النص المفهرس
صفحات 81-100
٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب في ((الصحيحين)) مع قوله عز وجل: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾(١) وهذا لم يمسك علينا، وقدموا هذا على حديث أبي ثعلبة؛ لأنه أصح منه. ومنهم من تأوّل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل بعد أن قتله، وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر، وأما جوارح الطير إذا أكلت مما صادته فالأصح عند أصحابنا، والراجح من قول الشافعي تحريمه، وقال سائر العلماء: بإباحته، انتهى. وقال الدردير(٢): والمعلم هو الذي إذا أرسل أطاع، وإذا زجر انزجر، ولو أكل الجارح شيئاً من الصيد ولو جُلَّه، قال الدسوقي: قوله: ((إذا زجر انزجر)) هذا الشرط غير معتبر في الباز؛ لأنه لا ينزجر، بل رجّح بعضهم عدم اعتبار الانزجار مطلقاً؛ لأن الجارح لا يرجع بعد استيلائه، انتهى. وقال الأبي في ((شرح مسلم)) (٣): لم يختلف في أن التعليم شرط، ولم يُبَيَّن (أي في الحديث) ما هو التعليم، وفيه طريقان: الأولى بين أن المذهب اختلف في ذلك على أربعة أقوال: الأول: أنه إذا أشلي أطاع، الثاني: إذا أشلي أطاع، وإذا دعي أجاب، الثالث: إذا أشلي أطاع، وإذا دُعي أجاب، وإذا زجر انزجر، أي: كف، إن كان الجارح كلباً، وإن كان غير كلب لم يشترط فيه الانزجار، لأن الطير لا ينزجر، ومحل الانزجار بعد الإرسال، وقبل أخذ الصيد، والرابع: إذا أشلي أطاع، وإذا دعي أجاب، وإذا زجر انزجر، كلباً كان أو غيره. والطريقة الثانية: هي أن المعتبر في التعليم العرف، فكل ما هو تعليم في (١) سورة المائدة: الآية ٤. (٢) ((الشرح الكبير)) (١٠٣/٢ - ١٠٤). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٧٠/٥). ٨١ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب العرف والعادة فهو تعليم، وذلك معروف عند الناس، فإنه يصفون بعضها بأنه معلّم، وبعضها أنه غير معلم، وهذه الطريقة أسعد بالحديث، فإنه نَبَّه فيه على اعتبار التعليم، ولم يُنَّبِّه على الصفة التي يكون الجارح بها معلماً، انتهى. وقال الباجي(١): قال ابن حبيب: تعليم الكلب أن تدعوه فيجيب، وتشليه فينشلي، وتزجره فيزدجر، وكذلك الفهود، وأما البزاة والصقر والعقبان فإن تجيب إذا دعيت، وتنشلي إذا أشليت، ولا تزدجر إذا زجرت، لأن ذلك لا يمكن فيها، قاله ربيعة، وابن الماجشون، وكان ابن القاسم يقول في البزاة: إنها كالكلاب تجيب عند النداء، وتفقه الزجر، وأما ما لا يفقه الزجر من سائر الحيوان فلا يجوز أكل ما قتل من الصيد، إلا أن تدرك ذكاته، انتهى. وفي ((البدائع))(٢): أما تعليم الكلب، فهو أنه إذا أرسل اتبع الصيد، وإذا أخذه أمسكه على صاحبه، ولا يأكل منه شيئاً، وهذا قول عامة الفقهاء، وقال مالك: تعليمه أن يتبع الصيد إذا أرسل، ويجيب إذا دعي، وهو أحد قولي الشافعي، ثم قال تقريباً لدعواه: إن الكلب، ونحوه من السباع، من طباعهم أنهم إذا أخذوا الصيد، فإنما يأخذون لأنفسهم، فإذا أخذ واحد منهم الصيد، ولم يتناول منه دل أنه ترك عادته، وإذا أكل دل أنه على عادته، سواء اتبع الصيد إذا أغري واستجاب إذا دعي أو لا، لأنه ألوف في الأصل يجيب إذا دعي ويتبع إذا أغري، فلا يصلح ذلك دليلاً على تعلمه، فثبت أن معنى التعلم لا يتحقق إلا بما قلنا . وفي ((الهداية))(٣): تعليم الكلب أن يترك الأكل ثلاث مرات، وتعليم (١) ((المنتقى)) (١٢٦/٣). (٢) (بدائع الصنائع)) (٤/ ١٧٧). (٣) (٣١١/٧/٤). ٨٢ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب البازي أن يرجع، ويجيب إذا دعوته، وهو مأثور عن ابن عباس، ولأن بدن البازي لا يحتمل الضرب، وبدن الكلب يحتمله فيضرب ليتركه، ولأن آية التعليم ترك ما هو مألوفه عادة، والبازي متوحش متنفر، فكانت الإجابة آية تعليمه، وأما الكلب فهو ألوفٌ يعتاد الانتهاب، فكان آية تعليمه ترك مألوفه، وهو الأكل والاستلاب. انتهى؛ وإنما بسطت في أقاويلهم في شروط التعليم، لأن عامة نقلة المذاهب من شُرّاح الحديث وأتباع المذاهب خلطوا المذاهب في ذلك، وذلك لاختلاف روایاتهم في ذلك. وعُلِمَ مما سبق أن هاهنا عدة أمور عُدَّتْ في شرائط التعليم، أحدها: الاسترسال إذا أرسل، وهذا إجماعي في التعليم، كما قاله ابن رشد، وذكره في شروط التعليم الموفق، وشارح ((الإقناع))، وصاحب ((البدائع)) إلا أنه أنكره في ((التقريب))، لم يذكره صاحب (المنهاج)) و((الروضة)) في جارحة الطير. الثاني: الانزجار إذا زجر، وهو شرط في الكلاب عند الثلاثة، إلا في قول للمالكية، حكاه الدسوقي، والأبي، بخلاف الحنفية؛ فإنهم لم يذكروه. وأما في الطير فكذلك شرط عند أحمد، وكذلك عند الشافعي، خلافاً لما في ((الروضة)) و((المنهاج))، وشرط عند الحنفية. والثالث: ترك الأكل، وهو شرط عند الحنفية في الكلاب، دون الطير، وشرط عند أحمد في أصح قوليه في السباع دون الطير، والقول الثاني له: لا يشترط مطلقاً، وهو قول مالك، ويشترط مطلقاً عند الشافعي في أصح قوليه، فلا يحل أكل ما أكل منه الجارح أو الطير عنده، وفي قول ضعيف له: يحل، كما تقدم عن النووي. قال ابن رشد(١): فالخلاف في هذا الباب يرجع إلى موضعين، أحدهما: (١) ((بداية المجتهد)) (٤٥٧/١). ٨٣ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب هل من شرط التعليم أن ينزجر إذا زجر؟ والثاني: هل من شرطه أن لا يأكل؟ انتھی. والبحث الثالث: متى يتحقق التعليم؟ قال الرازي في ((التفسير الكبير))(١): قال الشافعي: الكلب لا يصير معلماً إلا عند أمور، وهي: إذا أرسل استرسل، وإذا أخذ حبس ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لا يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرات، فهو معلم، ولم يذكر - رحمه الله - فيه حداً معيناً، بل قال: إنه متى غلب على الظن أنه تعلم حكم به، قال: لأن الاسم إذا لم يكن معلوماً من النص، أو الإجماع، وجب الرجوع فيه إلى العرف، وهو قول أبي حنيفة في أظهر الروايات، وقال الحسن البصري: يصير معلماً بمرة واحدة، وعن أبي حنيفة في رواية أخرى: أنه يصير معلماً بتكرير ذلك مرتين، وهو قول أحمد، وعن أبي يوسف، ومحمد أنه يصير معلماً بثلاث مرات، انتهى. وقال الموفق(٢): يعتبر في تعليمه ثلاثة شروط: إذا أرسله استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل، ويتكرر هذا منه مرة بعد أخرى، حتى يصير معلماً في حكم العرف، وأقل ذلك ثلاث، قاله القاضي، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ولم يقدر أصحاب الشافعي عدد المرات، لأن التقدير بالتوقيف، ولا توقيف في هذا، وحُكي عن أبي حنيفة: أنه إذا تكرر مرتين صار معلماً، وقال الشريف أبو جعفر، وأبو الخطاب: يحصل ذلك بمرة، ولا يعتبر التكرار؛ لأنه تعلم صنعة، فلا يعتبر فيه التكرار كسائر الصنائع. ولنا، أن تركه للأكل يحتمل أن يكون لشبع، ويحتمل لتعلم، فلا يتميز إلا بتكرار، وما اعتبر فيه التكرار اعتبر ثلاثاً، كالمسح في الاستجمار، وعدد (١) (١٤١/١١). (٢) («المغني)) (٢٦٢/١٣). ٨٤ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٢٩) حدیث ٥/١٠٢٩ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّم: كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ، إِنْ قَتَلَ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ. الأقراء، وغيرهما، ويفارق [الصنائع]؛ لأنها لا يتمكن من فعلها إلا من تعلمها، وترك الأكل ممكن الوجود من المتعلم وغيره، انتهى. وقال الدسوقي على ((الدردير)) (١): إن عصيان المعلم مرة لا يُخْرِجُه عن كونه معلَّماً، كما لا يكون معلماً بإطاعته مرة، بل المرجع في ذلك العرف، انتھی . ٥/١٠٢٩ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أنه كان يقول في) صيد (الكلب المعلم) بتشديد اللام المفتوحة، قال الزرقاني (٢): وهو الذي إذا زجر انزجر، وإذا أرسل أطاع (كل ما أمسك عليك) بأن لم يأكله عند الأئمة الثلاثة، خلافاً لمالك إذ لم يشترط فيه ترك الأكل، كما تقدم قريباً، وأوّل المالكية آية الإمساك، ورواياته بما قاله الباجي: استدل شيوخنا في ذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قالوا: فما بقي بعد الأكل فهو مما أمسكن علينا. انتهى. (إن قتل وإن لم يقتل) يعني سواء قتله الكلب أو لم يقتله، يحل الصيد في كليهما، إلا أنه إن قتله يكون ذاك ذكاة، وإن لم يقتله فلا بد له من ذكاة. قال الباجي(٣): يريد إن قتل يؤكل؛ لأن قتله ذكاة له إذا أخذه الأخذ المعتاد، فجرحه، فمات من جرحه من غير تفريط من صاحبه، أو أنفذ مقاتله، وأما إن قتله بالصدم أو الضغط، فقد روى ابن القاسم عن مالك في ((المدونة)): (١) ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (١٠٤/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٦/٣). (٣) ((المنتقى)) (١٢٥/٣). ٨٥ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٠) حدیث ٦/١٠٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعَاً يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَإِنْ أَكَلَ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ. لا يؤكل، وبه قال أبو حنيفة، وروى محمد عن أشهب: يؤكل، وبه قال ابن وهب والشافعي في أحد قوليه، وأما قوله: ((وإن لم يقتل))، معنى ذلك إن لم يقتل، فأدركت ذكاته فذكيته؛ لأن ذكاة المقدور عليه هي الذكاة المعهودة، انتھی . وأخرج محمد في ((موطئه))(١) أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا بلفظ كان يقول في الكلب المعلم: كل ما أمسك عليك إن قتل أو لم يقتل، قال محمد: وبهذا نأخذ، كُلْ ما قتل وما لم يقتل إذا ذَكَّيتَه ما لم يأكل منه، فإن أكل فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه، وكذلك بلغنا عن ابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. ٦/١٠٣٠ - (مالك، أنه سمع نافعاً) هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وفي جميع النسخ الهندية مالك عمن سمع نافعاً، وهو يدل على أنه لم يسمعه من نافع بدون الواسطة، ولذا ميزه عن الأثر السابق (يقول) نافع (قال عبد الله بن عمر:) كُلْ صيد الكلب المعلم (وإن أكل) منه (وإن لم يأكل) يعني يحل أكله، سواء أكل منه الكلب أم لا، وهو مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما - كما هو المشهور. وقال البخاري في ((صحيحه)): كرهه ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال الحافظ(٢): وصله ابن أبي شيبة من طريق مجاهد، عن ابن عمر، قال: إذا أكل الكلب من صيده، فإنه ليس بمعلم، وأخرج من وجه آخر عن ابن عمر الرخصة فیه، انتهى. (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٥٥/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٦١٠/٩). ٨٦ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٠) حدیث وروي عن سعد بن أبي وقاص أيضاً، كما سيأتي في الأثر الآتي، وبه قال سلمان، وأبو هريرة، وهو مذهب مالك، وأصحابه، كما تقدم في أول الباب، وروي ذلك مرفوعاً عند أبي داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن أعرابياً يقال له أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله إن لي كلاباً مكلبة، فأفتني في صيدها؟ قال: ((كل ما أمسكن))، قال: وإن أكل منه؟ قال: ((وإن أكل منه))، ويعارضه حديث عدي، وهو مستدل الجمهور في ذلك، كما سيأتي بيانه، وجمع بينهما المالكية بحمل حديث عدي على الكراهة جمعاً بين الحديثين، وقوّاه ابن المواز بأن حديث الأكل صحبه العمل، وقال به من الصحابة علي، وابن عمر، وغيرهما، وما صحبه العمل أولى. وقال الباجي(١): حديث عدي صحيح، فالأخذ به واجب، غير أنه عام فنحمله على الذي أُدْرِك ميتاً من الجري، أو الصدم فأكل منه، فإنه قد صار على صفة لا يتعلق بها الإرسال، ولا الإمساك علينا، يبين هذا التأويل أنه قال وَلّ: ((ما أمسك عليك فكُلْ، فإن أخذ الكلب ذكاة))، ومعنى الذكاة أن تبيح أكل المذكي، فلا يفسده ما وجد بعد ذلك من أكل وغيره، كما لو ذبحه الصائد، ثم أكل منه الكلب، ويحتمل أن يريد بقوله ومصير في حديث عدي: ((وإن أكل فلا تأكل))، إلا أن يوجد منه غير مجرد الأكل، دون إرسال الصائد له، ويكون قوله: فإن أكل فلا تأكل مقطوعاً مما قبله، انتهى. وقال ابن رشد(٢): سبب الاختلاف ذلك شيئان: أحدهما: اختلاف الآثار، والثاني: إذا أكل فهو ممسك أم لا؟ أما الآثار فمنها حديث عدي، وحديث أبي ثعلبة، فمن جمع بينهما بأن حمل حديث عدي على الندب، وهذا على الجواز، قال: ليس من شرطه أن لا يأكل، ومن رجح حديث عدي إذ هو (١) ((المنتقى)) (١٢٤/٣). (٢) ((بداية المجتهد)) (١ / ٤٥٧). ٨٧ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٠) حديث متفق عليه، وحديث أبي ثعلبة مختلف فيه، ولذا لم يخرجه الشيخان البخاري ومسلم، وقال: من شرط الإمساك أن لا يأكل، انتهى. والجمهور على أنه لا يحلّ ما أكل منه الكلب، فإنه إنما أمسكه على نفسه، وهو أصح الروايتين لأحمد، قال الموفق(١): يروى ذلك عن ابن عباس، وأبي هريرة، وبه قال عطاء، وطاووس، وعبيد بن عمير، والشعبي، والنخعي وسويد بن غفلة، وأبو بردة، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأبو ثور؛ لقوله وَّر في حديث عدي: ((إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله فكُلْ مما أمسك عليك))، قلت: وإن قتل؟ قال: ((وإن قتل إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)). متفق عليه. وأما حديث أبي ثعلبة، فقد قال أحمد: يختلفون عن هشيم فيه وعلى أن حديثنا أصح؛ لأنه متفق عليه، وعدي أضبط، ولفظه أبين، لأنه ذكر الحكم والعلة، قال أحمد: حديث الشعبي، عن عدي من أصح ما رُوِيَ عن النبيِ وَّه الشعبي يقول: كان جاري وربيطي، والعمل عليه، ويحتمل أنه أكل منه بعد أن قتله وانصرف عنه، انتهى. وقال النووي (٢): قال الشافعي في أصح قوليه: إذا قتلته الجارحة المعلمة من الكلاب والسباع، وأكلت منه فهو حرام، وبه قال أكثر العلماء، فذكر من ذكره الموفق، وزاد الحسن، وابن المنذر، وداود، وقال العيني(٣): قال القرطبي: هو قول الجمهور من السلف وغيرهم، قال النووي: واحتجوا (١) ((المغني)) (١٣/ ٢٦٣). (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٣/٧/ ٧٥). (٣) ((عمدة القاري)) (٤٧٦/١٤). ٨٨ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٠) حدیث بحديث عدي، وهو في ((الصحيحين)) مع قوله عز اسمه ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا مما لم يمسك علينا بل على نفسه، وقدموا هذا على حديث أبي ثعلبة، لأنه أصح منه، ومنهم من تأول حديث أبي ثعلبة على ما إذا أكل منه بعد أن قتله وخلاه وفارقه، ثم عاد فأكل منه، فهذا لا يضر، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح))(١): سلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقاً: منها، للقائلين بالتحريم حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا قتله وخلاه، ثم أكله، ومنها، الترجيح، فرواية عدي متفق على صحتها، ورواية أبي ثعلبة مختلف في تضعيفها، وأيضاً فرواية عدي صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم. وهو خوف الإمساك على نفسه متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، وظاهر القرآن أيضاً، وهو قوله تعالى: ﴿فَكُلُوْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ويتقوَّى أيضاً بالشاهد من حديث ابن عباس عند أحمد: ((إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل، فكل فإنما أمسك على صاحبه)). وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس، وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع نحوه بمعناه، ولو كان مجرد الإمساك كافياً لما احتيج إلى زيادة ((عليكم)) ومنها، للقائلين بالإباحة حمل حديث عدي على كراهة التنزيه، وحديث أبي ثعلبة على بيان الجواز، قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عدياً كان موسراً، فاختير له الحمل على الأولى، بخلاف أبي ثعلبة، فإنه كان بعكسه، ولا يخفى ضعف هذا التمسك مع التصريح بالتعليل في الحديث بخوف الإمساك على نفسه . (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٠٢). ٨٩ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣١) حديث ٧/١٠٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ، فَقَالَ سَعْدٌ: كُلْ، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ إِلَّا بِضْعَةٌ وَاحِدَةٌ . وقال ابن التين: قال بعض أصحابنا: هو عام، فيحمل على الذي أدركه ميتاً من شدة العدو، أو من الصدمة، فأكل منه، لأنه صار على صفة لا يتعلق بها الإرسال ولا الإمساك على صاحبه، قال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((إن أكل فلا تأكل)) أي: لا يوجد منه غير مجرد الأكل، دون إرسال الصائد له، وتكون هذه الجملة مقطوعة عما قبلها، ولا يخفى تعسف هذا وبعده. وقال ابن القصار: مجرد إرسالنا الكلب إمساك علينا، لأن الكلب لا نية له، ولا يصح منه ميزها، وإنما يتصيد بالتعليم، فإذا كان الاعتبار بأن يمسك علينا أو على نفسه، واختلف الحكم في ذلك، وجب أن يتميز ذلك بنية من له نية، وهو مرسله، فإذا أرسله فقد أمسك عليه، وإذا لم يرسله لم يمسك عليه، كذا قال، ولا يخفى بعده أيضاً ومصادمته لسياق الحديث، فإن الشارع قد جعل أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه لا لصاحبه، فلا يعدل عن ذلك، انتهى كلام الحافظ . ٧/١٠٣١ - (مالك، أنه بلغه عن سعد بن أبي وقاص) الصحابي الشهير - رضي الله عنه - وأسنده ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(١) برواية عبد الله بن نمير، ووكيع، عن ابن أبي ذئب، عن بكر بن عبد الله بن الأشج عن حميد بن مالك قال: سألت سعد بن أبي وقاص، قلت: إن لنا كلاباً ضوارياً نرسلها على الصيد، فتأكل وتقطع، فقال: كُلْ وإن لم يبق إلا بضعة (أنه سئل) ببناء المجهول، والسائل حميد بن مالك، كما تقدم (عن) صيد (الكلب المعلم) على المفعول من التعليم (إذا قتل الصيد) هل يؤكل؟ (فقال سعد: كل) بصيغة الأمر من الأكل (وإن لم يبق) بتحتية فموحدة في الهندية، وبفوقية وموحدة في المصرية (إلا بضعة) بفتح الموحدة وتكسر وتضم فضاد معجمة أي قطعة (واحدة). (١) (٦٠٣/٤). ٩٠ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٢) حديث ٨/١٠٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْم يَقُولُونَ، فِي الْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ قال الباجي(١): ظاهر السؤال عن الكلب المعلم يقتل الصيد هل يبيح ذلك أكله أو لا؟ فأجابه سعد بقوله: كل، وإن لم يبق إلا بضعة، وليس في السؤال ذكر الأكل غير أن معناه أن يقتل الصيد على الوجه المخصوص، فقد كملت ذكاته، فلا يضرك بعد ذلك ما حدث على الصيد، فكل ما وجدت منه وإن لم يبق إلا بضعة بأكل الكلب أو غيره، لأن ذكاته قد كملت، انتهى. وتقدم قريباً الفقه في ذلك. ٨/١٠٣٢ - (مالك، أنه سمع أهل العلم) وفي النسخ المصرية ((بعض أهل العلم)) (يقولون في البازي) بزنة القاضي فيعرب إعراب المنقوص، والجمع بُزاة كقضاة. وفي لغةٍ بازٌ بزنة باب، فيعرب بالحركات الثلاث، ويجمع على أبوازٍ كأبواب قاله الزرقاني(٢). وقال الدميري: أفصح لغاته البازي مخففة الياء، والثانية بازٌ، والثالثة بازيّ بتشديد الياء، وهو مذكر لا اختلاف فيه، وهو مشتق من البزوان، وهو الوثب، ويحرم أكله بجميع أنواعه لنهيه وتس فر عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور، رواه مسلم(٣)، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وقال مالك وغيره: لا يحرم من الطير شيء، انتهى. وسيأتي بيانه في محله وتقدم شيء منه في كتاب الحج. (والعقاب) بضم أوله وفتح ثانيه، طائر معروف، يقال له في الهندية (قاب - وكَده)). كما تقدم في الحج (والصقر) بفتح الصاد المهملة وسكون (١) ((المنتقى)) (١٢٥/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٧/٣). (٣) أخرجه مسلم ح (١٩٣٢). ٩١ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٢) حديث وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ، فَلَا بَأُسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ، مِمَّ صَادَتْ. إِذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إِرْسَالِهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي الَّذِي يَتَخَلَّصُ القاف، كما في ((المحيط)) طائر معروف، قال الزرقاني: يسمى القطامي بضم القاف وفتحها، والأنثى صقرة بالهاء، قاله الأنباري، انتهى. وفي ((حياة الحيوان))(١) قال ابن سيده: الصقر: كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، والجمع أصقر وصقور، والصقر هو الأجدل، ويقال له القطامي، قال الدميري: الصقر أحد أنواع الجوارح الأربعة، وهي: الصقر، والشاهين، والعقاب والبازي. والصقر ثلاثة أنواع: صقر، وكونج، ويؤيؤ، والعرب تسمي كل طائر يصيد صقراً، ما خلا النسر والعقاب، انتهى. وفي ((المحيط الأعظم)): الصقر يقال له في الفارسية: باشه وچرغ؛ وفي (لغات الصراح)): الصقر چرغ ((جره باز)) (وما أشبه ذلك) من الجوارح التي تصيد، وتقبل التعليم (إنه إذا كان معلماً) وليس في النسخ المصرية لفظ: معلماً (يفقه) أي يفهم ويتعلّم، وهذا التفسير لقوله: ((معلماً)) (كما تفقه الكلاب المعلمة) والتشبيه في قبول التعليم، لا في نفس التعليم، للفرق بين تعليمها كما تقدم (فلا بأس بأكل ما قتلت مما صادت) إذا وقع الاصطياد على الشرائط المعتبرة. وتقدم في أول الباب أول كل ما يقبل التعليم من الطيور يجوز الاصطياد به عند الجمهور منهم الأئمة الأربعة خلافاً لبعض السلف كابن عمر - رضي الله عنهما - والضحاك وغيرهما (إذا ذكر اسم الله على إرسالها) وتقدم الكلام على التسمية، وحكمها على إرسال الجوارح، كحكمها على الذبيحة، والخلاف فيه کالخلاف فيها . (قال مالك: أحسن ما سمعت في الذي تخلص) وفي المصرية (يتخلص) (١) ((حياة الحيوان)) (٨٩/٢). ٩٢ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٢) حدیث الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ مِنَ الْكَلْبِ، ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ كُلُّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ، وَهُوَ فِي مَخَالِبٍ الْبَازِي، أَوْ فِي فِيّ الْكَلْبِ؛ فَيَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ، حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِي أَوِ الْكَلْبُ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. بزيادة التحتية في أوله، أي يأخذ (الصيد) بالنصب مفعوله (من مخالب) جمع مخلب بالكسر، وهو للطائر، كالظفر للإنسان؛ لأن الطائر بمخالبه يقطع الجلد. (البازي) وغيره من الطيور (أو) يأخذه (من في) أي فم (الكلب) وغيره من السباع (ثم يتربص به) أي ينتظر، ويتأخر في الذبح (فيموت) الصيد (أنه لا يحل أكله) أي: أكل هذا الصيد فإنه ميتة. قال صاحب ((المحلى)): وبه قال أبو حنيفة، والأئمة الباقية، روى ابن أبي شيبة(١) عن عطاء: إذا كنت في تخليص الصيد فسبقك بنفسه فلا بأس أن تأكله، وإن تربصت به، فمات فلا تأكله، وعن إبراهيم: وإذا أخذت الصيد، وبه رمق، فمات في يدك فلا تأكله، انتهى. قلت: ما حُكي من اتفاق الأئمة على ذلك، ليس على إطلاقه بل فيه تفصيل، سيأتي بيانه، وبعض صوره إجماعي. (قال مالك: وكذلك كل ما قدر) الصائد (على ذبحه وهو) أي: الصيد (في مخالب البازي) وغيره إلى الآن (أو في) ظرفية (في) بمعنى الفم، وليس في النسخ الهندية تكرار ((في)) فيكون بمعنى الفم عطفاً على مخالب (الكلب) وغيره من السباع إلى الآن (فتركه صاحبه) أي: الصائد، ولا يخلصه من مخلبه، أو من فمه (وهو قادر على) تخليصه، وعلى (ذبحه) فيتربص (حتى يقتله البازي أو الكلب فإنه لا يحلّ أكله) لأنه لما قدر على ذبحه انتقل ذكاته إلى ذكاة المقدور والاختياري، ولا يكفي إذاً ذكاة الاضطرار. (١) ((المصنف)) (٦٠٨/٤). ٩٣ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٢) حديث قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن الجارح إذا أخذ الصيد، فأدركه صاحبه سالماً، فلا يخلو أن يقدر على ذكاته أو لا يقدر، فإن قدر على الذكاة بأن ينتزعه منه فيذكيه، أو يذكيه في أفواهها، أو تحتها لزمه ذلك، وانتقلت الذكاة إلى الصائد، فإن لم يفعل ذلك وتركها حتى قتلته، فإنه لا يجوز أكله، ووجه ذلك أنه صار مقدوراً عليه متمكناً من ذكاته، فلا يجوز أن يؤكل بقتل الجارح، وإن لم يقدر على ذكاته حتى فاضت نفسه، أو غلبته الكلاب، فقتلته فإنه يؤكل، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل، انتهى. وقال الخرقي: إذا أراد الصيد، وفيه روح، فلم يُذَكِّه حتى مات لم يؤكل، قال الموفق(٢): يعني - والله أعلم - ما كان فيه حياة مستقرة، فأما ما كانت حياته كحياة المذبوح، فهذا يباح من غير ذبح في قولهم جميعاً، أما إن أدركه وفيه حياة مستقرة، فلم يذبحه حتى مات نَظَرْتَ، فإن لم يتّسع الزمانُ لذكاته حتى مات حَلّ أيضاً، قال قتادة: يأكله ما لم يتوان في ذكاته، أو يتركه عمداً، وهو قادر على أن يذكيه، ونحوه قول مالك، والشافعي، وروي عن الحسن، والنخعي، وقال أبو حنيفة: لا يحِلّ، لأنه أدركه حياً حياة مستقرة، فتعلقت إباحته بتذكيته، كما لو اتّسع الزمان. ولنا، أنه لم يقدر على ذكاته بوجه ينسب فيه إلى التفريط، ولم يتسع لها الزمان، فكان عقره ذكاته، ولو أدركه، وفيه حياة مستقرة يعيش بها طويلاً، وأمكنته ذكاته، فلم يُذَكِّه حتى مات لم يُبَحْ، سواء كان به جرح لا يعيش معه أو لا، وبه قال مالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، لأن ما كان كذلك فهو في حكم الحي بدليل أن عمر - رضي الله عنه - (١) ((المنتقى)) (١٢٧/٣). (٢) («المغني)) (٢٦٨/١٣). ٩٤ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٢) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ، فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٍّ، فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ الضَّارِيَ، فَصَادَ أَوْ قَتَلَ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ كانت جراحاته موحية فأوصى فأجيزت وصاياه، وأقواله في تلك الحال، انتھی . وفي ((الهداية))(١): إن أدرك المرسل الصيد حياً وجب عليه أن يُذّكيه، وإن ترك تذكيته حتى مات لم يؤكل، لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، إذ المقصود الإباحة، ولم تثبت قبل موته فبطل حكم البدل، وهذا إذا تمكن من ذبحه، وأما إذا وقع في يده، ولم يتمكن من ذبحه، وفيه من الحياة فوق ما يكون في المذبوح لم يؤكل في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يحل، وهو قول الشافعي. انتهى. (وقال مالك: وكذلك) أي مثل الذي تقدم من حكم الجوارح من السباع والطيور (أيضاً) حكم الرامي (الذي يرمي الصيد) بسهمه (فيناله) أي يدرك الرامي الصيد (وهو حي فيفرط) أي يتساهل (في ذبحه حتى يموت) الصيد المرمي إليه (فإنه لا يحل أكله) يعني: حكم السهم في ذلك حكم الجوارح، فالخلاف والتفصيل في ذلك كالذي تقدم. (قال مالك: والأمر المجتمع عليه عندنا) في المدينة المنورة (أن المسلم إذا أرسل) على الصيد (كلب المجوسي الضاري) بالضاد المعجمة صفة لكلب، أي: مُعَوَّدٌ بالصيد من ضرى الكلب، وأضريته: عوّدته، وأغريته به، كذا في ((المجمع)). (فصاد) الكلب، أي: أخذه حياً (أو قتل) الصيد (إنه إذا كان) (١) (٣١٩/٧/٤). ٩٥ ٢٤ - كتاب الصيد (٢) باب (١٠٣٢) حديث مُعَلَّمَاً، فَأَكْلُ ذُلِكَ الصَّيْدِ حَلَالٌ، لَا بَأُسَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذُلِكَ، مَثَلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ، أَوْ يَرْمِي بِقَوْسِهِ أَوْ بِنَبْلِهِ، فَيَقْتُلُ بِهَا. فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ، لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ، وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِيَ عَلَى صَيْدٍ، فَأَخَذَهُ، فإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذُلِكَ الصَّيْدُ، إِلَّا أَنْ يُذَكَّى، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذُلِكَ، مَثَلُ قَوْسِ الْمُسْلِم وَنَبْلِهِ، يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ، وَبِمَنْزِلَةِ شَفْرَةٍ الكلب (معلماً فأكل) مصدر مضاف إلى مفعوله (ذلك الصيد) الذي صاده مسلم بكلب المجوسي المعلم (حلال) أي (لا بأس به) ولا كراهة فيه (وإن لم يذكه) من التذكية (المسلم) لأن كلب المجوسي إذا كان معلماً فلا فرق بينه وبين كلب المسلم؛ لأنه آلة للصيد كالسهم. (وإنما مثل ذلك مثل المسلم يذبح بشفرة المجوسي) بفتح الشين المعجمة السكين العريض (أو يرمي بقوسه) أي: قوس المجوسي (أو نبله) بنون مفتوحة فموحدة ساكنة: السهام العربية لا واحد له من لفظها، ولا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم ونشابة، كذا في ((المجمع)) (فيقتل) المسلم (بها) أي: بهذه الأشياء من شفرة المجوسي وغيرها . (فصيده ذلك) الذي صاده بقوسه (وذبيحته) التي ذبحها بشفرة المجوسي (حلال ولا بأس بأكله) ولا كراهة، فكذلك الصيد بكلبه؛ لأن العبرة في ذلك بنفس الصائد والذابح، لا بمالك الآلة، وبهذا قال الجمهور، منهم الأئمة الأربعة وغيرهم، خلافاً لبعض السلف، ورواية لأحمد كما سيأتي بيانه. (قال مالك: وإذا أرسل المجوسي كلب المسلم الضاري على صيد) أي الذي أراد صيده (فأخذه) الكلب (فإنه لا يؤكل) ببناء المجهول (ذلك الصيد) لكون الصائد مجوسياً (إلا أن) يدرك المسلم الصيد حياً و(يذكي) أي: يذكيه المسلم - (وإنما مثل ذلك) أي: مثل كلب المسلم إذا أرسله المجوسي (مثل قوس المسلم ونبله يأخذها المجوسي، فيرمي بها الصيد فيقتله، وبمنزلة شفرة ٩٦ ٢٤ - كتاب الصيد (٣) باب الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِهَا الْمَجُوسِيُّ، فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ. (٣) باب ما جاء في صيد البحر المسلم يذبح بها المجوسي، فلا يحلّ أكل شيء من ذلك) لكون الفاعل فيها المجوسي، وإن كانت الآلات لمسلم، والمسألة إجماعية. قال الموفق(١): إذا صاد المجوسي بكلب مسلم، لم يبح صيده في قولهم جميعاً، وإن صاد المسلم بكلب المجوسي، فقتل حل صيده، وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحكم، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وعن أحمد لا يباح، وكرهه جابر، والحسن، ومجاهد، والنخعي، والثوري لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ الآية، وهذا لم يُعَلِّمْه، وعن الحسن: أنه كره الصيد بكلب اليهودي والنصراني لهذه الآية. ولنا، أنه آلة صاد بها المسلم، فحل صيده كالقوس والسهم، قال ابن المسيب: هي بمنزلة شفرته، والآية دلت على إباحة الصيد بما علمناه، وما علمه غيرنا، فهو في معناه، فيثبت الحكم بالقياس الذي ذكرناه، يحققه أن التعليم إنما أثر في جعله آلة، ولا تشترط الأهلية في ذلك، كعمل القوس والسهم، وإنما تشترط فيما أقيم مقام الذكاة، وهو إرسال الآلة من الكلب والسهم، وقد وجد الشرط هاهنا، انتهى. (٣) ما جاء في صيد البحر قال الله عز اسمه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدٌ أَلْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾(٢) ، قال الرازي في «تفسيره))(٣): فيه مسائل: المسألة الأولى: المراد بالصيد (١) ((المغني)) (٢٧٢/١٣). (٢) سورة المائدة: الآية ٩٦. (٣) ((التفسير الكبير)) (٩٧/٢ - ٩٩). ٩٧ ٢٤ - كتاب الصيد (٣) باب المصيد، وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أجناس: الحيتان: وجميع أنواعها حلال، والضفادع: وجميع أنواعها حرام، واختلفوا فيما سوى هذين، فقال أبو حنيفة: حرام، وقال ابن أبي ليلى والأكثرون: حلال لعموم الآية، والمراد بالبحر جميع المياه والأنهار. المسألة الثانية: أنه تعالى عطف طعام البحر على صيده، والعطف يقتضي المغايرة، وذكروا فيه وجوهاً، الأول: وهو الأحسن ما ذكره أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - أن الصيد ما صيد بالحيلة حال حياته، والطعام ما يوجد مما لفظه البحر، أو نضب عنه الماء من غير معالجة، هذا هو الأصح مما قيل في هذا الموضع. والثاني: أن صيد البحر هو الطريّ، وأما طعام البحر فهو الذي جعل ملحاً لأنه لما صار عتيقاً سقط اسم الصيد عنه، وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ومقاتل، والنخعي، وهو ضعيف، لأن الذي صار مالحاً فقد كان طرياً وصيداً في أوّل الأمر فيلزم التكرار. والثالث: أن الاصطياد قد يكون للأكل، وقد يكون لغيره مثل اصطياد الصدف؛ لأجل اللؤلؤ، واصطياد بعض الحيوانات البحرية؛ لأجل عظامها وأسنانها، فقد حصل التغاير بين الاصطاد من البحر، وبين الأكل من طعام البحر إلى آخر ما ذكر من مسائل الآية. وقال الجصاص(١): روي عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وقتادة، قالوا: طعامه ما قذفه ميتاً، وروي عن ابن عباس أيضاً، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وقتادة، ومجاهد قالوا: المملوح منه، والقول الأول أظهر، لأنه ينتظم إباحة الصنفين مما صيد منه، وما لم يصد منه، وأما المملوح فقد تناوله صيد البحر، انتهى. (١) ((أحكام القرآن)) (٤٧٨/٢). ٩٨ ٢٤ - كتاب الصيد (٣) باب قال الموفق(١): كل ما يعيش في البر من دواب البحر لا يحل بغير ذكاة، كطير الماء، والسلحفاة، وكلب الماء إلا ما لا دم فيه، كالسرطان، فإنه يباح بغير ذكاة، وقال أحمد: كلب الماء يذبحه، ولا أرى بأساً بالسلحفاة إذا ذبح، وقال قوم: يحلّ بغير ذكاة، لقوله - عليه الصلاة والسلام - في البحر: ((الحل ميتته))، ولأنه من حيوان البحر، فأبيح بغير ذكاة، كالسمك والسرطان. وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: كل ما في البحر فقد ذَكَّاه الله لكم، وروى الإمام أحمد بإسناده عن شريح رجل أدرك النبي والر أنه قال: ((كل شيء في البحر مذبوح))، وروي عن النبي ◌ّ أنه قال: ((إن الله ذبح كل شيء في البحر لابن آدم)). ولنا: أنه حيوان يعيش في البر، له نفس سائلة، فلم يبح بغير ذكاة كالطير، ولا خلاف في طير فيما علمناه، والأخبار محمولة على ما لا يعيش إلا في البحر، كالسمك وشبهه؛ لأنه لا يتمكن من تذكيته؛ لأنه لا يذبح إلا بعد إخراجه من الماء؛ وإذا خرج مات، فأما ما لا يعيش إلا في الماء، كالسمك وشبهه، فإنه يباح بغير ذكاة، لا نعلم في هذا خلافاً؛ لما ذكرنا من الأخبار. وكل صيد البحر مباح إلا الضفدع؛ وهذا قول الشافعي، وقال الشعبي: لو أكل أهلي الضفادع لأطعمتهم، وعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يدل على إباحة جميع صيده، فأما الضفدع فإن النبي ◌َّ نهى عن قتله، رواه النسائي فیدل على تحريمه. فأما التمساح، فقد نُقل عنه ما يدل على أنه لا يؤكل، وقال الأوزاعي: (١) ((المغني)) (١٣/ ٣٤٤). ٩٩ ٢٤ - كتاب الصيد (٣) باب لا بأس به لمن اشتهاه، وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح ولا الكوسج(١)؛ لأنهما يأكلان الناس، وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر، كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهيه مَلّ عن كل ذي ناب من السباع، وقال أبو علي النجاد: ما حُرِّمَ نظيره في البر فهو حرام في البحر، ككلب الماء وخنزيره وإنسانه، وهو قول الليث إلا في كلب الماء؛ فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر. وقال أبو حنيفة: لا يباح إلا السمك، وقال مالك: كل ما في البحر مباح وكلب الماء مباح، وهو قول مالك، والشافعي، والليث، ولا يباح عند أبي حنيفة، وهو قول أبي علي النجاد، وبعض أصحاب الشافعي، انتهى. وفي ((الروض المربع)) (٢): يباح حيوان البحر كله إلا الضفدع؛ لأنها مستخبثة، وإلا التمساح؛ لأنه ذو ناب، وإلا الحية؛ لأنها من المستخبثات. انتھی . وفي ((نيل المآرب)): يحل كل ما في البحر غير ضفدع، وحية، وتمساح، وقال ابن حامد والقاضي: وغير الكوسج، والأشهر أنه مباح، كخنزير الماء وإنسانه و کلبه، انتهى. وتقدم في أول ((كتاب الطهارة)) في حديث البحر ما قال النووي: أجمع المسلمون على إباحة السمك؛ وقال أصحابنا: يحرم الضفدع لحديث في النهي عن قتله، وفيما سوى ذلك ثلاثة أوجه: أصحها: يحل جميعه، والثاني: لا يحل غير السمك، والثالث: يحل ما له نظير مأكول في البر؛ وبسطه الدميري (١) ((الكوسج)): سمك خرطومه كالمنشار. (٢) (٣٤٩/٣). ١٠٠