النص المفهرس

صفحات 161-180

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ، مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُو
عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يُضْطَرَّ إِلَى الْمَيْتَةِ، يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ،
وَزُرُوعِهِمْ، وَثِمَارِهِمْ بِذْلِكَ، بِدُونِ اضْطِرَارٍ.
(وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة) بفتحتين (مع أني أخاف أن يعدو)
بنصب الواو، أي يتجاوز (عاد) اسم فاعل من العدوان (ممن لم يضطر إلى
الميتة) حقيقة (يريد استجازة) بالزاي (أخذ أموال الناس وزروعهم وثمارهم
بذلك) أي بإظهاره الاضطرار، زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (بدون اضطرار)
وليس هذا في الهندية، والمعنى: أنه ليس بمضطر في الحقيقة.
قال الباجي(١): أظهر لمنعه من ذلك علةٌ أخرى، وهي أن ما يدّعيه هذا
من الضرورة أمر لا يعلم إلا من جهته، وبقوله في الأغلب، ولو شرع هذا
للناس لتسبب أهل الظلم والعدوان إلى أخذ أموال الناس، وزروعهم وثمارهم،
فإذا ظهر عليهم، وظفر به، ادّعوا الضرورة، فوجب سدّ هذا الباب، ووجب
على هذا المضطر أن يأكل الميتة، ولا يتعرض لهذا الوجه الذي لا يخلو من
أن يتهم فيه، ولو صدق فيه لتسبب به غيره، فهو ليس بصادق، ولا يعرف
كذبه، كما لا يعرف صدق هذا الذي ادّعى الضرورة إلى أكل زروع الناس
وثمارهم، انتهى.
وقال أيضاً: إذا أكل المضطر إلى الميتة مال غيره، فقد قال الشيخ
أبو القاسم: يأكل منه ويضمن، وقيل: لا ضمان عليه فيما اضطر إليه، وجه
القول الأول: أنه أتلف مالاً لغيره لمنفعة نفسه، فكانت عليه قيمته، كغير
المضطر، فإن اضطراره إنما يتعلق بإباحة أكله دون إسقاط عوضه، ووجه القول
الثاني: أنه مال، جاز له إتلافه من غير إذن، فلم يلزمه ضمانه، أصل ذلك
المباح الذي لا ملك لأحد عليه، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٣).
١٦١

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ.
قال الدردير(١): يقدم ندباً طعام الغير على الميتة، إن لم يخف القطع،
أو الضرب، أو الأذى، وإلا قدم الميتة، وقاتل المضطر جوازاً رَبَّ الطعام إن
امتنع من دفعه له، بعد أن يعلم ربه أنه إن لم يعطه قاتله، فإن قتل رَبَّه هدر،
قال الدسوقي: وحيث أكل طعام الغير فلا يضمن قيمته، كما نقله المواق عن
الأكثر، وقال ابن الجلآّب: يضمن، ومحل الخلاف إذا كان المضطر معدماً
وقت الأكل، أما إن وجد معه الثمن أخذ، انتهى.
وقال ابن عابدين: جائع في مفازة، ومع صاحبه طعام، له أخذه كرهاً،
ثم يضمنه ولا إثم عليه، انتهى.
(قال مالك: وهذا) الذي ذكر (أحسن ما سمعت) من أهل العلم في ذلك
كرره تأكيداً وتنبيهاً على أنه سمع في هذه المسألة غير ذلك أيضاً، إلا أن القول
المذكور مختاره في ذلك.
قال الموفق(٢): ومن اضطر فأصاب الميتة، وخبزاً لا يعرف مالكه، أكل
الميتة، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وقال مالك: إن كانوا
يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع، والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع
يده، أو لا يقبل منه. أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان: أحدهما: يأكل
الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال، فلم يجز
له أكل الميتة .
ولنا: أن أكل الميتة منصوص عليه، ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول
إلى المنصوص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة
والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه
غرامته، وحق الله لا عوض له، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (١١٦/٢).
(٢) ((المغني)) (١٣/ ٣٣٧).
١٦٢

٢٤ - كتاب الصيد
(٧) باب
(١٠٤٣) حديث
وفي «شرح الإقناع)»(١): لو وجد مضطرٌ طعامَ غائب أكل منه، وغرم
بدله، أو حاضرٍ مضطر إليه لم يلزمه بذله لغيره، بل هو أحق به، أو وجد طعام
حاضر غير مضطر لزمه بذله بثمن مثل مقبوض، إن حضر الثمن، وإلا ففي
ذمته، ولا ثمن له إن لم يذكره، وإن امتنع غير المضطر من بذله بالثمن،
فللمضطر قهره، وأخذ الطعام وإن قتله، ولا يضمنه بقتله، أو وجد مضطر ميتة
وطعام غيره، لم يبذله له، تعينت الميتة. قال البجيرمي: لأن إباحة الميتة،
للمضطر بالنص، وإباحة أكل مال الغير بلا إذن ثابت بالاجتهاد، انتهى.
وفي ((الدر المختار)): يقدم الميتة على الصيد، والصيد على مال الغير.
قال ابن عابدين: ترجيحاً لحق العبد لافتقاره، وفي ((البحر))، عن
((الخانية))، وعن بعض أصحابنا: من وجد طعام الغير لا تباح له الميتة، وهكذا
عن ابن سماعة، وبشر: أن الغصب أولى من الميتة، وبه أخذ الطحاوي، وقال
الكرخي: وهو بالخيار، انتهى.
(١) (٤/ ٣٢٣).
١٦٣

٢٥ - كتاب العقيقة
بسم الله الرحمن الرحيم
٢٥ - كتاب العقيقة
(٢٥) كتاب العقيقة
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، كتاب العقيقة، بعد كتاب
الصيد، إلا في نسخة الباجي ففيها هاهنا: كتاب الأشربة، وذكر فيها بعد كتاب
الحج، كتاب الأضاحي، ثم كتاب العقيقة. ثم في العقيقة عشرة أبحاث لطيفة:
الأول: في لغتها، والثاني: في حكمها. والثالث: في وقتها، وفيه: إذا
فات الوقت هل تقضى أم لا؟ والرابع: هل تختص بالذكر أو تسن للأنثى
أيضاً. والخامس: هل يُفَرَّقُ بين الذكر والأنثى بالشاة والشاتين أو شاة شاة لكل
منهما؟ والسادس: هل تختص بالشاة أو تكون من البقر والإبل، أو الشركة
فيهما أيضاً؟ والسابع: يشترط فيها ما يشترط في الضحايا. والثامن: من
المكلف بها، الوالد خاصة أو غيره أيضاً؟ ويدخل فيه أنه إذا لم يعقّ عن
الصغير هل يَعُقُّ عن نفسه بعد البلوغ؟ التاسع: هل يكسر عظامها في الطبخ أو
لا؟ العاشر: هل يلطخ رأس الصبي بدم العقيقة أم لا؟ هذه عشرة أبحاث يأتي
الكلام عليها في محالها .
وقال ابن رشد(١): القول المحيط بأصول هذا الكتاب ينحصر في ستة
أبواب: الأول: في حكمها. والثاني: في معرفة محلها، والثالث: في معرفة
من يعق عنه وكم يعق. الرابع: في معرفة وقت هذا النسك. الخامس: في سن
هذا النسك وصفته. السادس: حكم لحمها وسائر أجزائها، انتهى. ثم بسط
الكلام عليها، ودخل أكثر هذه الأبحاث في العشرة المذكورة.
أما الأول منها: فما قال الحافظ(٢): العقيقة بفتح العين المهملة: اسم
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٤٨/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٦/٩).
١٦٤

٢٥ - كتاب العقيقة
لما يذبح عن المولود، واختلف في اشتقاقها، فقال أبو عبيد والأصمعي:
أصلها الشعر الذي يخرج على رأس المولود، وتبعه الزمخشري وغيره، وسميت
الشاة التي تذبح عنه في تلك الحالة عقيقة؛ لأنه يحلق عنه ذلك الشعر عند
الذبح، وعن أحمد: أنها مأخوذة من العق، وهو الشق والقطع، ورجحه
ابن عبد البر، وطائفة. قال الخطابي: العقيقة اسم الشاة المذبوحة عن الولد،
سميت بذلك؛ لأنها تعقّ مذابحها، أي: تشق وتقطع، وقال ابن فارس: الشاة
التي تذبح والشعر كل منهما يسمى عقيقة، انتهى.
وبسطه النووي في ((تهذيب اللغات))(١)، وقال بعد ما حكى قول أبي عبيد
والأصمعي وغيرهما: وهذا لأنهم ربما سموا الشيء باسم غيره إذا كان معه أو
من شبهه، فسميت الشاة عقيقة لعقيقة الشعر، قال أبو عبيد: وكذلك كل مولود
من البهائم، فإن الشعر الذي يكون عليه حين يولد عقيقة وعقة، وقال
الأزهري: العق في الأصل الشق والقطع، وسميت الشعرة التي يخرج الولد من
بطن أمه وهي عليه عقيقة؛ لأنها إذا كانت على رأس الإنسي حلقت فقطعت،
وإذا كانت على البهيمة فإنها تتنسل، وقيل للذبيحة عقيقة؛ لأنها تذبح أي: تشق
حلقومها ومريئها قطعاً، كما سميت الذبيحة بالذبح.
وقال صاحب ((المحكم)): العقيقة: الشعر الذي يولد به الطفل؛ لأنه يشق
الجلد، وأعقت الحامل، نبت شعر ولدها في بطنها، وعق عن ابنه: حلق
عقیقته، أو ذبح عنه شاة، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): العقيقة لغةً: اسم للشعر الذي على رأس المولود
حين ولادته، وشرعاً: الذبيحة عن المولود عند حلق شعر رأسه، تسمية للشيء
باسم سببه، انتهى.
(١) (٣٢/٢/٢).
(٢) (٣٤١/٤).
١٦٥

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١) باب ما جاء في العقيقة
وقال الموفق(١): العقيقة الذبيحة عن المولود، وقيل: هي الطعام الذي
يصنع ويُدْعَى إليه من أجل المولود، وقال أبو عبيد: الأصل فيها الشعر الذي
على المولود، ثم إن العرب سمت الذبيحة عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء
باسم سببه أو ما جاوره، ثم اشتهر ذلك حتى صار من الأسماء العرفية،
وصارت الحقيقة مغمورة فيه، فلا يُفْهم منها عند الإطلاق إلا الذبيحة. انتهى.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية التسمية بعد الكتاب إلا في
نسخة ((المنتقى))، ففيها التسمية قبل الكتاب.
(١) ما جاء في العقيقة
من الأمر بفعلها، وقد فعل النبي وَ﴿ فعلينا اتباعه، واختلف أهل العلم
في حكمها، وهي المسألة الثانية من المسائل العشر المذكورة، قال الموفق:
العقيقة سنة في قول عامة أهل العلم، منهم: ابن عباس، وابن عمر، وعائشة،
وفقهاء التابعين، وأئمة الأمصار إلا أصحاب الرأي قالوا: ليست سنة، وهي
من أمر الجاهلية، وقال الحسن وداود: إنها واجبة، وروي عن بريدة: أن
الناس يعرضون عليها كما يعرضون على الصلوات الخمس، انتهى.
قال الحافظ (٢): قال الشافعي: أفرط فيها رجلان، قال أحدهما: بدعة،
والآخر قال: واجبة، وأشار بقائل الوجوب إلى الليث بن سعد، ولم يعرف
إمام الحرمين الوجوب إلا عن داود، وقد جاء الوجوب أيضاً عن أبي الزناد،
وهي رواية عن أحمد، والذي نقل عنه أنها بدعة أبو حنيفة، اهـ.
(١) ((المغني)) (٣٩٣/١٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٨/٩).
١٦٦

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
وتعقبه العيني (١) فقال: هذا افتراء، لا يجوز نسبته إلى أبي حنيفة،
وحاشاه أن يقول مثل هذا، وإنما قال: ليست بسنة، فمراده إما ليست بسنة،
ثابتة، وإما ليست بسنة مؤكدة، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد))(٢): عند مالك والشافعي: سنة مشروعة، وقال
أبو حنيفة: هي مباحة، ولا أقول: إنها مستحبة، وعن أحمد روايتان،
أشهرهما: أنها سنة، والثانية: أنها واجبة، واختارها بعض أصحابه، اهـ.
وقال ابن رشد(٣): ذهبت طائفة، منهم الظاهرية إلى أنها واجبة، وذهب
الجمهور إلى أنها سنة، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضاً ولا سنة، وقيل:
إن تحصيل مذهبه أنها تطوع عنده، اهـ. فتحصلت في العقيقة عدة مذاهب.
أولها: أنها واجبة، وتقدم أنه مذهب الليث، وداود، وأبي الزناد، وهي
رواية عن أحمد، اختارها بعض أصحابه.
وقال العيني: روي عن الحسن، وأهل الظاهر أنها واجبة، وتأوّلوا
قوله وَدية: ((مع الغلام عقيقة))، على الوجوب، وقال ابن حزم: هي فرض
واجب يجبر الإنسان عليها إذا فضل من قوته مقدارها، وفي ((شرح السنة)):
أوجبها الحسن، وقال: يجب عن الغلام يوم سابعه، فإن لم يعقّ عنه عقّ عن
نفسه. اهـ. وحكاه الباجي عن القاضي أبي الحسن البصري، وداود فقال:
إنهما قالا: هي واجبة، اهـ.
وقال الشوكاني (٤) تحت حديث سليمان بن عامر الضبي مرفوعاً: ((مع
(١) ((عمدة القاري)) (١٤ / ٤٦٣).
(٢) (٦٥٦/٢).
(٣) ((بداية المجتهد)) (١/ ٤٦٢).
(٤) ((نيل الأوطار)) (١٥٦/٥) (٢١٤٠).
١٦٧

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دماً، وأميطوا عنه الأذى))، رواه الجماعة إلا
مسلماً: تمسك بهذا وببقية الأحاديث القائلون بأنها واجبة، وهم الظاهرية،
والحسن البصري، اهـ.
وفي ((المحلى)): وفي رواية لأحمد أنها واجبة، واختاره بعض أصحابه،
وبه قال الليث بن سعد، وداود، ويستدل لذلك بحديث أبي داود: ((كل غلام
رهينة بعقيقته))، قال في ((النهاية)): معناه: أن العقيقة لازمة له، فشبّهه في لزومها
له، وعدم انفكاكها عنه بالرهن في يد المرتهن، والهاء في الرهنية للمبالغة لا
للتأنيث، اهـ.
الثاني: أنها سنة مؤكدة، حكاها شارح ((الإقناع)) (١) من فروع الشافعية؛ إذ
قال: هي سنة مؤكدة للأخبار الواردة في ذلك منها خبر: ((الغلام مرتهن بعقيقته))
ومنها ((أنه بَلّ أمر بتسمية المولود يوم سابعه، ووضع الأذى عنه، والعق))،
رواهما الترمذي، قال البجيرمي: قوله: سنة: أي: في حقنا، واجبة في
حقه . انتهى، وهو مقتضى كلام صاحب ((الروض المربع)) (٢) من فروع
الحنابلة؛ إذ قال: تسن العقيقة عن المولود في حق أبيه ولو معسراً، ويقترض،
قال أحمد: سنة عن رسول الله وَ﴾، قد عقّ عن الحسن والحسين، وفعله
أصحابه. انتهى، وبه جزم صاحب ((نيل المآرب)) من فروع الحنابلة؛ إذ قال:
هي سنة مؤكدة في حق الأب، فلا يعق غيره ولو كان الأب معسراً، انتهى.
وبه جزم القسطلاني في ((شرح البخاري))، وحكاه ابن عابدين عن
الشافعي وأحمد.
والثالث: الندب، جزم به الدردير؛ إذ قال: ندب لأب من ماله ذبح
(١) (٣٤١/٤).
(٢) (٥٣٩/١).
١٦٨

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
واحدة. انتهى، وهو نص الإمام مالك في ((الموطأ)) كما سيأتي، وجزم صاحب
((الإقناع))، وغيره مِن فروع الشافعية بندبه(١).
واختلفت الروايات والأقاويل في مسلك الحنفية في ذلك، قال
العيني(٢): وقال أبو حنيفة: ليست بسنة، وقال محمد بن الحسن: هي تطوع،
كان الناس يفعلونها ثم نسخت بالأضحى، ونقل صاحب ((التوضيح)) عن
أبي حنيفة والكوفيين أنها بدعة، وهذا افتراءٌ لا يجوز نسبته إلى أبي حنيفة
وحاشاه أن يقول هذا، وإنما قال: ليست بسنة، فمراده إما ليست بسنة ثابتة،
أو ليست بسنة مؤكدة، ورُوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سئل
رسول الله وَ﴿ عن العقيقة؟ فقال: ((لا أحِبُّ العقوق))، قالوا: يا رسول الله
ينسك أحدنا عمن يولد له؟ فقال: ((من أحبّ منكم أن ينسك عن ولده
فليفعل))، الحديث، فهذا يدل على الاستحباب، انتهى. وظاهره أن العيني
اختار الاستحباب.
وقال ابن عابدين: يستحب لمن ولد له ولد أن يسميه يوم أسبوعه ويحلق
رأسه، ويتصدق عند الأئمة الثلاثة بزنة شعره فضةً أو ذهباً، ثم يعقّ عند الحلق
عقيقة إباحة على ما في ((الجامع المحبوبي)) أو تطوعاً على ما في شرح
الطحاوي ((غرر الأفكار)) ملخصاً، انتهى مختصراً.
وفي ((الفتاوى الهندية)): العقيقة مباح لا سنة ولا واجب كذا في ((الوجيز))
للكردري، انتهى. وفي ((البدائع)): (٣) أن وجوب الأضحية نسخ كل دم كان قبلها
من العقيقة والرجبية والعتيرة كذا حكى أبو بكر الكيساني عن محمد، وإنما
(١) انظر: ما كتبه العلامة ابن القيم الجوزية في كتابه ((تحفة المودود بأحكام المولود)» عن
مشروعية العقيقة، وذكر الخلاف في وجوبها واستحبابها، وحجج الفريقين.
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٦٣/١٤).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٢٠٣/٤).
١٦٩

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
عرفنا انتساخها بما روي عن سيدتنا عائشة أنها قالت: نسخ صوم رمضان كل
صوم كان قبله، ونسخت الأضحية كل ذبح كان قبلها، ونسخ غسل الجنابة كل
غسل كان قبله، والظاهر أنها قالت ذلك سماعاً من رسول الله وَ له لأن انتساخ
الحكم مما لا يدرك بالاجتهاد.
ومنهم من روى هذا الحديث مرفوعاً إلى رسول الله وَّر، وذكر محمد في
العقيقة: فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل، وهذا يشير إلى الإباحة فيمنع كونه
سنة .
وذكر في ((الجامع الصغير)): لا يعقّ عن الغلام ولا عن الجارية، وأنه
إشارة إلى الكراهة؛ لأن العقيقة كانت فضلاً، ومتى نسخ الفضل لا يبقى إلا
الكراهة بخلاف الصوم والصدقة، فإنهما كانا من الفرائض لا من الفضائل،
فإذا نسخ منهما الفرضية يجوز التنفل بهما .
وقال الشافعي: إن العقيقة سنة لما روي أن رسول الله وَلقر عق عن
الحسن والحسين - رضي الله عنهما - كبشاً كبشاً، وإنا نقول: إنها كانت ثم
نسخت بدم الأضحية بحديث سيدتنا عائشة - رضي الله عنها -، وكذا روي عن
سيدنا علي - رضي الله عنه - أنه قال: نسخت الأضحية كل دم كان قبلها
والعقيقة كانت قبلها كالعتيرة، وروي أن رسول الله وَيهر سئل عن العقيقة؟ فقال:
((إن الله لا يحب العقوق من شاء فليعق عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة))،
وهذا ينفي كون العقيقة سنة؛ لأنه وسير علق العق بالمشية وهذا أمارة الإباحة،
انتھی .
وفي ((المحلى)): قال محمد في ((الآثار))(١): أنا أبو حنيفة ثنا رجل عن
محمد بن الحنفية أن العقيقة كانت في الجاهلية فلما جاء الإسلام رفضت،
(١) (ص١٧٨).
١٧٠

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم بلفظه، قال محمد: وبه نأخذ وهو قول
أبي حنيفة، انتهى.
ويشهد لذلك ما أخرجه ابن المبارك والدارقطني والبيهقي وابن عدي عن
علي - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((نسخ الأضحى كل ذبح، ونسخ صوم رمضان
كل صوم، والغسل من الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة))، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن المراد بالنسخ وجوب ما عدا الأضحية لا ندبها كما
أن المراد في نظائرها نَسْخُ الوجوب ولم ينسخ التطوع بالصوم والصدقة
والغسل، ومما يدل على ذلك أن جماعة من أهل العلم ذهبت إلى وجوبها،
كما تقدم تقريباً، وسيأتي في كلام الطحاوي أنها كانت مؤكدة في الجاهلية،
وأقرت عليها في أول الإسلام.
وعلى هذا فلا بد أن يقال: إن النسخ لو صح لكان للوجوب والتأكيد،
ويدل عليه أيضاً أن شرعية الأضحية في الأولى من الهجرة، وعقيقة الحسنين -
رضي الله عنهما - في الثالثة أو الرابعة، وحديث أم كرز في عام الحديبية
سادس الهجرة، والعقيقة عن إبراهيم - عليه السلام - كان تاسع الهجرة، وقد
عمل بها ابن عمر - رضي الله عنه -، وغيره من الصحابة بعد النبي وَلّ، قال
أحمد: الأحاديث العارضة لأخبار العقيقة لا يعبأ بها، انتهى ما في ((المحلى)).
وكذا تُعُقِّبَ على قول من أنكر استحبابها في ((التعليق الممجد))(١) بما لا
مزيد عليه، واستدل الطحاوي في ((مشكل الآثار))(٢) على نسخ الوجوب برواية
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله وَ ﴿ عن العقيقة، قال:
((لا أحب العقوق))، وكأنه كره الاسم، قال يا رسول الله: إنما نسألك عن
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٥٧/٢).
(٢) (٨١/٢).
١٧١

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
١/١٠٤٤ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛
أحدنا يولد له؟ قال: ((من أحب أن ينسك عن ولده فلينسك عنه)) الحديث،
وبرواية زيد بن أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن رجل من قومه أنه سأل
النبي وَلهر في حجة الوداع قال: ما ترى في العقيقة؟ قال: ((لا أحب العقوق،
ومتى ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل))(١).
قال أبو جعفر: فكان ما في هذين الحديثين قد دل أن أمرها قد رد إلى
الاختيار لقوله {وَلجر: ((من ولد له مولود فأراد أو أحب أن ينسك عنه فليفعل))
وكان ما قد رويناه من توكيد أمرها هو على حسب ما كانت عليه في الجاهلية،
ثم جاء الإسلام، فأقرّت على ما كانت عليه في الجاهلية، فعقلنا بذلك أن ما
روي عن النبي ◌ُّله مما قد خالف ذلك كان طارياً عليه وناسخاً له. انتهى.
قلت: لا شك أن حديث الضمري يصلح ناسخاً لكونه في حجة الوداع،
فروايات عقيقة الحسنيْن - رضي الله عنهما -، وكذا حديث أم كرز وغيرها كلها
تكون مقدمة على ذلك، لكن فيه ما في ((التعليق الممجد)) ردّه القاري بقوله: لا
يخفى أن المشيئة تنفي الفرضية دون السنية، أقول: هذا الحديث نظير حديث:
((من أراد منكم أن يضحي فلا يأخذن من أظفاره وشعره شيئاً))، الحديث. وقد
استدل به الشافعية على عدم وجوب الأضحية بأنه علقها على الإرادة والمشيئة،
وأجاب عنه أصحابنا، منهم صاحب ((الهداية)) و((البناية)) وغيرهما بأنه ليس
المراد به التخيير بين الترك والفعل، إلى آخر ما بسطه في ((التعليق)).
١/١٠٤٤ - (مالك، عن زيد بن أسلم) المدني العدوي (عن رجل من بني
ضمرة) بفتح الضاد المعجمة وإسكان الميم (عن أبيه) قال الحافظ في ((تهذيبه):
زيد بن أسلم، عن رجل من بني حمزة، عن أبيه، لم يسميا، وهكذا في
(١) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٤٣٠/٥).
١٧٢

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ وَه
عَنِ الْعَقِيقَةِ؟ فَقَالَ: ((لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ))
((التقريب)) بلفظ لم يسميا، من الثالثة. انتهى. والظاهر أن لفظ ((حمزة)) فيهما
تصحيف، والحديث أخرجه أحمد في ((مسنده)) (١) برواية سفيان عن زيد بن
أسلم، عن رجل من بني ضمرة، عن رجل من قومه قال: سألت النبي وَّ عن
العقيقة، .... الحديث.
وبطريق آخر: عن سفيان بن عينية، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن
أبيه أو عن عمه أنه قال: شهدت النبي وَ له بعرفة فسئل عن العقيقة، ....
الحديث، وبكلا الطريقين أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار))، وقال
الحافظ (٢): وفي رواية سعيد بن منصور، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن
رجل من بني ضمرة، عن عمه سمعت رسول الله ولم يسأل عن العقيقة، وهو
على المنبر بعرفة - فذكره، وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه،
عن جده، أخرجه أبو داود(٣)، ويقوى أحد الحديثين بالآخر، قال أبو عمر: لا
أعلمه مرفوعاً إلا عن هذين، قال الحافظ: وقد أخرجه البزار، وأبو الشيخ في
العقيقة من حديث أبي سعيد، انتهى.
(أنه) أي: الضمري (قال: سئل) ببناء المجهول، وتقدم ما في بعض طرقه
أن السائل هو بنفسه (رسول الله وَلي) في حجة الوداع بعرفة (عن العقيقة) أي
عن حكمها (فقال) وَالر: ((لا أحب العقوق))) بصيغة المتكلم، وأخرج أبو داود
برواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: سئل النبي وَلّر عن العقيقة،
فقال: ((لا يحب الله العقوق))، الحديث.
قال ابن عبد البر(٤): لا أعلم روي معنى هذا الحديث إلا من هذا
(١) ((مسند أحمد)) (١٨٢/٢ - ١٨٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٨٨/٩).
(٣) أخرجه أبو داود (٢٨٤٢).
(٤) انظر: ((الاستذكار)) (٣٦٦/١٥).
١٧٣

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
الوجه، ومن حديث عمرو بن شعيب، عند أبي داود والنسائي قال: ((لا أحب
العقوق))، فإن أصله مخالفة أحد الأبوين بما يؤذيهما، وكأنه إنما كره الاسم لا
مسماه، فليس فيه توهينٌ لأمر العقيقة، ولا إسقاطً لها، وإنما كره الاسم،
وأحب أن يسمى بأحسن أسمائه، كالنسيكة والذبيحة جرياً على عادته الشريفة
في تغيير الاسم القبيح.
قال التوربشتي: هو كلام غير سديد؛ لأنه 9ّ ذكر العقيقة في عدة
أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، وإنما الوجه فيه أن يقال:
يحتمل أن السائل إنما سأله عنها لاشتباه تداخله من الكراهة أو الاستحباب،
أو أحبَّ أن يعرف الفضيلة، ولما كانت فضيلة العقيقة بمكان لم يخف على
الأمة موقعه، أجاب بما ذكره تنبيهاً على أن الذي يبغضه الله من هذا الباب هو
العقوق، ويحتمل أن يكون السائل ظن أن اشتراك العقيقة مع العقوق في هذا
الحديث مما يوهن أمرها، فاعلم أن الأمر بخلاف ذلك، يعني أن الذي
كرهه الله من هذا الباب هو العقوق لا العقيقة.
ويحتمل أن يكون العقوق في هذا الحديث مستعاراً للوالد، كما هو
حقيقة في المولود، وذلك أن المولود إذا لم يعرف حق أبويه صار عاقّاً، كذلك
جعل إباء الوالد عن أداء حق المولود عقوقاً على الاتساع، فقال: لا يحب الله
العقوق، أي: ترك ذلك من الوالد مع قدرته عليه يشبه إضاعة المولود حق
أبويه .
وقال الطيبي: يحتمل أن يكون لفظ ما سأل عنه ((ولد لي مولود
أحبّ أن أعق عنه)). فما تقول؟ فكره النبي بَ﴿ لفظ ((أعقّ)) لأنه لفظ
مشترك بين العقيقة والعقوق، وقد تقرر في علم الفصاحة: الاحتراز عن
لفظ مشترك، أحدهما مكروه، فيكون الكراهة راجعة إلى ما تلفظ به، كذا
في ((المحلى)).
١٧٤

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حدیث
وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الإِسْمِ.
وقال القاري(١): معناه: فمن شاء أن لا يكون ولده عاقاً له في كبره،
فليذبح عنه عقيقة في صغره؛ لأن عقوق الوالد يورث عقوق الولد، ولا.
يحب الله العقوق، وهذا توطئة لقوله: ((ومن ولد له ولد)» إلخ، انتهى.
(وكأنه إنما كره الاسم) مدرج من الراوي، يعني أنه ◌ّ إنما كره الاسم،
لا المسمى الذي هو ذبح، قال ابن عبد البر: في هذا الحديث كراهية ما يقبح
معناه من الأسماء. وكان الواجب بظاهر هذا الحديث أن يقال الذبيحة المولود
نسيكة، ولا يقال: عقيقة، لكني لا أعلم أحداً من العلماء مال إلى ذلك. ولا
قال به، وأظنهم تركوا العمل به لما صح عندهم في غيره من الأحاديث لفظ
العقيقة، كذا في ((التنوير))(٢).
قال الزرقاني(٣): لعل مراده من المجتهدين وإلا فقد قال ابن أبي الدم
عن أصحابهم الشافعية: يستحب تسميتها نسيكة أو ذبيحة، ويكره تسميتها عقيقة
كما يكره تسمية العشاء عتمة، انتهى.
وقال البجيرمي (٤): الأولى تسميتها ذبيحة ونسيكة لما في العقيقة من
الإشعار بالعقوق، فالتسمية بها خلاف الأولى، وعبارة ((شرح المنهج)): يكره
تسميتها عقيقة، وقال الشيخ س ل: المعتمد عدم الكراهة، أي لأنه لو سماها
عقيقة. انتهى.
وفي ((البذل))(٥) عن الشوكاني قوله بَّه: ((لا أحب العقوق)) بعد سؤاله عن
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٥٩/٨).
(٢) (ص٤١٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٩٦/٣).
(٤) (٣٤١/٤).
(٥) (٨٧/١٣).
١٧٥

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
وَقَالَ: ((مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ)).
أخرجه أبو داود في: ١٦ - كتاب الأضاحيّ، ٢١ - باب العقيقة.
والنسائيّ في: ٤٠ - كتاب العقيقة، ١ - باب أخبرنا أحمد بن سليمان.
العقيقة إشارة إلى كراهة اسم العقيقة، وما وقع منه وقليل من قوله: ((مع الغلام
عقيقة، وكل غلام مرتهن بعقيقته))، فمن البيان للمخاطبين بما يعرفونه؛ لأن
ذلك اللفظ هو المتعارف عند العرب، ويمكن الجمع بأنه 18 تكلم بذلك لبيان
الجواز، وهو لا ينافي الكراهة، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن التسمية بها كانت أولاً، وحديث الباب في حجة
الوداع، كما تقدم، وهذا كله إذا كانت الكراهة للاسم، كما فهمه الراوي،
وتعقبه التوربشتي كما تقدم، فيحتمل أن يكون المقصود نفي استحباب العقيقة
برأسها، ويكون قوله الآتي: ((من ولد له ولد)» إلخ لبيان الجواز فقط، فيكون
المعنى أنها ليست بمستحبة برأسها، لكن من أراد أن يتقرب بشيء من النسك
تشكراً لما وُلِدَ له، فلا بأس بذلك.
(وقال) مَّه: (من ولد) ببناء المجهول (له ولد) سواء كان ذكراً أو أنثى،
عند الجمهور خلافاً لمن خص العقيقة بالذكر، كما سيأتي (فأحب) بصيغة
المعلوم من الماضي (أن ينسك) بضم السين، أي: يتطوع بقربة الله (عن ولده
فليفعل) أمر ندب عند الجمهور، وأمر إباحة عند من قال بها، قال الزرقاني(١):
وفي جعل ذلك موكولاً إلى محبته مع تسميته نسكاً إشارة إلى الاستحباب،
وتقدم أن صاحب ((البدائع)) والطحاوي في ((مشكله)) استدلّا بذلك على الإباحة،
وتعقبهما صاحب ((التعليق الممجد)) (٢).
واستدل بذلك الموفق(٣) على عدم وجوب العقيقة، فقال: وأما بيان
(١) ((شرح الزرقاني)) (٩٦/٣).
(٢) انظر: (٦٥٩/٢).
(٣) ((المغني)) (٣٩٥/١٣).
١٧٦

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
كونها غير واجبة، فدليله ما احتج به أصحاب الرأي من الخبر، انتهى.
وقال الباجي(١): قوله: ((فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل)) يقتضي أن
ذلك من مال الأب عن ابنه، ولذلك قال: ((فأحب أن ينسك عن ولده))، ولو
كان للمولود مال لكان الأظهر عندي أن تكون العقيقة في مال الأب عن ابنه،
لقوله وَله: ((فأحب أن ينسك عن ابنه)) فأثبت ذلك في جهة الآباء عن الابن،
وقد قال مالك في ((المبسوط)): يعق عن اليتيم من ماله، وظاهره أنه لا يلزم
أحداً من الأقارب غير الأب، انتهى.
وصرح الدردير(٢) بندبها لأب من ماله، وقال الموفق: وإن لم يعق أصلاً
فبلغ الغلام وكسب فلا عقيقة عليه، وسئل أحمد عن هذه المسألة؟ فقال: ذلك
على الوالد، يعني لا يعق عن نفسه؛ لأن السنة في حق غيره، وقال عطاء
والحسن: يعق عن نفسه؛ لأنها مشروعة عنه، ولأنه مرتهن بها، ولنا: أنها
مشروعة في حق الوالد، فلا يفعلها غيره كالأجنبي، وصدقة الفطر، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٣): تسن العقيقة في حق أب، ولو معسراً
ويقترض. انتهى. وفي ((نيل المآرب)): هي سنة مؤكدة في حق الأب، فلا يعق
غيره، ولو كان الأب معسراً، غنياً كان الولد أو فقيراً، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع)) (٤): يذبح من تلزمه نفقته، كما قاله في ((الروضة))،
فلا يجوز للولي أن يعق من ماله؛ لأن العقيقة تبرع، وهو ممتنع من مال
المولود، ولو كان الولي عاجزاً عنها حين الولادة، ثم أيسر قبل تمام السابع
(١) ((المنتقى)) (١٠١/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٢٦/٢).
(٣) (٥٣٩/١).
(٤) (٣٤٤/٤ - ٣٤٥).
١٧٧

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
استحب في حقه، وإن أيسر بها بعد السابع، وبعد بقية مدة النفاس، أي أكثره،
كما قاله بعضهم، لم يؤمر بها، وفيما إذا أيسر بعد السابع في مدة النفاس تردد
للأصحاب، ومقتضى كلام ((الأنوار)) ترجيح مخاطبته بها، وهو الظاهر، انتهى.
وقال الشوكاني(١): في عقه بَلّ عن الحسن والحسين - رضي الله عنهما -
دليل على أنها تصح العقيقة من غير الأب مع وجوده، وعدم امتناعه، وهو يرد
ما ذهب إليه الحنابلة من أنه يتعين الأب إلا أن يموت أو يمتنع، قال
الحافظ(٢): وقوله وله: ((يُذبح عنه)) بالضم على بناء المجهول أنه لا يتعين
الذابح، وعند الشافعية: يتعين من تلزمه نفقة المولود، وعن الحنابلة: يتعين
الأب، إلا أن تعذر بموت أو امتناع، قال الرافعي: وكأنّ الحديث أنه وَّلَ عَقَّ
عن الحسن والحسين مؤوّلٌ.
قال النووي: يحتمل أن يكون أبواه حينئذ كانا معسرين، أو تبرع بإذن
الأب أو قوله: ((عق)) أي أمر أو هو من خصائصه بَّ، ونص مالك أنه يعق
عن اليتيم من ماله، ومنعه الشافعية، انتهى.
ويقرب من هذا مسألة أخرى، وهو أن من لم يعقّ عنه حتى كبر، وبلغ
فهل يعق عن نفسه؟ وتقدم ما قال الموفق: لا يعقّ عن نفسه، خلافاً لعطاء
والحسن، وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): نقل الرافعي أنه يدخل وقتها بالولادة،
وذكر السابع في الخبر بمعنى أنه لا يؤخر عنه بالاختيار، والاختيار أن لا تؤخر
عن البلوغ، فإن أخرت عن البلوغ سقطت عمن كان يريد أن يعق عنه، لكن إن
أراد هو أن يعق عن نفسه فعل.
(١) (نيل الأوطار)) (١٦٠٠/٥).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٥٩٥).
(٣) (٥٩٥/٩).
١٧٨
.

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٤) حديث
وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن سيرين قال: لو أعلم أني لم يعق
عني لعققت عن نفسي، واختاره القفال، ونقل عن نص الشافعي في ((البويطي))
أنه لا يعق عن كبير، وليس هذا نصاً في منع أن يعق الشخص عن نفسه، بل
يحتمل أن يريد أن لا يعق عن غيره إذا كبر، وكأنه أشار بذلك إلى أن الحديث
الذي ورد أن النبي وَلَهُ عقَّ عن نفسه بعد النبوة لا يثبت.
وهو كذلك؛ فقد أخرجه البزار من رواية عبد الله بن محرر - وهو
بمهملات - عن قتادة، عن أنس، قال البزار: تفرّد به عبد الله، وهو ضعيف،
وقال الحافظ: وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين: أحدهما: من رواية
إسماعيل بن مسلم، عن قتادة، وإسماعيل ضعيف، وثانيهما: من رواية
الهيثم بن جميل، وداود بن المحبر قالا: ثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة،
عن أنس، وداود ضعيف، لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري،
فالحديث قوي الإسناد. لولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال الذي ذكره
الحافظ في ((الفتح))، وقد مشى الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد، فأخرج
الحديث في ((الأحاديث المختارة)) مما ليس في ((الصحيحين)) ويحتمل أن يقال:
إن صح هذا الخبر كان من خصائصه ول# كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح
من أمته، انتهى.
وقال العيني(١) في ((شرح البخاري)): في قوله ◌ُّ: ((مع الغلام عقيقة))
حجة على أنه لا يعق عن الكبير، وعليه أئمة الفتوى بالأمصار، انتهى. وتقدم
قريباً ما قال الموفق: إن من بلغ وكسب فلا عقيقة عليه؛ لأن السنة في حق
غيره.
وقال ابن رشد(٢): أما من يعق عنه، فالجمهور على أنه يعق عن الذكر
(١) ((عمدة القاري)) (٤٦٦/١٤).
(٢) (٤٦٣/١).
١٧٩

٢٥ - كتاب العقيقة
(١) باب
(١٠٤٥) حدیث
٢/١٠٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ
أَبِيهِ؛
ءَ
والأنثى الصغيرين فقط، وأجاز بعضهم أن يعقّ عن الكبير، ودليل الجمهور
قوله وَلي: ((يوم سابعه)). ودليل من خالف ما روي عن أنسٍ أن النبي وَل عق
عن نفسه بعد ما بعث بالنبوة، انتهى.
وقال القاري في ((شرح الشمائل)) (١) تحت حديث هند بن أبي هالة في
حليته وية بلفظ: ((إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا)): إطلاق العقيقة وهو الشعر
الذي يولد عليه المولود مجاز، لئلا يلزم أن يكون شعره باقياً من حين ولادته
فإنه مستبعد جداً، اللَّهم إلا أن يقال: إنه من الكرامات الإلهية؛ لئلا يذبح
باسم الآلهة الصناعية، ويؤيده ما قال القفال المروزي في ((فتاواه)): من أنه
يستحب لمن لم يعق عنه أن يعق عن نفسه؛ فإن النبي وَلّ عق عن نفسه بعد
النبوة، لكن يحتمل أنه ما اعتبر عقيقتهم لكونها على اسم غيره سبحانه وتعالى،
انتھی.
وهكذا قال البيجوري تبعاً للمناوي: إن قضية أن شعره و لر كان شعر
الولادة، واستبعده الزمخشري بأن ترك شعر الولادة على المولود، وعدم حلقه
بعد سبع، وعدم الذبح عنه عيب عند العرب وشحٌّ، وبنو هاشم أكرم الناس،
ودُفِعَ هذا الاستبعاد بأن هذا من الإرهاصات حيث لم يمكن الله قومه من أن
يذبحوا له باسم اللات، ويؤيده قول النووي في ((تهذيبه)): إنه عق عن نفسه بعد
النبوة، هذا ويحتمل أنه أطلق عليه العقيقة مجازاً، لأنه منها، ونباته من
أصولها. انتهى.
٢/١٠٤٥ - (مالك، عن جعفر) الصادق (بن محمد) الباقر (عن أبيه)
(١) (٣٥/١).
١٨٠