النص المفهرس
صفحات 121-140
٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث فِي الْخَيْلِ الدواب الآتية أقوالاً مختلفة، وأحسن الأقوال التي سمعت فيها عنده ما سيذكره (في الخيل) جماعة الأفراس لا واحد له من لفظ كالقوم والرهط، وقيل: مفرده خائل، قاله أبو عبيدة، كما تقدم في ((الجهاد)). قال الموفق(١): تباح الخيل كلها عرابها وبراذينها، نص عليه أحمد، وبه قال ابن سيرين، وروي ذلك عن ابن الزبير، والحسن، وعطاء، والأسود بن يزيد، وبه قال حماد بن زيد، والليث، وابن المبارك، والشافعي، وأبو ثور، وحرمها أبو حنيفة، وكرهها مالك، والأوزاعي، وأبو عبيدة لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ﴾ الآية. وعن خالد قال: قال رسول الله وَّة: ((حرام عليكم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها)). ولنا، قول جابر: ((نهى رسول الله وَل يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل))، وعن أسماء قالت: ((نحرنا على عهد رسول الله وعليه فرساً، فأكلناه ونحن بالمدينة))، متفق عليهما، وحديث خالد ليس له إسناد جيد، قاله أحمد، قال: وفيه رجلان لا يعرفان، يرويه ثور عن رجل ليس بمعروف، وقال: لا ندع أحاديثنا لهذا الحديث المنكر، انتهى. وقال الباجي(٢): الخيل عند مالك مكروهة وليست بمحرمة. انتهى، وقال الدردير: المحرم: النجس، وخنزير، وبغل، وفرس، وحمار، انتهى، وحكى الأبي المالكي في ((شرح مسلم))(٣) ثلاثة أقوال في ذلك، فقال: المنع ظاهر ((الموطأ)) وكتاب السلم الثالث، والكراهة هي المعروفة، والإباحة حكاها بعض المتأخرین، انتهى. (١) ((المغني)) (٣٢٤/١٣). (٢) ((المنتقى)) (١٣٣/٣). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٨٣/٥). ١٢١ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث وَالْبِغَالِ وفي ((المحلى)): قال القرطبي في ((شرح مسلم)): مذهب مالك الكراهية، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحریم، انتهى. وقال الزرقاني: لا تؤكل تحريماً على مشهور المذهب، وقول ((المفهم)): مذهب مالك الكراهة ضعيف إلا أن تحمل على التحريم. انتهى، وسيأتي جواب الزرقاني عن حديث جابر وأسماء في آخر الباب. وفي ((الهداية))(١): يكره لحم الفرس عند أبي حنيفة، وهو قول مالك، وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي: لا بأس بأكله لحديث جابر، ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ﴾ الآية خرج مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتنّ بأدناها، ولأنه آلة إرهاب العدو فيكره أكله احتراماً له، ولذا يضرب له بسهمه في الغنيمة، ولأن في إباحته تقليل آلة الجهاد، وحديث جابر معارض بحديث خالد، والترجيح للمحرم، ثم قيل: الكراهة عنده كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه، والأول أصح، انتھی. وأجمل الشيخ الكلام في ((البذل))(٢) على مستدلات أبي حنيفة في ذلك، ورجح الطحاوي قول الصاحبين، وفي ((المحلى)): بقولهما يفتى، كما في ((العمادية)) وغيرها، وقال أبو حنيفة: أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وصحح صاحب ((الهداية) التحريم، وقيل: رجع عن ذلك قبل موته بثلاثة أيام، انتهى. (والبغال) جمع كثرة لبغل وجمع القلة أبغال، والبغل، وهو المتولد بين (١) (٤ / ١٤٠/٧). (٢) ((بذل المجهود)) (١١٣/١٦). ١٢٢ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث الفرس، والحمار، قال الدميري(١): إذا كان الذكر حماراً يكون شديد الشبه بالفرس، وإذا كان الذكر فرساً يكون شديد الشبه بالحمار، وهو عقيم، لا يولد له، لكن في تاريخ ابن البطريق في حوادث سنة ٤٤٤هـ أن بغلة بنابلس ولدت في بطن حجرة سوداء بغلاً أبيض، ويقال: إن أول من أنتجها قارون، والبغل اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، وكذا البغلة، والهاء للإفراد كالتمرة، فمن حلف لا يركب بغلاً يحنث في كليهما، وكذا في البغلة، والمتولد بين الحمار الأهلي والفرس حرام؛ لأنه متولد بين ما يحل ويحرم، فغلب جانب التحريم، فإن تولد بین حمار وحشي وفرس حَلَّ. وأما الحديث الذي رواه البزار بإسناد صحيح عن أبي واقد: ((أن قوماً مات لهم بغل، ولم يكن لهم شيء غيره، فجاءوا إلى رسول الله وَّ فرخص لهم فيه)) فمحمول على أنهم كانوا مضطرين يحلُّ لهم أكل الميتة، انتهى. وقال الموفق(٢): البغال حرام عند كل من حرم الحمر الأهلية، لأنها متولدة منها، قال قتادة: ما البغل إلا شيء من الحمار، انتهى. وقال الباجي(٣): البغال حكمها حكم الحمر، فإن قلنا: إن الحمر مكروهة فالبغال مكروهة، وإن قلنا: الحمر محرمة، فالبغال محرمة، انتهى، وحرمه الدردير كما تقدم. وفي (الهداية))(٤): لا يجوز أكل لحوم الحمر الأهلية والبغال، وفي ((الدر المختار))(٥): لا يحل البغل الذي أمه حمارة، فلو أمه بقرة أكل اتفاقاً، ولو (١) ((حياة الحيوان)) (٢٠٠/١). (٢) ((المغني)) (٣١٩/١٣). (٣) ((المنتقى)) (١٣٣/٣). (٤) (١٣٩/٧/٤). (٥) (٥٠٨/٩). ١٢٣ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حدیث وَالْحَمِيرِ، فرساً فكأمِّه، قال ابن عابدين: فيكون على الخلاف الذي في الخيل؛ لأن المعتبر في الحل والحرمة الأم، انتهى. (والحمير) جمع حمار، ويجمع أيضاً على حمر، وأحمرة، والأنثى أتان، والحمارة نادرة، وليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه، ويلقح إلا الحمار والفرس، ويوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها ولو مرة، يحرم أكله عند أكثر أهل العلم، وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس، رواه عنه أبو داود في ((سننه))، قاله الدميري(١). وقال الموفق(٢): أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية، قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبي 18 كرهوها، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها، وحكي عن ابن عباس، وعائشة: أنهما كانا يقولان بظاهر قوله سبحانه: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَىَ﴾ الآية، وتلاها ابن عباس، وقال: ما خلا هذا فحلال، وسئلت عائشة عن الفأرة فقالت: ما هي بحرام، وتلت هذه الآية، ولم ير عكرمة، وأبو وائل بأكل الحمر بأساً، وروى غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة، فقلت: يا رسول الله، أصابتنا سنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية، فقال: ((أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جَوالِ القرية))(٣). ولنا، ما روى جابر أن النبي ◌ّ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، متفق عليه، قال ابن عبد البر: روى عن النبي ◌َّير تحريم الحمر الأهلية علي (١) ((حياة الحيوان)) (٣٣٨/١، ٣٣٩). (٢) («المغني)) (٣١٧/١٣). (٣) أخرجه أبو داود (٣٨٠٨). ١٢٤ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: وابن عمر، وابن عمرو، وجابر، والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وزاهر الأسلمي بأسانيد صحاح حسان، وحديث غالب بن أبجر لا يُعَرَّج على مثله مع ما عارضه، ويحتمل أن رسول الله وَّ﴿ رخص لهم في مجاعتهم، وبَيَّنَ علة تحريمها المطلق لكونها تأكل العذرات، قال عبد الله بن أبي أوفى: حرمها رسول الله وَه البتة من أجل أنها تأكل العذرة. متفق عليه. وقال الباجي(١): اختلفت الرواية عن مالك فيها، فقيل: إنها محرمة، وقيل: إنها مكروهة غير محرمة. ذكر ذلك القاضي أبو محمد، انتهى. وذكر القاضي أبو الحسن رواية الكراهة خاصة. انتهى، وتقدم ما قال الدردير من أن الحمار محرم، وقال الزرقاني في النكاح تحت حديث المتعة: إن النهي للتحريم أو الكراهة، قولان لمالك، والمعتمد عن مالك تحريمها، انتهى. (أنها) أي: الثلاثة (لا تؤكل) تحريماً بالإجماع في البغال، والحمير، وكذا في الفرس عند الحنفية، والمالكية مع الاختلاف في الكراهة والحرمة خلافاً للشافعي، وأحمد وغيرهما؛ إذ قالوا بالإباحة فيها (لأن الله تبارك وتعالى) هذا دليل لما ادّعاه. قال الباجي: استدل مالك على المنع من أكل لحوم الخيل، والبغال، والحمير بالآية، وأصل الاستدلال لابن عباس - رضي الله عنه -، قال السيوطي في ((الدر)) (٢): أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وغيرهما عن سعيد بن جبير قال: سأل رجل ابن عباس عن أكل لحوم الخيل، فكرهها، وقرأ الآية، وفي رواية أخرى عنه أنه كان يكره لحوم الخيل، ويقول: قال تعالى: ﴿وَاُلْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ﴾ الآية، فهذه للأكل ﴿وَالْخَيَّلَ وَاَلْبِغَالَ﴾ الآية، فهذه للركوب، (قال) (١) ((المنتقى)) (١٣٣/٣). (٢) ((الدر المنثور)) (٩٩/٥). ١٢٥ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حدیث ﴿ وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَاَلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾ وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ءےہ الْأَنْعَامِ : وخلق (﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾(١)) اللام للعلة المفيدة للحصر الدالة على أنها لم تخلق لغير ما ذكر، ولعطف البغال والحمير، وهو يقتضى الاشتراك في التحريم، وبأنها سيقت للامتنان، فلو كانت ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، كذا في ((المحلى))، وبهذا الأخير استدل مالك كما سيأتي. (﴿وَزِينَةٌ﴾) مفعول له، كذا في ((الجلالين))، أي: كل منهما مفعول له، لكن جر الأول باللام لاختلاف الفاعل؛ لأن فاعل الركوب المخلوقون، وفاعل الخلق هو الله عز اسمه، ونصب الثاني لاتحاد الفاعل؛ لأن المزين هو الله تعالى، والخالق هو الله تعالى، كذا في ((الجمل)). (وقال تبارك وتعالى في) منافع (الأنعام) جمع نعم، قال الدميري(٢): النعم عند اللغويين: الإبل والشاه، يذكر ويؤنث، والجمع أنعام، وجمع الجمع أناعيم، وعند الفقهاء النعم يشمل الإبل، والبقر، والغنم، وقال ابن الأعرابي: النعم الإبل خاصة، والأنعام الإبل والبقر والغنم، وحكى القشيري في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمًا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ (®﴾(٣) أنها الإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، والنعم كثيرة الفائدة سهلة الانقياد، وليس لها شراسة الدواب، ولا نفرة السباع، وجعل من شأنها الثبات والصبر على التعب والجوع والعطش، وخلقها ذلولاً تقاد بالأيدي كما قال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُنَ (@)﴾(٤)، انتھی. وَلَهُمْ فِيهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٍّ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (١) سورة النحل: الآية ٨. (٢) ((حياة الحيوان)) (٤٩٠/٢). (٣) سورة يس: الآية ٧١. (٤) سورة يس: الآية ٧٢. ١٢٦ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث ﴿لِتَرْكَبُوْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾ وقال الراغب: النعمة: الحالة الحسنة، والنعم مختص بالإبل، وجمعه أنعام، وتسميته بذلك لكون الإبل عندهم أعظم نعمة، لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَاُلْأَنْعَمُ﴾(١) فالأنعام هاهنا عام في الإبل وغيرها، انتهى. فقال عز اسمه في منافع الأنعام في سورة غافر: ﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَمَ (لِتَكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُونَ﴾)(٢). قال الزرقاني(٣): أتى بهذه الآية؛ لأن فيها لام التعليل المفيدة للحصر عنده، لأنه في مقام الاستدلال، ولذا عدل عن قوله في سورة النحل قبل آية الخيل ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾﴾(٤) (وقال تبارك وتعالى) أيضاً في موضع آخر في منافع الأنعام: (لِيَذْكُرُوا) هكذا في جميع النسخ باللام، وأشكل عليه بأن التلاوة: ﴿وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ﴾ كما أورده الزرقاني، وعندي له وجه سيأتي بيانه (﴿آسْمَ اللَّهِ﴾) عند الذبح (﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم﴾) الله تعالى (﴿مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ﴾) في ((القاموس)): البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حيّ لا يُمَيِّز، والجمع: البهائم. والأبهم: الأعجم، واستبهم: استعجم، فلم يقدر على الكلام، كذا في ((الجمل)). قال الدميري(٥): البهمة بفتح الباء، الصغير من أولاد الغنم، والبقر، (١) سورة يونس: الآية ٢٤. (٢) سورة غافر: الآية ٧٩. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٩٢/٣). (٤) سورة النحل: الآية ٥. (٥) («حياة الحيوان)) (٢٢٨/١). ١٢٧ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ والوحش، وغيرها، الذكر والأنثى سواء، والجمع: بهم، وبهام، وبهامات، والبهيمة: كل ذات أربع من دواب البر والبحر، قاله ابن سيده، والجمع: بهائم، سميت بهيمة لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها، ومنه: باب مبهم ومغلق. قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾ فأضاف الجنس إلى ما هو أخص منه، وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج. وما أضيف إليها من سائر الحيوان يقال له أنعام مجموعة معها، وكأن المفترس وكل ذي ناب خارج عن حد الأنعام، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع، انتهى. (﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾) إن شئتم، قال الرازي: فمن الناس من قال: إنه أمرُ وجوب؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها ترفعاً على الفقراء، فأُمِرَ المسلمون بذلك لما فيه من مخالفة الكفار، ومساواة الفقراء، وقال الأكثرون: ليس على الوجوب، ومذهب الشافعي أن الأكل مستحب والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، انتهى. (﴿ وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَاُلْمُعْتَرَّ﴾) سيأتي معناهما، ثم هكذا ذكر الإمام قوله عز اسمه. والظاهر عندي أنه رحمه الله لم يُرِدِ التلاوة، بل أشار إلى مضمون ثلاث آيات من سورة الحج، فيها ذكر الأكل من الأنعام، الأولى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَّهِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾(١) الآية، وفيها ذكر الأكل في قوله: ﴿رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَرِّ﴾ . والآية الثانية: ﴿وَأَذِّن فِ النَّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِحَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجّ عَمِيقٍ ◌َ لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ أُسْمَ اللَّهِ فِىّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيرَ ◌ّ أمر للأكل منها . (١) سورة الحج: الآية ٢٢. ١٢٨ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْتُ أَنَّ الْبَائِسَ هُوَ الْفَقِيرُ، والثالثة: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُمْ مِّن شَعَكِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيَهَا خَيْرٌّ فَذَكُرُواْ أَسْمَ الَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَفَّ فَإِذَا وَجَتْ جُنُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْتَزَّ﴾(١) الآية، وفيها الأمر بالأكل والإطعام من البدن، والبدنة إيل أو تعم البقرة أيضاً، كما تقدم في محله، فالمصنف أشار إلى هذه الآيات الثلاث عندي، ولذا فسر المعتر والبائس المذكورين في الآيتين. (قال مالك: وسمعت) أهل العلم (أن البائس) المذكور في الآية هو الفقير)، فصفته بالفقير في الآية المذكورة، أي: في قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَابِسَ الْفَقِيرَ﴾ إشارة إلى شدة فقره، قال صاحب ((الجلالين))(٢): ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيرَ﴾ أي الشديد الفقر، وأخرج السيوطي في ((الدر))(٣) عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ اٌلْفَقِيرَ﴾ قال: البائس الذي لم يجد شيئاً من شدة الحاجة، وأخرج عن عكرمة قال: البائس المضطر الذي عليه البؤس، والفقير الضعيف، وعن مجاهد قال: البائس الفقير، هما سواء؛ وعن قتادة: البائس الفقير الذي به زمانة، وهو فقير، انتهى. وقال الراغب(٤): البؤس والبائس والبأساء: الشدة والمكروه، إلا أن البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية، انتهى. وقال الباجي(٥) بعد قول مالك: هذا مما ذكره العلماء وأهل التفسير، (١) سورة الحج: الآية ٣٦. (٢) (ص٤٣٨). (٣) ((الدر المنثور)) (٣٧/٦). (٤) ((مفردات القرآن)) (ص ١٥٣). (٥) ((المنتقى)) (١٣٣/٣). ١٢٩ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث وَأَنَّ الْمُعَتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ. قَالَ مَالِكٌ: فَذَكَرَ اللَّهُ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ، وَالزِّينَةِ، وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ. ويقتضيه المعنى، وذلك أن البائس من وجد به البؤس، والفقر من جملة البؤس (وأن المعتزّ هو الزائر) الذي يعتريك، ويتعرض لك لتعطيه، ولا يفصح بالسؤال قاله الزرقاني(١)، واختلف في معناه على أقاويل يأتي ذكرها في قول مالك الآتي قريباً. (قال مالك) مبيناً وجه الاستدلال، وتقريباً للحجة (فذكر الله) تعالى (الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة، وذكر الأنعام للركوب والأكل) قال الزرقاني(٢) تبعاً للحافظ في ((الفتح)): بينوا وجه الدليل بأمور: أحدها: أن لام التعليل تفيد أن الخيل وما عطف عليها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها خلاف ظاهر الآية الذي هو أولى في الحجية من أخبار الآحاد ولو صح. وثانيها: عطف البغال والحمير على الخيل دالٌّ على اشتراكها معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليه إلى دليلٍ، وحديث أسماء في ((الصحيحين)) (٣): نحرنا فرساً على عهد رسول الله وَلخير، فأكلناه ونحن بالمدينة، بعد تسليم أنه ﴿ اطلع على ذلك، وأنهم لم يفعلوه باجتهادهم على ما هو المرجح من جواز الاجتهاد في عصره ◌ّ﴾ قضية عين يتطرق إليها الاحتمال؛ إذ هو خبر لا عموم فيه. (١) (شرح الزرقاني)) (٩٢/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٩٢/٣). (٣) صحيح البخاري (٥٥١٠ - ٥٥١١) باب النحر والذبح، و((فتح الباري)) (٦٤٠/٩)، ومسلم في الصيد ح (٤٩٣٧) باب في أكل لحوم الخيل. ١٣٠ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث وأما حديث جابر في (الصحيحين)): ((نهى النبي ◌َّ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ورخص في الخيل)) فهو من أدلة التحريم لقوله: ((رخّص))؛ إذ الرخصة استباحة الممنوع لعذر مع قيام المانع، فدل على أنه رخّص لهم بسبب المخمصة الشديدة التي أصابتهم بخيبر، ولا يدل ذلك على الحل المطلق الذي هو محل النزاع. وأما كون أكثر الروايات بلفظ ((أذن)) كما في مسلم، ففيه تقوية لاحتجاجنا؛ لأن لفظ ((أذن)) دون ((أباح)) دالّ على ذلك، وكذا لفظ ((أمر)» معناه في هذا الوقت للمخمصة. ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتنُّ بأدنى النعم، وهو الركوب والزينة هاهنا ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها في قوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ . رابعها: لو أبيح الأكل لفاتت المنفعة بها فيما وقع الامتنان به من الركوب والزينة، وأجيب عن الأول بأن آية النحل مكيّة، فلو فهم وَّ منها المنع لما أذِن في أكلها في خيبر، وجوابه أن محمل الإذن فيه المخمصة، فإذنه لا ينافي فهمه منها المنع، وأما دعوى أن آية النحل ليست نصاً في المنع، وحديث أسماء صريح في الجواز فيقدم الصريح على المحتمل، فجوابه: أن المتبادر من الآية المنع، وذلك كافٍ في الاستدلال على ما عرف في الأصول. وأما دعوى أن اللام لا تفيد الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما وغير الأكل اتفاقاً كحمل الأمتعة والاستقاء ونحوهما، وإنما ذكر الركوب والزينة؛ لأنهما أغلب ما تطلب له الخيل، فجوابه أن معنى الحصر فيهما دون الأكل الممتنّ به في غير الخيل، فهو إضافي، فلا ينافي الانتفاع بها فيما ذكر، والدليل على أنه إضافي الإجماع، والحمل ونحوه رکوب حكماً . ١٣١ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حديث وأجيب عن الثاني: بأن عطف البغال والحمير إنما هو دلالة اقتران، وهي ضعيفة، وجوابه أنا لم نستدل بها فقط، بل مع الإخبار بأنه خلقها للركوب والزينة، وامتنانه بالأكل من الأنعام دونها، وعن الثالث: أن الامتنان إنما يقصد به غالب ما كان يقع انتفاعهم به، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال وللأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، والجواب أن هذا ممنوع، وسنده أنه لا دليل على أن المقصود بالامتنان غالب ما يقصد به. وأجيب عن الرابع: بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى للزم مثله في الأنعام، وقد وقع الامتنان بها، وجوابه أن الفرق موجود؛ لأن ما وقع التصريح بالامتنان بأكله لا يقاس عليه ما وقع فيه الامتنان بأنه للركوب والزينة، فاللازم ممنوع، وقد روي عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل، ويقرأ: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاْ لَكُمْ﴾ الآية، ويقول: هذه للأكل، والخيل والبغال والحمير، ويقول: هذه للركوب. فهذا صحابي من أئمة اللسان، ومقامه في القرآن معلوم، وقد سبق مالكاً على الاستدلال بذلك، انتهى. والظاهر أن ابن عباس - رضي الله عنه - سمعه من النبي وَلّر، فالتفسير لا يكون برأيه. وقال الباجي(١): استدل مالك على المنع من الأكل بالآية، وذلك من وجهين: أحدهما: أن لام كي بمعنى الحصر، وذلك أنه أخبر تعالى أنه إنما خلقها للركوب والزينة، وقصد بذلك الامتنان علينا، وإظهار إحسانه إلينا، فدل ذلك على أنه جميع ما أباحه لنا منها، ولو كانت فيها منفعة غيرها لذكرها ليبين إنعامه علينا، أو ليظهر إباحة ذلك إلينا، فإن إخباره تعالى أنه خلقها لهذا المعنى دليل على أنه جميع التصرف المباح فيها . (١) ((المنتقى)) (١٣٢/٣). ١٣٢ ٢٤ - كتاب الصيد (٥) باب (١٠٣٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَالْقَانِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضاً. والوجه الثاني: أنه تعالى ذكر الخيل وقرينيها، فأخبر أنه خلقها للركوب والزينة، وذكر الأنعام فأخبر أنه خلقها لنركب ونأكل، فلما عدل في الخيل وقرينيها عن ذكر الأكل، دل ذلك على أنه لم يخلقها لذلك، وإلا بطلت فائدة التخصیص بالذکر، انتهى. وتقدم قول صاحب ((الهداية))(١): إن قوله تعالى: ﴿وَالْخَيَّلَ﴾ الآية، خرج مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتنّ بأدناها، وفي ((حواشيه)): قد اعترض بأنه ترك ذكر الحمل عليه فينبغي أن لا يحمل عليه، وهو فاسد، فإن الكلام في أن ترك أعلى النعم والذهاب إلى ما دونه دليل حرمة الأعلى، والحمل ليس كذلك، انتهى. (قال مالك: والقانع) الوارد في قوله عز اسمه: ﴿ وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَ﴾ (هو الفقير أيضاً) كما أن البائس هو الفقير، واختلفوا في معنى القانع والمعتر، قال الرازي(٢): القانع: السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً إذا سأل، قال أبو عبيد: هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم، ويسأل معروفهم ونحوه، قال الفرّاء: والمعنى الثاني، القانع: الذي لا يسأل، من القناعة، يقال: قنع يقنع قناعة، إذا رضي بما قسم له وترك السؤال، أما المعترُ، فقيل: إنه المتعرض بغير سؤال، وقيل: إنه المتعرض بالسؤال، قال ابن الأعرابي: يقال: عروت فلاناً، وأعررته، وعروته إذا أتيته تطلب معروفه ونحوه، قال أبو عبيد: والأقرب أن القانع هو الراضي بما يدفع إليه من غير سؤال، والمعترّ هو الذي يتعرض ويطلب، ويعتريهم حالاً بعد حال، فيفعل ما يدل على أنه لا يقنع بما يدفع إليه أبداً، وقرأ الحسن: المعتري، وقرأ أبو رجاء: المقنع، وهو الراضي لا غير، انتھی. (١) (٤ / ١٤٠/٧). (٢) ((التفسير الكبير)) (٣٥/٢٣). ١٣٣ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب (٦) باب ما جاء في جلود الميتة وأخرج السيوطي في ((الدر) (١): عن ابن عمر أنه كان بمنى، فتلا هذه الآية، وقال لغلام معه: هذا القانع الذي يقنع بما آتيته، وعن ابن عباس: القانع المتعفف، والمعتر السائل، وعنه: القانع الذي يقنع بما أوتي، والمعتر: الذي يتعرض، وعنه: القانع الذي يجلس في بيته، وبسط الآثار في ذلك. (٦) ما جاء في جلود الميتة قال النووي في ((شرح مسلم))(٢): اختلف العلماء في دباغ الجلود الميتة وطهارتها بالدباغ على سبعة مذاهب: أحدها: مذهب الشافعي أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير، والمتولد من أحدهما، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه، ويجوز استعماله في المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروي هذا المذهب عن علي، وابن مسعود. والثاني: لا يطهر شيءٌ من الجلود بالدباغ، وروي هذا عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعائشة، وهو أشهر الروايتين عن أحمد، وإحدى الروايتين عن مالك. والثالث: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه. والرابع: تطهر جلود جميع الميتات إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة. الخامس: يطهر الجميع إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، وهذا مذهب مالك المشهور في حکایة أصحابه عنه. (١) ((الدر المنثور)) (٥٢/٦). (٢) (٥٤/٤). ١٣٤ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب السادس: يطهر الجميع والكلب، والخنزير ظاهراً أو باطناً وهو مذهب داود، وأهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف. السابع: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو مذهب الزهري، وهو وجه شاذَّ لبعض أصحابنا، لا تفریع علیه، ولا التفات إليه، انتهى. وهكذا حكى المذاهب السبعة العيني عن ((التوضيح))، وزاد في السابع مع الزهري الليث، وقال أيضاً: هو مشهور عنهما على أنه روي عنهما خلافه. وقال الموفق(١): لا يختلف المذهب في نجاسة جلد الميتة قبل الدبغ، ولا نعلم أحداً خالف فيه، وأما بعد الدبغ فالمشهور في المذهب أنه نجس أيضاً، وهو إحدى الروايتين عن مالك، ويروى ذلك عن عمر، وابنه، وعمران بن حصين، وعائشة، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يطهر منها جلد ما كان طاهراً في حال الحياة، وروي نحو هذا عن عطاء، والحسن، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والليث، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة مع اختلافهم فيما هو طاهر في الحياة، وهو مذهب الشافعي، وهو يرى طهارة الحيوان كلها إلا الكلب، والخنزير، فيطهر عنده كل جلد إلا جلدهما. وله في جلد الآدمي وجهان، وإذا قلنا: بطهارة الجلد بالدبغ لم يطهر منها جلد ما لم يكن طاهراً في الحياة، نص عليه أحمد، وقال بعض أصحابنا : لا يطهر إلا ما كان مأكول اللحم، وهو مذهب الأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق، وقال أبو حنيفة: يطهر كل جلد بالدبغ إلا جلد الخنزير، وحكي عن أبي يوسف أنه يطهر كل جلد، وهو رواية عن مالك، ومذهب من حكم بطهارة (١) ((المغني)) (٨٩/١). ١٣٥ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب الحيوانات كلها؛ لأنه عليه السلام قال: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر))، ولأنه إنما نجس باتصال الدماء والرطوبات به بالموت، والدبغ يزيل ذلك، فيرتد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة. ولنا، ما روى عبد الله بن عكيم أن النبي وَّ كتب إلى جهينة: ((إنى كنت رخّصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) رواه أبو داود(١)، انتهى. قلت: وسيأتي الكلام على الحديث قريباً . ثم قال الموفق(٢): وهل يجوز الانتفاع به في اليابسات؟ فيه روايتان، الجواز وعدمه، ولا يجوز الانتفاع بجلود السباع قبل الدباغ، ولا بعده كما قاله القاضي، انتهى. وفي ((نيل المآرب))، و((الروض المربع(٣)): لا يطهر جلد ميتة بدباغ، لكن يباح استعماله بعد الدبغ في يابس لا مائع إذا كان الجلد من حيوان طاهر في الحياة مأكولاً كان أو لا، أما جلود السباع فلا يباح دباغه، ولا استعماله قبل الدبغ ولا بعده، انتهى. وقال الدردير(٤): النجس: جلد ولو دبغ فلا يؤثر دبغه طهارة في ظاهره، ولا باطنه، وخبر ((أيما إهاب دبغ فقد طهر))، ونحوه محمول عندنا في مشهور المذهب على الطهارة اللغوية وهي النظافة، ولذا أجاز الانتفاع في جلد الميتة مطلقاً، سواء من جلد مباح الأكل أو محرمه، بعد دبغه في يابس كالحبوب، وفي ماء؛ لأن له قوة الدفع عن نفسه لطهوريته، فلا يضره إلا ما غير أحد أوصافه (١) أخرجه أبو داود (٤١٢٧، ٤١٢٨). (٢) ((المغني)) (١/ ٩٢). (٣) (٣١/١). (٤) ((الشرح الكبير)) (١/ ٥٤). ١٣٦ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب (١٠٤٠) حديث ١٦/١٠٤٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّ الثلاثة لا في نحو عسل، ولبن، وسمن، وماء زهر، ويجوز لبسها في غير الصلاة لا فيها، لنجاستها إلا جلد خنزير، فلا يرخص فيه مطلقاً ذكي أم لا؛ لأن الذكاة لا تعمل فيه إجماعاً، فكذا الدباغ على المشهور. وكذا جلد الآدمي لشرفه كما يعلم من وجوب دفنه. انتهى بتغيير. ١٦/١٠٤٠ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بفتحها (ابن عتبة) بضمها وسكون المثناة الفوقية (ابن مسعود، عن عبد الله بن عباس) قال ابن عبد البر(١): هكذا رواه يحيى، فجَوَّدَ إسناده، وأتقنه، وتابعه ابن وهب، وابن القاسم، وجماعة، ورواه ابن بكير، والقعنبي، وقوم عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله مرسلاً، والصحيح وصله، وكذا رواه معمر، ويونس، والزبيدي، وعقيل كلهم، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، كذا في الزرقاني، وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): جَوَّد يحيى إسناده، وتابعه على روايته هذه ابن وهب، وابن القاسم، وجماعة، وأفسد إسناده القعنبي، وابن بکیر، انتهى. قلت: وأخرجه البخاري في (صحيحه))(٣) في ((الزكاة)) برواية ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، وفي ((البيوع))، و((الذبائح)) برواية صالح بن كيسان، عن الزهري موصولاً بهذا السند (أنه قال: مر رسول الله وَ له) قال الحافظ (٤): (١) ((الاستذكار)) (٣٣٦/١٥)، و((شرح الزرقاني)) (٩٣/٣). (٢) (ص١٣٦). (٣) أخرجه البخاري في ((الزكاة)) (١٤٩٢). (٤) (فتح الباري)) (٦٥٨/٩). ١٣٧ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب (١٠٤٠) حديث بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ. كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ فَقَالَ: ((أَفَلَا وسِلاً انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟)) كذا للأكثر وزاد بعض الرواة عن الزهري، عن ابن عباس، عن ميمونة، أخرجه مسلم، وغيره من رواية ابن عيينة، والراجح عند الحفاظ في حديث الزهري، ليس فيه عن ميمونة، نعم، أخرج مسلم، والنسائي من طريق ابن جريج، عن ابن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس أن ميمونة أخبرته، انتهى. (بشاة ميتة) بكسر التحتية مشدودة أو بسكونها مخففة، قال العيني: التخفيف والتثقيل فيه سواء على قول أكثر أهل اللغة، وقيل: بالتخفيف لما مات، وبالتشدید لما لم يمت بعد. (كان أعطاها مولى) هكذا في النسخ الهندية، وكذا لفظ محمد في ((موطئه))، وفي النسخ المصرية ((مولاة)) بالتأنيث، وكذا عند البخاري في رواية يونس كما سيأتي، قال الحافظ: لم أعرف اسمها (الميمونة زوج النبي ◌َّ) ولفظ محمد في ((موطئه)): كان أعطاها مولى لميمونة، قال المحشي(١): الظاهر أن هذه الشاة أعطاها مولى أو مولاة لأحد، والذي في عامة الكتب أنها تصدق بها على مولاة لميمونة، انتهى. قلت: هذا إذا كان مولاة أو مولى فاعل الإعطاء، وظاهر السياق أنه مفعول، والضمير الذي هو الفاعل يرجع إلى النبي بَير، ويؤيده لفظ البخاري برواية يونس، عن الزهري: وجد النبي وَلفر شاة ميتة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة، فالظاهر أن النبي وَلقر أعطاها من شاة الصدقة، ولفظ أبي داود برواية سفيان عن الزهري، قالت ميمونة: أهدي لمولاة لنا شاة من الصدقة فماتت فمر بها النبي وَ لّ فقال: ((ألا دبغتم إهابها)). (فقال) وَّل: (أفلا انتفعتم بجلدها) ولفظ البخاري: ((هلا استمتعتم (١) ((التعليق الممجد)) (٥١٩/٣). ١٣٨ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب (١٠٤٠) حدیث فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْنَةٌ، بإهابها))، قال الزرقاني(١): ومسلم من طريق ابن عينية: ((هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به))، لكنها شاذَّةٌ عن الزهري، كما قال ابن عبد البر وغيره، انتھی. وقال العيني(٢): اتفق الزبيدي، وعقيل، وسليمان بن كثير، والأوزاعي على ذكر الدباغ في هذا الحديث عن الزهري، وكان ابن عينية مرة يذكره ومرة لا يذكره، قال محمد بن يحيى النيسابوري: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عينية لاضطرابه فيه، وأما ذكر الدباغ فلا يوجد إلا عن يحيى بن أيوب عن عقيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا يونس الدباغ، وهو الصحيح في حديث الزهري، وبه كان يفتي، وأما من غير رواية الزهري فصحيح محفوظ عن ابن عباس، انتهى. قال الحافظ: استدل بهذا الحديث الزهري بجواز الانتفاع بجلد الميتة مطلقاً، سواء دبغ أو لم يدبغ، لكن صح التقييد من طرق أخرى بالدباغ، وهي حجة الجمهور، انتهى. (فقالوا: يا رسول الله إنها ميتة) بتشديد التحتية المكسورة وتخفيف الساكنة كما تقدم. قال الحافظ(٣): لم أقف على تعيين القائل، وقال ابن أبي جمرة: فيه مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره، وكأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا؟ وقال الحافظ: فيه حسن مراجعتهم وبلاغتهم في الخطاب؛ لأنهم جمعوا معاني كثيرة في كلمة واحدة، وهي قولهم: إنها ميتة، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٩٣/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٤٧). (٣) ((فتح الباري)) (٦٥٨/٩). ١٣٩ ٢٤ - كتاب الصيد (٦) باب (١٠٤٠) حدیث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا)). أخرجه البخاريّ في: ٢٤ - كتاب الزكاة، ٦١ - باب الصدقة على موالي أزواج النبيّ ◌َّد. ومسلم في: ٣ - كتاب الحيض، ٢٧ - باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، حديث ١٠١. (فقال رسول الله وَالر: ((إنما حرم أكلها))) بفتح الحاء وضم الراء المخففة، وبضم الحاء وكسر الراء الثقيلة روايتان، حكاهما النووي وغيره. قال العيني: (١) اتفق معمر، ومالك، ويونس على قوله: ((إنما حرم أكلها)) إلا أن معمر قال: ((لحمها))، ولم يذكر واحد منهم زيادة ((دباغ أهلها طهورها))، وكان ابن عينية يقول: لم أسمع أحداً يقول: ((إنما حرم أكلها)) إلا الزهري، انتھی . قال الباجي(٢): قوله وَلقول: ((إنما حرم أكلها)) تبيين لما حرم منها وإعلام أن الانتفاع بها لم يفت بفوتها، بل يمكن استدراكها بالدباغ، وليس في الحديث تصريح بطهارة جلد الميتة، وإنما فيه الإخبار عن جواز الانتفاع بها . وقد استدل أصحاب الشافعي من هذا الحديث على طهارة جلد الميتة بالدباغ لقوله : ((إنما حرم أكلها))، و((إنما)) للحصر، وهذا يقتضي أن ما عدا الأكل منه باقٍ على ما كان عليه من الإباحة فيها، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لم يجر للطهارة ولا للنجاسة ذكر، وإنما جرى ذكر جواز الانتفاع بها فيجب أن يكون قوله: ((إنما حرم أكلها)) راجعاً إليه في إباحة ما يقتضي اللفظ إباحته منه، ومنع ما يقتضي اللفظ المنع منه، فأما الطهارة والنجاسة فلم يجر لهما ذكر، فلا يتعلق بهما شيء من اللفظ بحصر ولا غيره، ولذا قال أكثر أصحابنا، وأصحابهم: إنه لا يجوز بيعها؛ لأن لفظ الانتفاع بها لا يتناوله، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٤٧). (٢) ((المنتقى)) (١٣٤/٣). ١٤٠