من فوائد الحديث، سيأتي شيء من الكلام على ذلك في آخر الحديث (بما معك من القرآن))) الباء يحتمل أن يكون للعوض، كبعتك ثوبي بدينار، وعلى هذا يحتاج إلى تأويل؛ لأن القرآن الذي معه لا يمكن أن يكون ثمناً فيؤوّل بتعليمه، والثاني: أن يكون للسببية، أي إكراماً للقرآن الذي معك، وعلى هذا يكون النكاح بدون مهر ظاهراً. ٣٢٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث ولذا اختلفت الأئمة في ذلك، قال الموفق(١): إن أصدقها تعليم صناعة، أو تعليم عبدها صناعة، يصح؛ لأنه منفعة معلومة يجوز بذل العوض عنها، فجاز جعلها صداقاً كخياطة ثوبها، وإن أصدقها تعليمه، أو تعليمها شعراً مباحاً معيناً، أو فقهاً، أو غير ذلك من العلوم الشرعية التي يجوز أخذ الأجرة على تعليمها جاز، وصحت ((التسمية))، لأنه يجوز ((أخذ الأجرة عليه))، فجاز صداقاً كمنافع الدار. فأما تعليم القرآن فاختلفت الرواية عن أحمد في جعله صداقاً، فقال في موضع: أكرهه، وقال في موضع: جاز، وهو مذهب الشافعي، قال أبو بكر: في المسألة قولان، يعني: روايتين، واختياري: أنه لا يجوز، وهو مذهب مالك، والليث، وأبي حنيفة، ومكحول، وإسحاق، واحتجّ من أجازه بحديث الباب، ووجه الرواية الأخرى أن الفروج لا تستباح إلا بالأموال، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ والطول: المال، وقد روي أن رسول الله وَ ﴿ زوج رجلاً على سورة من القرآن، ثم قال: «لا تکون لأحد بعدك مهراً»، انتھی. وفي (نيل المآرب)): إن أصدقها تعليم شيء من القرآن، ولو معينا لم يصح، وفاقاً لأبي حنيفة، انتهى. وكذا في ((الروض المربع)): إن أصدقها تعليم قرآن لم يصح الإصداق؛ لأن الفروج لا تستباح إلا بالأموال، انتهى. وقال الباجي(٢): قوله: ((بما معك من القرآن)) يحتمل وجهين: أحدهما: - وهو الأظهر -، أن يُعَلِّمَها ما معه من القرآن، أو مقداراً ما منه فيكون ذلك صداقها، وهذا إباحة جعل منافع الأعيان مهراً، وقد روي عن مالك هذا التفسير، رواه عنه ابن مضر الأندلسي. (١) («المغني)) (١٠٣/١٠ - ١٠٤). (٢) ((المنتقى)) (٢٧٧/٣). ٣٢٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث . والوجه الثاني: ما ذهب إليه الشيخ أبو بكر، والشيخ أبو محمد، أن معناه: زوّجتكها بما معك من القرآن، وأن هذا خاصٌ لذلك الرجل دون غيره من الناس. وقال ابن المزيّن: سألت يحيى بن يحيى عمن نكح بقرآن يقرؤه، لم ينقد غيره، فقال: يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل، وأما على الوجه الأول مِنْ جعل المنافع مهراً، فقال القاضي أبو محمد، والقاضي أبو الحسن: مكروه، قال القاضي أبو محمد: لا خلاف فيه، وقال القاضي أبو الحسن: إنما يكره مع القدرة على غيره، وأما مع العدم فلا، انتهى. وقال الدردير(١): اختلف في منع النكاح بمنافع، لدارٍ، أو عبدٍ، وتعليمها قرآناً، وكراهته، قال الدسوقي: والحاصل: أن المنع قول مالك، وهو المعتمد، وعليه، فقال اللخمي: يفسخ النكاح قبل البناء ولا شيء له، ويثبت بعده بصداق المثل، ويرجع الزوج عليها بقيمة عمله، وقال ابن الحاجب: إنه على القول بالمنع النكاح صحيح، قبل البناء وبعده، ويمضي بما وقع به من المنافع للاختلاف فيه، وهذا هو المشهور، وكون الصداق منافع كخدمته مدة معينة أو تعليمه قرآناً منعه مالك وكرهه ابن القاسم، وأجازه ابن أصبغ، وإن وقع مضى على المشهور، وهذا على ما نسبه لمالك من المنع، وأما على الجواز والكراهة، فلا يختلف في الإمضاء، وإنما يمضي على المشهور للاختلاف فیه، انتھی. قال ابن رشد(٢): أما جنس المهر فكل ما جاز أن يتملك وأن يكون عوضاً، واختلفوا في ذلك في مكانين في النكاح بالإجارة، وفي جعل عتق أمته (١) ((الشرح الكبير)) (٣٠٩/٢). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢١/٢). ٣٣٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث صداقاً، أما الأول ففي المذهب ثلاثة أقوال: الإجازة، والمنع، والكراهة، والمشهور عن مالك الكراهة، ولذا رأى فسخه قبل الدخول، وأجازه من أصحابه أصبغ وسحنون، وهو قول الشافعي، ومنعه ابن القاسم وأبو حنيفة إلا في العبد، فإن أبا حنيفة أجازه. وسبب اختلافهم سببان: أحدهما: هل الشرع من قبلنا لازم لنا؟ حتى يدل الدليل على ارتفاعه أم الأمر بالعكس، فمن قال: لازم أجازه لقوله تعالى: وَإِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ﴾ الآية، ومن قال: ليس بلازم، قال: لا يجوز النكاح بالإجارة، والسبب الثاني: هل يجوز أن يقاس النكاح على الإجارة؟ وذلك أن الإجارة مستثناة من بيوع الغرر المجهول، ولذلك خالف فيها الأصمّ وابن عُلَيَة، انتھی . وقال الباجي(١): قال أصبغ: فمن نكح بعمل سنة أكرهه إن كان معه شيء، وإن لم يكن معه شيء فهو أشدّ كراهةً، وإن نزل مضى في الوجهين - واحتجّ بقصة شعيب عليه السلام، انتهى. روى عيسى عن ابن القاسم: لا يكون النكاح جُعلاً ولا كراء، ولمن عمل على ذلك أجر مثله، قال مالك: وما ذكر من نكاح موسى عليه السلام فالأحكام على غير ذلك، وهذه الرواية تمنع أن تكون المنافع مهراً، انتهى. وفي ((المحلى)): قال الحنفية: الباء للسببية أي بسبب ما معك من القرآن فيخلو النكاح عن المهر، فيرجع إلى مهر المثل، قال الترمذي: هو قول أحمد وإسحاق فالنكاح عندهم جائز، ولها صداق مثلها، قالوا: إن تعليم القرآن ليس بمال، والشارع إنما شرع ابتداء النكاح بالمال، فيجب مهر المثل، ويجاب عن الحديث بجعله مختصاً بذلك الرجل، وقد ورد به حديث مرسل، أخرجه (١) ((المنتقى)) (٢٧٧/٣). ٣٣١ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث • سعيد بن منصور عن أبي النعمان الأزدي، قال: زَوَّجَ رسولُ اللهِ بَّه امرأةً على سورة القرآن، وقال: ((لا يكون لأحد بعدك مهراً)) كما في ((المواهب)) انتهى. وقال الموفق(١): روي أن رسول بَ لَهُ زَوَّج رجلاً على سورة من القرآن، ثم قال: ((لا تكون لأحد بعدك مهراً))، رواه النجاد بإسناده(٢)، انتهى. قلت: ويجاب أيضاً بما في ((البذل))(٣) أن الحديث في حد الآحاد ولا يترك نص الكتاب بخبر الواحد مع أن ظاهره متروك، لأن السورة من القرآن لا تکون مهراً بالإجماع. انتھی. قال الحافظ(٤): وانفصل الأبهري وقبله الطحاوي ومن تبعهما كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأن هذا خاص بهذا الرجل لكون النبي وَل كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك يجوز له أن ينكحها لمن شاء بغير صداق ونحوه للداودي، وقال: أنكحها إياه بغير صداق، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم . واحتجّ لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزدي، فذكر الحديث المذكور(٥) ثم قال: وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف، وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال: ليس هذا لأحدٍ بعد النبي ◌َّير، وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه. وانفصل بعضهم بأنه زَوَّجَها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه، (١) («المغني)) (١٠٤/١٠). (٢) أخرجه سعيد بن منصور ((السنن)) (١٧٦/١). (٣) ((بذل المجهود)) (١٣٨/١٠). (٤) «فتح الباري)) (٢١٢/٩). (٥) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٢/٩ - ٢١٣). ٣٣٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث وسكت عن المهر فيكون ثابتاً لها في ذمته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس(١) المتقدم حيث قال فيه: ((فإذا رزقك الله فعوضها)) كان فيه تقوية لهذا القول لكنه غير ثابت. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون زوجه لأجل ما حفظه من القرآن وأصدق عنه كما كفّر عن الذي وقع على امرأته في رمضان ويكون ذكر القرآن وتعليمه على سبيل التحريض على تعلم القرآن وتعليمه وتنويهاً بفضل أهله، ويؤيد قول الجمهور قوله ﴿ أوّلاً: ((هل معك شيء تصدقها؟)) ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه وطريقته ونحو ذلك، انتھی. وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي))(٢): يحتمل أن يكون هذا في زمان جواز الاستمتاع بالنساء كما قال جابر، كنا نستمتع على عهد رسول الله وقلقه بالقبضة من الطعام، ثم نسخ الله المتعة وصداقها، انتهى. وانفصل ابن همام(٣) بحمله على المعجَّل إذ قال بعد ما ذكر حديث جابر المرفوع: ((لا مهر أقل من عشرة دراهم))، رواه الدار قطني والبيهقي: فيحمل كل ما أفاد ظاهره كونه أقل من عشرة دراهم على أنه المعجل، وذلك لأن العادة عندهم كانت تعجيل بعض المهر قبل الدخول، حتى ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يدخل بها حتى يقدم لها شيئاً . نقل ذلك عن ابن عباس وابن عمر والزهري وقتادة، تمسكاً بمنعه وَاله علياً فيما رواه ابن عباس ((أن علياً لما تزوج بنت رسول الله وَ # أراد أن يدخل بها، فمنعه وَ له حتى يعطيها شيئاً، فقال: يا رسول اللّه ◌َ له ليس لي شيء؟ فقال: (١) هكذا في الأصل والمذكور قبل ذلك بهذا اللفظ حديث ابن مسعود وهو الصواب، فإن الدارقطني أخرج هذا اللفظ من حديث ابن مسعود. اهـ. ((ش)). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٣٨/٥/٣). (٣). ((فتح القدير)) (٢٠٦/٣). ٣٣٣ م ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧١) حديث أعطها درعك فأعطاها درعه، ثم دخل بها))، لفظ أبي داود (١) ورواه النسائي. ومعلوم أن الصداق كان أربعمائة درهم وهي فضّة. لكن المختار الجواز قبله لما روت عائشة قالت: ((أمرني رسول الله وَله أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئاً))، رواه أبو داود(٢)، فيحمل المنع المذكور على الندب أي ندب تقديم شيء إدخالاً للمسرّة عليها تألفاً لقلبها، وإذا كان ذلك معهوداً وجب حمل ما يخالف ما رويناه عليه جمعاً بين الأحاديث، وكذا يحمل أمره ◌َ لله بالتماس خاتم من حديد على أنه تقديم شيء تألفاً، ولما عجز قال: ((قم فعلِّمها عشرين آية وهي امرأتك))، رواه أبو داود، وهو محمل رواية الصحيح: ((زوجتكها بما معك من القرآن)) فإنه لا ينافيه، وبه تجتمع الرواية، انتهى. قال الحافظ(٣): وفي الحديث جواز نكاح المرأة دون أن تسأل هل لها وليّ خاص أو لا؟ ودون أن تسأل هل هي في عصمة رجل أو في عدته؟ قال الخطابي: ذهب إلى ذلك جماعة حملاً على ظاهر الحال، ولكن الحكام يحتاطون في ذلك ويسألونها، قال الحافظ: وفي أخذ هذا الحكم من هذه القصة نظراً لاحتمال أن يكون النبي و له اطلع على جليّة أمرها أو أخبره بذلك من حضر مجلسه، ومع الاحتمال لا ينتهض به الاستدلال، وقد نص الشافعي على أنه ليس للحاكم أن يزوج امرأة حتى يشهد عدلان أنها ليس لها وليّ خاص، ولا أنها في عصمة رجل، ولا في عدته. لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط؟ والثاني (١) ((أخرجه أبو داود (٢١٢٦). (٢) أخرجه أبو داود (٢١٢٨)، وابن ماجه (١٩٩٢). (٣) ((فتح الباري)) (٢١٥/٩). ٣٣٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث ٩/١٠٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ قَالَ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ، المصحح عندهم، وفيه أيضاً أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة إذ لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة، وخالف في ذلك الظاهرية، فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعية أبو عوانة، وفيه أيضاً أن الكفاءة في الحرية والدين والنسب لا المال، لأن الرجل كان لا شيء له وقد رضيت به، كذا قال ابن بطال. قال الحافظ: وما أدري من أين له أن المرأة كانت ذات مال، وفيه أيضاً أن الفقير يجوز له نكاح من علمت بحاله ورضيت به إذا كان واجداً للمهر، وكان عاجزاً عن غيره من الحقوق، لأن المراجعة وقعت في وجدان المهر، وفقده، لا في قدر زائد، قاله الباجي، وتعقّب باحتمال أن يكون النبي وَلـ اطّلع من حال الرجل على أنه يقدر على اكتساب قوته، وقوة امرأته مع ما كان عليه أهل ذلك العصر من القناعة باليسير. واستدل به أيضاً على صحة النكاح بغير شهود، ورُدَّ بأن ذلك وقع بحضرة جماعة من الصحابة، انتهى. وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحديث ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) وتُعُقِّبَ، انتهى. وذكر ابن التين في الحديث إحدى وعشرين فائدة، وقال الحافظ: بل أكثر من ذلك فذكر أكثر من ثلاثين فائدة . ٩/١٠٧٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب) عزاه في ((كنز العمال)) (١)، إلى مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي (أيما رجل تزوج امرأة وبها) أي بالمرأة (جنون) وهو زوال العقل. (١) (٥٠٣/١٦) ح (٤٥٦٤٠). ٣٣٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث أَوْ جُذَامٌ، أَوْ بَرَصٌ، قال ابن عابدين(١): صاحبه مسلوب العقل بخلاف الإغماء فإنه مغلوب، وحكى عن ((التحرير)) أن الإغماء آفة في القلب أو الدماغ تعطل القوى المدركة والمحركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوباً، والغشيُّ تعطلُ القُوى المحركة والحساسة لضعف القلب من الجوع أو غيره. وكونه نوعاً من الإغماء موافق لما في ((القاموس)) وحدود المتكلمين إلا أن الفقهاء يفرقون بينهما كالأطباء بأن ذلك التعطل إن كان لضعف القلب واجتماع الروح إليه بسبب يخنقه في داخله، فلا يجد منفذاً فهو الغشي، وإن الامتلاء بطون الدماغ من بلغم فهو الإغماء، والسّكر حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة من الخمر ونحوه، فيتعطّل معه العقل المميز بين الأمور الحسنة والقبيحة، انتهى. وفي ((مراقي الفلاح)): الجنون مرض يزيل العقل ويزيد القوى، قال الحلبي: الحاصل أن الإغماء نوع مرض، وليس كالجنون في إزالة العقل، فلذا صح على الأنبياء دون الجنون، انتهى. (أو جذام) بضم الجيم داء يتشقق به الجلد، وينتن، ويقطع اللحم، قال المجد: الجذام كغراب، علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها وربما انتهى إلى تأكّل الأعضاء وسقوطها عن تقرح، جُذِمَ فهو مجزوم، انتهى. (أو برص) قال المجد: هو محركة: بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج، بَرِصَ كفرح فهو أبرص، وقال ابن عابدين: هو بياض في ظاهر الجلد يتشاءم به. قال الزرقاني(٢): زاد ابن عيينة عن يحيى بن سعيد بسنده، أو قرن، قال (١) ((رد المحتار)) (٤٣٨/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣٠/٣). ٣٣٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث ابن عابدين: كفلس لحم ينبت في مدخل الذكر كالغُدَّة، وقد يكون عظماً، وقال الدردير: هو بفتح الراء شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة يكون من لحم غالباً فيمكن علاجه، وتارة يكون عظماً فلا يمكن علاجه، انتهى. قال الباجي(١): أما المعاني التي يثبت بها الخيار للزوج فإنها الجنون والجذام والبرص وداء الفرج رواه ابن عبد الحكم عن مالك، قال أبو بكر: وإنما كان ذلك لأن هذه المعاني تمنع استدامة الوطء وكمال الالتذاذ به، فالجنون هو الصرع والوسواس الذي ذهب معه العقل، كل ذلك ترد به المرأة، وكذلك الجذام إذا تيقن قليلًا كان أو كثيراً. وأما البرص ففي ((العتبية)) من سماع ابن القاسم عن مالك: أترد المرأة من قليل البرص؟ فقال: ما سمعت إلا ما في الحديث وما فرق بين قليل وكثير، قال ابن القاسم: تُرَدُّ من قليله ولو أحيط علماً فيما خفّ منه أنه لا يزيد لم ترد منه، ولكن لا يعلم ذلك فترد من قليله، ووجه قول ابن القاسم: أن يسيره لا يؤثر في الاستمتاع، ولكنه لا يكاد يتوقف قبل المعتاد منه التزايد فكان ذلك لتيقنه بمنزلة الموجود منه. وأما داء الفرج فقال ابن حبيب: تفسيره: ما كان في الفرج مما يقطع لذة الوطء مثل العفل (٢)، والقرن. والرتق، وقال القاضي أبو محمد: داء الفرج القرن والرتق وما في معناهما، وروى ابن المواز عن مالك أن كل ما يكون عند أهل المعرفة من داء الفرج، فإن للزوج الردّ به، وإن لم يمنع الوطء مثل العفل القليل والقرن. وأما القرع الفاحش، فإن ابن حبيب قال: له الرد به لأنه من معنى الجذام والبرص، ولم أر ذلك لغيره من أصحابنا، والأظهر من المذهب أنه لا (١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٣). (٢) العَفَلُ - بالتحريك - هَنَّةٌ تخرج في فرج المرأة. ٣٣٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث يردّ به، لأنه ممّا يُرْجَى برؤه في الأغلب، ولا يمنع المقصود من الاستمتاع، ولا يؤثر فيه كالجرب ونحوه. وأما ما سوى ذلك من العيوب فإنه لا يردّ به إلا أن يشترط الصحة كالعمى والعور والعرج ونحو ذلك من العاهات، فإن اشترط الصحة فله الردّ وإلا لم ترد. وكذلك لو وجدها لغية لم يكن له ردّها إلا أن يتزوجها على نسب، ووجه ذلك أن هذا المعنى لا يؤثر في الاستمتاع، فلا يوجب خيار الرد بالعيب كما لو كانت شاربة خمر، قال ابن حبيب: إلا أن يشترط الخاطب لنفسه في ذلك فيكون له إلا السوداء فإنه يكون ذلك له، وإن لم يشترطه إذا لم يكن في أهلها سوادٌ لأن ذلك كالشرط. ويجب على هذا أن يعلم الزوج بذلك ويتزوج على أن أهلها لا أسود فيهم، انتهى. وقال الموفق(١): إن خيار الفسخ يثبت لكل واحد من الزوجين لعيب يجده في صاحبه في الجملة، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس، وبه قال جابر والشافعي وإسحاق، وروي عن علي لا تُرَدُّ الحرةُ بعيب، وبه قال النخعي والثوري وأصحاب الرأي -. وعن ابن مسعود لا ينفسخ النكاح بعيب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه إلا أن يكون الرجل مجبوباً أو عِنِّيناً، فإن للمرأة الخيار، فيفرق الحاكم بينهما بطلقة، ولا يكون فسخاً، ولنا: أن المختلف فيه يمنع الوطء، فأثبت الخيار كالجبِّ والعُنَّةِ، وأما غير هذه العيوب فلا يمنع المقصود بالنكاح، وهو الوطء بخلاف العيوب المختلف فيها . فإن قيل: فالجنون والجذام والبرص لا يمنع الموطء؟ قلنا: بل يمنعه فإن ذلك يوجب نفرة تمنع قربانه ومسّه، والمجنون يخاف منه الجناية. فصار (١) ((المغني)) (٥٦/١٠). ٣٣٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث كالمانع الحِسِّي، ثم العيوب المجوزة للفسخ فيما ذكره الخرقي ثمانية، ثلاثة، يشترك فيها الزوجان، وهي الجنون والجذام والبرص، واثنان يختصان الرجل وهما: الجب والعِنةُ، وثلاثة تختص بالمرأة وهي: الفتق والقرن والعفل .. وقال القاضي: سبعة، جعل القرن والعفل شيئاً واحداً وهو الرتق أيضاً وذلك لحم ينبت في الفرج، حكى ذلك عن أهل اللغة، وذكره أصحاب الشافعي، وقال الشافعي: القرن عظم في الفرج، وقال غيره: لا يكون في الفرج عظم، إنما هي لحم، وذكرها أصحاب الشافعي سبعة، أسقطوا منها الفتق، ومنهم من جعلها ستة، جعل القرن والعفل شيئاً واحداً، انتهى. وقال الدردير(١): حاصل ما أشار إليه المصنف أي الشيخ خليل أن العيوب في الرجل والمرأة ثلاثة عشر، أربعة يشتركان فيها وهي: الجنون والجذام والبرص والغديطة أي التغوط عند الجماع، وأربعة خاصة بالرجل: الجبُّ والخصاء والاعتراض أي عدم الانتشار، والعنة أي صغر الذكر، وخمسة خاصة بالمرأة: وهي الرتق، والقرن، والعفل، وهو لحم يبرز في القبل، ولا يسلم غالباً من رشح. وقيل: زعوة في الفرج تحدث عند الجماع والإفضاء، والبخر أي نتن الفرج لأنه مُنَفِّرٌ، وهو الظاهر، وقال الأئمة الثلاثة: لا ردّ به کالجرب، ونتن الفم، انتھی. قال الموفق(٢): وإن حدث العيب بأحدهما بعد العقد ففيه وجهان، أحدهما: يثبت الخيار، وهو ظاهر قول الخرقي، لأنه عيب في النكاح، يثبت الخيار مقارناً، فأثبته طارئاً، والثاني: لا يثبت الخيار، وهو قول أبي بكر وابن حامد ومذهب مالك؛ لأنه عيب حدث بالمعقود عليه بعد لزوم العقد، أشبه الحادث بالبيع. (١) ((الشرح الكبير)) (٢٧٧/٢). (٢) ((المغني)) (٦٠/١٠). ٣٣٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٣) باب (١٠٧٢) حديث وقال أصحاب الشافعي: إن حدث بالزوج ثبت الخيار، وإن حدث بالمرأة فكذلك في أحد الوجهين، والآخر لا يثبته لأن الرجل يمكنه طلاقها بخلاف المرأة، ثم من شرط ثبوت الخيار بهذه العيوب أن لا يكون عالماً بها وقت العقد ولا يرضى بها بعده فإن علم بها في العقد، أو بعده فرضي فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافاً، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): لا يتخيّر أحدهما بعيب الآخر ولو فاحشاً كجنون وجذام وبرص ورتق وقرن؛ وخالف الأئمة الثلاثة في الخمسة، قال ابن الهمام(٢): ليس لواحد من الزوجين خيار فسخ النكاح بعيب في الآخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول عطاء والنخعي وعمر بن عبد العزيز وأبي زياد وأبي قلابة وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والخطابي وداود الظاهري وأتباعه . وفي ((المبسوط)) أنه مذهب علي وابن مسعود، وعند محمد لا خيار للزوج بعيب في المرأة، ولها الخيار بعيب فيه من الثلاثة: الجنون والجذام والبرص، وقال الزهري وشريح وأبو ثور: ترد بجميع العيوب، وكذا بالجنون العارض، للشافعي ومن معه النص في بعضها، وقياسان في بعضها، وثلاثة أقيسة في بعضها، أما النص فما روي عن رسول الله وَ ل أنه ردّ بالعيب، قال للتي رأى بكشحها وضحاً أو بياضاً: ((الحقي بأهلك))، فصار البرص منصوصاً، فيلحق به الجذام والجنون بجامع أنه ينفر منه الطبع. وقال النبي ◌َّلر: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد))(٣)، قلنا: الحديث (١) (١٧٨/٥). (٢) ((فتح القدير)) (١٣٣/٤). (٣) ((صحيح البخاري)) (٥٧٠٧). ٣٤٠