النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١) باب ما جاء في الخطبة قال: وينبغي للرجل أن يتزوج فإن كان عنده ما ينفق أنفق، وإن لم يكن عنده صبر، واحتجّ بأن النبي ◌َّ كان يصبح وما عنده شيء، ويمسي وما عنده شيء، وأن النبي 9َّ زوج رجلاً لم يقدر إلا على خاتم حديد، ولا وجد إلا إزاره ولم يكن له رداء. أخرجه البخاري(١)، اهـ. (١) ما جاء في الخِطبة بكسر الخاء المعجمة: التماس النكاح(٢)، قال صاحب ((الجمل)): هي ما يفعله الخاطب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، مأخوذ من الخطب أي الشأن لما أنه شأن من الشؤون، وقيل: من الخطاب لأنها نوع مخاطبة تجري بين جانب الرجل وجانب المرأة، وفي ((السمين)): الخطبة مصدر بمعنى الخطب، والخطب الحاجة؛ ثم خصت بالتماس النكاح لأنه بعض الحاجات، انتھی . قال الباجي(٣): هي ما يجري من المراجعة والمحاولة للنكاح لأنه أمر غير مقدر، ولا يتعين له أول ولا آخر؛ لأن هذا اللفظ قد يستعمل في كل ما يستدعي به النكاح من القول، وإن لم يكن مؤلفاً على نظم الخطب، والخطبة في استدعاء النكاح مشروعة، قال مالك في ((كتاب محمد)): هي مستحبة، وهي من الأمر القديم، وليست بواجبة، وعلى ذلك جميع الفقهاء، وقال داود: هي واجبة، والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور حديث سهل بن سعد الذي يأتي بعد أن النبي ص ◌َل ◌ّ قال للذي لم يجد خاتماً من حديد: ((قد ملكتكها بما معك من القرآن))، اهـ. (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣١/٩). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٢٤/٣). (٣) ((المنتقى)) (٣٦٤/٣). ٢٨١ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٤) حديث ١/١٠٦٤ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: (لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَىَ خِظْبَةِ أَخِيهِ)). أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٤٥ - باب لا يخطب على خطبة أخيه . قلت: الاستدلال به مشكل، فإن فيه استدعاء الرجل للنكاح، نعم، لو استدل به على ترك الخطبة بالضم يصح الاستدلال، والظاهر عندي: أن الخطبة بالضم هي التي ذهبت الظاهرية إلى فرضيتها، والجمهور على ندبها، وأما الخطبة بالكسر فلم أجد فرضيتها عند داود في كلام عامة نقلة المذاهب، فالظاهر عندي أنه وقع الاختلاط في كلام العلامة الباجي. ١/١٠٦٤ - (مالك، عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وشدة الموحدة ابن منقذ بالقاف والذال المعجمة الأنصاري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة أن رسول الله وَلير قال: لا يخطب أحدكم) بالرفع خبر بمعنى النهي، وهو أبلغ من صريح النهي، وهو بضم الطاء، قال صاحب ((مختار الصحاح)): خطب على المنبر خطبة بضم الخاء، وخطب المرأة خطبة بكسر الخاء يخطب بضم الطاء فيهما (على خطبة أخيه). قال العيني(١): قيل: هذا النهي منسوخ، بخطبة الشارع لأسامة فاطمة بنت قيس، على خطبة معاوية، وأبي جهم، وفقهاء الأمصار على عدم النسخ، وأنه باقٍ. قال الموفق(٢): لا يخلو حال المخطوبة من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن تسكن إلى الخاطب لها فتجيبه، أو تأذن لوليها في إجابته، فهذه يحرم على غير (١) ((عمدة القاري)) (٩٥/١٤). (٢) («المغني)) (٩/ ٥٦٧). ٢٨٢ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٤) حديث خاطبها خطبتُها لرواية الباب، ولأن في ذلك إفساداً على الخاطب الأول، وإيقاع العداوة بين الناس، ولا نعلم في هذا خلافاً بين أهل العلم إلا أن قوماً حملوا النهي على الكراهة، والظاهر أولى(١). القسم الثاني: أن ترده أو لا تركن إليه، فهذه يجوز خطبتها؛ لما روت فاطمة بنت قيس أنها أتت النبي و له فذكرت أن معاوية وأبا جهم خطباها، فقال رسول الله صلى: ((أما معاوية فصعلوك، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحى أسامة بن زيد))، متفق عليه، فخطبها النبي وَّ بعد إخبارها إياه بخطبة معاوية وأبي جهم لها . القسم الثالث: أن يوجد من المرأة ما يدل على الرضا والسكون، تعريضاً لا تصريحاً، فهذه في حكم القسم الأول، لا يحل لغيره خطبتها، هذا ظاهر كلام الخرقي، وظاهر كلام أحمد، وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد إياحة خطبتها، وهو مذهب الشافعي في الجديد لحديث فاطمة، وزعموا أن الظاهر من كلامها ركونها إلى أحدهما، واستدل القاضي بخطبتها لها قبل سؤالها هل وجد منها ما دل على الرضا أو لا؟ ولنا: عموم قوله ومثله: ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه))، وأما حديث فاطمة فلا حجة لهم فيه، فإن فيه ما يدل على أنها لم تركن إلى واحد منهما من وجهين: أحدهما: أنه عليه الصلاة والسلام قد كان قال لها: ((لا تسبقيني بنفسك)) فلم تكن لتَفْتَاتَ بالإجابة قبل أن تؤذن رسول الله ولاچ. والثاني: أنها ذكرت ذلك لرسول الله ب ليل كالمُستشيرة له فيهما، أو في العدول عنهما إلى غيرهما، ثم خِطبة الرجل على خطبة أخيه في موضع النهي (١) كذا في الأصل والأوجه محله: والظاهر الأول، وفي ((الشرح الكبير)) محله: والأول أولى. اهـ، ((ش)). ٢٨٣ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٤) حديث محرمة، وقال أبو جعفر العُكْبَرِيُّ: هي مكروهة غير محرمة، ولنا ظاهر النهي فإن مقتضاه التحريم، فإن فعل فنكاحه صحيح، نص عليه أحمد، فقال: لا يفرق بينهما، وهو مذهب الشافعي، وروي عن مالك وداود أنه لا يصح، اهـ. وقال الخطابي: هذا النهي للتأديب، وليس بنهي تحريم، يبطل العقد عند أكثر الفقهاء، قال الحافظ: كذا قال، ولا ملازمة بين كونه للتحريم، وبين البطلان عند الجمهور، بل هو عندهم للتحريم، ولا يبطل العقد، بل حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع، ولكن اختلفوا في شروطه، فقال الشافعية والحنابلة: محل التحريم ما إذا صرحت المخطوبة، أو وليّها بالإجابة، فلو وقع التصريح بالرد فلا تحريم، فلو لم يعلم الثاني بالحال، فيجوز الهجوم بالخطبة لأن الأصل الإباحة، وعند الحنابلة في ذلك روايتان. وإن وقعت الإجابة بالتعريض كقولها: لا رغبة عنك، فقولان عند الشافعية، الأصح وهو قول المالكية والحنفية: لا يحرم أيضاً، وإذا وجدت شروط التحريم، ووقع العقد للثاني، فقال الجمهور: يصح مع ارتكاب التحريم، وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده، وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده، وحجة الجمهور: أن المنهي عنه الخطبة، وهي ليست بشرط في صحة النكاح، فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة، وحكى الطبري أن بعض العلماء قال: إن هذا النهي منسوخ بقصة فاطمة بنت قيس، ثم ردّه وغلّطه بأنها جاءت مستشيرة، فأشير عليها بما هو الأولى، ولم يكن هناك خطبة على خطبة، اهـ. قال ابن رشد(١): أما الخطبة على الخطبة فالنهي في ذلك ثابت عن النبي ◌َّ﴾، واختلفوا، هل يدل ذلك على فساد المنهي عنه أو لا؟ فقال داود: (١) ((بداية المجتهد)) (٣/٢). ٢٨٤ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٥) حديث ٢/١٠٦٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((لَا يَخْطُبُ أَخَّدُكُمْ عَلَى خِظْبَةٍ أَخِیهِ)). أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ٤٥ - باب لا يخطب على خطبة أخيه. يفسخ، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يفسخ، وعن مالك القولان جميعاً، وثالث يفسخ قبل الدخول لا بعده. وقال الدردير(١): حرم خطبة امرأة راكنة لغير فاسق من صالح أو مجهول، أما الراكنة للفاسق فلا تحرم خطبتها، إن كان الثاني صالحاً أو مجهولاً، وإلا حرِّمَ، فالصور تسع، والحرمة في سبع منها، أي والجواز في اثنين منها، وهما: خطبة صالح أو مجهول الحال على فاسق، وفسخ عقد الثاني وجوباً بطلاق إن لم يبن الثاني بها وإلا مضى، اهـ. ٢/١٠٦٥ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَله قال: ((لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه))) زاد البخاري برواية ابن جريج عن نافع: ((حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب))، قال الحافظ(٢): استدل بقوله: ((على خطبة أخيه)) أن محل التحريم إذا كان الخاطب مسلماً، فلو خطب الذمي ذميةً، فأراد المسلم أن يخطبها جاز له ذلك مطلقاً، وهو قول الأوزاعي، ووافقه من الشافعية ابن المنذر، وابن جويرية، والخطابي، ويؤيده قوله وَّ في أول حديث عقبة بن عامر عند مسلم: «المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته حتى يذر)). قال الخطابي(٣): قطع الله الأخوّة بين الكافر والمسلم، فيختص النهي (١) ((الشرح الكبير)) (٢١٧/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٢٠٠). (٣) انظر: ((معالم السنن)) (١٤٦/٢). ٢٨٥ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ وَ لِ فِيمَا نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَا يَخْطُبُ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ: أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ، فَتَرْكَنَ إِلَيْهِ، وَيَتَّفِقَانِ عَلَى صَدَاقٍ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ، وَقَدْ تَرَاضَيَا فَهِيَ تَشْتَرِطُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهَا، فَتِلْكَ الَّتِي بالمسلم، وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وأن التعبير بأخيه خرج علی الغالب فلا مفهوم له. وقريب منه ما نقل عن ابن القاسم صاحب مالك: أن الخاطب الأول إذا كان فاسقاً جاز للعفيف أن يخطب على خطبته، ورجّحه ابن العربي منهم، وهو متّجه إذا كانت المخطوبة عفيفة، فيكون الفاسق غير كفءٍ لها، فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك إذا صدرت منها علامة القبول، وقد أطلق بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول، انتهى. قال الموفق(١): فإن كان الخاطب الأول ذمياً لم تحرم الخطبة على خطبته، نص عليه أحمد، انتهى. (قال يحيى: قال مالك: وتفسير قول رسول الله وَّ) من النهي عن الخطبة على أخيه (فيما نُرى) بضم النون أي نظن وبفتحها أي نعتقد (والله أعلم) بحقيقة ما أراد رسوله (لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه) بيان لقوله بَله، وتفسيره (أن يخطب الرجل المرأة فتركن) من الركون، وهو الميل (إليه) أي: الخاطب يعني تظهر رضاها إليه (ويتفقان) بالنون استئناف، وفي نسخ بحذفها، عطف على يخطب (على صداق واحد معلوم) متعين (وقد تراضيا) على النكاح بذاك (فهي) المخطوبة (تشترط عليه) أي على الخاطب (لنفسها) قال صاحب ((المختار)): الشرط معروف، وقد شرط عليه كذا من باب ضرب ونصر واشترط أيضاً، والمعنى: كأنها شرطت على الرجل التزوج لنفسها (فتلك التي) أي هي المرأة (١) ((المغني)) (٩/ ٥٧١). ٢٨٦ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٥) حدیث نَهِى أَنْ يَخْطُبَهَا الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ. وَلَمْ يَعْنِ بِذْلِكَ، إِذَا خَطَبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُوَافِقْهَا أَمْرُهُ، التي (نهى) رسول الله وَل﴿و (أن يخطبها الرجل) أي: يخطب أحد هذه المرأة فتكون هذه خطبته (على خطبة أخيه). قال الباجي(١): نهى أن يخطب امرأة قد خطبها أخوه المسلم، ورضيت به، ووافقته على صداق، وكذلك روي عن ابن نافع: أن له أن يخطب ما لم يتفقا على صداق معلوم، على رواية ((الموطأ))، وروى ابن حبيب، عن ابن القاسم، وابن وهب، وابن عبد الحكم، ومطرف، وابن الماجشون، أن المرأة إذا أظهرت الرضا بالرجل، فقد نهي غيره عن أن يخطب تلك المرأة، وإن لم يتفقا على صداق، وجه قول ابن نافع: أن الموافقة لم تكمل بعد، وإنما تكمل بالتفويض أو بفرض الصداق، وذلك أن كثرة الصداق قد ترغبها في من تزهد فيه، كما أن قلته قد تزهدها فيمن ترغب فيه، وهو عوض بضعها، ومعظم ما يبذله زوجها . ووجه قول ابن القاسم: ما احتجّ به ابن حبيب من أن ذكر الصداق ليس بشرط في صحة النكاح؛ لأنه قد ينعقد من غير تسميته في نكاح التفويض، انتھی. قال الدردير (٢): حرم خطبة امرأة راكنة، إن قدر صداق، بل ولو لم يقدَّر صداق، خلافاً لابن نافع، قال الدسوقي: قوله: ((خلافاً لابن نافع))، أي القائل لا حرمة إلا إذا قدر الصداق، وهو ظاهر ((الموطأ)) كما في ((التوضيح))، وفي ((المواق)): مقتضى نقل ابن عرفة أن كلا من القولين مشهور، انتهى. (ولم يعن) ببناء المعلوم، أي: لم يرد النبي وَلّ، ويحتمل ببناء المجهول (بذلك) النهي أنه (إذا خطب الرجل المرأة فلم يوافقها) أي: المرأة (أمره) أي: (١) ((المنتقى)) (٢٦٤/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢١٧/٢). ٢٨٧ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٦) حديث وَلَمْ تَرْكَنْ إِلَيْهِ، أَنْ لَا يَخْطُبَهَا أَحَدٌ، فَهِذَا بَابُ فَسَادٍ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ. ٣/١٠٦٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِى أَنفُسِكُمَّ حال هذا الرجل الخاطب. (ولم تركن إليه، أن لا يخطبها أحد) بعد الخاطب الأول (فهذا) أي: عموم النهي مطلقاً بعد خطبة أحد سواء ركنت أو لا (باب فساد) بالإضافة (يدخل على الناس) أي: لو نهى مطلقاً فتح على الناس باب الفساد. قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - أن مضرّة هذا كانت تعمُّ وتشيعُ؛ لأنه كان يخطب المرأة من لا ترضاه، بل تردّه، فإذا امتنع على الناس خطبتها، والتعرض لها بذلك، فقد قصرت على الأول الذي كرهته، وعلى الرضا بما بذله لها مما ليس بمهرٍ لها، وهذا مما يعظم فساده، انتهى، ويؤيد ذلك قصة فاطمة المذكورة قريباً في القسم الثاني من كلام الموفق، ومثل ما قاله الإمام مالك، حكى الترمذي عن الشافعي، واحتجّ أيضاً بقصة فاطمة. ٣/١٠٦٦ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وعلّق البخاري أثر القاسم بنحوه (أنه كان يقول في) تفسير (قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ﴾) لا إثم (﴿عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَضْتُم بِهِء﴾) أي: لَوَّحْتُم من التعريض، وهو: إمالة الكلام عن نهجه إلى عرض منه بضم العين، أي: جانب (﴿مِنْ خِطْبَةِ الْنِسَآءِ﴾) المتوفى عنهن أزواجهن، ومِنْ بيان لما، والمراد أن ما صرحتم من الخطبة في العدة ففيه جناح أو إثم (﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾) أي: أضمرتم (﴿فِي أَنفُسِكُمْ﴾) من قصد نكاحهن، اقتصر في النسخ الهندية على هذا القدر من الآية. (١) ((المنتقى)) (٢٦٥/٣). ٢٨٨ ٢٧ - كتاب النكاح (١) باب (١٠٦٦) حديث عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ وَلَكِن لَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ، وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا: إِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ، وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسائِقٌ إِلَيْكِ خَيْراً وَرِزْقاً، وَنَحْوَ هُذَا مِنَ الْقَوْلِ. وزاد في النسخ المصرية بعد ذلك تمام الآية بلفظ (﴿عَلِمَ اَللَّهُ﴾) كالتعليل لقوله: لا جناح، أي: إنما أباح لكم التعريض لعلمه بأنكم لا تصبروا عنهن (﴿أَنَّكُمْ سَتَّذْكُرُونَهُنَّ﴾) بالخِطبة، فأباح لكم التعريض، وقال ابن كثير: ﴿عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ﴾(١) في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك (﴿وَلَكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ﴾) استدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن، أي: فاذكرونهن، ولكن لا تواعدوهن (﴿سِرًّا﴾) أي: النكاح، والمراد بالمواعدة بالسر، أي النكاح الصريح بالخطبة، وقيل: عقد النكاح سراً في العدة، فإذا حلّت أظهر ذلك، وقيل: المعاهدة بأن لا تتزوج غيره، وقيل: المراد به الزنا (﴿إِلَّ أَنْ تَقُولُواْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾) أي ما عرف شرعاً، وهو التعريض فيجوز لكم ذلك، فقال القاسم في تفسير القول المعروف، ثم إلى هاهنا الزيادة في النسخ المصرية واتفقت النسخ بعد ذلك في قوله: (أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها) قال الزرقاني: وكذا من طلاقه البائن لا الرجعي، فيحرم فيها التعريض إجماعاً قاله القرطبي، انتهى. (إنكِ) بكسر الكاف (عليّ) بتشديد الياء (الكريمةٌ) نفيسة (وإني فيكِ لراغبٌ) وكان تعريضاً؛ لأن الرغبة لا تتعين في النكاح، فلا يكون صريحاً حتى يصرح بمتعلق الرغبة، كأن يقول: راغب في نكاحك (وإن الله) تبارك وتعالى (لسائقٌ إليك خيراً و) لسائقٌ إليك (رزقاً، ونحو هذا من القول). وقال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرجه مالك، والشافعي، وابن أبي شيبة، (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٥. (٢) انظر: ((الدر المنثور)) (٦٦٠/١). ٢٨٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (٢) باب استئذان البكر والأيم في أنفسهما والبيهقي، وفيه: والله سائق إليك خيراً أو رزقاً أو نحو هذا من القول بلفظ أو في الموضعين، وحكى ابن كثير عن ابن عباس قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني أحِبّ امرأة من أمرها ومن أمرها، وفي رواية: وددتُ أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا. (٢) استئذان البكر بكسر الموحدة وسكون الكاف: العذراء، والجمع: أبكار، قال الراغب(١): أصل الكلمة: البُكرة التي هي أول النهار، فاشتق من لفظه لفظ الفعل، فقيل: بَكَرَ فلانٌ، وتُصُوِّر منها معنى التعجيل، لتقدمها على سائر الأوقات، فقيل لكل متعجل في أمر: بَكَّرَ، وسميت التي لم تفتضَّ بكراً اعتباراً بالثيب لتقدمها عليها فيما يراد له النساء (والأيم) بكسر التحتية لغةً: من لا زوج له رجلاً كان أو امرأة، بكراً أو ثيباً، والمراد هاهنا الثيب للمقابلة، قال الراغب: الأيم المرأة التي لا بعل لها، وقد قيل للرجل الذي لا زوج له، وذلك على طريق التشبيه بالمرأة، لا على التحقيق (في أنفسهما) يعني: بيان طلب الإذن عن البكر والثيب في نكاحهما، وكيف يطلب الإذن منهما. واختلفوا هاهنا في إجبار المرأة على النكاح والتوقف على استئذانها، وفي أن مناط الإجبار على البكارة أو الصغر، وحكى عامة نقلة المذاهب الإجماع على إجبار البكر غير البالغ، وعلى أن لا إجبار على الثيب البالغ، وقالوا: إن الخلاف في النوعين فقط، البكر البالغ، والثيب غير البالغ، لكن في كلا الإجماعين نظر، لوجود الخلاف فيها إلا أنهم لم يلتفتوا إلى ذلك الشذوذ الخلاف. (١) ((مفردات القرآن)) (ص ١٤٠). ٢٩٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب قال الموفق(١): أما البكر الصغيرة فلا خلاف فيها، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء، ويجوز له تزويجها مع كراهِيَتِها وامتناعها، قالت عائشة - رضي الله عنها -: تزوجني النبي ◌َّ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا ابنة تسع، متفق عليه (٢). ومعلوم أنها لم تكن في تلك الحال ممن يعتبر إذنها، وروى الأثرم أن قدامة بن مظعون تزوّج ابنة الزبير حين نَفِسَتْ فقيل له، فقال: إن مِتُ وَرِثَتِْي وإنْ عِشْتُ كانت امرأتي، اهـ. وقال المهلب: أجمعوا أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شُبْرُمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم، عن ابن شُبْرَمة مطلقاً أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن تزويجه وَلّل عائشة - رضي الله عنها - كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن والنخعي للأب إجبار بنته كبيرة كانت أو صغيرة، بكراً كانت أو ثيباً، كذا في ((الفتح)) (٣). قال الموفق(٤): وليس هذا لغير الأب، يعني: ليس لغيره إجبار كبيرة، ولا تزويج صغيرة جَدّاً كان أو غيره، وبهذا قال مالك، وأبو عبيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وبه قال الشافعي، إلا في الجدِّ فإنه جعله كالأب؛ لأن ولايته ولاية إيلاد، فملك إجبارها كالأب، وقال الحسن، وعمر بن عبد العزيز، (١) («المغني)) (٣٩٨/٩). (٢) أخرجه البخاري (٣٨٩٤)، ومسلم (١٤٣٣). (٣) ((فتح الباري)) (١٩٠/٩). (٤) ((المغني)) (٤٠٢/٩). ٢٩١ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب وعطاء، وطاووس، وقتادة، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لغير الأب تزويج الصغيرة، ولها الخيار إذا بلغت، وقال هؤلاء غير أبي حنيفة: إذا زوّج الصغيرين غير الأب، فلهما الخيار إذا بلغا، قال أبو الخطاب: وقد نقل عبد الله، عن أبيه كقول أبي حنيفة. وإذا بلغت الجارية تسع سنين، ففيها روايتان، إحداهما: أنها كمن لم تبلغ تسعاً، نص عليه في رواية الأثرم، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسائر الفقهاء قالوا: حكم بنت تسع حكم بنت ثمان؛ لأنها غير بالغة، والرواية الثانية: حكمها حكم البالغة. نص عليها في رواية ابن المنصور، لرواية الإمام أحمد بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إذا بلغت الجارية تسع سنين، فهي امرأة، ورواه القاضي بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها -، اهـ. قال الحافظ(١): قد ألحق الشافعي الجد بالأب، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يزوجها كل ولي، وقال أحمد: إذا بلغت تسعاً جاز للأولياء غير الأب نكاحها، وكأنه أقام المَظِنَّة أي مَظنة البلوغ مقام المئنة، وعن مالك: يلتحق بالأب في ذلك وصي الأب دون بقية الأولياء، اهـ. قلت: وهو کذلك عند مالك، کما صرح به الدردير. وأما البكر البالغة، فقال الموفق (٢): عن الإمام أحمد فيه روايتان، إحداهما: له إجبارها على النكاح، وتزويجها بغير إذنها كالصغيرة، وهذا مذهب مالك، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، والثانية: ليس له ذلك، واختارها أبو بكر، وهو مذهب الأوزاعي، والثوري، وأبي عبيد، وأبي ثور، (١) ((فتح الباري)) (١٩١/٩). (٢) («المغني)) (٣٩٩/٩). ٢٩٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب وأصحاب الرأي، وابن المنذر لرواية أبي هريرة مرفوعاً: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن))، الحديث متفق عليه(١). وأما الثيب البالغة فقال الموفق(٢): لا يجوز للأب، ولا لغيره تزويجها إلا بإذنها في قول عامة أهل العلم إلا الحسنَ قال: له تزويجها وإن كرهت، والنخعي قال: يزوج بنته إذا كانت في عياله، فإن كانت في بيتها مع عيالها استأمرها، قال إسماعيل بن إسحاق: لا أعلم أحداً قال بقول الحسن، وهو قول شاذِّ خالف أهل العلم والسنة؛ فإن الخنساء بنت خذام زوجها أبوها وهي ثيب فكرهت فأتت رسول الله وَ ل فرد نكاحه، رواه البخاري(٣) والأئمة كلهم، وقال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على صحته، والقول به، ولا نعلم مخالفاً له إلا الحسن، اهـ. قال الحافظ (٤): رد النكاح إذا كانت ثيباً فزوجت بغير رضاها إجماع، إلا ما نقل عن الحسن أنه أجاز إجبار الأب للثيب، وعن النخعي: إن كانت في عیاله جاز وإلا ردّ. واختلفوا إذا وقع العقد بغير رضاها، فقالت الحنفية: إن أجازته جاز، وعن المالكية: إن أجازته عن قريب جاز وإلا فلا، ورده الباقون مطلقاً، اهـ. قلت: وسيأتي الكلام على ذلك في حديث الخنساء. وأما الثيب الصغيرة فقال الموفق(٥): فيها وجهان: أحدهما: لا يجوز (١) أخرجه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩). (٢) ((المغني)) (٤٠٦/٩). (٣) ((صحيح البخاري)) (٦٩٤٥). (٤) ((فتح الباري)) (١٩٤/٩). (٥) ((المغني)) (٤٠٧/٩). ٢٩٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٧) حديث ٤/١٠٦٧ - حدّثني مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ قَالَ: ((الْأَيِّمُ تزويجها، وهو ظاهر قول الخرقي، واختاره ابن حامد، وغيره، وهو مذهب الشافعي؛ لأن الإجبار يختلف بالبكارة والثيوبة، لا بالصغر والكبر، والوجه الثاني: لأبيها تزويجها، ولا يستأمرها، اختاره أبو بكر وغيره، وهو قول مالك، وأبي حنيفة؛ لأنها صغيرة، فجاز إجبارها، والأخبار محمولة على الكبيرة، اهـ. قال ابن رشد(١) في سبب اختلافهم: إنهم اختلفوا في موجب الإجبار هل هو البكارة أو الصغر؟ فمن قال: الصغر، قال: لا يجبر البكر البالغ، ومن قال: البكارة، قال: تجبر البكر البالغ، ولا تجبر الثيب الصغيرة، ومن قال: كل واحد منهما يوجب الإجبار إذا انفرد، قال: يجبر البكر البالغ، والثيب الغير البالغ، والتعليل الأول تعليل أبي حنيفة، والثاني تعليل الشافعي، والثالث تعليل مالك، والأصول أكثر شهادة لتعليل أبي حنيفة، اهـ. ٤/١٠٦٧ - (مالك، عن عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني ثقة تابعي صغير من رواة الستة (عن نافع بن جبير بن مطعم) بن عدي القرشي (عن عبد الله بن عباس أن رسول الله وَل قال) قال ابن عبد البر(٢): هذا حديث رفيع، أصل من أصول الأحكام، رواه عن مالك جماعة من الجّة كشعبة، والسفيانين، ويحيى القطان، وقيل: ورواه عنه أبو حنيفة ولا يصح، وقال عياض: رواه عن مالك أكثر أقرانه، ومن هو أكبر منهم كأبي حنيفة، والليث. (الأيم) قال القاضي: اختلف العلماء في المراد بالأيم ههنا مع اتفاق (١) ((بداية المجتهد)) (٦/٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٩/١٦). ٢٩٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٧) حديث أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا . أهل اللغة، على أنها تطلق على امرأة لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة، بكراً كانت أو ثيباً، فقال علماء الحجاز والفقهاء كافة: المراد: الثيب؛ لما جاء في رواية أخرى بالثيب، وقال الكوفيون وزفر: الأيم ههنا: كل امرأة لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً، كما هو مقتضاه في اللغة، قالوا: فكل امرأة بلغت، فهي أحق بنفسها من وليها، وعقدها على نفسها النكاح صحيح، وبه قال الشعبي، والزهري، قاله النووي(١). وقال الباجي(٢): الأيم هي: التي لا زوج لها، وقد روي في هذا الحديث الثيب، وهو قريب من الأول، إلا أن لفظ الأيم لا يستعمل إلا في التي لا زوج لها قط، وقال القاضي أبو إسحاق: إن الأيم التي لا زوج لها، بكراً كانت أو ثيباً، بالغاً كانت أو غير بالغ، فيخص من ذلك البكر ذات الأب، ويحمله على الثيب، وعلى البكر اليتيمة، اهـ. (أحق بنفسها من وليها) قال النووي(٣): اختلفوا هي هل أحق بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند هؤلاء، أي: الكوفيين وغيرهم بهما جميعاً، وقوله وَ له: ((أحق بنفسها)) يحتمل من حيث اللفظ، أن المراد: أحق من وليها في كل شيء، من عقد، وغيره كما قاله أبو حنيفة وداود، ويحتمل أنها أحق بالرضاء، أي: لا تتزوج حتّى تنطق بالإذن، لكن لما صح قوله وقديقول: ((لا نكاح إلا بولي)) مع غيره من الأحاديث الدالة على اشتراط الولي يتعين الاحتمال الثاني، لكن للمخالف أنه يعارضه قوله وَله: ((ليس للولي مع الثيب أمر)) الحديث، أخرجه أبو داود(٤) والنسائي عن ابن عباس. (١) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٣/٩/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٦٦/٣). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٠٣/٩/٥). (٤) سنن أبي داود (٢٣٣/٢) ح (٢١٠٠)، والنسائي (٨٥/٦). ٢٩٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٧) حديث وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا. وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا)). أخرجه مسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ١٨ - باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، حديث ٦٦. (والبكر) أي: البالغ، وفي رواية شعبة عن مالك، واليتيمة مكان البكر وسيأتي الكلام عليها، قال الزرقاني(١): اختلف قول مالك في حمل البكر ههنا على اليتيمة، كما جاء مفسراً في الرواية الأخرى، وحمله على ظاهره ولو ذات أب، لكن على الندب لا على الوجوب، اهـ. (تستأذن) ببناء المجهول (في نفسها) أي: في أمر نكاحها (وإذنها) مبتدأ خبره (صماتها) بالضم، أي: سكوتها، قال القرطبي: هذا منه وَّ مراعاة لتمام صونها، وإبقاء لاستحيائها؛ لأنها لو تكلمت صريحاً لظن أنها راغبة في الرجال، وذلك لا يليق في البكر. واستحب العلماء أن تعلم أن صماتها إذن، والحديث مما استدل به الشافعي أو من وافقه، ووجه الاستدلال أنه قسم النساء قسمين: ثيباً وأبكاراً، ثم خص الثيب بأنها أحق من وليها، فلو أن البكر كالثيب في ترجيح حقها على حق الولي لم يكن لإفراد الثيب معنىَ، ورُدَّ بأنه لا دلالة على أن البكر ليست أحقَّ بنفسها إلا من جهة المفهوم، والحنفية لا يقولون به، ولو سُلِّمَ فقد خالفه منطوق، وهو قوله وَ﴾: ((والبكر تُسْتَأذن))، وقد أخرج البخاري(٢) برواية أبي هريرة أن النبي ◌َّ قال: ((لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن))، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت))، وإنما فرق بينهما؛ لأن البكر تستحيي فجعل السكوت إذنها في حقها . وقال النووي(٣): اختلفوا في معنى قوله ◌َل ير: ((لا تنكح البكر حتى (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٧/٣). (٢) أخرجه البخاري (٥١٣٦). (٣) ((شرح مسلم)» للنووي (٢٠٤/٩/٥). ٢٩٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٧) حديث تستأمر))، فقال الشافعي، وابن أبي يعلى، وأحمد، وإسحاق وغيرهم: الاستئذان في البكر مأمور به، فإن كان الولي أباً، أو جداً كان الاستئذان مندوباً إليه، ولو زوجها بغير استئذانها صح لكمال شفقته، وإن كان غيرهما من الأولياء وجب الاستئذان، ولم يصح إنكاحها قبله، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة وغيرهما من الكوفيين: يجب الاستئذان في كل بكر بالغة، اهـ. تقدم في رواية شعبة من لفظ اليتيمة مكان البكر، وأخرج الترمذي (١) برواية أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً: ((اليتيمة تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها))، قال الترمذي: اختلف أهل العلم في تزويج اليتيمة، فرأى بعض أهل العلم: أن اليتيمة إذا زوجت، فالنكاح موقوف حتى تبلغ، فإذا بلغت فلها الخيار في إجازة النكاح وفسخه، وهو قول بعض التابعين وغيرهم، وقال بعضهم: لا يجوز نكاح اليتيمة حتى تبلغ، ولا يجوز الخيار في النكاح، وهو قول الثوري، والشافعي، وغيرهما، وقال أحمد، وإسحاق: إذا بلغت اليتيمة تسع سنين فزوجت، فرضيت، فالنكاح جائز ولا خيار لها، إذا أدركت، وقد قالت عائشة: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة، انتهى. قال الحافظ(٢): نقل ابن عبد البر، عن مالك: أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها، وتفويضها لا يكون رضا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليها، وخص بعض الشافعية الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجد دون غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء، انتهى. (١) أخرجه الترمذي في النكاح، ((باب ما جاء في إكراه اليتيمة على التزويج) ح (١١٠٩). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٣/٩). ٢٩٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٧) حديث قال الشيخ في ((البذل))(١): مذهب الحنفية في ذلك: أن اليتيمة إذا زوّجها الجد نفذ نكاحه، ولا خيار لها إذا بلغت، وأما إذا نكحها غيره ينعقد النكاح، ولها الخيار بعد البلوغ، انتهى. قال أيضاً: اليتيمة الصغيرة التي مات أبوها، والمراد هاهنا البالغة، سماها يتيمةً باعتبار ما كانت، كقوله تعالى: ﴿وَءَاتُوْ اُلْيَنَّ أَمَهُمْ﴾ والتسمية بها لمراعاة حقها، والشفقة عليها، فإن اليتيم مَظِنَّة الرأفة والرحمة، فكأنه وَ له شرط بلوغها، فمعناه: لا تنكح حتى تبلغ فتستأمر، انتهى. قال الباجي(٢): قوله وَلجر: ((البكر تستأذن في نفسها))، قال ابن القاسم، وابن وهب، وعلي بن زياد، عن مالك في ((المدونة)): يريد البكر التي لا أب لها؛ لأنها هي التي تستأذن، ثم قال: فالتي تستأذن، هي البكر البالغ؛ لأن غير البالغ لا إذن لها، فالأبكار على ثلاثة أضرب: بكر بالغ تنكح، وتستأذن، وهي التي ذكر أنه يزوجها وصيّها أو وليها، وبكرٌ لا تنكح ولا تستأذن، وهي اليتيمة التي لم تبلغ المحيض، فإن اليتيمة لا تزوج إلا بإذنها، والتي لم تبلغ لا يصح إذنها فلا يصح إنكاحها، وهذا في ذات القدر، قال ابن حبيب: ليس لوصي، ولا لولي إنكاح صغيرة حتى تبلغ، فإن فعل فسخ ذلك أبداً، وإن طال وكان الولد، ورضيت بذلك، قاله مالك وأصحابه، وقال ابن القاسم في ((الموازية)): يفسخ إلا أن يتقادم بعد البناء فيمضي، وقال أصبغ: حتى يتقادم وتلد الأولاد، ولم ير التمادي عشرة أشهر طولاً مع الولد. وأما المحتاجة ففي ((العتبية)) عن مالك: لا تزوج حتى تبلغ المحيض، وروي عنه، في بنت عشر سنين تطوف وتسأل الناس زُوّجَتْ في غنى برضاها، (١) («بذل المجهود)) (١٠ /٩٩). (٢) ((المنتقى)) (٢٦٦/٣). ٢٩٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٨) حديث ٥/١٠٦٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا . وولّت أمرها رجلاً، فأجازه مالك، ولم يجزه في الصغيرة، وقال سحنون في ((العتبية)): هي رواية ضعيفة. والثالثة: بكر تنكح ولا تستأذن، وهي البكر ذات الأب، فإن الأب يجبرها على النكاح دون إذنها، وإن استأذنها فحسن، قال ابن حبيب: يستحب للأب مؤامرة البكر، اهـ. ثم قال: فخص ◌َل# البكر بهذا الحكم لما يغلب عليها من الحياء، فعلى هذا لا تسأل اليتيمة قطعاً بالرضا، رواه محمد، وغيره، عن مالك. وحكى الإسفرائيني أن ذلك على وجهين عندهم: أحدهما: أنّ ذلك في ذات الأب والجد، أما اليتيمة فإنها لا بد لها من النطق بالرضا، ووجه الدليل من الحديث أنه قال: ((لا تنكح البكر حتى تستأذن))، والتي لا تنكح حتى تستأذن من الأبكار اليتيمة، انتهى. وفي ((الروض المربع)) (١): لا يزوج غير الأب ووصيّه صغيراً إلا الحاكم لحاجة، ولا كبيرة عاقلة، بكراً أو ثيباً، ولا بنت تسع سنين، إلا بإذنهما لحديث أبي هريرة: ((تستأمر اليتيمة في نفسها فإن سكتت فهو إذنها وإن أبت لم تكره))، رواه أحمد، وإذن بنت تسع سنين معتبر لقول عائشة: إذ بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة، رواه أحمد، انتهى. ٥/١٠٦٨ - (مالك، أنه بلغه عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال عمر بن الخطاب) ولفظ محمد في ((موطئه))(٢) مالك أخبرنا رجل، عن سعيد بن المسيب (لا تنكح) ببناء المجهول، ويحتمل بناء المعلوم (المرأة) بالرفع نائب فاعل، أو فاعل (إلا بإذن وليها). (١) (٧١/٣). (٢) (موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٧٩/٢). ٢٩٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٢) باب (١٠٦٨) حديث قال الباجي(١): الحديث يحتمل معنيين، أحدهما: أن لا تنكح نفسها، والثاني: أن لا ينكحها من الناس من ليس بولي لها؛ وكلا الوجهين عندنا ممنوع، قال ابن حبيب في ((واضحته)): لا يجوز نكاح امرأة بكراً كانت(٢)، أو شابة كانت أو عجوزاً، غنية كانت أو فقيرة، شريفة كانت أو وضيعة، إلا بولي یعقد نكاحها، انتهى. وقال ابن رشد(٣): اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم لا؟ فذهب مالك إلى أنه لا يكون نكاح إلا بولي، وأنها شرط في الصحة في رواية أشهب عنه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وزفر والشعبي والزهري: إذا عقدت بغير ولي، وكان كفؤاً جاز، وفرّق داود بين البكر والثيب، فقال باشتراطه في البكر دون الثيب، ويتخرج على رواية ابن القاسم، عن مالك في الولاية قول رابع: إن اشتراطها سنة لا فرض، بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك، أعني أنهم يقولون: إنها من شروط الصحة، انتھی. قال الموفق(٤): لا يصح النكاح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها، فإن فعلت لم يصح النكاح، روي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن المبارك، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وروي عن ابن سيرين، والقاسم بن محمد، والحسن بن صالح، وأبي صالح، (١) ((المنتقى)) (٢٦٧/٣). (٢) كذا في الأصل، والظاهر بكراً كانت أو ثيبة، شابة كانت أو عجوزاً، انتهى. ((ز)). (٣) ((بداية المجتهد)) (٨/٢). (٤) ((المغني)) (٣٤٥/٩). ٣٠٠