النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(٢) باب ما يستحب من الضحايا
القرنين ففيها قولان: الإجزاء، نقله الشيخ عن ((كتاب محمد))، وعدم الإجزاء،
قول ابن حبيب، والشرط أنه ليس هناك أجماء. وإلا فلا تجزئ اتفاقاً .
ويجزئ مقعدة، أي: عاجزة عن القيام لشحم، وكذا مكسورة قرن من
أصله أو طرفه إن برئ لا إن أدمى(١)، فلا تجزئ، بين جرب وبشم، أي:
تخمة، وبين جنونٍ وفائتِ جزءٍ؛ كيدٍ ورجلٍ أصالة أو طرواً غيرِ خصيةٍ، فبفوتها
يجزئ سواء كان خلقة أو بقطع.
ولا يجزئ صمعاءً، أي: صغيرة الأذنين جداً، ولا بتراء، أي: التي لا
ذنب لها خلقة، أو طرواً، ولا بكماء، ولا بخراء، أي: متغيرة رائحة الفم،
ولا يابسة ضرع، أي: جميعه، فإن أرضعت ببعضه فلا تضر، ولا مشقوقة أذن
أكثر من ثلث، فإن كان ثلثاً أجزأت، ولا مكسورة سنٍ إن زاد على الواحدة،
أما كسر واحدة فلا يمنع الإجزاء على الأصح، إلا أن يكون قلع الأسنان
لإنغار أو كبر، فيجزئ ولو قلع كلها، ولا يجزئ ذاهبة ثُلث ذنبٍ فصاعداً، كذا
في ((الدردير)) مختصراً.
(٢) ما يستحب من الضحايا
اختلفت نسخ ((الموطأ)) في ذكر هذه الترجمة، ففي أكثر النسخ المصرية
هكذا، وفي بعضها والنسخ الهندية ذكر هاهنا الترجمة الآتية: ((النهي عن ذبح
الضحية))، وبعدها ذكر هذه الترجمة، واقتفينا النسخ المصرية لمناسبة ما بين
المستحب والمكروه، ومقصود الترجمة: أن المستحب والأولى ذبح الأسمن
والأغلى، قال عز اسمه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾
الآية وقال عز اسمه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكِرَ اللَّهِ﴾ الآية، قال ابن عباس - رضي الله
عنه -: تعظيمها استسمانها واستعظامها، واستحسانها، كذا في ((المغني))(٢).
(١) قوله: أدمى. أي: المراد بالإدماء، عدم البرء، قوله: بُكْمَاء، أي: فاقدة الصوت.
(٢) (٣٦٧/١٣).
٢٢١

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حدیث
٣/١٠٥٣ - حدّثني يَحْبَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ ضَخَّى مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ. قَالَ نَافِعٌ: فَأَمَرَنِي أَنَّ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشاً
فَحِيلاً أَقْرَنَ، ثُمَّ أَذْبَحَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى، فِي مُصَلَّى النَّاسِ.
٣/١٠٥٣ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(ضَخَّى) بتشديد الحاء، أي: أراد أن يُضَحِّي (مرة بالمدينة) المنورة (قال نافع:
فأمرني أن أشتري له كبشاً) هو فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثنى،
وقيل: إذا أربع (فحيلاً) بالفاء والحاء المهملة، أي: ذكراً لا أنثى، وفي زيادة
ياء النسبة إشارة إلى تحقق ذكورته، أو بالغاً في الذكورة، وقيل: يحتمل أن
يراد به لا خصيا، وقيل: أي قوياً ذا جثة (أقرن) يعني ذا قرنين كبيرين (ثم
أذبحه) بالنصب عطفاً على ((أشتري)) (يوم الأضحى) يعني يوم النحر (في مصلى
الناس).
قال الباجي(١): إنما أمره أن يذبح فيه؛ لأن الأضحية من القرب العامة
المسنونة، فالأفضل إظهارها؛ لأن في ذلك إحياء سنتها. وقد قال ابن حبيب:
يستحب الإعلان بالأضحية لكي تعرف، ويعرف الجاهل سنتها، وما يلزمه
منها، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - إذا ابتاع أضحيته يأمر غلامه يحملها
في السوق، ويقول: هذه أضحية ابن عمر إرادة أن يعلن بها، انتهى.
وحكى العيني في ((شرح البخاري)) فعل ابن عمر - رضي الله عنه - هذا ثم
قال: وهذا المعنى يستوي فيه الإمام وغيره، قلت: وفيه اتباع لفعله وَّ، فقد
أخرج أبو داود(٢) بسنده إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي ◌َّلو كان
يذبح أضحيته بالمصلى، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يفعله، وترجم عليه
أبو داود ((باب الإمام يذبح بالمصلى)).
(١) ((المنتقى)) (٨٨/٣).
(٢) أخرجه أبو داود في ((باب الإمام يذبح بالمصلى)) ((بذل المجهود)) (٣٩/١٣).
٢٢٢

٢٦ - کتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
وأخرج البخاري(١) برواية عبيد الله، عن نافع قال: كان عبد الله ينحر في
المنحر، قال عبيد الله: يعني في منحر النبي ◌َّر، وأخرج أيضاً برواية كثير بن
فرقد، عن نافع، عن ابن عمر قال: ((كان رسول الله ( 8* يذبح وينحر
بالمصلى)). وترجم عليه البخاري ((الأضحى والنحر بالمصلى))، قال ابن بطال:
هو سنة للإمام خاصة عند مالك، قال مالك فيما رواه ابن وهب: إنما يفعل
ذلك لئلا يذبح أحد قبله، زاد المهلب: وليذبحوا بعده على يقين، وليتعلموا منه
صفة الذبح، وقال ابن التين: هو مذهب مالك أن الإمام يبرز أضحيته للمصلى
فيذبح هناك، وبالغ بعض أصحابه، وهو أبو مصعب فقال: من لم يفعل ذلك
لم يؤتم به، وقال ابن العربي: قال أبو حنيفة ومالك: لا يذبح حتى يذبح
الإمام إن كان ممن يذبح قال: ولم أر له دليلاً، كذا في ((الفتح))(٢).
وقال ابن رشد(٣): أما وقت الذبح، فإنهم اختلفوا فيه في ثلاثة مواضع:
في ابتدائه، وانتهائه، وفي الليالي المتخللة له، فأما في ابتدائه فإنهم اتفقوا على
أن الذبح قبل الصلاة لا يجوز لثبوت قوله وَلقوله: ((من ذبح قبل الصلاة فإنما هي
شاة لحم))، وأمره بالإعادة لمن ذبح قبل الصلاة، وقوله وَلير: ((أول ما نبدأ في
يومنا هذا أن نصلي ثم ننحر)) إلى غير ذلك من الآثار الثابتة في هذا المعنى.
واختلفوا في من ذبح قبل ذبح الإمام بعد الصلاة، فذهب مالك إلى أنه
لا يجوز، وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز، وسبب اختلافهم اختلاف الآثار
في هذا الباب، وذلك أنه جاء في بعضها أنه والتر أمر لمن ذبح قبل الصلاة أن
يعيد الذبح، وفي بعضها أنه أمر لمن ذبح قبل ذبحه أن يعيد، خرجه مسلم،
فمن جعل ذلك موطنين اشترط ذبح الإمام في جواز الذبح، ومن جعل ذلك
(١) صحيح البخاري ح (٥٥٥١).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/١٠).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٤٣٥/١).
٢٢٣

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
موطناً واحداً، قال: إنما يعتبر في إجزاء الذبح الصلاة فقط.
واختلفوا من هذا الباب في فرع، وهو متى يذبح من ليس له إمام من
أهل القرى، فقال مالك: يتحرون ذبح أقرب الأئمة إليهم، وقال الشافعي:
يتحرون قدر الصلاة والخطبة، وقال أبو حنيفة: من ذبح من هؤلاء بعد الفجر
أجزأه، وقال قوم: بعد طلوع الشمس، وكذلك اختلف أصحاب مالك فيما إذا
لم يذبح الإمام في المصلى، فقال قوم: يتحرى ذبحه بعد انصرافه، وقال قوم:
ليس يجب ذلك، انتهى مختصراً .
وقال الخرقي: إذا مضى من نهار يوم الأضحى مقدار صلاة العيد
وخطبته، فقد حل الذبح إلى آخر يومين من أيام التشريق نهاراً، ولا يجوز ليلاً.
قال الموفق(١): الكلام في وقت الذبح في ثلاثة أشياء: أوله، وآخره،
وعموم وقته أو خصوصه، أما أوله، فظاهر كلام الخرقي أنه إذا مضى قدر تحلّ
فيه الصلاة، وقدر الصلاة والخطبتين تامتين في أخفّ ما يكون، فقد حل وقت
الذبح، ولا يعتبر نفس الصلاة، لا فرق في هذا بين أهل المصر وغيرهم،
وهذا مذهب الشافعي، وظاهر كلام أحمد أن من شرط جواز التضحية في حق
أهل المصر صلاة الإمام وخطبته، روي نحو هذا عن الحسن، والأوزاعي،
ومالك، وأبي حنيفة، وإسحاق، وقال عطاء: وقتها إذا طلعت الشمس،
والصحيح إن شاء الله أن وقتها في الموضع الذي يصلى فيه بعد الصلاة، فأما
غير أهل الأمصار والقرى فأول وقتها في حقهم قدر الصلاة والخطبة بعدها؛
لأنه لا صلاة في حقهم فوجب الاعتبار بقدرها، اهـ.
أما الذبح بالمصلى، فقد قال الدردير(٢): ندب للمصلي وتأكد للإمام
(١) («المغني)) (٣٨٤/١٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٢١/٢).
٢٢٤

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
إبرازها للمصلى ليعلم الناس ذبحه، ولا يكره عدم الإبراز لغير الإمام، قال
الدسوقي: أما عدم الإبراز له فيكره، اهـ.
وفي ((المسوى))(١): الذبح في المصلى أحسن إظهاراً لشعار الدين، اهـ.
وقد روي في غير حديث أن النبي ◌َّر كان يذبح بالمصلى، وحكى الشيخ في
((البذل))(٢) عن الشوكاني: الحكمة في ذلك أن يكون بمرأى من الفقراء فيصيبون
من لحم الأضحية.
وفي ((وفاء الوفاء)): روي عن إبراهيم بن أبي أمية قال: أدركت مسجداً
في زمان عثمان عند حرف زاوية أبي يسار عند أصحاب المحامل، وليس عنده
مسجد غيره، وذلك المسجد هو المسجد الذي صلى فيه النبي {آل﴾ يوم أضحى،
وضحى هناك هو وأصحابه، حتى احتملت ضحاياهم من عنده. قال: وأخبرني
من رأى الأنصار يحملون ضحاياهم من هناك، اهـ.
وفيه أيضاً: وهذه الطرق هي المرادة بما رواه ابن زبالة، عن عائشة: أن
رسول الله (858* كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المصلى على ناحية
الطريق التي كان ينصرف منها .... إلى آخر ما بسطه. وعلم منه أن لا
تخصيص بالمصلى، بل المراد الفضاء بمرأى من الناس.
وفي (كنز العمال)) عن نافع: أن عمر كان ينحر بمكة عند المروة وبمنى
عند المنحر، ثم في الأثر ذبح الكبش وهو فحل الضأن، وقد ورد في غير
حديث ((أن النبي ◌َ ﴿ ضحى بالكبش))، واستدل بهما المالكية على أفضلية
الضأن ضرورة أنه ◌َ ﴿ لا يواظب إلا على ما هو الأفضل، والمسألة خلافية.
قال الباجي(٣): أفضل الأضاحي الضأن، هو مذهب مالك، وسائر
(١) (٢٢٩/١).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٩/١٣).
(٣) ((المنتقى)) (٨٨/٣).
٢٢٥

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
أصحابه: أن الضأن أفضل من المعز، واختلفوا في التفضيل بين البقر والإبل،
فروى الشيخ أبو إسحاق: أن الأفضل الإبل، وحكى الشيخ أبو القاسم،
والقاضي أبو محمد في ((معونته)): أن البقر أفضل، وقال أبو حنيفة، والشافعي:
الإبل أفضل، ثم البقر، ثم الغنم، والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ما
روي أنه وَسّ كان يضحي بكبشين أقرنين أملحين، ومثل هذا لا يستعمل إلا فيما
يواظب عليه، ومعلوم أن النبي وَ ﴿ لا يواظب في خاصته إلا على الأفضل،
ومن جهة المعنى أنه لا خلاف أنه لا يضحي بجذع إلا من الضأن، وذلك
يقتضي أن لها مزية على غيرها في الأضحية، اهـ.
وقال ابن رشد(١): اختلفوا في الأفضل من ذلك، فذهب مالك إلى أن
الأفضل في الضحايا: الكباش، ثم البقر، ثم الإبل بعكس الأمر عنده في
الهدايا، وقد قيل عنه: الإبل، ثم البقر، ثم الكباش، وبه قال الشافعي،
وأشهب، وابن شعبان، وسبب اختلافهم معارضة القياس لدليل الفعل، وذلك
أنه لم يرو عنه وَر أنه ضحى إلا بكبش، وذلك فيما ذكر بعض الناس.
وفي ((البخاري)) عن ابن عمر ما يدل على خلاف ذلك، وهو أنه قال:
((كان رسول الله (ّل يذبح وينحر بالمصلى))، وقد احتجّ الشافعي لمذهبه بعموم
قوله ◌َّ: ((من راح في الساعة الأولى فكأنما قَرَّبَ بدنةً، ومن راح في الثانية
فكأنما قرب بقرة)) .... الحديث، فكان الواجب حمل هذا على جميع القُرَب
بالحيوان، ومالك حمله على الهدايا فقط؛ لئلا يعارض الفعل القول، وهو
الأولى.
وقد يمكن أن يكون لاختلافهم سبب آخر، وهو هل الذبح العظيم الذي
فدى به إبراهيم، عليه الصلاة والسلام، هو سنة باقية إلى اليوم؟ وأن ذلك معنى
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٣٠/١).
٢٢٦

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
قوله: ﴿وَتَرَكِنَا عَلَيْهِ فِ الْآَخِرِينَ (٨)﴾(١)، فمن ذهب إلى هذا قال: الكباش
أفضل، ومن رأى أن ذلك ليست سنة باقية لم يكن عنده دليل على أن الكباش
أفضل، مع أنه قد ثبت أن رسول الله ضحى بالأمرين جميعاً؛ وإذا كان كذلك
فالواجب المصير إلى قول الشافعي، اهـ.
وقال الدردير(٢): وندب ضأن مطلقاً ثم يليه معز؛ ثم هل يليه بقر، وهو
الأظهر عند ابن رشد، أو إبل؟ خلاف، قال الدسوقي: الحق أن ذلك يختلف
باختلاف البلاد؛ فالإبل في بلاد الحجاز أطيب لحماً من البقر، وفي مصر
بالعكس، اهـ.
وقال الموفق(٣): أفضل الأضاحي: البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة، ثم
شِرْك في بقرة، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي؛ لقوله وَّر في الجمعة: ((من
راح في الساعة الأولى ..... ))، الحديث. ولأنه ذبح يتقرب به إلى الله تعالى
فكانت البدنة فيه أفضل كالهدي، ولأنها أكثر ثمناً ولحماً وأنفع، والشاة أفضل
من شرك في بدنة؛ لأن إراقة الدم مقصودة في الأضحية، والمنفرد يتقرب
بإراقته كله، والكبش أفضل من الغنم؛ لأنه أضحية النبي وَلّر وهو أطيب لحماً.
وذكر القاضي أن جذع الضأن أفضل من ثنيّ المعز لذلك؛ ولأنه يروى
عن النبي ◌َّ أنه قال: ((نعم الأضحية الجذع من الضأن))، وهو حديث غريب،
ويحتمل أن الثنيّ أفضل؛ لقوله وَلور: ((لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عسر عليكم
فاذبحوا الجذع من الضأن)). رواه مسلم وأبو داود، اهـ.
وفي ((نيل المآرب)): الأفضل الإبل، فالبقر، فالشاة إن أخرج كاملاً، ثم
يلي ذلك شركة في بدنة أو بقرة، اهـ.
(١) سورة الصافات: الآية ٧٨.
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٢١/٢).
(٣) ((المغني)) (٣٦٦/١٣).
٢٢٧

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
قَالَ نَافِعٌ: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ حُمِلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ
حِينَ ذُبحَ الْكَبْشُ،
وفي ((الدر المختار)) (١): الشاة أفضل من سُبع البقرة، قال ابن عابدين:
وكذا من تمام البقرة، قال في ((التتارخانية)): وفي ((العتابية)): كان الأستاذ
يقول: إن الشاة العظيمة السمينة التي تساوي البقرة قيمة ولحماً أفضل من
البقرة؛ لأن جميع الشاة تقع فرضاً بلا خلاف، واختلفوا في البقرة، قال بعض
العلماء: يقع سُبْعُها فرضاً والباقي تطوع. اهـ، والأصل في هذا إذا استويا في
اللحم والقيمة فأطيبهما لحماً أفضل، وإذا اختلفا فالفاضل أولى. اهـ.
قال الحافظ في ((الفتح))(٢): قد أخرج البيهقي من حديث ابن عمر -
رضي الله عنه - كان النبي ◌ّ﴾ يضحي بالمدينة بالجزور أحياناً، وبالكبش إذا لم
يجد جزوراً، فلو كان ثابتاً لكان نصاً في موضع النزاع لكن في سنده عبد الله بن
نافع، وفيه مقال، وعن عائشة - رضي الله عنها - ((أن النبي ◌ُّ ضحّى عن
نسائه بالبقر)». أخرجه الشيخان.
(قال نافع: ففعلت) ما أمرني به من الشراء والذبح بالمصلى، قال
الباجي(٣): أمره بالذبح على وجه الاستنابة، وذلك جائز للضرورة، وقد كرهه
مالك من غير ضرورة، وإنما استنابه ابن عمر - رضي الله عنهما - لمرضه،
والأفضل لمن قدر عليه أن يتولى ذبحها بنفسه لما روي عن أنس - رضي الله
عنه - أن النبي وَل ضحى بكبشين أقرنين أملحين ذبحهما بيده (ثم حمل) ببناء
المجهول، أي: الكبش المذبوح (إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(فحلق) عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (رأسه حين ذبح) ببناء المجهول
(الكبش) مقتضى فاء التعقيب أن الحِلاقَ بعد حمل الكبش إليه، فالظرفية في
(١) (٦٣٥/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢/١٠).
(٣) ((المنتقى)) (٨٨/٣).
٢٢٨

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
وَكَانَ مَرِيضاً لَمْ يَشْهَدِ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ، قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلَاقُ الرَّأْسِ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَخَّى، وَقَدْ فَعَلَهُ
ابْنُ عُمَرَ .
قوله ((حين ذبح)) مجازيةٌ؛ لأنها لما وقعت بعده بقرب كأنها فعلت حينه، أو
الظرفية حقيقية، والتجوز في الفاء فتكون للترتيب الذكري.
(وكان) ابن عمر - رضي الله عنهما - (مريضاً) ولذلك (لم يشهد) صلاة
(العيد مع المسلمين) في النسخ الهندية، و((مع الناس)) في المصرية، والمعنى
واحد، لمرضه استناب في الذبح (قال نافع: وكان عبد الله بن عمر) - رضي الله
عنهما - (يقول: ليس حِلاق) بكسر أوله، أي: حلق شعر (الرأس بواجب على
من ضخّى) أي: ذبح الأضحية، زاد في رواية محمد بعده ((إذا لم يحج)) (وقد
فعله) أي: الحلق بعد الذبح (عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما، لحاجته إليه،
أو استحباباً، فقد قال الباجي(١): ولعله كان امتنع من حلق رأسه من أول
العشر حين أراد أن يضحي على وجه الاستحباب، وإن لم ير ذلك واجباً كما
ذكر في آخر الحديث.
:
وقد روى الشيخ أبو بكر والقاضي أبو الحسن: أنه يستحب لمن أراد أن
يضحي إذا رأى هلال ذي الحجة أن لا يقص من شعره، ولا يقلم أظفاره حتى
يضحي، قالا: ولا يحرم ذلك عليه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ليس
في ذلك استحباب، وقال أحمد وإسحاق: يحرم عليه الحلق وتقليم
الأظفار، اهـ.
وقال الخرقي: من أراد أن يضحي فدخل العشر، فلا يأخذ من شعره ولا
بَشَرَتِه شيئاً، قال الموفق(٢): ظاهره التحريم، وهو قول بعض أصحابنا، وحكاه
(١) ((المنتقى)) (٩٠/٣).
(٢) («المغني)) (٣٦٢/١٣).
٢٢٩

٢٦ - كتاب الضحايا
(٢) باب
(١٠٥٣) حديث
ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وقال القاضي وجماعة
من أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك، والشافعي، لقول عائشة -
رضي الله عنها -: كنت أفتل قلائد هدي رسول الله وَّر، ثم يقلدها بيده، ثم
يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي. متفق عليه،
وقال أبو حنيفة: لا يكره له ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره
له حلق الشعر وتقليم الأظفار.
ولنا، ما روت أم سلمة - رضي الله عنها - عن رسول الله و القر أنه قال:
((إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره
شيئاً حتى يضحي)). رواه مسلم، ومقتضى النهي التحريم، وهذا يرد القياس،
وحديثهم عام، وهذا خاص يجب تقديمه بتنزيل العام على ما عدا ما تناوله
الحديث الخاص، اهـ.
وفي ((المحلى)) عند أبي حنيفة أيضاً: يندب لمن أراد أن يضحي تأخير
تقليم الأظفار، وحلق الرأس والعانة ولا يجب، كذا في ((شرح المنية))، وفي
((الملتقط)): وإن عمل فهو أفضل للخبر ولا يجب، اهـ.
قلت: ويؤيد ذلك أن الإمام محمداً - رحمه الله - قال بعد أثر الباب:
وبهذا كله نأخذ، وفي ((البذل)) (١) عن الشوكاني: ذهب سعيد بن المسيب،
وربيعة، وأحمد، وإسحاق، وداود، وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم
عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره، حتى يضحي في وقت الأضحية، وقال
الشافعي، وأصحابه: مكروه كراهة تنزيه.
ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((شرح المنية)) وما ورد في ((صحيح
مسلم)): قال رسول الله وَّل: ((إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي)) .....
(١) ((بذل المجهود)) (١٢/١٣).
٢٣٠

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(٣) باب النهي عن ذبح الضحية قبل انصراف الإمام
الحديث، محمول على الندب دون الوجوب بالإجماع، فنفي الوجوب لا ينافي
الاستحباب، فيكون مستحباً إلا أن يستلزم الزيادة وقت إباحة التأخير ونهايته ما
دون الأربعين، فإنه لا يباح ترك قلم الأظفار ونحوه فوق الأربعين، انتهى.
وزاد العيني في ((شرح الطحاوي)) في موافقي الإمام أحمد: ابن سيرين،
والأوزاعي، وأبا ثور، وابن حزم، وفي موافقي الجمهور: عطاء بن يسار،
وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن سليمان، والثوري، وأبا يوسف،
ومحمداً، وقال: احتجّوا في ذلك بحديث عائشة - رضي الله عنها - كنت أفتل
قلائد هدي رسول الله وسلم ..... ، الحديث، قال: والأخذ به أولى من حديث
أم سلمة؛ لأن أصل حديث أم سلمة موقوف، وحديث عائشة مرفوع، وقال
الشافعي: البعث بالهدي أكبر من إرادة التضحية، وقال ابن عبد البر: ممّا يدل
على ضعف حديث أم سلمة أن مالكاً روى عن عمارة بن عبد الله، عن سعيد بن
المسيّب، قال: لا بأس بالاطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة، فترك سعيد
لاستعمال هذا الحديث، وهو راويه، دليل على أنه غير ثابت ومنسوخ.
وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر، فما دونه أحرى
أن يكون مباحاً، وقد روي ذلك، أي: الجواز عن جماعة من المتقدمين من
التابعين، وهم: عطاء بن يسار الهلالي مولى ميمونة زوج النبي ◌َّر، وأبو بكر بن
عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة، وأبو بكر بن سليمان القرشي.
(٣) النهي عن ذبح الضحية قبل انصراف الإمام
عن الصلاة، وقد عرفت أن المسألة خلافية، والجمهور على أنه لا يجوز
الذبح قبل الصلاة في مواضع يُصَلَّى فيها العيد، وقال بعضهم: يجوز بعد أن
مضى من الوقت قدر يمكن فيه الصلاة والخطبتان التامتان، وقال مالك: لا
يجوز حتى يذبح الإمام بعد الصلاة.
٢٣١

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
. (١٠٥٤) حديث
٤/١٠٥٤ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يُسَارٍ؛ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلِه يَوْمَ الْأَضْحَى.
٤/١٠٥٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن بشير) بضم
الموحدة وفتح المعجمة مصغراً (ابن يسار) بفتح التحتية وخفة المهملة الحارثي
المدني (أنّ أبا بردة) بضم الموحدة وسكون الراء، اسمه هانئ، وقيل: مالك بن
هبيرة، والأول أصح، وقيل: الحارث بن عمرو.
قال الحافظ(١): هذا وهم، وأخرج ابن منده من طريق جابر الجعفي،
عن الشعبي، عن البراء، قال: كان اسم خالي قليلاً، فسماه النبي وَلّر كثيراً،
وقال: ((يا كثير إنما نسكنا بعد صلاتنا))، ثم ذكر حديث الباب بطوله، وجابر
ضعيف، انتهى، وفي رواية مالك، عن بشير، عن أبي بردة، قال ابن عبد البر:
يقال: إن بُشيراً لم يسمع من أبي بردة، كذا في ((التنوير))(٢).
(ابن نيار) بكسر نون وخفة تحتانية الأنصاري، خال البراء بن عازب،
وقيل: عمه، والأول أشهر، شهد بدراً وما بعدها، وشهد مع علي - رضي الله
عنه - حروبه كلها، اختلف في موته من إحدى وأربعين إلى خمس وأربعين
(ذبح أضحيته قبل أن يذبح رسول الله وَله) أضحيته (يوم الأضحى) وقبل أن
يصلي صلاة العيد.
ففي ((الصحيحين)) (٣) عن البراء قال: خطبنا رسول الله وَله يوم النحر بعد
الصلاة، فقال: ((من صلى صلاتنا، ونسك نسكنا، فقد أصاب السنة، ومن ذبح
قبل الصلاة فتلك شاة لحم))، فقام أبو بردة، فقال: يا رسول الله! نسكت شاتي
(١) ((فتح الباري)) (١٣/١٠).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٤٠٣).
(٣) أخرجه البخاري (٥٥٦٣)، ومسلم (١٩٦١).
٢٣٢

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(١٠٥٤) حديث
فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى. قَالَ أَبُو
بُرْدَةَ: لَا أَجِدُ إِلَّا جَذَعاً يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إِلَّ
جَذَعاً
قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فتعجلّت وأكلت
وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله الحجر: ((تلك شاة لحم)) .....
الحدیث.
وقال الحافظ(١): ووقع عند الطبراني من طريق سهل بن أبي حثمة أن
أبا بردة ذبح ضحيته بسحر، فذكر ذلك للنبي وَلّ، فقال: ((إنما الأضحية ما ذبح
بعد الصلاة)) ..... الحديث.
(فزعم) أي: فقال أبو بردة (أن رسول الله وَ ل﴿ أمره) أي: أبا بردة (أن
يعود بضحية) أي: يضحي مرة (أخرى) وإنما أطلق الأضحية على الأولى؛ لأن
صورتها صورة الأضحية، وقد ذبحها أبو بردة على أنها ضحية، ثم ظاهر رواية
(الموطأ)) أنّ الأمر بالإعادة كان لأنه - رضي الله عنه - ضحاها قبل أن يُضَحِّي
رسول الله وَ﴿، وهو متمَسك الإمام مالك في أن المناط ذبح الإمام.
وقال الجمهور: إن المناط الفراغ عن الصلاة، لما تقدم قريباً عن
((الصحيحين)) في هذه القصة قوله عليه: ((من ذبح قبل الصلاة فتلك شاة لحم))،
ولما ذبح أبو بردة قبل الصلاة أمره النبي وَ الر بالإعادة (فقال أبو بردة:) يا
رسول الله (لا أجد إلا جذعاً) بجيم وذال معجمة مفتوحتين وعين مهملة، زاد
في رواية للبخاري عن البراء من المعز.
قال الباجي(٢): فيه دليل على أنه قد علم أن الجذع يتعلق به حكم
المنع، إما لأنه لا يجزئ، أو لأن غيره أفضل منه، انتهى. (يا رسول الله) زاده
في النسخ المصرية لا الهندية (فقال) له (رسول الله وَ يقول: ((وإن لم تجد إلا جذعاً
(١) ((فتح الباري)) (١٣/١٠).
(٢) ((المنتقى)) (٨٦/٣).
٢٣٣

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(١٠٥٤) حديث
فَاذْبَحْ)).
أخرجه البخاريّ في: ١٣ - كتاب العيدين، ٥ - باب الأكل يوم النحر.
ومسلم في: ٣٥ - كتاب الأضاحيّ، ١ - باب وقتها، حديث ٤ - ٩.
فاذبحه))) زاد في رواية البراء: ((ولن تجزئ عن أحد بعدك)).
وترجم(١) على روايته البخاري، ((باب قول النبي وَلّ للبراء: ضَحِّ بالجذع
من المعز ولن تجزئ عن أحد بعدك))، وأخرج فيه عن البراء قال: ضحّى خالٌ
لي يقال له أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله وَالر: ((شاتك شاة لحم))،
فقال: يا رسول الله وَل ﴿ إن عندي داجناً جذعة من المعز، قال: ((اذبحها ولا
تصلح لغيرك))، ثم أخرج بطريق آخر، وفيه: ((ولن تجزئ عن أحد بعدك)).
قال الحافظ(٢): في هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من
المعز في الأضحية، لكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير
أبي بردة، فقد أخرج البخاري عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر أن النبي وَّ
أعطاه غنماً يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتودٌ فذكره للنبي وَّر، فقال:
(ضحِّ به أنت))، زاد البيهقي في روايته: ((ولا رخصة فيها لأحد بعدك))، قال
البيهقي: إن كانت هذه الزيادة محفوظة، كان هذا رخصة لعقبة، كما رخّص
لأبي بردة.
قال الحافظ: في هذا الجمع نظر؛ لأن في كل منهما صيغة عموم،
فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني، وأقرب ما يقال فيه: إن
ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت
بخصوصية الثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع
لغيره صريحاً .
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٢/١٠).
(٢) (١٤/١٠).
٢٣٤

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(١٠٥٤) حديث
وقد انفصل ابن التين وتبعه القرطبي عن هذا الإشكال باحتمال أن يكون
العتود كبير السن، لكنه قال ذلك بناء على أن الزيادة التي في آخره لم تقع له،
ولا يتم مراده مع وجودها مع مصادمته لقول أهل اللغة في العتود، وتمسك
بعض المتأخرين بكلام ابن التين، فضعف الزيادة، وليس بجيد، فإنها عند
البيهقي من طريق عبد الله البوشنجي، أحد الأئمة الكبار في الحفظ والفقه،
رواها عن يحيى بن بكير، عن الليث بالسند الذي ساقه البخاري، لكني رأيت
الحديث في ((المتفق)) للجوزقي من طريق عبيد بن عبد الواحد، وأحمد بن
ملحان، كلاهما عن يحيى بن بكير، وليست الزيادة فيه، وهذا هو السر في
قول البيهقي: إن كانت محفوظة، فكأنه لما رأى التفرد خشي أن يكون دخل
حدیث في حدیث.
وقد وقع في كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة.
واستشكل الجمع، وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس
فيها التصريح بالنفي إلا في قصة أبي بردة في ((الصحيحين))، وفي قصة عقبة في
البيهقي، وأما ما عدا ذلك فقد أخرج أبو داود(١) وأحمد، وصححه ابن حبان
من حديث زيد بن خالد، أن النبي و ل﴿ أعطاه عتوداً جذعاً، فقال: ((ضح به))،
فقلت: إنه جذع أفأضحی به؟ قال: ((نعم، ضح به)).
وفي ((صحيح ابن حبان)) وابن ماجه من طريق عباد بن تميم، عن
عويمر بن أشقر: أنه ذبح أضحيته قبل أن يغدو يوم الأضحى فأمره النبي وَلي ◌ّ أن
يعيد أضحية أخرى، وفي ((الطبراني الأوسط)) من حديث ابن عباس أن النبي وَل
أعطى سعد بن أبي وقاص جذعاً من المعز فأمره أن يضحي به، وأخرجه
الحاكم(٢) من حديث عائشة، وفي سنده ضعف، ولأبي يعلى، والحاكم من
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٧٩٨).
(٢) ((المستدرك)) (٢٢٧/٤).
٢٣٥

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(١٠٥٤) حديث
حديث أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله، هذا جذع من الضأن مهزول،
وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما، أفأضحى به؟ قال: ((ضح به، فإن
لله الخیر))، وفي سنده ضعف.
والحق: أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي أبي بردة، وعقبة؛
لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز
لا يجزئ، واختص أبو بردة، وعقبة في الرخصة بذلك، وإنما قلت ذلك؛ لأن
بعض الناس زعم أن هؤلاء شاركوا عقبة وأبا بردة في ذلك، والمشاركة إنما
وقعت في مطلق الإجزاء، لا في خصوص منع الغير، ومنهم من زاد فيه
عويمر بن أشقر، وليس في حديثه إلا مطلق الإعادة لكونه ذبح قبل الصلاة.
وأما ما أخرجه ابن ماجه(١) من حديث أبي زيد الأنصاري أن
رسول الله 8* قال لرجل من الأنصار: ((اذبحها ولن تجزئ جذعة عن أحد
بعدك»، فهذا يحمل على أنه أبو بردة بن نيار، فإنه من الأنصار، وكذا ما
أخرجه أبو يعلى، والطبراني من حديث أبي جحيفة: أن رجلاً ذبح قبل
الصلاة، فقال رسول الله وَّيه: ((لا تجزئ عنك))، قال: إن عندي جذعة؟ فقال:
((تجزئ عنك ولا تجزئ بعد))، فلم يثبت الإجزاء لأحد، ونفيه عن الغير إلا
لأبي بردة وعقبة، وإن تعذر الجمع الذي قدمته، فحديث أبي بردة أصح مخرجاً
والله أعلم، انتهى.
قال الفاكهي: ينبغي النظر في اختصاص أبي بردة بهذا الحكم وكشف
السر فيه، وأجيب بأن الماوردي قال: إن فيه وجهين: أحدهما: أن ذلك كان
قبل استقرار الشرع فاستثنى، والثاني: أنه علم من طاعته وخلوص نيته ما ميزه
عمن سواه، قال الحافظ(٢): في الأول نظر؛ لأنه لو كان سابقاً لامتنع وقوع
(١) أخرجه ابن ماجه (٣١٥٤).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (١٥/١٠).
٢٣٦

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(١٠٥٥) حدیث
٥/١٠٥٥ - وحدّثني، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَبَّادِ بْنِ تَمِيم؛ أَنَّ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ
ذلك لغيره بعد التصريح بعدم الإجزاء لغيره، والفرض ثبوت الإجزاء لعدد غيره
كما تقدم.
قلت: وللنبي ◌َ ر أن يخص من شاء بما شاء كجعله شهادة خزيمة بشهادة
رجلين، وترخيصه في النياحة لأم عطية، وترك الإحداد لأسماء بنت عميس،
وغير ذلك من الأمثال التي ذكرها الزرقاني(١).
٥/١٠٥٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عباد) بفتح
العين المهملة وتشديد الموحدة (ابن تميم) الأنصاري المازني، اختلف في اسم
جده، وفي رؤيته للنبي وَلّر، كما تقدم في محله (أن عويمر) بضم العين المهملة
(ابن أشقر) بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح القاف آخره راء مهملة،
ابن عدي الأنصاري المازني، اختلف في نسبه كما في ((الإصابة))، و((تهذيب
الحافظ)»، وذكره خليفة فيمن لم يتحقق نسبه من الأنصار، ووقع في بعض طرق
حديثه أنه بدري، وهذا غير عويمر العجلاني صاحب اللعان، وذكر ابن معين
أن عباداً لم يسمع منه، لكن وقع التصريح بسماعه منه في حديث الدراوردي،
عن يحيى بن سعيد، عن عباد بن تميم سمعت عويمراً، كذا في ((التهذيب)) (٢)،
وفي ((التعليق الممجد))(٣): روى عنه عباد بن تميم مرسلاً، كذا قال ابن الأثير
في ((جامع الأصول)).
وقال ابن عبد البر في ((شرح الموطأ)): لم يُختلف عن مالك في هذا
الحديث، وظاهره الانقطاع، لأن عباداً لم يدرك ذلك الوقت، ولذا زعم
(١) ((شرح الزرقاني)) (٧٤/٣).
(٢) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (١٧٥/٨).
(٣) (٦٢١/٢).
٢٣٧

٢٦ - كتاب الضحايا
(٣) باب
(١٠٥٥) حديث
ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمَ الْأَصْحَى، وَأَنَّهُ ذَكَرَ ذُلِكَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَ لَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى.
أخرجه ابن ماجه في: ٢٦ - كتاب الأضاحيّ، ١٢ - باب النهي عن ذبح
الأضحية قبل الصلاة.
ابن معين أنه مرسل، لكن سماع عباد ممكن، وقد صرح به في رواية
الدراوردي، انتھی.
قال الزرقاني(١): وروى الترمذي في ((العلل)) حدثنا يحيى بن موسى،
حدثنا أبو ضمرة، عن يحيى بن سعيد، أخبرني عباد بن تميم، عن عويمر بن
أشقر، فذكره. وبتصريحه أنه أخبره - يعني في رواية الدراوردي - علم أن قول
البخاري فيما نقله عنه الترمذي في ((العلل)): لا أعرف أن عويمراً عاش بعد
وَعميلة، إنما نفى عرفانه، انتهى.
النبي
(ذبح أضحيته قبل أن يغدو) بضم الدال وفتح الواو (يوم الأضحى) قال
الباجي(٢): يريد قبل أن يغدو إلى المصلى؛ لأنه هو الغدو المعتاد في يوم
الأضحى، فاستغنى بذلك عن ذكره، ولو أراد غيره من الغدو لبيّنه، ويحتمل أن
يريد قبل أن يحدث غدواً، وهو يعد في وقت يمكنه الغدو، قال الزرقاني(٣):
وفي رواية: أنه ذبح قبل الصلاة.
(وأنه) أي: عويمراً (ذكر ذلك) أي: تعجيله الذبح قبل الغدو
(لرسول الله وَ له) بعد ما صلى (فأمره) النبي وَ ليل (أن يعود بضحية أخرى) لأن
الأولى لم تكن ضحية مجزئة، وفي ((المحلى)): وروي عنه أيضاً أنه قال: ليس
عندي إلا جذعة قال: «فاذبحها))، انتھی.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٧٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٨٧/٣).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٧٤/٣).
٢٣٨

٢٦ - كتاب الضحايا
(٤) باب
(١٠٥٦) حديث
(٤) باب ادخار لحوم الأضاحي
٦/١٠٥٦ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
الْمَكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهى
وفي ((التعليق الممجد))(١): وقع في رواية ابن ماجه، وابن حبان: أن
النبي * أذن عويمراً أن يضحي بجذع من المعز، انتهى. وهكذا في
(الزرقاني))، ولم أجده في ابن ماجه، ويُشكل عليه أيضاً ما تقدم في كلام
الحافظ أنه ليس في حديث العويمر إلا مطلق الإعادة لكونه ذبح قبل الصلاة،
انتهى، وأخرج أحمد من طريقين عن يحيى بن سعيد، عن عباد، عن عويمر،
ليس فيهما إلا مطلق الإعادة لكونه ذبح قبل الصلاة.
(٦) ادخار لحوم الضحايا
هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها لحوم الأضاحي (٢)،
والمؤدى واحد، والادّخار بتشديد الدال المهملة، أصله: الانتخار، قلبت التاء
ذالاً ثم قلبت الذال دالاً مهملة وأدغمت، وقد يعكس وهو الأقل فيصير ذالاً
معجمة مشددة، كذا في ((المجمع))، وكان النبي ◌ّ﴿ل قد نهى عن ادخار لحوم
الأضاحي بعد ثلاث في وقت الضرورة، ثم رخّص بعد، كما سيأتي مبسوطاً.
٦ - (مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم بن تدرس (عن
جابر بن عبد الله) الصحابي ابن الصحابي الشهير (السلمي) بفتحتين منسوب إلى
سلمة بن سعد بن علي، بطن من الأنصار، كما في ((المغني)) (أن رسول الله إليه
نهى) تنزيهاً أو تحريماً مختلفٌ بين العلماء، وكان ذلك سنة خمس من الهجرة
كما جزم به صاحب ((الخميس))(٣) إذ قال: وفي هذه السنة دفَّتْ داقَّةُ العرب،
(١) (٦٢٢/٢).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (١٦٦/١٥).
(٣) (تاريخ الخميس)) (٥٠٣/١) قوله: دافّة: من يطرأ من المحتاجين.
٢٣٩

٢٦ - كتاب الضحايا
(٤) باب
(١٠٥٦) حديث
أي اجتمعت جموعها فنهى النبي ◌َّر عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث،
كذا في ((الوفاء))، ثم رخص لهم في الادّخار ما بدا لهم، انتهى.
وذكر الحافظ في ((الفتح))(١) ما ورد أن النبي وَلّ قام في حجة الوداع
فقال: ((إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا الأضاحي فوق ثلاثة أيام لتسعكم، وإني
أحِلُّه لكم، فكلوا منه ما شئتم))، ثم قال: فبين في هذا الحديث وقت الإحلال
وأنه كان في حجة الوداع، وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال النبي وَالآتى:
((من ضحّى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة، وقد بقي في بيته منه شيء))، فلما كان
العام المقبل قالوا: يا رسول الله! نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: ((كلوا
وأطعموا)) ..... الحديث.
قال الحافظ: يستفاد منه أن النهي كان سنة تسع لما دل عليه قبله أن
الإذن كان في سنة عشر، انتهى. وفيه أن قيامه بَ ير بذلك في حجة الوداع لا
يوجب أن ذلك وقت الإباحة، فقد أعلن النبي و لر حينئذ بأمور كثيرة كانت
مأمورة أو منهية عنها قبل ذلك، كالمتعة والحمر الأهلية، وأيضاً كان نسخ
المنع حين كان أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - في سفر، كما سيأتي في
روايته مفصلاً، وقد كان معه بَّ في حجة الوداع، كما يدل عليه روايات
الحج، فهو كالنص في أنه نسخ المنع قبل حجة الوداع.
ووقع نحو هذه القصة مع علي - رضي الله عنه - أخرجها أحمد في
((مسند فاطمة)) - رضي الله عنها - من حديث عائشة: قدم علي من سفر، فأتته
فاطمة بلحم من ضحايا، فقال: أو لم ينه عنه رسول الله وَله؟ قالت: إنه قد
رخّص فيها، قالت: فدخل عليّ - رضي الله عنه - على رسول الله وَ لّ فسأله
عن ذلك، فقال له: ((كلها من ذي الحجة إلى ذي الحجة))، وهذا أيضا يدل
(١) ((فتح الباري)) (٢٥/١٠).
٢٤٠