النص المفهرس

صفحات 301-320

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٨) حديث
وأبي يوسف: لا يجوز لها ذلك بغير إذن ولي، فإن فعلت كان ذلك موقوفاً على إجازته.
وقال أبو حنيفة: لها أن تزوج نفسها وغيرها وتُوَكِّل في النكاح، لأن الله تعالى
قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾(١) أضاف النكاح إليهن، ونهى عن منعهن
منه، ولأنه خالص حقها، وهي من أهل المباشرة فصح منها كبيع أمتها، ولأنها إذا
ملكت بيع أمتها، وهو تصرف في رقبتها وسائر منافعها ففي النكاح الذي هو عقد
على بعض منافعها أولى. ولنا، أنه وَ لي قال: ((لا نكاح إلا بوليِّ)) روته عائشة، وأبو
موسى، وابن عباس. قال المرُّوذي: سألت أحمد ويحيى عن حديث: ((لا نكاح
إلا بوليٍّ؟. فقالا: صحيح، وروي عن عائشة مرفوعاً: ((أيما امرأة نكحت نفسها
بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من
فرجها))، رواه الإمام أحمد وأبو داود(٢) وغيرهما .
فإن قيل: فإن الزهري رواه وأنكره، قال ابن خديج: سألت الزهري عنه فلم
يعرفه، قلنا: لم يقل هذا عن ابن خديج، غير ابن عُليّة، كذلك قال الإمام أحمد
ويحيى، ولو ثبت هذا لم يكن حجة؛ لأنه قد نقله ثقات عنه، فلو نسيه الزهري لم
يضره، لأن النسيان لم يعصم منه إنسان، وعن أحمد لها تزوّج أمتها، وهذا يدل على
صحة عبارتها في النكاح، ويخرج منه أن لها تزويج نفسها بإذن وليها، وتزويج غيرها
بالوكالة، وهذا مذهب محمد بن الحسن، وينبغي أن يكون قولاً لابن سيرين ومن
معه، لقول النبي وَل: ((أيما امرأة زوجت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل))
فمفهومه صحته بإذنه، انتھی.
وقال ابن رشد(٣): سبب اختلافهم أنه لم تأت آية ولا سنة، هي ظاهرة في
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٢.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٩/٢).
٣٠١

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٨) حديث
أَوْذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا .
اشتراط الولاية في النكاح فضلاً عن أن يكون في ذلك نص، بل الآيات والسنن
التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة، وكذلك
الآيات والسنن التي يحتجّ بها من يشترط إسقاطها هي أيضاً محتملة في ذلك،
والأحاديث مع كونها محتملة في ألفاظها مختلف في صحتها إلاّ حديث ابن عباس.
ونحن نورد مشهور ما احتج به الفريقان، فمن أظهر ما يحتجّ به من
الكتاب من اشترط الولاية قوله تعالى: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الآية.
قالوا: وهذا خطاب للأولياء، ولو لم يكن لهم حق في الولاية لما نُهُوا عن
العضل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ قالوا: وهذا خطاب
للأولياء أيضاً، ومن أشهر ما احتجّ به هؤلاء من الأحاديث حديث عائشة
مرفوعاً: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاث مرات))
الحديث، أخرجه الترمذي، وقال: حسن.
وأما ما احتجّ به من لم يشترط الولاية من الكتاب والسنة فقوله تعالى:
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالوا: هذا دليل على جواز
تصرفها في العقد على نفسها، قالوا: وقد أضاف إليهن في غير ما آية من
الكتاب، فقال: ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ﴾. وقال: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، وأما من
السنة فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته، وهو قوله وَالر: ((الأيم
أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر)) وبهذا احتج داود في الفرق عنده بين
الثيب والبكر في هذا المعنى، انتهى.
(أو ذي الرأي من أهلها) قال مالك في ((المدونة)) (١): هو الرجل من
العشيرة، أو ابن العم، أو المولى، وروى ابن نافع، عن مالك: أنه الأولى من
عصبتها، وروى ابن حبيب، عن ابن الماجشون: أن العشيرة قد تعظم، فإنما
(١) (١٤٤/٢).
٣٠٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٨) حديث
هو الرجل من البطن التي هي منه، أو من بطن من أعتقها؛ لأن البطن ألصق
من العشيرة.
إذا ثبت ذلك فقد روى ابن حبيب في ((الواضحة)) عن مالك: أن الأولياء
إذا تباعدوا جداً، مثل: ابن عم غير دنية، والمولى لا بأس أن يلي ذلك منهم
ذو الحال والسن، وإن كان غيره أقرب منه، ووجه ذلك: أن القرابات إذا
تباعدت حتى يضعف التعصيب، وسبب الغيرة، ولحوق العار، وجب أن يراعى
فيه الصلاح والدين والحال المانعة من الرضا بالدنيات، وترك المبالغة في
النصح، كذا في ((المنتقى)) (١)، وحكى الزرقاني لرواية ابن نافع، عن مالك
بلفظ: أنه الرجل من عصبتها .
وقال الموفق(٢): فإن لم يوجد للمرأة ولي ولا ذو سلطان فعن أحمد ما
يدل على أنه يزوجّها رجل عدل بإذنها، فإنه قال في دهقان قرية: يزوج من
ولي(٣) لها إذا احتاط لها في الكفء والمهر، إذا لم يكن في الرستاق قاضٍ،
انتھی .
وأما عند الحنفية ففي ((الهداية))(٤): يجوز نكاح الصغير والصغيرة إذا
زوجّهما الولي، والولي هو العصبة، والترتيب في العصبات في ولاية النكاح
كالترتيب في الإرث، والأبعد محجوب بالأقرب، والذي يؤيد كلامنا قوله ◌َالآتى :
((النكاح إلى العصابات))، ولغير العصابات من الأقارب ولاية التزويج عند
أبي حنيفة معناه عند عدم العصابات، وهذا استحسان، وقال محمد: لا تثبت،
(١) (٢٦٩/٣).
(٢) («المغني)) (٣٦٢/٩) ..
(٣) كذا في الأصل والصواب على الظاهر من لا ولي لها، انتهى. ((ش)).
(٤) (١٩٣/١).
٣٠٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٨) حديث
أَوِ السُّلْطَانِ .
وهو رواية عن أبي حنيفة، قال ابن الهمام: قوله بَّلور ((النكاح إلى العصابات))
روي عن علي - رضي الله عنه - موقوفاً، ومرفوعاً، ذكره سبط ابن الجوزي
بلفظ الإنكاح، انتهى.
(أو السلطان). قال الموفق(١): لا اختلاف بين أهل العلم في أن للسلطان
ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهم، وبه يقول مالك، والشافعي،
وإسحاق، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، والأصل فيه قوله وَيقول: ((السلطان ولي
من لا ولي له))، ولأن للسلطان ولاية عامة، بدليل أنه يلي المال، ويحفظ
الضَّوالَّ، فكانت له الولاية في النكاح كالأب.
والسلطان ههنا، هو الإمام، أو الحاكم، أو من فَوَّضًا إليه ذلك،
واختلفت الرواية عن أحمد في والي البلد، فقال في موضع: يزوِّج والي البلد.
وقال في الرستاق يكون فيه الوالي، وليس فيه قاضٍ: يزوج إذا احتاط في المهر
والكفء، أرجو أن لا يكون به بأس، لأنه ذو سلطان فيدخل في عموم
الحدیث.
وقال في موضع آخر في المرأة إذا لم يكن لها ولي: فالسلطان المسلط
على الشيء، القاضي يقضي في الفروج، والحدود، والرجم، وصاحب الشرطة
إنما هو مسلط في الأدب والجناية، وقال: ما للوالي ولاية إنما هو إلى
القاضي، وتأوّل القاضي الرواية الأولى على أن الوالي أذن له في التزويج،
ويحتمل أنه جعل له ذلك إذا لم يكن في موضع ولایته قاضٍ، فكأنه قد فوّض
إليه النظر فيما يحتاج إليه في ولايته، وهذا منها، انتهى.
قال الباجي(٢): قوله: والسلطان، يريد - والله أعلم - من له حكم من
(١) («المغني)) (٣٦٠/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٢٦٩/٣).
٣٠٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٨) حديث
إمام أو قاضٍ، فإنه يُزَوّجها مع عدم الولي، وأما مع الولي فقد روى
ابن الأصبغ، عن ابن القاسم أنه قال: ليس للسلطان أن يزوج امرأة رفعت
أمرها إليه، وسألت أن يزوِّجها حتى يَسْأَل ألها وليّ أم لا؟ فإن ثبت عنده بأهل
العدل من أهل المعرفة بها من جيرانها، أو غيرهم أنه لا ولي لها، يزوجها،
وإن كان لها ولي لم يزوجها حتى يدعو وليها، فإن أبى من إنكاحها سأله عن
وجه الامتناع، فإن استصوب ما قال ردّها إلى رأيه، وإن رأى غير ذلك أمره
بإنکاحها فإن أبی زَوَّجها، انتھی.
ثم قال الباجي أيضاً: في ((المدونة)) عن المرأة يزوجها القاضي من نفسه،
ولها ولي، إنه ليس للولي في ذلك رأي، ولم ير له فسخ، وقال: إن الحديث
الذي جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: لا ينكح المرأة إلا وليها، أو ذو
الرأي من أهلها، أو السلطان، فهذا سلطان، وليس معنى ذلك أنه إنما يزوجها
السلطان إذا لم يكن لها ولي، وإنما جعل عمر - رضي الله عنه - النكاح بينهم
في هذا الحديث، وقال: إن الرجل من العشيرة، أو الولي يزوج المرأة العربية،
فإنه يجوز إنكاحه، وإن كان ثم من هو أقعد منه.
وقد حكى ابن حبيب، عن ابن القاسم، أنه تأول قول عمر - رضي الله
عنه - ذلك على المساواة، قال عبد الملك: ولو كان ذلك كذلك، لكان قول
مالك وأصحابه مردوداً، حين قَدَّمُوا الأقعدَ على الأبعدِ، وإنما معنى ذلك: إذا
لم يكن لها ولي من وُلاة القرابة والرحم، فذو الرأي من أهلها، أو السلطان
عند ذلك بمثابة الولي، فإذا قلنا بقول ابن الماجشون، فإن السلطان يُقَدَّمُ على
ذي الرأي من أهلها، فإن عقد النكاح ذو الرأي مضى ولم يُرَدَّ، رواه
ابن حبیب، عن ابن الماجشون، انتھی.
قال الدردير(١): ركن النكاح أربعة: ولي، وصداق، ومحل، أي: زوج،
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٢٠/٢).
٣٠٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٩) حديث
٦/١٠٦٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ
مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، كَانَا يُنْكِحَانِ بَنَاتِهِمَا الْأَبْكَارَ، وَلَا
يَسْتَأُمِرَانِهِنَّ.
وزوجة، والرابع: صيغةٌ، والولي ضربان: مُجْبِرٌ، وهو: المالك، والأب
ووصيه. وغير مُجبر، وهو: من سواهم، وقُدِّم عند اجتماع أولیاء غیر مجبرین،
ابن، فابنه، وإن سفل، فأب، فأخ، فابنه، فجد، فعم، فابنه، فحاكم، وهو
السلطان، أو القاضي، فولاية عامة مسلم، أي: فإن لم يوجد من ذكر، فيتولى
عقد نكاحها أي فرد من المسلمين بإذنها، انتهى.
قال أبو عمر (١): اختلف أصحابنا في قول عمر - رضي الله عنه - هذا
فقال بعضهم: كل واحد من هؤلاء يجوز إنكاحه إذا أصاب وجه النكاح من
الكفء والصلاح، وقال آخرون: على الترتيب، لا التخيير، وقد أخرج محمد
في ((موطئه))(٢) أثر عمر - رضي الله عنه - هذا قال: قال محمد: لا نكاح إلا
بولي، فإن تشاجرت هي والولي، فالسلطان ولي من لا ولي له، فأما أبو حنيفة
فقال: إذا وضعت نفسها في كفاءة ولم تقصر في نفسها في صداق، فالنكاح
جائز، ومن حجته قول عمر - رضي الله عنه - في هذا الحديث: ((أو ذي الرأي
من أهلها))، إنّه ليس بولي، وقد أجاز نكاحه لأنه إنما أراد أن لا تقصر
بنفسها ، فإذا فعلت هي ذلك جاز، انتهى.
٦/١٠٦٩ - (مالك، أنه بلغه أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق
(وسالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب (كانا يُنْكحان بناتهما الأبكارَ) قال
الزرقاني(٣): أي: البالغات بدليل قوله: (ولا يستأمرانِهُنّ) أي: يستأذنانِهن إذ
غير البالغ لا يستأمرها الأب، انتهى.
(١) ((الاستذكار)) (٢٩/١٦).
(٢) ((موطأ الإمام محمد مع التعليق الممجد)) (٤٨٠/٢).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٢٧/٣).
٣٠٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي نِكَاحِ الْأَبْكَارِ.
وفي ((المحلى)): فللأب إنكاح البنت البكر، وإن بلغت، بغير إذنها، وإن
شاء شاورها، وأما غير الأب، فلا يزوِّجها حتى تبلغ وتأذن، وإذنها صماتها،
ولا يُزَوِّج الثيب أب، ولا غيره إلا برضاها، وتأذن بالقول، وهذا تفصيل
مذهب مالك، كما حرره في ((الرسالة)) انتهى.
(قال مالك: وعلى ذلك الأمر) أي: استقر الأمر (عندنا) وفي النسخ
المصرية، وذلك الأمر عندنا، أي: المختار (في نكاح الأبكار)، قال
الباجي(١): يقتضي أن إنكاحه إياهن لازم، وهذا معنى إجباره، والبكر على
ثلاثة أضرب: صغيرة، وبالغ، ومُعَنَّسٌ، أما الصغيرة فلا خلاف أن الأب يملك
إجبارها، وأما البالغ فلا يختلف أصحابنا في أن الأب يملك إجبارها خلافاً
لأبي حنيفة، وأما المُعَنّس، فاختلف قول مالك في إجبارها، فروى ابن وهب
عنه أنها إذا عَنَسَت (٢) لم يزوجها إلا برضاها، وروى محمد عنه أن له أن
يجبرها، وإن عنست وبلغت أكثر من أربعين سنة.
وجه القول الأول: أنها بلغت سناً لا تبلغه غالباً إلا من عرفت مصالحها
مع السلامة، فكانت كالثيب، وجه الرواية الثانية: أنها بكر فلزمها إجبار الأب
كالتي لم تُعَنِّسْ، فإذا قلنا باعتبار التعنيس، ففي ((الموازية)) من رواية ابن وهب
أن حدّ التعنيس الثلاثون سنة، والخمسة والثلاثون، وروي عن ابن القاسم:
الأربعون، فأورد مالك - رضي الله عنه - فعل القاسم وسالم وأخذ به واحتج
على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَنَّىَّ هَلَّيْنٍ﴾ ولم يذكر
الاستثمار.
ويحتمل أن يترك ذلك القاسم، وسالم منعاً منه، ويحتمل لما لم يرياه
(١) ((المنتقى)) (٢٧٢/٣).
(٢) عنس: العانس: من النساء والرجال: الذي يبقى زمانا بعد أن يُدرك لا يتزوّج.
٣٠٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٦٩) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلْبِكْرِ جَوَازٌ فِي مَالِهَا، حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا،
وَيُعْرَفَ مِنْ حَالِهَا .
واجباً، وقد روى محمد بن يحيى، عن مالك في ((المدنية)): وأحسن ذلك أن
يستأمر الأب ابنته البكر، فإن زوجها من غير مؤامرة جاز، قال عيسى: وأنكر
ابن القاسم أن يشاورها أبوها، ووجه استحسان مالك استثمارها: أنها ربما
كرهت بعض من يرضاها أبوها، فيدخل عليها مضرة، انتهى.
(قال مالك: وليس للبكر جواز في مالها) بالميم في جميع النسخ الهندية
وأكثر المصرية، وفي بعض المصرية في حالها بالحاء المهملة يعني: لا يجوز
لها فيه فعلها ولا عقودها (حتى تدخل بيتها) يريد بناء زوجها بها (ويعرف) ببناء
المجهول (من حالها) أي: يعرف رشدها، وتمضي مدة يعلم بها أنها قد خبرت
أحوال الناس، وعرفت وجوه مصالحها .
وروى ابن مزيّن، عن عيسى أن معنى قوله: حتى يعرف من حالها قال:
هو: أن يشهد الشهود والعدول من أهل الاختبار لها أنها صحيحة العقل،
حسنة النظر في مالها، مُصْلِحَةٌ له، حابسةٌ على نفسها، ولا يكون هذا بشهيدين
حتى يشهد لهؤلاء من قدم، ويعرف ذلك منها ويشهر، فإذا جرب هذا منها
وبنى بها زوجها، وهي حديثة السن جاز أمرها بعد البناء بسنة وأقل، وقال
ابن نافع مثله .
والبكر على ثلاثة أضرب على ما قدمناه، فأما الصغيرة فلا خلاف نعلمه
في أنه لا يجوز لها النظر في مالها، وأما البالغ فإن مالكاً لا يجوز فعلها في
مالها، يتيمة كانت أو ذات أب، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز فعلها في
مالها بنفس بلوغها إلى آخر ما بسطه الباجي من الفروع في ذلك.
قال ابن رشد (١): أجمع العلماء على وجوب الحجر على الأيتام الذين لم
(١) ((بداية المجتهد)) (٢٨٠/٢).
٣٠٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٧٠) حديث
٧/١٠٧٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ
مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَار، كَانُوا يَقُولُونَ فِي
اْبِكْرِ،
يبلغوا الحلم لقوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَنَ﴾ الآية. واختلفوا في الحجر على
العقلاء الكبار إذا ظهر منهم تبذير لأموالهم، ثم ذكر الاختلاف في ذلك، ثم
قال: واختلفوا في خروج الصغار من الحَجْر، والصغار بالجملة صنفان: ذكور
وإناث، وكل واحد من هؤلاء، إما ذو أب، وإما ذو وصي، وإما مهمل، وهم
الذين يبلغون، ولا وصي لهم ولا أب.
فأما الذكور الصغار ذوو الآباء فاتفقوا على أنهم لا يخرجون من الحَجْرِ
إلا ببلوغ سن التكليف، وإيناس الرشد منهم، وإن كانوا قد اختلفوا في الرشد
ما هو، واختلفوا في الإناث، فذهب الجمهور إلى أن حكمهن في ذلك حكم
الذكور، أعني: بلوغ المحيض، وإيناس الرشد، وقال مالك: هي في ولاية
أبيهما في المشهور عنه حتى تتزوج، ويدخل بها زوجها ويؤنس رشدها، وروي
عنه مثل قول الجمهور.
ولأصحاب مالك في هذا أقوال غير هذه، قيل: إنها في ولاية أبيها حتى
تمر بها سنة بعد دخول زوجها بها، وقيل: حتى يمر بها عامان، وقيل: حتى
تمر بها سبعة أعوام، وحجة مالك - رضي الله عنه -: أن إيناس الرشد لا
يتصور من المرأة إلا بعد اختيار الرجال، وأما أقاويل أصحابه فضعيفة مخالفة
للنص والقياس، أما مخالفتها للنص، فإنهم لم يشترطوا الرشد، وأما مخالفتها
للقياس فلأن الرشد ممكن تصوره منها قبل هذه المدة المحدودة، انتهى.
٧/١٠٧٠ - (مالك، أنه بلغه أن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق
(وسالم بن عبد الله) بن عمر الفاروق (وسليمان بن يسار) الهلالي المدني
ثلاثتهم من الفقهاء السبعة (١) المعروفة بالمدينة المنورة (كانوا يقولون في البكر)
(١) انظر: ((تدريب الراوي)) (٨٦٦/٣).
-
٣٠٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٢) باب
(١٠٧٠) حدیث
يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا: إِنَّ ذُلِكَ لَازِمٌ لَهَا .
الصغيرة إجماعاً، وكذا البالغة عند مالك، والشافعي خلافاً للحنفية، وهما
روايتان لأحمد كما تقدم الخلاف في ذلك مفصلاً (يُزَوِّجُها أبوها) وفي حكم
الأب الجد عند الحنفية والشافعية خلافاً لمالك، وأحمد إذا اقتصرا الحكم على
الأب فقط (بغير إذنها: إن ذلك) النكاح (لازمٌ لها) ولا حق لها في الفسخ بعد
البلوغ.
قال الباجي(١): يريدون بذلك أنه يملك إجبارها على النكاح بمن شاء،
وعلى أي وجه شاء، ما لم يكن في ذلك ضررٌ، فلا يلزمها ذلك، فله أن
يُزُوِّجَها من الضرير والقبيح، وممن هو أدنى حالاً منها، وأقل مالاً، وإن
زَوَّجَها من مجبوبٍ، أو خصيٍ، أو عِنِّيْنٍ، فقد روى ابن حبيب، عن
ابن الماجشون، وابن عبد الحكم، وأصبغ: يلزمها ذلك، إذا كان على وجه
النظر، علمت بذلك أو لم تعلم.
قال الباجي: وقد رأيت لسحنون أنه لا يلزمها في الخصي، وهو الأظهر
عندي في العِنِيْنِ والخصيّ والمجبوب، ووجه ذلك: أن كل ما للمرأة أن تفسخ
به نكاح الزوج من العيوب التي هي العِنَّة، وما في معناها، فليس للأب إلزامها
ذلك، كما لو ظهرت بعد عقد النكاح.
وقال الخرقي: إذا زوج الرجل ابنته البكرَ، فوضعها في كفاءة، فالنكاح
ثابت، وإن كرهت كبيرة كانت أو صغيرة، قال الموفق (٢): قوله: فوضعها في
كفاءة، يدل على أنه إذا زوّجها من غير كفء، فنكاحها باطل، وهو إحدى
الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي؛ لأنه لا يجوز لها تزويجها من غير
كفء، فلم يصح كسائر الأنكحة المحرمة، والثانية: يصح؛ لأنه عيب في
(١) ((المنتقى)) (٢٧٤/٣).
(٢) («المغني)) (٤٠٠/٩).
٣١٠

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(٣) باب ما جاء في الصداق والحِباء
المعقود عليه، فلم يمنع الصحة كشراء المعيب الذي لا يعلم عيبه إلى آخر ما
بسطه .
وفي ((الدر المختار))(١): لزم النكاح، ولو بغبنٍ فاحش، أو بغير كفء،
إن كان المزوِّج أباً أو جداً، لم يعرف منهما سوء الاختيار، وإن كان المزوِّج
غيرهما لا يصح النكاح من غير كفء، أو بغبنٍ فاحشٍ أصلاً، قوله: لزم
النكاح، قال ابن عابدين: هذا عند الإمام، وقالا: لا يجوز أن يُزَوِّجَها غير
كفء، ولا يجوز الحطّ ولا الزيادة إلا بما يتغابن الناس، اهـ.
(٣) ما جاء في الصداق والحباء
قال الزرقاني(٢): بفتح الصاد لغة الأكثر، والثانية: كسرها، ويجمع على
صُدُقٍ بضمتين، والثالثة: لغة الحجاز صَدُقة - بفتح الصاد وضم الدال ـ وتجمع
على صدقات، قال تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اَلْنِسَآءَ صَدُقَتِنَّ﴾ والرابعة: لغة تميم صُدْقة،
والجمع صدقات كغرفة وغرفات، والخامسة: صَدْقة، والجمع: صُدَق، مثل
قرية وقرى، وأصدقها، بالألف: أعطاها صداقها، اهـ.
وقال الراغب: صداق المرأة ما تُعطى من مهرها، وفي ((المحلى)): يُسَمَّى
المهر صداقاً لإشعارها بصدق رغبة له في النكاح، وفي ((تهذيب اللغات))
للنووي: قيل: مشتق من الصدق - بفتح الصاد وإسكان الدال - وهو الشيء
الشديد الصلب، فكأنه أشدُّ الإعراض لزوماً من حيث أنه لا ينفكُ عنه النكاح،
ولا يُستَباح بضع المنكوحة إلا به، وفيه لغات، وله ستة أسماء أخر: المهر،
والفريضة، والنحلة، والأجر، والعليقة، والعقر بضم العين، اهـ.
(١) (٧٢/٣ - ٧٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٢٨/٣).
٣١١

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
وزاد صاحب ((المحلى)) فيها الحِبَاء أيضاً، فقال: للمهر ثمانية أسماء
جمعها الشاعر في قوله:
صداق ومهر نحلة وفريضة
حباءٌ، وأجر ثم عُقْر علائق
وكذا ذكره البجيرمي(١) وقال: زاد بعضهم ثلاثة في بيت فقال:
وطول نکاح ثم خرص تمامها
ففرد وعشر عدّ ذاك موافق
ويزاد على ذلك صدقة، فتكون اثني عشر، ونطق القرآن العظيم منها
بستة: الصدقة، والنحلة، والنكاح، والأجر، والفريضة، والطول، وورد السنة
بالباقي، اهـ.
والحِبَاء بكسر الحاء المهملة: الإعطاء بلا عوض، والمراد ههنا في
الترجمة: ما يشترط من العطاء بغير الصداق، اختلفوا في أنه يكون للأب، أو
الزوجة، أو لغيرهما، كما سيأتي في محله، ثم قال شارح ((الإقناع»: إن لم
يسم صداقاً صحّ العقد بالإجماع، اهـ.
وليس المراد أن يصح النكاح بدون المهر، بل المعنى يصح بدون تسمية،
قال الباجي(٢): لا خلاف أنه لا يجوز نكاح بدون مهر لغير النبي ◌َّر،
والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَمَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾(٣) الآية،
فأخبر الله تعالى أن ذلك خاصٌ للنبي وَلَ دون سائر المؤمنين، فلا يحلُّ ذلك
لغيره.
وقال ابن رشد في ((البداية))(٤): النظر في الصداق في ستة مواضع،
(١) (٤٣٤/٣ - ٤٣٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٥/٣).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
(٤) ((بداية المجتهد)) (١٨/٢).
٣١٢

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حديث
٨/١٠٧١ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ
دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ جَاءَتُهُ أَمْرَأَةٌ
الأول: في حكمه، وأركانه، الثاني: في تقرر جميعه للزوجة، الثالث: في
تشطيره، الرابع: في التفويض، وحكمه، الخامس: في الأصدقة الفاسدة،
وحكمها، السادس: في اختلاف الزوجين في الصداق، اهـ.
٨/١٠٧١ - (مالك، عن أبي حازم) بحاء مهملة وزاي معجمة، سلمة
(بن دينار) المدني العابد (عن سهل بن سعد) كان اسمه حزناً، فسمّاه
رسول الله ◌َ و سهلاً الأنصاري (الساعدي) الصحابي ابن الصحابي (أن
رسول الله وَار جاءته امرأة) ولفظ البخاري بسنده إلى أبي حازم، سمعت سهل بن
سعد الساعدي يقول: إني لفي القوم إذ قامت امرأة.
قال الحافظ(١): في معظم الروايات: أن امرأة جاءت إلى النبي
ێ ،
ويمكن ردّ الرواية الأولى إلى هذه الروايات بأن معنى قوله: ((قامت)) وقفت،
والمراد أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها كانت جالسة في المجلس
فقامت، وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي ((جاءت امرأة إلى النبي ◌َّ، وهو
في المسجد))، فأفاد تعيين المكان الذي وقعت فيه القصة، وهذه المرأة لم أقف
على اسمها، ووقع في (الأحكام)) لابن القطاع أنها خولة بنت حكيم، أو أم
شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرَةً مُّؤْمِنَةً إِن
وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾(٢) الآية، انتهى مختصرا .
وقال في ((تفسير الأحزاب))، في حديث عائشة قالت: «كنت أغار على
اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله (ص 3)»: إنه ظاهر في أن الواهبة أكثر من
واحدة، ثم ذكر أسماءهن، وفي ((المحلى)): قال ابن حجر: لم أقف على
٠٠٤.
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٦/٩).
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٠.
٣١٣

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حديث
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ.
اسمها، وقول ابن القطاع: إنها خولة أو أم شريك فباطل، إنما هي اسم
الواهبة، وهي غير المراد هاهنا، انتهى.
(فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت) بصيغة المتكلم (نفسي لك) بلام
التمليك، استعملت ههنا في تمليك المنافع، أو بحذف المضاف، أي: وهبت
أمر نفسي لك، وإلا فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحر لا تملك، فكأنها
قالت: أتزوجك بغير صداق، قال الباجي(١): ولا خلاف أنه لا يجوز نكاح
بغير مهر لغير النبي وّره، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا﴾ الآية، فأخبر تعالى أن ذلك خاص للنبي ◌َّ، دون سائر المؤمنين، فلا
يحل ذلك لغيره.
ومن جهة السنة حديث الباب، فإن المرأة لما قالت: وهبت نفسي لك،
لم ينكر ذلك عليها، فلو كان منكراً لأنكره عليها، ثم لما سأل القائم نكاحها
لم يجعل له إلى ذلك سبيلاً، دون صداق، مع حاجة القائم، وفقره، وعدم ما
يُصْدِقها إياه حتى أنكحه بما معه من القرآن، ولو جاز أن يخلو نكاح غير
النبي ◌َّ من عوض لما منعه النبي ◌َّر ذلك، مع شدة الفقر والحاجة، اهـ.
واختلف في انعقاد النكاح بلفظ الهبة، قال الموفق(٢): ينعقد النكاح بلفظ
الإنكاح والتزويج إجماعاً، ولا ينعقد بغيرهما، وبهذا قال ابن المسيب،
وعطاء، والزهري، والشافعي، وقال الثوري، والحسن بن صالح، وأبو حنيفة،
وأصحابه، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود: ينعقد بلفظ الهبة، والصدقة،
والتمليك، وقال مالك: ينعقد بذلك إذا ذكر المهر، واحتجوا بحديث الباب
لما في رواية البخاري: ((قد مَلَّكْتُها بما معك من القرآن)».
(١) ((المنتقى)) (٢٧٥/٣).
(٢) («المغني)) (٤٦٠/٩).
٣١٤

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حديثئ
قال الحافظ (١): استدل بذلك على جواز العقد بدون لفظ النكاح
والتزويج، وخالف ذلك الشافعي، ومن المالكية: ابن دينار وغيره، والمشهور
عن المالكية جوازه بكل لفظ دل على معناه، إذا قرن بذكر الصداق، أو قصد
النكاح، كالتمليك، والهبة، والصدقة، والبيع، ولا يصح عندهم بلفظ العارية،
والإجارة، والوصية، واختلف عندهم في الإحلال، والإباحة، وأجازه الحنفية
بكل لفظ يقتضي التأبيد مع القصد، وقال أيضاً في موضع آخر: ذهب الجمهور
إلى أنه ينعقد بكل بلفظ يدل عليه، وهو قول الحنفية، والمالكية، وإحدى
الروايتين عن أحمد، واختلف الترجيح في مذهبه، فأكثر نصوصه تدل على
موافقة الجمهور، اهـ.
وقال النووي(٢): في انعقاد نكاح النبي و 18 بلفظ الهبة وجهان:
أصحهما: ينعقد بظاهر الآية والحديث، والثاني: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج،
أو النكاح كغيره من الأمة، فإنه ما ينعقد إلا بأحد هذين اللفظين عندنا بلا
خلاف، اهـ. كذا في ((المرقاة))
وفي ((المنتقى))(٣): في حكم النكاح بلفظ الهبة مع ذكر العوض، حكى
القاضي أبو محمد في ((إشرافه)): أن النكاح ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك
المؤبد كالهبة، والبيع، دون ما يقتضي التوقيت، وزاد القاضي أبو الحسن:
ولفظ الصدقة، وقال: سواء عندي ذكر المهر، أو لم يذكر.
وقال الدردير(٤): أركان النكاح أربعة: ولي، وصداق، ومحل، وصيغة.
(١) ((فتح الباري)) (٢١٣/٩).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢١٢/٩/٥).
(٣) (٢٧٥/٣).
(٤) ((الشرح الكبير)) (٢٢٠/٢).
٣١٥

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب٢
(١٠٧١) حديث
فَقَامَتْ قِيَاماً طَوِيلاً. فَقَامَ رَجُلٌ،
بأنكحتُ وزوّجتُ، وبتسمية صداق وهبتُ، وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة
الحياة كبِعْتُ كذلك، أي مثل وهبتُ ينعقد به النكاح، أو لا ينعقد؟ ولو سمَّى
صداقاً ككل لفظ لا يقتضي البقاء كالحبس، والوقف، والإجارة، والعارية،
والعمرى، وهو الراجح فيه تردد.
قال الدسوقي: تحصل من كلامه أن الأقسام أربعة: الأول: ما ينعقد به
النكاح مطلقاً، سواء سَمَّى صداقاً أو لا، وهو: أنكحت وزوجت، والثاني: ما
ينعقد به إن سَمى صداقاً، وإلا فلا، وهو: وهبت فقط، والثالث: ما فيه
التردد، وهو: كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة، قيل: ينعقد به إن سَمَّى
صداقاً، وقيل: لا ينعقد به مطلقاً، والرابع: ما لا ينعقد به مطلقاً اتفاقاً، وهو
كل لفظ لا يقتضي البقاء مدة الحياة، اهـ.
(فقامت قياماً طويلاً) وفي النسخ المصرية ((فقامت طويلاً))، وهو المعروف
في الروايات، فيكون طويلاً نعت مصدر محذوف، أي قياماً طويلاً، أو لظرف
محذوف، أي: زماناً طويلاً، وفي رواية للبخاري عن سهل: ((كنا عنده وَل
جلوساً فجاءته امرأة تعرض نفسها عليه، فخفض فيه النظر ورفعه))، وله في
أخرى (ثم طأطأ النبي ◌َ ﴿ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئاً
جلست))، وفي حديث أبي هريرة عند النسائي أنه وَ ل ◌ّ قال لها: ((اجلسي))،
فجلست ساعة ثم قامت، فقال: ((اجلسي - بارك الله فيك - أما نحن فلا حاجة
لنا فيك أتمكنيني أمرك؟»، قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم، كذا في
((المحلی)).
(فقام رجل) قال الحافظ(١): لم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية
معمر، والثوري عند الطبراني، فقام رجل - أحسبه من الأنصار -، وفي رواية
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٧/٩).
٣١٦

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حديث
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا. إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ لَه: ((هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إِيَّاهُ؟»
زائدة عنده، فقال رجل من الأنصار (فقال: يا رسول الله زوجنيها) ولم يقل:
هِبْها لي؛ لأن ذلك من خصائصه وم # كما تقدم قريباً (إن لم تكن) بفوقية (لك
بها حاجة) بزواجها، وفيه حسن أدبه، ولا يعارض هذا ما تقدم من قوله: ((لا
حاجة لي)) لجواز أن تتجدد الرغبة فيها بعد أن لم تكن.
قال الباجي: فيه دليل على جواز الخِطبة التي أجابت إلى النكاح
باستئذان الذي أجابته، وأن المنع من أن يخطب أحد على خطبة أخيه، إنما هو
لحق الناكح، فإذا استؤذن في الخطبة، وصرف الأمر إليه في ذلك، فلا حرج،
كذا في ((المنتقى))(١).
وقال الحافظ(٢): فيه جواز الخطبة على خطبة من خطب، إذا لم يقع
بينهما ركون، ولا سيما إذا لاحت مخايل الرد، قاله الباجي، وتعقّبه عياض
وغيره بأنه لم يتقدم عليها خطبة لأحد ولا ميل، بل هي أرادت أن يتزوجها
النبي ونَ﴾. فعرضت نفسها مجاناً، مبالغةً منها في تحصيل مقصودها، قال
الحافظ: ويحتمل أن يكون الباجي أشار إلى أن الحكم يستنبط من هذه القصة؛
لأن الصحابي لو فهم أن للنبي و ل﴿ فيها رغبةً لم يطلبها، فكذلك من فهم أن له
رغبة في تزويج امرأة لا يصلح لغيره أن يزاحمه فيها حتى يظهر عدم رغبته
فيها، انتهى.
(فقال رسول الله صر: ((هل عندك من شيء) بزيادة من في المبتدأ
(تصدقها) بضم الفوقية (إياه؟))) وجملة ((تصدق)) في موضع رفع صفة لشيءٍ،
ويجوز جزمه على جواب الاستفهام، و((تُصْدِق)» يتعدى لمفعولين ثانيهما إياه،
(١) (٢٧٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢١٠/٩).
٣١٧

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حدیث
فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هُذَا،
وهو العائد من الصفة على الموصوف، وفي لفظ للبخاري: ((هل عندك من
شيء؟)) قال: لا، قال الحافظ(١): زاد في رواية هشام بن سعد قال: ((فلا بد
لها من شيء»، وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي: ((عندك شيء؟)) قال: لا،
قال: ((إنه لا يصلح))، ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد قوله: ((ولا
حاجة لي، ولكن تملكيني أمركٍ))، قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم، فدعا
رجلاً فقال: ((إني أريد أن أزوِّجك هذا، إن رضيتٍ)) قالت: ما رضيتَ لي فقد
رضیتُ.
وهذا، إن كانت القصة متحدة يحتمل أن يكون وقع نظره في وجوه القوم بعد
أن سأله الرجل أن يزوجها له فاسترضاها أولاً، ثم تكلم معه في الصداق، وإن
كانت القصة متعددة فلا إشكال، ووقع في حديث ابن عباس في فوائد أبي عمر بن
حيوة أن رجلاً قال: هذه امرأة رضيت بي فزوجها مني، قال: ((فما مهرها؟)) قال:
ما عندي شيء، قال: أمهِرْها قلّ أو كثر، وهذه الأظهر فيها التعدد، انتهى.
(فقال) الرجل: (ما عندي إلا إزاري هذا) بيان لشدة فقره، عُلِم منه أنه لم
يكن له رداء، ولا إزار غير ما عليه، وفي لفظ للبخاري، ((ولكن هذا إزاري
ولها نصفه، قال سهل: وما له رداء، فقال النبي وَلّر: ((وما تصنع بإزارك إن
لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء، فجلس
الرجل))، ..... الحديث.
واستدل به الموفق(٢) على جواز النكاح للمعسر، فقال: ظاهر كلام أحمد
أنه لا فرق بين القادر على الإنفاق والعاجز عنه، قال: وينبغي للرجل أن
يتزوج، فإن كان عنده ما ينفق أنفق، وإن لم يكن عنده صبر، واحتجّ بأنه وَيّ
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٧/٩).
(٢) («المغني)) (٣٤٤/٩).
٣١٨

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: ((إِنْ أَعْطَيْتَهَا إِيَّاهُ، جَلَسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ.
كان يصبح، وما عنده شيء، وأنه ◌َ# زوّج رجلاً ليس عنده إلا إزاره، ولم
يكن له رداء، قال أحمد في رجل قليل الكسب، يضعف قلبه عن العيال: الله
يرزقهم، التزويج أحصن له، ربما أتى عليه وقت لا يملك قلبه.
(فقال رسول الله وَ له: ((إن أعطيتها) أي: المرأة (إياه) أي: الإزار
(جلست لا إزار لك) جواب الشرط، ولا نافية، والاسم نكرة مبنيٌّ مع لا،
و(لك)) يتعلق بالخبر، أي: لا إزار كائن لك.
قال الباجي(١): هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه لا يصح أن يصدقها
إياه، ولو صح ذلك، لما احتج عليه بتعذر تسليم الإزار إليها، والثاني: أنه لا
يجوز أن يُسَلِّمَه؛ لأن ذلك يؤدي إلى البقاء على حالة لا يجوز بها البقاء عليها
من كشف العورة والتعرّي عن جميع الملبس، ولذلك لا يباع هذا من الثياب
في دين، ولا يقضى بها حق، انتهى.
قال الحافظ (٢): ثبت ذكر الإزار في رواية مالك، وجماعة، منهم من قدّم
ذكره بالتماس الشيء أو الخاتم، ومنهم من أخّره، والإزار يُذَكَّرُ ويُؤنث،
ومعنى قوله وَّل: ((إن لبسته)) ..... ، إلى آخره، أي: إن لبسته كاملاً، وإلا
فمن المعلوم من ضيق حالهم، وقلة الثياب عندهم، أنها لو لبسته بعد أن تشُقّه
لم يسترها، ويحتمل أن يكون المراد بالنفي نفي الكمال؛ لأن العرب قد تنفي
جملة الشيء إذا انتفى كماله، والمعنى؛ لو شققته بينكما نصفين، لم يحصل
كمال سترك بالنصف، ولا هي.
وفي رواية عند الطبراني: ((والله ما وجدتُ شيئاً غير ثوبي هذا أشقه بيني
وبينها قال: ما في ثوبك فضل عنك))، وفي رواية هشام بن سعد: ((ما عليه إلا
ثوب واحد، عاقد طرفيه على عنقه))، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٧٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٠٧/٩).
٣١٩

٢٧ - كتاب النكاح
(٣) باب
(١٠٧١) حديث
فَالْتَمِسْ شَيْئاً)) فَقَالَ: مَا أَجِدُ شَيْئاً.
(فالتمس) بصيغة الأمر (شيئاً)) مما يصلح أن يُصْدِق (فقال) الخاطب : (ما
أجد شيئاً) قال الباجي(١): وإن كانت لفظة ((شيء)) تقع على القليل والكثير مما
يصح أن يمهر، إلا أنه مستند إلى قوله وَلجر: ((هل عندك من شيء تُصْدقها
إياه؟))، فكأنه قال: التمس شيئاً مما يمكن أن تُصْدِقَها إياه، فقال الرجل: ما
أجد شيئاً يصح أن يكون صداقاً؛ لأنه لا خلاف أنه كان يقدر على نواة تمر،
وَقَتَّةِ حشيش، وحزمةِ حطب، وأنواع هذا مما لا يصح أن يكون مهراً.
والشافعي يقول: إن المهر يكون قليلاً، وكثيراً، لا حَدّ لأقله، ومع ذلك
فلا يجوز بالخزف المكَسَّر، وبما لا يكون عوضاً في الغالب، فلا يجوز له
حمل الحديث على ظاهره؛ لأن لفظة ((شيء)) يقع على ذلك كله، فلو حملوا
الحديث على ظاهره للزمهم أن يجيزوا النكاح بقشر البيض، والخزف المكسر،
ونحو ذلك.
وإن قالوا: إن معناه شيء مما يجوز أن يكون عوضاً في الصفة، فلنا أن
نقول: شيء مما يجوز أن يكون عوضاً في المقدار، ومما يبين هذا التأويل أنه
لما قال: لا أجد شيئاً، قال له رسول الله والجير: ((التمس ولو خاتماً من حديد))،
فلو أراد بقوله: ((التمس شيئاً)) مما قلّ أو كثر، لاستحال أن يقول بعد ذلك:
((ولو خاتماً من حديد))، لمعنيين؛ أحدهما: أنه يكلفه أولاً الأكثر، فإذا عجز
عنه أرخص عنه في الأقل، ومحال أن يكلفه القليل، فإذا عجز عنه كلّفه
الكثير، فدل ذلك أن الشيء في قوله و الجر: ((التمس شيئاً)) أكثر من مقدار قيمة
خاتم الحديد.
والمعنى الثاني: أن الرجل قال له: ما أجد شيئاً، وإنما يعني: أنه لم
يجد الشيء الذي كُلِّفَ التماسه، فلو كُلِّفَ التماس ما قلّ أو كثر، فنفاه، لما
(١) ((المنتقى)) (٢٧٦/٣).
٣٢٠