النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٥ - كتاب العقيقة
(٢) باب
(١٠٥٠) حديث
ولأبي داود والحاكم من حديث عبد الله بن بريدة، قال: كنا في
الجاهلية، فذكر نحو حديث عائشة، ولم يصرح برفعه، قال: فلما جاء الله
بالإسلام كنا نذبح شاة، ونحلق رأسه، ونلطخه بزعفران، وهذا شاهد لحديث
عائشة، ولذا كره الجمهور التدمية، ونقل ابن حزم استحباب التدمية عن
ابن عمر، وعطاء، ولم ينقله ابن المنذر إلا عن الحسن، وقتادة، وعند
ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الحسن أنه كره التدمية، انتهى.
وفي ((المحلى)) قال الخطابي: كيف يأمرهم وَل بتنجيس رأسه، وقد
أمرهم بإماطة الأذى اليابس عنه، وأوّله بعضهم بالختان، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(١): يكره لطخ رأس المولود بدمها؛ لأنه من فعل
الجاهلية، وإنما لم يحرم للخبر الصحيح: ((فأهريقوا عليه دماً، وأميطوا عنه
الأذى))، بل قال الحسن، وقتادة: يستحب ذلك، ثم يغسل عنه لهذا الخبر.
قال البجيرمي: قد يقال: إن كان الحديث صحيحاً، فلا كراهة أيضاً،
ومن ثم استدل به على الاستحباب، وإن كان من فعل الجاهلية فهلا قيل
بالحرمة لحرمة التشبه بهم، وقال بعضهم للخبر الصحيح، أي: لظاهره، إذ
يحتمل قوله ((فأهريقوا عليه)) أي: أهريقوا لأجله، فتكون ((على)) للتعليل،
وقوله: ((أميطوا عنه الأذى)) أي: أزيلوا عنه أذى الشعر ونحوه. وحينئذ فلا
يكون في الخبر دلالة على الندب فضلاً عن الوجوب، انتهى.
قال الحافظ(٢): قوله: ((أميطوا عنه الأذى))، وقع عند أبي داود من طريق
سعيد بن أبي عروبة، وابن عون، عن محمد بن سيرين قال: إن لم يكن الأذى
حلق الرأس، فلا أدري ما هو؟ وأخرج الطحاوي من طريق يزيد بن إبراهيم،
(١) (٣٤٢/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٩٣).
٢٠١

٢٥ - كتاب العقيقة
(٢) باب
(١٠٥٠) حدیث
عن محمد بن سيرين قال: لم أجد من يخبرني عن تفسير الأذى، وقد جزم
الأصمعي بأنه حلق الرأس، وأخرجه أبو داود بسند صحيح عن الحسن كذلك،
ووقع في حديث عائشة عند الحاكم، وأمر أن يماط عن رؤوسهما الأذى.
ولكن لا يتعين ذلك في حلق الرأس، فقد وقع في حديث ابن عباس عند
الطبراني: ((ويماط عنه الأذى ويحلق رأسه)) فعطفه عليه، فالأولى: حمل الأذى
على ما هو أعم من حلق الرأس، ويؤيد ذلك أن في بعض طرق حديث
عمرو بن شعيب ((ويماط عنه أقذاره))، رواه أبو الشيخ، انتهى.
ثم قال الباجي(١): فيستحب أن يحلق بالخلوق رأس الصبي بدلاً من الدم
الذي كان في الجاهلية. وقال القاضي أبو محمد: لا بأس بالخلوق بدلاً من
الدم الذي كانت تفعله الجاهلية، وذلك مباح، انتھی.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): ويسن لطخ رأسه بالزعفران والخلوق، كما
صححه في ((المجموع))، انتهى.
قلت: وقد يستدل لذلك بأحاديث، منها: ما تقدم ما أخرجه ابن حبان
في (صحيحه)) عن عائشة: وفيه: فقال النبي ◌َلير: ((اجعلوا مكان الدم خلوقاً))،
ومنها: ما تقدم قريباً من حديث بريدة بلفظ: ((فلما جاء الإسلام نلطخه
بزعفران)».
(١) ((المنتقى)» (١٠٣/٣).
(٢) (٤/ ٣٤٢).
٢٠٢

٢٦ - كتاب الضحايا
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٦ - كتاب الضحايا
(٢٦) كتاب الضحايا
حكى الشيخ في ((البذل)) (١) عن ((فتح الودود)) فيه أربع لغات، أضحية بضم
الهمزة وكسرها، وجمعها: الأضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، واللغة الثالثة:
ضحية، وجمعها ضحايا كعطية وعطايا، والرابعة: أضحاة بفتح الهمزة، والجمع:
أضحى، كأرطاة وأرطى، وبها سمي يوم الأضحى، انتهى.
وحكى ابن عابدين عن ((الشرنبلالية)) فيه ثمان لغات، الأضحية بضم الهمزة
وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها، وضحية بلا همز بفتح الضاد وكسرها، وأضحاة
بفتح الهمزة وكسرها، وفي ((الدر المختار))(٢): الأضحية لغةً: اسم لما يذبح أيام
الأضحى، من تسمية الشيء باسم وقته. انتهى، وكذا قال عياض: سميت بذلك؛
لأنها تفعل في الضحى، وهو ارتفاع النهار فسميت بزمن فعلها .
قال الموفق(٣): الأصل في مشروعية الأضحية الكتابُ والسنةُ والإجماعُ، أما
الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ﴾﴾ قال بعض أهل التفسير: المراد به
الأضحية بعد صلاة العيد، وأما السنة، فما روي عن أنس أنه و 12 ضحى بكبشين
أملحين ..... ، الحديث، متفق عليه، وأجمع المسلمون على مشروعيتها، وأكثر
أهل العلم يرونها سنة مؤكدة غير واجبة، روي ذلك عن أبي بكر وعمر، وبلال،
وأبي مسعود البدري - رضي الله عنهم -، وبه قال سويد بن غفلة، وسعيد بن المسيب،
وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر.
(١) ((بذل المجهود)) (٣٠/١٣).
(٢) (٢٢٧/٥).
(٣) ((المغني)) (٣٦٠/١٣).
٢٠٣

٢٦ - كتاب الضحايا
وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي
واجبة، لرواية أبي هريرة أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((من كانت له سعة ولم يُضَحِّ
فلا يقربن مصلانا))، ولنا ما رواه الدارقطني عن ابن عباس عن النبي وَّه قال:
((ثلاث كتبت علي وهن لكم تطوع))، وفي رواية: ((الوتر والنحر وركعتا الفجر)).
وأما حديثهم فقد ضعفه أصحاب الحديث، ثم نحمله على تأكيد
الاستحباب، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((من أكل من هاتين الشجرتين،
فلا يقربن مصلانا))(١)، انتهى مختصراً.
قلت: ما حكي عن مالك - رضي الله عنه - رواية عنه، وإلا فمشهور
مذهبه السنية، قال الدردير(٢): سُنَّ عيناً لحُرِّ غير حاج ضحية، قال الدسوقي:
أي: على المشهور، وقيل: إنها واجبة، انتهى.
وسيأتي في آخر الباب شيء من أقوال المالكية في ذلك.
قال ابن رشد(٣): اختلف العلماء فيها، هل هي واجبة أم سنة؟ فذهب
مالك، والشافعي إلى أنها من السنن المؤكدة، ورخص مالك للحاج في تركها
بمنى، ولم يفرق الشافعي في ذلك بين الحاج وغيره، وقال أبو حنيفة: الضحية
واجبة على المقيمين الموسرين، ولا تجب على المسافرين، وخالفه صاحباه
أبو يوسف ومحمد، فقالا: إنها ليست بواجبة، وروي عن مالك مثل قول
أبي حنيفة.
: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: هل فعله ◌َّلّ في ذلك محمول على
الوجوب أو على الندب؟ وذلك أنه لم يترك مير الضحية قط فيما روي عنه،
(١) أخرجه البخاري (٨٥٣)، ومسلم (٥٦١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١١٨/٢).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٤٢٩/١).
٢٠٤

٢٦ - كتاب الضحايا
حتى في السفر، على ما جاء في رواية ثوبان، قال: ((ذبح رسول الله وَل
أضحيته))، ثم قال: ((أصلح لحم هذه الضحية))، قال: فلم أزل أطعمه منها،
حتى قدم المدينة .
والسبب الثاني: اختلافهم في مفهوم الأحاديث الواردة في أحكام
الضحايا وذلك أنه ثبت عنه ◌ّله من حديث أم سلمة أنه قال: ((إذا دخل العشر
فأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره شيئاً، ولا من أظفاره))، قالوا:
فقوله: ((إذا أراد أحدكم))، فيه دليل على أنها ليست بواجبة، ولما أمر
عليه السلام أبا بردة بإعادة أضحيته إذ ذبح قبل الصلاة، فهم قوم من ذلك
الوجوب، انتهى.
وقال الحافظ (١): قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها
واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع
الدين، وهي عند الشافعية سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه لهم من فروض
الكفاية، وعن أبي حنيفة: تجب على المقيم الموسر، وعن مالك مثله في رواية
لكن لم يقيد بالمقيم، ونقل عن الأوزاعي، وربيعة، والليث مثله، وقال أحمد:
يكره تركها مع القدرة، وعنه واجبة، وأقرب ما يتمسك للوجوب حديث
أبي هريرة رفعه: ((من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا)). أخرجه
ابن ماجه، وأحمد، ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف
أشبه بالصواب؛ ومع ذلك ليس صريحاً في الإيجاب.
واستدل من قال بعدم الوجوب بحديث ابن عباس. ((كُتبَ عليّ النحرُ ولم
يُكْتَبْ عليكم))، وهو حديث ضعيف. أخرجه أحمد(٢)، وأبو يعلى، والطبراني،
والدارقطني، وصححه الحاكم فذهل، انتهى مختصراً.
(١) ((فتح الباري)) (٣/١٠).
(٢) أخرجه أحمد (٣١٧/١).
٢٠٥

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حديث
(١) باب ما ينهى عنه من الضحايا
١/١٠٥١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ،
وقال العيني(١): تحرير مذهبنا ما قاله صاحب ((الهداية)): الأضحية واجبة
على كل مسلم حر مقيم موسر، أما الوجوب فقول أبي حنيفة، ومحمد، وزفر،
والحسن، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وعنه: أنها سنة، وذكر الطحاوي
أنها على قول أبي حنيفة واجبة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد سنة مؤكدة.
ووجه الوجوب ما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة: ((من كان له
سعة)) .... الحديث أخرجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. انتهى. وبسط
الشيخ في ((البذل)) في مستدلات الحنفية في ذلك فارجع إليه، وحديث: ((من
وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا)) ذكره صاحب ((كنز العمال)) بطرق
مختلفة .
زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (بسم الله الرحمن الرحيم) وليست
التسمية في النسخ الهندية.
(١) ما ينهى عنه من الضحايا
هكذا في النسخ الهندية بدون التسمية، وفي جميع النسخ المصرية التسمية
قبل ذلك إلا نسخة الباجي، ففيها التسمية قبل كتاب الضحايا، وغرض الترجمة
بيان الصفات التي يُتّقى منها في الضحايا، وهي على ضربين: ضربٌ يتعلق به
عدم الإجزاء، وضربٌ تتعلق به الكراهة. قاله الباجي (٢).
١/١٠٥١ - (مالك، عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب بن عبد الله مولى
سعد بن عبادة، وقيل مولى ابنه قيس، يكنى أبا أمية الأنصاري، مولاهم
المصري أصله مدني، ولد سنة ٩٠هـ، وقيل: بعدها، روى له مالك هذا
(١) ((عمدة القاري)) (١٤/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
(٢) ((المنتقى)) (٨٤/٣).
٢٠٦

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حدیث
عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزٍ،
الحديث الواحد، وهو من أقرانه، قاله الزرقاني (١)، اختلف في موته من سنة
١٤٧ هـ إلى ١٤٩ هـ، قال أبو داود: وله ثمان وخمسون سنة.
(عن عبيد) بضم العين مصغراً (ابن فيروز) الشيباني، مولاهم أبو الضحّاك
الكوفي، ويقال: الجزري، روى عن البراء بن عازب، أخرج له أصحاب
السنن الأربعة حديثاً واحداً في الأضحية، صححه الترمذي، قال ابن عبد البر:
كذا روى مالك هذا الحديث، لم تختلف الرواة عنه، والحديث إنما رواه
عمرو بن الحارث، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز، فسقط
لمالك ذكر سليمان، ولا يعرف الحديث إلا لسليمان هذا، ولم يروه غيره، عن
عبيد بن فيروز، ولا يعرف عبيد بن فيروز إلا بهذا الحديث، وبرواية سليمان
هذا عنه .
ورواه عن سليمان جماعة من الأئمة، منهم شعبة، والليث، وغيرهم،
وقال المزي في ((الأطراف)): رواه مالك، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد،
وخالفه ابن وهب، فرواه عن عمرو بن الحارث، والليث، وغيرهما كلهم عن
سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد، وخالفهما روح بن عبادة، فرواه عن
أسامة بن زيد، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبيد،
ورواه عثمان بن عمرو بن فارس، عن الليث، عن القاسم مولى خالد بن يزيد،
عن عبيد بن فيروز، قال عثمان: فقلت لليث: إن شعبة يروي، عن سليمان،
عن عبيد؟ فقال: لا، إنما حدثنا به سليمان، عن القاسم مولى خالد، عن
عبيد، كذا في ((التنوير))(٢).
قال الزرقاني(٣): فقول ابن عبد البر: لا يعرف إلا لسليمان عن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٧٠/٣).
(٢) ((تنوير الحوالك)) (ص٤٠٢).
(٣) (٧٠/٣).
٢٠٧

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حدیث
عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَليهِ سُئِلَ: مَاذَا يُتَّقَى مِنَ
الضَحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ((أَرْبَعاً))
عبيد، مُنْتَقَدٌ، فقد رواه يزيد بن أبي حبيب، والقاسم مولى خالد، كلاهما عن
عبيد، كما ذكره المزي في ((الأطراف))، وذكر أيضاً أن سليمان رواه عن عبيد
بواسطة القاسم وبدونها، وصرح سليمان في بعض طرقه عند ابن عبد البر
بقوله: سمعت. انتهى.
(عن البراء بن عازب) الأنصاري الصحابي ابن الصحابي استُصغر يوم بدر
(أن رسول الله وَّهُ سُئل) ببناء المجهول (ماذا يتَّقى) ببناء المجهول، أي يجتنب
ويحترز (من الضحايا؟) لفظ ((من)) بيان لما، كذا في ((المرقاة))(١).
قال الباجي: هذا دليل على أن للضحايا عنده صفات، يُتَّقَى بعضها ولا
يتقى بعضها، ولو لم يعلم أنه يتقى منها شيء لسأله، هل يتقى من الضحايا
شيء أم لا؟ والذي يتقى منها على ضربين: ضرب؛ يتعلق به عدم الإجزاء،
وضرب؛ يتعلق به الكراهة، وقد ذكر وَل# صفات جامعة للمعاني التي تتقى من
جهة النص، ومن جهة السنة، وجمع ذلك في أربع صفات ليسهل على السائل
حفظ جواب ما سأل، وأشار بيده؛ ليكون في ذلك تذكرة له ومنع من النسيان.
انتھی.
(فأشار) وَ لّ (بيده) الشريفة، أي: عدّدها بأصابعه، ليكون أعون على
الحفظ (وقال: أربع) بالرفع في ((النسخ الهندية))، و((أربعاً)) بالنصب في
المصرية(٢)، أما على الأول فالتقدير يتقى أربع، كما في ((المحلى))، وقال
الزرقاني: وفي رواية وقال: ((لا يجوز من الضحايا أربع)). انتهى. وأما على
الثاني فالتقدير: اتقوا أربعاً، أو هو منصوب بتقدير أعني، كما في ((المرقاة)).
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١٠/٣).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (١٢١/١٥).
٢٠٨

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حدیث
وَكَان الْبَرَاءُ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ:
((الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا .
(وكان البراء بن عازب يشير بيده) اتباعاً للنبي وَلّر، (ويقول: يدي أقصر من
يد رسول الله وَّة) ولفظ أبي داود(١)، قال: قام فينا رسول الله وَله وأصابعي أقصر
من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: ((أربع لا تجوز في
الأضاحي .... ))، الحديث، وقول براء يحمل على الحقيقة، أو أراد فضلاً
وشرفاً .
((العرجاء) بفتح العين وسكون الراء والمد بالنصب، والرفع على البدلية من
أربع على الوجهين، ويجوز على الخبرية أيضاً، أي: أحدها (البيّن) بتشديد الياء
أي الظاهر (ظلعها) بفتح الظاء المعجمة وسكون اللام، أي: عرجها، وفي
(المحلى)) عن ((القاموس)): ظلع البعير: كمنع، عرج في مشيه، وأصله الظلاع
بالضم داء في قوائم الدابة .
قال الباجي(٢): قوله: ((البين ظلعها)) دليل على أن العرج على ضربين:
ضرب يمنع الإجزاء، وضرب لا يمنعه، فأما ما يمنع الإجزاء، فقد قال الشيخ
أبو القاسم في ((تعريفه)): هي الشديدة العرج التي لا تلحق الغنم، فهذه التي لا
تجزئ، وقال أبو حنيفة: تجزئ. انتهى، وتبعه الزرقاني في نقل المذهب.
قال الباجي: ودليلنا الحديث المتقدم، ولا شك أن العرجاء تمشي، وأما
التي لا تمشي فلا يقال فيها عرجاء، لأن العرج من صفات المشي. انتهى.
والظاهر أنه أراد الرد على كلام محمد في ((موطئه))(٣)؛ إذ قال بعد حديث
البراء: وبهذا نأخذ، فأما العرجاء فإذا مشت على رجلها فهي تجزئ. وإن
(١) ((سنن أبي داود)) (٢٨٠٢).
(٢) ((المنتقى)) (٨٤/٣).
(٣) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦١٦/٢).
٢٠٩

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حديث
كانت لا تمشي لم تجزئ. انتهى، وظاهره أنها لا تقدر على أن تمشي أصلاً،
وهو نص كلام ((المبسوط)).
لكن المشايخ صَرَّحُوا بأن المراد أن لا تمشي بتلك الرِّجل التي فيها
العرج، ففي ((المحيط البرهاني)) العرجاء إذا كانت تمشي، فلا بأس بها، وإذا
كانت لا تقوم ولا تمشي لا يجوز، وهو المراد من ((العرجاء البيّن عرجها))
المذكورة في الحديث، قال مشايخنا: إذا كانت تمشي بثلاث قوائم وتجافي
الرابع عن الأرض لا يجوز، وإذا كانت تضع الرابعة على الأرض تستعين به،
إلا أنه يتمايل مع ذلك وتضعه وضعاً خفيفاً يجوز، انتهى.
وهكذا حكاه الطحطاوي على ((الدر المختار))، عن البزازية، وبنحو ذلك
في عامة كتب الفقه، وعلى هذا ليس بين الأئمة خلاف كبير في العيوب الأربعة
المذكورة في الحديث، ولذا حكى الإجماع على ذلك ابن رشد المالكي في
(البداية))، والموفق في ((المغني))، والشوكاني في ((النيل))، وغيرهم.
قال الموفق(١): أمّا العيوب الأربعة فلا نعلم بين أهل العلم خلافاً في
أنها تمنع الإجزاء لرواية البراء، انتهى.
قلت: وكذلك أجمعوا على أن اليسير من هذه الأربعة لا يضر، والكثير
يمنع. ثم اختلفوا في الحد الفاصل بين اليسير والكثير، ومن جملة ذلك
العرج، فالحد الفاصل بينهما في العرج عند الحنفية، أن لا تكاد تمشي بتلك
الرجل التي فيها العرج، كما تقدم، وهو الظاهر من قوله وتليفون: ((البين عرجها))،
وتقدم في كلام الباجي مسلك المالكية.
قال الدردير(٢): بَيِّن العرج هي التي لا تسير بسير صواحباتها، وفي
(١) ((المغني)) (٣٦٩/١٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٢٠/٢).
٢١٠

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حديث
وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا .
(شرح الإقناع)) (١): العرجاء البين عرجها بأن يشتدّ عرجها بحيث تسبقها الماشية
إلى المرعى، وتتخلف عن القطيع، فلو كان عرجها يسيراً بحيث لا تتخلف به
عن الماشية لم يضر، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢): العرجاء التي لا تطيق
مشياً مع صحيحة، انتهى.
(والعوراء) بالمد، تأنيث الأعور (البين) أي: الظاهر (عورها) بفتحتين:
ذهاب بصر إحدى العينين، ويلحق بهما العمياء بدلالة النص بالطريق الأولى،
قال الباجي(٣): يريد - والله أعلم - التي ذهب بصر إحدى عينيها، يقال: عارت
العين، تعار، وعورت، إذا ذهب بصرها، ويقال: عين عوراء، ولا يقال:
عمياء، ثم إذا كان بعين الأضحية بياض، فلو كان على الناظر، وكان يسيراً لا
يمنعها أن تبصر أو كان على غير الناظر لم يمنع الإجزاء، رواه ابن المواز عن
مالك، وأما إن منعها الرؤية لكونه كثيراً على الناظر، فهي العوراء، وكذلك
عندي لو ذهب أكثر بصرها، انتهى.
قال الدردير: هي التي ذهب بصر إحدى عينيها، ولو كانت صورة العين
قائمة، وكذا ذهاب أكثره، فإن كان بعينها بياض لا يمنعها النظر أجزأت،
انتھی .
وقال الموفق(٤): هي التي انخسفت عينها وذهبت؛ لأنها قد ذهبت
عينها، والعين عضو مستطاب، فإن كان على عينها بياض، ولم تذهب، جازت
التضحية بها؛ لأن عورها ليس ببيِّنٍ، ولا ينقص ذلك لحمها، انتهى.
(١) (٣٣٤/٤).
(٢) (٥٣١/١).
(٣) ((المنتقى)) (٨٤/٣).
(٤) ((المغني)) (٣٦٩/١٣).
٢١١

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حديث
وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا .
وفي ((شرح الإقناع)) (١): العوراء البَيِّنُ عورها بأن لم تبصر بإحدى عينيها .
انتهى، وفي ((الدر المختار)) (٢): أي التي ذهب أكثر نورها، وإنما يعرف بتقريب
العلف؛ قال ابن عابدين: وفي ((الهداية)): معرفة المقدار في غير العين متيسرة،
وفي العين قالوا: تشد المعيبة بعد أن لا تعتلف الشاة يوماً أو يومين، ثم يُقَرَّب
العلف إليها قليلاً قليلاً؛ فإذا رأته من موضع أعلم عليه، ثم تشد الصحيحة،
وقرب إليها العلف، وكذلك فإذا رأته من مكان أعلم عليه، ثم ينظر إلى تفاوت
ما بينهما، فإن كان ثلثاً فالذاهب هو الثلث، وإن نصفاً فالنصف، انتهى.
(والمريضة البين) أي: الظاهر (مرضها) قال الزرقاني: بأي مرض كان،
بشرط وضوحه، فهو عام عطف عليه خاصاً بقوله: و((العجفاء التي لا تنقي))،
قال الباجي(٣): وذلك لمعانٍ؛ أحدها: أن المرض نهك بدنها فينقص لحمها،
والثاني: أنه يفسده حتى تعافه النفس؛ والثالث: أنه ينقص ثمنها، وهذه المعاني
على ما ذكر، فيجب أن يكون كل غرض يحدث ذلك في النفس يمنع، والخمرة
وهي البشمة لا تجزئ، وكذلك الجرباء؛ فما بلغ من ذلك كله حد المرض
البيّن وجب أن يمنع؛ وقال مالك: ولا يجوز الدبر من الإبل، قال أبو الوليد:
ووجه ذلك عندي أنه من المرض الذي يمنع الإجزاء، انتهى.
قال الموفق(٤): أما المريضة التي لا يرجى برؤها، فهي التي بها مرض
قد يئس من زواله؛ لأن ذلك ينقص لحمها وقيمتها نقصاً كبيراً، والذي في
الحديث: ((المريضة البيّن مرضها))؛ وهي التي يبين أثره عليها؛ لأن ذلك ينقص
لحمها ويفسده وهو أصح؛ وذكر القاضي أن المراد بالمريضة الجرباءُ؛ لأنّ
(١) (٣٣٥/٤).
(٢) (٥٣٧/٩).
(٣) ((المنتقى)) (٨٥/٣).
(٤) ((المغني)) (٣٧٠/١٣).
٢١٢

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حديث
وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي)).
الجَرَبَ يفسد اللحم، ويهزل إذا كثر؛ وهذا قول أصحاب الشافعي؛ وهذا تقييد
للمطلق وتخصيص للعموم بلا دليل؛ فالمعنى يقتضي العموم كما يقتضيه اللفظ،
فإن كان المرض يفسد اللحم وينقصه فلا معنى للتخصيص مع عموم اللفظ
والمعنى، انتهى.
قلت: لكن الظاهر من فروع الشافعية التعميم ففي ((شرح الإقناع)»(١):
المريضة البين مرضها بأن يظهر بسببه هزالها وفساد لحمها؛ فلو كان مرضها
يسيراً لم يضر، ويدخل في إطلاق المصنف الهيماء، انتهى.
(والعجفاء) بالمد مؤنث أعجف، الضعيفة (التي لا تنقي) بضم الفوقية
وإسكان النون وقاف، أي: لا نقي لها، والنقي: الشحم؛ وقيل: المخ، يقال:
أنقَتِ الناقة، أي: صار فيها نقي، أي: سمنت، وصار في عظامها المخ؛ قال
القاري في رواية: الكسراء، وفي أخرى ((الكسيرة))، والكسراء، التي لا تنقي،
هي التي لا تقوم من الهزال.
قال الباجي(٢): يريد أنه لا يوجد فيها شحم، فإذا بلغت هذا الحد من
الهزال، فإنها لا تجزئ؛ لأنها خارجة عن الحد المعتاد، اهـ.
قال ابن رشد(٣): أجمع العلماء على اجتناب هذه العيوب مصيراً لحديث
البراء، وكذلك أجمعوا على أن ما كان من هذه الأربع خفيفاً، فلا تأثير له في
منع الإجزاء، واختلفوا في الموضعين، أحدهما: فيما كان من العيوب أشد من
هذه المنصوص عليها مثل العمى وكسر الساق، والثاني: فيما كان مساوياً لها
في إفادة النقص، أعني ما كان من العيوب في الأذن والعين والذنب وغير ذلك
من الأعضاء، ولم يكن يسيراً.
(١) (٣٣٥/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٨٥/٣).
(٣). ((بداية المجتهد)) (١/ ٤٣١).
٢١٣

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥١) حدیث
فأما الموضع الأول، فإن الجمهور على أن ما كان أشد من هذه العيوب
المنصوص عليها، فهي أحرى أن تمنع، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يمنع
الإجزاء، ولا يجتنب أكثر من هذه العيوب التي وقع النص عليها .
وأما الموضع الثاني، أعنى ما كان من العيوب في سائر الأعضاء، فإنهم
اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تمنع الإجزاء كمنع المنصوص
عليها، وهو المعروف من مذهب مالك في الكتب المشهورة. والثاني: أنها لا
تمنع الإجزاء وإن كان يستحب اجتنابها، وبه قال ابن القصار، وجماعة من
البغداديين من أصحاب مالك، والثالث: أنها لا تمنع ولا يستحب تجنبها، وهو
قول أهل الظاهر.
وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: اختلافهم في مفهوم الحديث المتقدم.
والثاني: تعارض الآثار في هذا الباب، أما الحديث المتقدم، فمن رآه من باب
الخاص أريد به الخاص، قال: لا يمنع ما سوى أربع مما هو مساوٍ لها أو
أكثر منها، وأما من رآه من باب الخاص أريد به العام، وهم الفقهاء، فمن كان
عنده أنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى فقط لا من باب التنبيه بالمساوي
على المساوي، قال: يلحق بهذه الأربع ما كان أشد منها، ولا يلحق بها ما
كان مساوياً لها في منع الإجزاء إلا على وجه الاستحباب.
ومن كان عنده من باب التنبيه على الأمرين جميعاً، أعني على ما هو
أشدّ من المنطوق به، أو مساوٍ له، قال: تمنع العيوب الشبيهة بالمنصوص
عليها الإجزاء، كما يمنعه العيوب التي هي أكبر منها، فهذا أحد أسباب
الخلاف في هذه المسألة.
وأما السبب الثاني: فإنه ورد في هذا الباب من الأحاديث الحسان
حديثان متعارضان، فذكر النسائي عن أبي بردة أنه قال: يا رسول الله! أكره
النقص في القرن والأذن، فقال النبي وَلّ: ((ما كرهته فدعه، ولا تحرمه على
٢١٤

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥٢) حديث
٢/١٠٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَتَّقِي مِنَ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ، الَّتِي لَمْ تُسِنَّ،
غيرك))، وذكر علي بن أبي طالب قال: أمرنا رسول الله وَليل أن نستشرف العين
والأذن، ولا يُضَخَّى بشرقاء ولا خرقاء ... ، الحديث، فمن رجح حديث
أبي بردة قال: لا يتقى إلا العيوب الأربع أو ما هو أشد منها، ومن جمع بين
الحديثين بأن حمل حديث أبي بردة على اليسير، وحمل حديث علي - رضي الله
عنه - على الكثير، ولذا جرى أصحاب هذا المذهب إلى التحديد فيما يمنع
الإجزاء، فاعتبر بعضهم ذهاب الثلث، وبعضهم اعتبر الأكثر، انتهى مختصراً.
وأخرج الطحاوي(١) حديث البراء، ثم قال: ذهب قوم إلى هذا، فقالوا:
لا يجزئ ما فيه واحد من هذه العيوب الأربع، وما كان سوى هذه الأربع فلا
يمنع، قال العيني في ((شرح الطحاوي)): أراد بالقوم سعيد بن المسيب،
وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وهو
مذهب أهل الظاهر، انتهى.
ثم ذكر الطحاوي قول من خالفهم في ذلك، وذكر العيني فيمن ذهب إلى
ذلك الأئمة الأربعة، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن سيرين، والثوري،
ومحمداً، وأبا يوسف، مع الاختلاف فيما بينهم في العيوب المانعة عن
الإجزاء، وغير المانعة عنه، ليس هذا محله، وسيأتي شيء منها في محله.
٢/١٠٥٢ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يتقي) أي: يتجنب، ولفظ محمد - رحمه الله - في ((موطئه))(٢) كان ينهى
(من الضحايا) جمع ضحية (والبدن) جمع بدنة، أي: الهديا (التي لم تسن)
الموصول مع الصلة مفعول يتقي، واختلفوا في ضبطه، قال القاري: بضم التاء
(١) ((شرح معاني الآثار)) (١٦٨/٤).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦١٠/٢).
٢١٥

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥٢) حدیث
وَالَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا .
وكسر السين وتشديد النون. يقال: أسنّ الإنسان وغيره، إذا كبر، وقال
الأزهري: ليس معنى أسنان البقر وغيره كبرهما، بل معناه طلوع الأسنان،
انتھی .
وقال الباجي(١): يريد ما تبلغ سن الإجزاء، وهذا لفظ يستعمل غالباً في
الهرم، وما قاربه، ولم يرد ذلك هاهنا؛ لأنه لا خلاف أن الثنية من كل نوع
من أنواع الضحايا تجزئ، انتهى.
وقال الزرقاني(٢): روي بكسر السين من السن؛ لأن معروف مذهب
ابن عمر - رضي الله عنه - أنه لا يضحي إلا بثني المعز والضأن والإبل والبقر،
وروي بفتح السين، قال ابن قتيبة: أي التي لم تنبت أسنانها، كأنها لم تعط
أسنانها، كما تقول: لم يلبن، أي لم يعط لبناً، وقال غيره: معناه لم تبدل
أسنانها، وهذا أشبه بمذهب ابن عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه يقول في
الأضاحي والبدن: الثني وما فوقه، ولا يجوز عنده الجذع من الضأن، وهذا
خلاف الآثار المرفوعة وخلاف الجمهور، انتهى.
وفي ((المحلى)): التي لم تسن - بضم التاء وفتح السين وتشديد النون -
وفي نسخة بفك الإدغام، أي لم تكن مسنة مأخوذ من السن مفرد الأسنان أو
بمعنى العام، والمسنة يقال لها الثنية، انتهى.
وفي ((المصفى))(٣) لشيخ مشايخنا الدهلوي: احترازمي کرد چیزي كه
دندان نه بر آورده، انتهى، وسيأتي البحث فيه قريباً (والتي) عطف على
الموصول قبله، أي: كان يتقي التي (نقص من خلقها) شيء، كأن يكون مقطوع
(١) ((المنتقى)) (٨٥/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٧٢/٣).
(٣) (١٨٤/١).
٢١٦

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ.
الأذن، قال ابن عبد البر: هذا أصح من رواية من روي عنه جواز الأضحية
بالبتيراء إلا أنه يحتمل أن يكون اتقاؤه لمثل ذلك، ويحتمل أن يكون لما نقص
منها خلقة، وحمله على عمومه أولى. قاله الزرقاني(١).
(قال مالك: وهذا) الذي حكي عن ابن عمر - رضي الله عنه - (أحب ما
سمعت) من أقوال العلماء في ذلك (إليّ) متعلق بأحب، وفي الأثر مسألتان:
أولاهما: في سن الإجزاء، فإنهم أجمعوا على أن الثني من كل نوع من أنواع
الضحايا يجوز، ولا خلاف بينهم في ذلك، إلا أنهم اختلفوا في سن الجذع
والثني، كما سيأتي، واختلفوا في إجزاء الجذع على ثلاثة أقوال.
قال الموفق(٢): ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن، والثني من غيره،
وبهذا قال مالك، والليث، والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب
الرأي، وقال ابن عمر، والزهري: لا يجزئ الجذع؛ لأنه لا يجزئ من غير
الضأن، فلا يجزئ منه، وعن عطاء، والأوزاعي: يجزئ الجذع من جميع
الأجناس؛ لما روى مجاشع مرفوعاً ((الجذع يوفي مما يوفي منه الثني)) رواه
أبو داود، والنسائي(٣).
ولنا، على أن الجذع من الضأن يجزئ، حديث مجاشع وأبي هريرة
وغيرهما، وعلى أن الجذعة من غيرها لا تجزئ، قوله عليه السلام: ((لا
تذبحوا المسنة فإن عسر عليكم فاذبحوا الجذع من الضأن))، وحديث أبي بردة بن
نيار، وفيه قوله وَلقر: ((ولا تجزئ عن أحد بعدك)). متفق عليه، وحديثهم
محمول على الجذع من الضأن لما ذكرنا، وقال إبراهيم الحربي: إنما يجزئ
(١) ((الشرح الزرقاني)) (٧٢/٣).
(٢) («المغني)) (٣٦٧/١٣).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٧٩٩)، والنسائي (١٩٣/٧)، وابن ماجه (٣١٤٠).
٢١٧

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥٢) حديث
الجذع من الضأن؛ لأنه ينزو فيلقح. فإذا كان من المعز لم يلقح حتى يكون
ثنياً، انتهى.
قال الباجي(١): إن قيل: ما الفرق بين الضأن وغيرها؟ قيل له: الفرق
بينهما، نص صاحب الشريعة، ولا فرق أصح منه، ووجه آخر: وهو أنه قد
روى ابن الأعرابي أن المعز والبقر والإبل لا تضرب فحولتها إلا بعد أن تثنى،
والضأن تضرب فحولتها إذا أجذعت، انتهى.
أما اختلافهم في سن الجذع والثني، فقد قال الموفق (٢): الجذع من
الضأن ما له ستة أشهر ودخل في السابع، قال أبو القاسم: سمعت أبي سألت
بعض أهل البادية كيف تعرفون الضأن إذا أجذع؟ قال: لا تزال الصوفة قائمة
على ظهره ما دام حملاً، فإذا نامت الصوفة على ظهره علم أنه قد أجذع، وثنيّ
المعز إذا تمت له سنة ودخل في الثانية، والبقرة إذا صار لها سنتان ودخلت في
الثالثة، والإبل إذا كمل لها خمس سنين ودخل في السادسة، انتهى.
وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): الجذع ما كان من الدواب شاباً فتياً،
وهو من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز ما دخل في
الثانية، وقيل: من البقر ما دخل في الثالثة، ومن الضأن ما تمت له سنة،
وقيل: سبعة أشهر أو ثمانية أشهر، وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ما بين
الستة أشهر إلى عشر، وقيل: ما بين الثمانية إلى الستة، انتهى.
قال الباجي(٣): الجذع من الضأن اختلف الفقهاء فيه، فقال ابن حبيب:
الجذع من الضأن والماعز ابن سنة، وقاله ابن نافع وأشهب، وعلى هذا أكثر
(١) ((المنتقى)) (٨٧/٣).
(٢) ((المغني)) (٣٦٨/١٣).
(٣) ((المنتقى)) (٨٥/٣).
٢١٨

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥٢) حديث
الناس، وروى ابن وهب أنه ابن عشرة أشهر، وروى سحنون، عن علي بن
زياد: هو ما استكمل ستة أشهر، وقاله ابن شعبان، قال: وقيل: ثمانية أشهر،
وأما الثنيّ، فقال ابن حبيب: هو ابن سنتين ودخل في الثالثة، وأما الإبل فقال
ابن حبيب: الجذع من الإبل ابن خمس سنين، والثنيّ ابن ست سنين، وقال
أبو عبيدة: إذا أتت عليه الخامسة فهو جذع، وإذا ألقى ثنيته في السادسة فهو
ثني، وأما البقر، فقد قال ابن حبيب: الجذع من البقر ابن ثلاث سنين، والثني
ابن أربع سنين، وقال القاضي أبو محمد: الثني من البقر ما له سنتان، وقد
دخل في الثالثة، انتهى.
قلت: والعمدة في ذلك ما في فروع الأئمة، فقد قال الدردير(١): ضحيةٌ
بجذع ضأنٍ وثَنيٌّ معزٍ، وبقر وإبل ذِي سنة لجذع الضأن، وثني المعز، فلا بد
أن يوفي كل منهما سنة، لكن يشترط في ثنيٍّ المعز أن يدخل في الثانية دخولاً
بيّناً كشهر بخلاف الضأن، فيكفي فيه مجرد الدخول، والعبرة بالسنة العربية،
وذي ثلاث من السنين ودخل في الرابعة، ولو دخولاً غير بيّنٍ لثنيٍّ البقر، وذي
خمس سنين، ودخل في السادسة لثني الإبل، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): صح الجذع ذو ستة أشهر من الضأن، والثني
وهو ابن خمس من الإبل، وحولين من البقر، وحول من الشاة، قال
ابن عابدين: قوله: ذو ستة أشهر، كذا في ((الهداية))؛ وفسره في ((شرح
المنتقى)): شرعاً بما أتى عليه أكثر الحول عند الأكثر، وقيّده بشرعاً؛ لأنه في
اللغة ما تمت له سنة، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)) (٣): يجزئ الجذع من الضأن، وهو ما استكمل سنة
(١) انظر: ((الشرح الكبير)) (١١٨/٢ - ١١٩).
. (٢) (٦ /٦٣٤).
(٣) (٣٣١/٤).
٢١٩

٢٦ - كتاب الضحايا
(١) باب
(١٠٥٢) حديث
وطعن في الثانية؛ ولو أجذع قبل تمام السنة، أي: سقطت أسنانه أجزأ،
ويكون ذلك كالبلوغ بالسن والاحتلام، فإنه يكفي أسبقهما، والثنيُّ من المعز
وهو: ما استكمل سنتين، وطعن في الثالثة، والثنيُّ من الإبل وهو: ما استكمل
خمس سنين، وطعن في السادسة، والثني من البقر وهو: ما استكمل سنتين،
وطعن في الثالثة، انتهى.
قال البجيرمي: قوله: أي سقطت أسنانه، يعني إذا كان في سنه المعتاد،
وهو ستة أشهر؛ لأن ذلك بمنزلة البلوغ بالاحتلام، وبلوغه السنة بمنزلة البلوغ
بالسن، انتهى.
وفي ((الروض المربع(١)): فالسن المعتبر لإجزاء إبل خمسُ سنين، ولبقر
سنتان، ولمعز سنة، ولضأن نصفُها. انتهى. وعلم من ذلك أن الحنفية
والحنابلة متفقة في أسنانها كلها، والشافعية والمالكية مختلفة في بعضها،
والأربعة متفقة على ثنيِّ الإبل في أنه ابن خمس سنين؛ وثنيُّ البقر عندهما
ابن سنتين، وكذلك عند الشافعي، وعند مالك ابن ثلاث سنين، وثني المعز
عندهما ابن سنة، وكذلك عند مالك، وعند الشافعي ابن سنتين، وجذع الضأن
عندهما ابن ستة أشهر وعندهما ابن سنة.
وأما المسألة الثانية: وهي النقص في شيء من خلقها، ففيها تفاصيل في
الفروع، والاختلاف فيها وسيع، لا يسعه هذا المختصر، والجملة عند المالكية
كما في ((الدردير))(٢) وغيره، أنه يجزئ الجمّاء، وهي: ما لا قرن لها في ما له
قرن كالبقر، قال الدسوقي: إذا كانت جمّاء من أصل الخلقة، فإنها تجزئ
باتفاق، ونقل الإجماع على إجزائها ابن مرزوق وغيره، وإن كانت مستأصلة
(١) (٥٢٩/١).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١١٩/٢).
٢٢٠