النص المفهرس
صفحات 21-40
٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٨) حديث الحديث، فمنهم من فهم أن ذلك لمكان أن هذه الأشياء ليس في طبعها أن تنهر الدم غالباً، ومنهم من فهم أنه شرع غير معلل، والذين فهموا أنه شرع غير معلل، منهم من اعتقد أن النهي في ذلك يدل على فساد المنهي عنه، ومنهم من اعتقد أن النهي في ذلك على وجه الكراهية لا على وجه الحظر، فمن فهم أن المعنى في ذلك أنه لا ينهر الدم غالباً قال: إذا وجد منهما ما ينهر الدم جاز، ولذلك رأى بعضهم أن يكونا منفصلين؛ إذ كان إنهار الدم منهما إذ ذاك أمكن. ومن رأى أن النهي عنهما غير معلل، وأنه يدل على فساد المنهي عنه قال: إن ذبح بهما لم تقع التذكية، وإن أنهر الدم، ومن رأى أنه لا يدل على فساد المنهي عنه، قال: إن فعل وأنهر الدم أثم، وحلّت الذبيحة، ولا معنى لقول من فرّق بين العظم والسن، فإنه وم قد علّل المنع في السن بأنه عظم، ولا يختلف المذهب أنه يكره غير الحديد من المحددات مع وجود الحديد لقوله وَلـ: ((إن الله كتب الإحسان على كل مسلم، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسِنُوا الذِّبْحة، وليُحِدَّ أحدُكم شفرتَه وليُرِحْ ذبيحتَه))، خرجه مسلم(١)، انتهى. قال الموفق (٢): أما الآلة فلها شرطان: أحدهما: أن تكون محدَّدَةً، وتقطع أو تخرق بحدها لا بثقلها . الثاني: أن لا تكون سنًّا ولا ظفراً، فإن اجتمع هذان الشرطان في شيء حلّ الذبح به، سواء كان حديداً، أو حجراً، أو خشباً؛ لحديث الباب، وحديث الرافع، وبهذا قال الشافعي، وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة إلا في السن (١) أخرجه مسلم (١٥٤٨/٣) ح(١٩٥٥). (٢) ((المغني)) (٣٠١/١٣). ٢١ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٨) حديث والظفر، فقال: إذا كانا منفصلين جاز، أما العظم غير السن فمقتضى إطلاق قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور إباحة الذبح به، وهو قول مالك، وعمرو بن دينار، وأصحاب الرأي، وقال ابن جريج: يذكى بعظم الحمار، ولا يذكى بعظم القرد؛ لأنك تصلي على الحمار، وتسقيه في جفنتك. وعن أحمد لا يذكى بعظم، ولا ظفر، وقال النخعي: لا يذكى بالعظم والقرن، لأنه ◌َ﴿ عّل المنع بالسن بكونه عظماً، فكل عظم فقد وجدت فيه العلة، والأول أصح إن شاء الله؛ لأن العظم دخل في عموم اللفظ المبيح، ثم استثنى السن والظفر خاصة، فيبقى سائر العظام داخلاً فيما يباح الذبح به، والمنطوق مقدم على التعليل، ولذا علل الظفر بكونه عن مدى الحبشة، ولا يحرم بالسكين، وإن كانت مدية لهم، ولأن العظام يتناولها سائر الأحاديث العامة، ويحصل بها المقصود، فأشبهت سائر الآلات، انتهى. وفي ((شرح الإقناع))(١): ويجوز الذكاة بكل ما يجرح إلا بالسن والظفر وباقي العظام متصلاً كان، أو منفصلاً من آدمي، أو غيره، لحديث ((الصحيحين)): ((ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم))، .... الحديث، والنهي عن الذبح بالعظام قيل: تعبديٌ، وبه قال ابن الصلاح، ومال إليه ابن عبد السلام، وقال النووي في ((شرح مسلم)): معناه: أنها تنجس بالدم، وقد نُهِيْتم عن تنجيسها في الاستنجاء لكونها طعام إخوانكم من الجن. وفي ((الهداية))(٢): يجوز الذبح بالظفر، والسن، والقرن إذا كان منزوعاً حتى لا يكون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح، وقال الشافعي: المذبوح ميتة (١) (٣٠٢/٤). (٢) (١٢٩/٧/٤) ط باكستان. ٢٢ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٨) حديث لحديث رافع، ولأنه فعل غير مشروع، فلا يكون ذكاةً كما إذا ذبح بغير المنزوع. ولنا: قوله وَر: (أنهر الدم بما شئت)) ويروى ((إفر الأوداج بما شئت))، وما رواه محمول على غير المنزوع؛ فإن الحبشة كانوا يفعلون ذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم، وصار كالحجر والحديد بخلاف غير المنزوع؛ لأنه يقتل بالثقل فيكون في معنى المنخنقة، وإنما يُكره لما فيه من استعمال جزء الآدمي، ولأن فيه إعساراً على الحيوان، وقد أمرنا فيه بالإحسان، والمذبوح بالسن القائم والظفر القائم ميتة لما بَيِّنَا، انتهى. قلت: وفي الحديث مسألة أخرى، سكت عنها عامة شراح الحديث، وهي ما قال ابن رشد(١): اختلفوا في تأثير الذكاة في المشرفة على الموت من شدة المرض، فالجمهور على أن الذكاة تعمل فيها، وهو المشهور عن مالك، وروي عنه أن الذكاة لا تعمل فيها، وسبب الخلاف معارضة القياس للأثر، فأما الأثر فهو ما روي أن أمة لكعب بن مالك ترعى غنماً بسلع، .... الحديث الآتي قريباً بمعنى حديث الباب، أخرجه البخاري ومسلم، والقياس أن المعلوم من الذكاة أنها إنما تفعل في الحي، وهذه في حكم الميت، وكل من أجاز ذبحها فإنهم اتفقوا على أنه لا تعمل الذكاة فيها إلا إذا كان فيها دليل على الحياة. واختلفوا فيما هو الدليل المعتبر في ذلك، فبعضهم اعتبر الحركة، وبعضهم لم يعتبرها، الأول مذهب أبي هريرة، والثاني مذهب زيد بن ثابت، وبعضهم اعتبر فيها ثلاث حركات: طرف العين، وتحريك الذنب، والركض بالرجل، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وهو الذي اختاره (١) ((بداية المجتهد)) (٤٤٢/١). ٢٣ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٨) حديث ٠ محمد بن المواز، وبعضهم شرط مع هذه التنفس، وهو مذهب ابن حبيب. انتھی . قال الموفق (١): المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، وأكيلة السبع، وما أصابها مرض فماتت به مُحَرَّمَةٌ، إلا أن تُدرك ذكاتها لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَّكَيْتُمْ﴾ وفي حديث جارية كعب: أنها أصيبت شاة من غنمها، فأدركتها فذبحتها بحجر، .... الحديث، فإن كانت لم يبق من حياتها إلا مثل حركة المذبوح لم تُبَحْ بالذكاة، وإن أدركها، وفيها حياة مستقرة، بحيث يمكن ذبحها، حَلَّتْ لعموم الآية والخبر، وسواء كانت قد انتهت إلى حال يعلم أنها لا تعيش معه أو تعيش، لعموم الآية والخبر، ولأن النبي وقليل لم يسأل ولم يستفصل. وقال أحمد في بهيمة عقرت بهيمةً حتى تبيّن فيها آثار الموت إلا أن فيها الروح يعني فذبحت قال: إذا مصعت(٢) بذنبها، وطرفت بعينها، وسال الدم، فأرجو إن شاء الله أن لا يكون بأكلها بأس، وروى ذلك بإسناده عن عقيل بن عمير وطاووس وقالا: تحركت، ولم يقولا: سال الدم، وهذا على مذهب أبي حنيفة، وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عن شاة مريضة خافوا عليها الموت، فذبحوها، فلم يعلم منها أكثر من أنها طرفت بعينها، أو حَرَّكَتْ يدها، أو رجلها، أو ذنبها بضعف فنهر الدم؟ قال: لا بأس، وقال ابن أبي موسى: إذا انتهت إلى حد لا تعيش معه لم تبح بالذكاة، ونص عليه أحمد، فقال: إذا شق الذئب بطنها فخرج قصبها، فذبحها لا تؤكل، وقال: إن كان يعلم أنها تموت من عقر السبع فلا تؤكل، وإن كان ذكاها. وقد يخاف على الشاة الموت من العلة فيبادرها، فيذبحها فيأكلها، وليس (١) ((المغني)) (٣١٤/١٣). (٢) مصعت بذنبها : حركته من غير عدوٍ. ٢٤ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٨) حديث هذا مثل هذه لا يدري لعلها تعيش، والتي قد خرجت أمعاؤها يعلم أنها لا تعيش، وهذا قول أبي يوسف، والأول أصح؛ لأن عمر - رضي الله عنه - انتهى به الجرح إلى حدٍ عُلِمَ أنه لا يعيش معه، فوصّى، فقبلت وصاياه، ووجبت العبادة عليه. وتُحْمل نصوصُ أحمد على شاة خرجت أمعاؤها، وبانت منها، فتلك لا تحل بالذكاة؛ لأنها في حكم الميت، ولا تبقى حركتها إلا كحركة المذبوح، وما خرجت أمعاؤها، ولم تبن فهي في حكم الحياة تباح بالذبح، وقال بعض أصحابنا: إذا كانت تعيش معظم اليوم حلّت بالذكاة، وهذا التحديد بعيد يخالف ظواهر النصوص، ولا سبيل إلى معرفته، وقوله في حديث جارية كعب: ((فأدركتها فذكَّتها بحجرٍ))، يدل على أنها بادرتها بالذكاة حين خافت موتها، والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمناً يكون الموت بالذبح أسرع منه حلّت بالذبح، وأنها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة أنها متى تحركت وسال دمها حلّت، انتهى. قال الدردير(١): أكل المذكى، وإن أيس من حياته بسبب مرض، أو تردية من شاهقٍ، لم ينفذ مقتله بتحركٍ قويّ مطلقاً، وسيل دم إن صحت، إلا الموقوذة وما ذكر معها في الآية كالمترِّدية المنفوذة المقاتل، فلا تعمل فيها الذكاة، فإن لم تكن منفوذة مقتل عملت فيها، وجرى على ما تقدم من الحركة القوية وسيل الدم، وذهب الشافعي إلى أنها تعمل فيها الذكاة مطلقاً منفوذة المقاتل أم لا متى كان فيها حياة مستقرة. انتهى، وسيأتي بيان المقاتل قريباً. وفي ((الهداية))(٢): الذي بقر الذئب بطنه، وفيه حياة خفية أو بَيِّنة، يعني: (١) ((الشرح الكبير)) (١١٣/٢). (٢) (٤٠٤/٢). ٢٥ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٩) حديث ٤/١٠١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، إذا ذكّاه حلّ عند أبي حنيفة، وعليه الفتوى؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَيْتُ﴾ استثناه مطلقاً من غير فصل، وعند أبي يوسف إذا كان بحال لا يعيش مثله لا يحلّ لأنه لم يكن موته بالذبح، وقال محمد - رحمه الله -: إن كان يعيش مثله فوق ما يعيش المذبوح يحلّ، وإلا لا، انتهى. ٤/١٠١٩ - (مالك، عن نافع، عن رجل من الأنصار) قال القسطلاني: يحتمل أن يكون ابن كعب، وإن لم يكن هو، فهو مجهول، لكن الرواية الأخرى دلت على أن له أصلاً. انتهى. وقال الكرماني: إسناد الحديث مجهول؛ لأن الرجل غير معلوم، كذا في العيني. قلت: هكذا رواه البخاري في ((صحيحه))(١) برواية إسماعيل، عن مالك مثل سند ((الموطأ)) وأخرج أيضاً برواية معتمر، عن عبيد الله، عن نافع، سمع ابن كعب بن مالك، يخبر ابن عمر - رضي الله عنه - أن أباه أخبره أن جارية، .... الحديث. قال الحافظ(٢): جزم المِزِّي في ((الأطراف)) بأنه عبد الله بن كعب، والذي يترجح أنه عبد الرحمن بن كعب، وقد اختلف في هذا الحديث على نافع، انتهى. وقد أخرج البخاري برواية عبدة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن لكعب بن مالك، قال الحافظ: وافقه معتمر على روايته عن عبيد الله، وذكر الدارقطني أن غيرهما رواه عن عبيد الله، فقال: عن نافع، أن رجلاً من الأنصار، وهكذا أخرجه البخاري من رواية جويرية، عن نافع، وكذا علّقه من رواية الليث، عن نافع، قال الدارقطني: وكذا قال محمد بن إسحاق، عن نافع، وهو أشبه. (١) أخرجه البخاري (٥٥٠٥) ((باب: ذبيحة المرأة والأمة)). (٢) ((فتح الباري)) (٦٣١/٩). ٢٦ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٩) حديث وسلك الجادة قوم، منهم يزيد بن هارون، فقال: عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، وكذا قال مرحوم العطار، عن داود العطار، عن نافع، وذكر الدارقطني عن غيرهم أنهم رووه كذلك، قال: ومنهم من أرسله عن نافع، وهو أشبه بالصواب، وأغفل ما ذكره البخاري من رواية مالك، عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ. وقد أورده في ((الموطآت)) له كذلك من حديث جماعة عن مالك منهم محمد بن الحسن(١). وقال في روايته: عن رجل من الأنصار: معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ، وأشار إلى تفرد محمد بذلك، وقال الباقون: عن رجل، عن معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ، ومنهم: ابن وهب، أخرجه من طريقه کالجماعة. وأخرجه ابن وهب في غير ((الموطأ)) فقال: أخبرني مالك، وغيره من أهل العلم، عن نافع، عن رجل من الأنصار، أن جارية لكعب .... فذكره، وقال: الصواب ما في ((الموطأ)) يعني عن مالك، وأما عن غيره فيحتمل أن يكون ابن وهب أراد الليث، وحمل رواية مالك على روايته، وأغرب ابن التين فقال: فيه صحابي عن تابعي؛ لأن ابن عمر صحابي، وابن كعب تابعي. قال الحافظ: لكن ليس في شيء من طرقه أن ابن عمر رواه عنه، وإنما فيها أن ابن كعب حدّث ابن عمر بذلك، فحمله عنه نافع، وأما الرواية التي فيها عن ابن عمر، فقال راويها فيها عن النبي ◌َّيره، ولم يذكر ابن كعب، وتقدم أنها شاذة، انتھی . وفي ((العيني))(٢): قال أبو عمر: قد روي هذا الحديث عن نافع، عن ابن (١) ((الموطأ)) برواية محمد بن الحسن (ص٢٨١)، الحديث (٦٤١). (٢) ((عمدة القاري)) (٦٧٦/٨). ٢٧ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٩) حديث عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعْدٍ، أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ؛ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكِ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمَاً لَهَا بِسَلْع، عمر رضي الله عنه، وليس بشيء، وهو خطأ، والصواب رواية مالك في ((الموطأ)) انتهى. ولفظ محمد في ((موطئه)) في النسخة التي بأيدينا: مالك أخبرنا نافع، عن رجل من الأنصار: أن معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ أخبره أن جارية لكعب، .... الحديث. (عن معاذ بن سعد أو عن سعد بن معاذ) كذا وقع بالشك في رواية البخاري أيضاً، وقال الحافظ في ((التقريب)) (١) ورقم له للبخاري: كذا وقع حديثه على الشك، وذكره ابن منده وغيره في الصحابة. انتهى، وقال في ((تهذيبه))(٢): قال المزي: هو أحد المجهولين، قلت: ذكره ابن منده، وأبو نعيم، وابن فتحون في الصحابة، انتهى. (أن جارية) قال الحافظ(٣): لم أقف على اسمها (لكعب بن مالك) الأنصاري الصحابي الشهير (كانت ترعى غنماً لها) وفي رواية جويرية، عن نافع عند البخاري: أن جارية لكعب بن مالك ترعى غنماً له، فالنسبة إليها في رواية ((الموطأ)) لأدنى ملابسة، وقال الباجي(٤): أكثر ما تستعمل العرب لفظ الجارية في المملوكة، ولذلك أضافها إلى كعب بن مالك إضافة ظاهرها الملك، وكانت ترعى غنماً لكعب بن مالك (بسلع) بفتح السين المهملة وسكون اللام، وحكي فتحها آخره عين مهملة: جبل معروف بالمدينة، قاله الحافظ، وفي ((المحلى)): جبل بالجانب الغربي على المدينة، وعنده حفر الخندق. (١) (٢٨٩/١). (٢) (١٩١/١٠). (٣) ((فتح الباري)) (٦٣١/٩). (٤) ((المنتقى)) (١١١/٣). ٢٨ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٩) حديث فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا، فَأَدْرَكَتْهَا، فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَه عَنْ ذُلِكَ، فَقَالَ: ((لَا بَأُسَ بِهَا، فَكُلُوهَا)). (فأصيبت شاة منها) أي: أصابتها أسباب الموت، ولفظ البخاري برواية عبيد الله، عن نافع: فأبصرت بشاة من غنمها موتاً . (فأدركتها) أي: أدركت الجارية الشاة قبل الموت (فذكتها)، وفي رواية فذبحتها (بحجر) وفي روايتي عبيد الله، وجويرية، عن نافع عند البخاري: فكسرت حجراً، فذبحتها به (فسأل) ببناء المعلوم في النسخ الهندية فضمير الفاعل لكعب على الظاهر، وفي النسخ المصرية فسئل ببناء المجهول. قال الحافظ: وفي رواية الليث: فكسرت حجراً فذبحتها به، فأتى النبي وَ ﴿، فأخبره، فيستفاد من روايته تعيين السائل عن ذلك، وفي رواية جويرية، عن نافع عند البخاري: فذكروا للنبي ◌َّ، انتهى. (رسول الله وَّر عن ذلك) وفي رواية للبخاري: فقال كعب لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبي ◌َّ فأسأله، أو حتى أرسل إليه من يسأل، فأتى النبي وَّ، أو بعث إليه، وفي أخرى له، فذكروا ذلك للنبي وَل﴾ . (فقال) النبي وَل﴾ (لا بأس بها، فكلوها) أمر إياحة، وفيه: التذكية بالحجر، وتقدم في الحديث السابق، وفيه أيضاً: ذكاة المشرفة على الموت، وتقدم أيضاً في الحديث السابق، وفيه أيضاً: جواز أكل ما ذبحته المرأة، سواء كانت حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، طاهرة أو غير طاهرة؛ لأنه وَلّ أباح ما ذبحته ولم يستفصل، وهذا قول الجمهور، ومالك في ((المدونة)) ونص عليه الشافعي، ونقل ابن عبد الحكم عن مالك الكراهة، قاله القسطلاني والزرقاني(١). وقال الباجي (٢): أما الرق فليس بمؤثر في الذكاة، فتجوز ذكاة العبد على (١) ((إرشاد الساري)) (٣٠٩/١٢)، و((شرح الزرقاني)) (٨٢/٣). (٢) ((المنتقى)) (١١١/٣). ٢٩ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠١٩) حديث كل حال، وأما الصغير والأنثى، ففي ((كتاب)) ابن المواز، عن مالك: تكره ذبيحة الصبي، والمرأة من غير ضرورة، وفي ((المدونة)) عن ابن القاسم: تجوز ذكاة المرأة من غير ضرورة، ولا بأس بذكاة الصبي إذا أطاق الذبح، وجه رواية ابن المواز: أن هذا معنى يعتبر فيه الدين، فاعتبر فيه الأنوثة، والذكورة، والبلوغ، والأمانة، ووجه رواية ((المدونة)) أنه معنى لا يعتبر فيه الرق، فلم يعتبر فيه الأنوثة كالبيع والشراء والطبخ، انتهى. وقال الموفق(١): كل من أمكنه الذبح من المسلمين، وأهل الكتاب إذا ذبح حل أكل ذبيحته، رجلاً كان أو امرأة، بالغاً أو صبياً، حراً كان أو عبداً، لا نعلم في هذا خلافاً، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إباحة ذبيحة المرأة والصبي. وقد روي أن جارية لكعب ترعى غنماً .... ، الحديث، وفيه فوائد سبع: أحدها: إباحة ذبيحة المرأة. والثانية: إباحة ذبيحة الأمة. والثالثة: إباحة ذبيحة الحائض؛ لأن النبي ◌ّ لم يستفصل. والرابعة: إباحة الذبح بالحجر. والخامسة: إباحة ذبح ما خيف عليه الموت. السادسة: حلّ ما يذبحه غیر مالكه بغير إذنه. السابعة: إباحة ذبحه بغير مالكه عند الخوف. انتهى. قال الحافظ(٢): في الحديث تصديق الأجير الأمين فيما أؤتمن عليه حتى (١) («المغني)) (٣١١/١٣). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٣٣). ٣٠ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢٠) حدیث ٥/١٠٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، يظهر عليه دليل الخيانة، وفيه جواز تصرف الأمين، كالمودع بغير إذن المالك بالمصلحة، وترجم البخاري على الحديث(١) في الوكالة: باب إذا أبصر الراعي أو الوكيل شاة تموت، أو شيئاً يفسد ذبح أو أصلح ما يخاف عليه الفساد، وقال ابن القاسم: إذا ذبح الراعي شاة بغير إذن المالك، وقال: خشيت عليها الموت لم يضمن على ظاهر هذا الحديث. وتُعُقِّبَ بأن الجارية كانت أمة لصاحب الغنم فلا يتصور تضمينها، وعلى تقدير أن تكون غير ملكه، فلم ينقل في الحديث أنه أراد تضمينها، وفيه جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه، ولو ضمن الذابح، وخالف في ذلك طاووس، وعكرمة، وهو قول إسحاق، وأهل الظاهر، وإليه جنح البخاري إذ ترجم في ((صحيحه))(٢): ((باب إذا أصاب قوم غنيمة فذبح بعضهم غنماً، أو إبلاً بغير أمر أصحابه لم تؤكل)) وأورد فيه حديث رافع بن خديج في الأمر بإكفاء القدور، وذكر في حمله ما فيه، وعورض بحديث الباب، وبما أخرجه أحمد وأبو داود(٣) بسند قوي من طريق عاصم بن كليب عن أبيه في قصة الشاة التي ذبحتها المرأة بغير إذن صاحبها، فامتنع النبي ول# من أكلها، لكنه قال: ((أَطْعِمُوهَا الأُسَارى))، فلو لم تكن ذكية ما أمر بإطعامها الأساري، انتهى. ٥/١٠٢٠ - (مالك عن ثور)، بفتح المثلثة (ابن زيد الديلي) بكسر الدال المهملة وسكون التحتانية (عن عبد الله بن عباس) قال أبو عمر: يرويه ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، كما رواه الدراوردي وغيره، وهو محفوظ من وجوه عن ابن عباس، انتهى. (١) رقم الحديث (٢٣٠٤). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٧٢). (٣) أخرجه أبو داود (٣٣٣٢). ٣١ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢٠) حديث أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ؟ فَقَالَ: لَا بَأُسَ بِهَا، قلت: وسيأتي بعض ذلك، وفي ((التعليق الممجد)) (١): قال الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث الكشاف)): هذا منقطع؛ لأن ثوراً لم يلق ابن عباس، وإنما أخذه عن عكرمة، فحذفه مالك، وروى ابن أبي شيبة(٢) من طريق عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ((كلوا ذبائح بني ثعلبة، وتزوّجوا نساءهم)، انتهى. (أنه سئل) ببناء المجهول (عن ذبح) مصدر بمعنى مذبوح، وفي نسخة: عن ذبائح، وفي أخرى عن ذبيحة (نصارى العرب) أي العرب الذين تنصّروا، قال صاحب ((المحلى)): وهو مقتصر من العرب في بني تغلب. وقال النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات))(٣): نصارى العرب: تنوخ، وبهرا، وتغلب، وبهراء بفتح الموحدة وإسكان الهاء بالمد: قبيلة معروفة من قضاعة، انتهى. ومنشأ السؤال: أن الإطلاق قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾(٤) أي: ذبائحهم عام، لكن نصارى العرب ليسوا من أهل الكتاب حقيقة، فإنهم ليسوا من بني إسرائيل الذين هم أهل التوراة والإنجيل، وكان مَظِنة أن لا يحلّ ذبائحهم. (فقال) ابن عباس - رضي الله عنه -: (لا بأس بها) أي: بذبيحتهم، لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وروي عن ابن عباس كما علّقه عنه البخاري أنه قال: طعامهم: ذبائحهم. قال العيني(٥): وقام الاتفاق على أن المراد من طعامهم ذبائحهم دون ما (١) (٦٤٨/٢). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣/ ٣٠٠) وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٩٤/٣). (٣) (٢٩٣/٢). (٤) سورة المائدة: الآية ٥. (٥) ((عمدة القاري)) (١٤/ ٥١٢). ٣٢ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢٠) حديث وَتَلَا هُذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَن يَتَوَلَُّ مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ أكلوه؛ لأنهم يأكلون الميتة، ولحم الخنزير، والدم، ولا يحلّ لنا شيء من ذلك بالإجماع، فالمراد بطعامهم: ذبائحهم، وبه قال ابن عباس، وأبو أمامة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وإبراهيم النخعي، وهذا أمرٌ مجمع عليه بين العلماء أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله، وإن اعتقدوا فيه ما هو منَزَّه عنه، انتهى. وفي ((البخاري)): (١) قال الزهري: لا بأس بذبيحة نصارى العرب، وإن سمعتَه يسمي لغير الله فلا تأكل، وإن لم تسمعه فقد أحلّهِ الله لك وعلم کفرهم، انتھی. (وتلا) ابن عباس - رضي الله عنه - (هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّمْ﴾) أي: يُوادُّهم ويُواليهم (﴿مِّنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾)(٢) وأول الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ الْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّ وَمَن يَتَوَُّم مِّنَكُمْ﴾ قال الزرقاني: ولعل مراده بتلاوتها: أنه وإن جاز أكل ذبائحهم، لكن لا ينبغي للمسلم أن يتخذهم ذَبَّاحِين؛ لأن في ذلك موالاة لهم، انتهى. وفي ((التعليق الممجد)): (٣) أجاب ابن عباس - رضي الله عنه - بأنه لا بأس بها أخذاً من عموم الآية، وقرأها إشارة إلى أن الخطاب في هذه الآية إلى العرب، وغرضه سبحانه وتعالى أن من تولى اليهود والنصارى من العرب، وأخذ بشرائعهم، وعمل حسب عملهم، فهو منهم، فنصارى العرب إذا تَدَيَّنوا بدين النصارى صاروا منهم حكماً، وإن لم يكونوا منهم حقيقة، فدخلوا في (١) (صحيح البخاري)) في ٧٢ - كتاب الذبائح والصيد ٢٢ - باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من أهل الحرب وغيرهم. (٢) سورة المائدة: الآية ٥١. (٣) (٦٤٨/٢). ٣٣ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢٠) حديث عموم الآية المذكورة، وبهذا ظهر سخافة ما قال الزرقاني(١)؛ لأن توجيهه يقتضي أن يكون قراءة الآية أمراً على حدة، انتهى. وقال الباجي(٢): أجرى ابن عباس نصارى العرب في ذلك مجرى نصارى العجم، ومقتضى الآية أنه من يتولى أهل الكتاب من العرب فإنه منهم، لأن المتولي لأهل الكتاب المخاطبين بهذه الآية يجب أن يكونوا غير أهل الكتاب المتقدم ذكرهم من العجم، فحكم الله تعالى بأنه منهم، وذلك يوجب أن يكونوا من أهل الكتاب، وذلك يقتضي أن يكون حكمهم حكم أهل الكتاب في الذبائح، وغیرها، انتهى. وفي ((الدر المنثور)): (٣) أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كلوا من ذبائح بني تغلب، وتزوّجوا من نسائهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْهُودَ وَالنَّصَرَِّ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَّءُ بَعْضِنَّ وَمَن يَتَوَُّم ◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمَّ﴾(٤) فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم، وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في هذه الآية أنها في الذبائح من دخل في دين قوم فهو منهم، انتهى. وقال الموفق(٥): أجمع أهل العلم على إباحة ذبائح أهل الكتاب، وأكثر أهل العلم يرون إباحة صيدهم أيضاً، قال ذلك عطاء، والليث، والشافعي، وأصحاب الرأي، ولا نعلم أحداً حرّم صيد أهل الكتاب إلا مالكاً، أباح (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٨٢/٣). (٢) ((المنتقى)) (١١١/٣). (٣) (٩٤/٣). (٤) سورة المائدة: الآية ٥١. (٥) («المغني)) (٢٩٣/١٣). ٣٤ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢٠) حديث . ذبائحهم وحرّم صيدهم، ولا يصح؛ لأن صيدهم من طعامهم، فيدخل في عموم الآية، ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين، وأهل الكتاب، ولا بين الحربي والذميّ في إباحة ذبيحة الكتابي منهم، وتحريم ذبيحة من سواه، وسئل أحمد عن ذبائح نصارى أهل الحرب، فقال: لا بأس بها، لحديث عبد الله بن مغفل في الشحم (١). وقال ابن المنذر: أجمع على هذا كلُّ من نحفظ عنه من أهل العلم، منهم مجاهد، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا فرق بين الكتابي العربي وغيره، إلا أن في نصارى العرب اختلافاً ذكرناه في باب الجزية، وسئل مكحول عن ذبائح نصارى العرب؟ فقال: أما بهراء، وتنُوخُ، وسُلَيْحٌ، فلا بأس، وأما بنو تغلب، فلا خير في ذبائحهم، والصحيح إباحة الجميع؛ لعموم الآية فيهم، انتهى. وقال(٢) في أبواب الجزية: بنو تغلب بن وائل، من العرب، من ربيعة بن نزار انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم عمر إلى بذل الجزية فأبوا، وقالوا: نحن عرب، خُذْ منا ما يأخذ بعضكم من بعض .... ، إلى آخر ما بسطه . قال الخرقي: لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم في إحدى الروايتين عن أبي عبد الله، وفي الأخرى: تؤكل ذبائحهم، وتنكح نساؤهم. قال الموفق: الأول: قول علي بن أبي طالب، ومذهب الشافعي، ولم يبح الشافعي ذبائح العرب من أهل الكتاب كلهم، وكره ذبائح بني تغلب عطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن علي والنخعي، والرواية الثانية هي الصحيح عن (١) أخرجه البخاري (٥٥٠٨)، ومسلم ح (١٧٧٢). (٢) («المغني)) (٢٢٣/١٣). ٣٥ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢٠) حديث أحمد، رواه عنه الجماعة، وكان آخر الروايتين عنه، وهو قول ابن عباس، وروي نحوه عن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال الحسن، والنخعي، والشعبي، والزهري، وعطاء الخراساني، والحكم، وحماد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال الأثرم: وما علمت أحداً كرهه من أصحاب النبي وَلّ إلا علياً، وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُرُ﴾، ولأنهم أهل الكتاب يُقَرُّون على دينهم ببذل المال، انتهى. قال ابن رشد (١): المذكور في الشرع فيمن تجوز تذكيته ومن لا تجوز ثلاثة أصناف: صنف اتفق على جواز تذكيته؛ وصنف اتفق على منع ذكاته؛ فأما الصنف الذي اتفق على ذكاته، فمن جمع خمسة شروط: الإسلام، والذكورية، والبلوغ، والعقل، وترك تضييع الصلاة، وأما الذي اتفق على منع تذكيته فالمشركون عبدة الأصنام. وأما الذين اختلف فيهم فأصناف كثيرة، لكن المشهور عنها عشرة: أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، والمرأة، والصبي، والمجنون، والسكران، والذي يُضَيِّعُ الصلاة، والسارق، والغاصب، وأما أهل الكتاب فالعلماء مجمعون على جواز ذبائحهم، ومختلفون في التفصيل، فاتفقوا على أنهم إذا لم يكونوا من نصارى بني تغلب، ولا مرتدّين، وذبحوا لأنفسهم، وعُلِمَ أنهم سمُّوا الله تعالى على ذبيحتهم، وكانت الذبيحة مما لم تُحَرَّمْ عليهم في التوراة، ولا حَرَّمُوها هم على أنفسهم، أنه يجوز منها ما عدا الشحم، واختلفوا في مقابلات هذه الشروط. أما ذبائح نصارى بني تغلب، والمرتدين، فإن الجمهور على أن ذبائح النصارى من العرب حكمها حكم ذبائح أهل الكتاب، وهو قول ابن عباس، (١) ((بداية المجتهد)) (٤٤٨/١). ٣٦ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢١) حديث ٦/١٠٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ ومنهم من لم يجز ذبائحهم؛ وهو أحد قولي الشافعي، وهو مروي عن علي - رضي الله عنه -، وسبب الخلاف هل يتناول العرب المتنصّرين، والمتهوّدين اسم الذين أوتوا الكتاب، كما يتناول ذلك الأمم المختصة بالكتاب، وهم بنو إسرائيل والروم؟ وأما المرتد فالجمهور على أن ذبيحته لا تؤكل، وقال إسحاق: ذبيحته جائزة، وقال الثوري: مكروهة، انتهى. وقال الباجي(١): ولا تؤكل ذبيحة المرتدّ، وإن ارتدّ إلى يهودية أو نصرانية، رواه ابن حبيب، وقال: لا تؤكل ذبيحة من يدع الصلاة، ولا ذبيحة من يُضَيِّعُها، ويُعْرَفُ بالتهاون بها، ونحا بذلك إلى أنه ارتداد، وقال: وكذلك قال لي من كاشفت من أصحاب مالك عنه في جميعه، انتهى. وقال القسطلاني: روي عن علي - رضي الله عنه - أنه استثنى، أي من عموم أهل الكتاب نصارى بني تغلب، وقال: ليسوا على النصرانية، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر، قال في ((اللباب)). وبه أخذ الشافعي. انتهى، وفي ((الهداية)): إطلاق الكتابي ينتظم الكتابي الذميّ، والحربي، والعربي، والتغلبي؛ لأن الشرط قيام الملة، انتهى. ٦/١٠٢١ - (مالك، أنه بلغه أن عبد الله بن عباس) وقد روي معناه مرفوعاً عن رافع وغيره، كما في ((نصب الراية))(٢) (كان يقول: ما فَرَى) أي قطع (الأوداج) جمع ودج بفتح الواو والدال المهملة المفتوحة والجيم، هو العرق الذي في الأخدع، وهما عرقان متقابلان، قيل: ليس لكل بهيمة غير ودجين فقط، وهما محيطان بالحلقوم. (١) ((المنتقى)) (١١١/٣). (٢) (١٨٦/٤). ٣٧ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢١) حديث فَكُلُوهُ. ففي الإتيان بصيغة الجمع نظر، ويمكن أن يكون أضعاف كل ودجين إلى الأنواع كلها، هكذا اقتصر بعض الشراح، وبقي وجه آخر، وهو أنه أطلق على ما يقطع في العادة ودجاً تغليباً، فقد قال أكثر الحنفية في كتبهم: إذا قُطِعَ من الأوداج الأربعة ثلاثةٌ حصلت التذكية، وهما: الحلقوم، والمريء، وعرقان من كل جانب، قاله الحافظ في ((الفتح))(١). ويمكن أن يقال: إن الجمع باعتبار إطلاقه على ما فوق الواحد (فكله) بصيغة الإفراد، وفي نسخة ((فكلوه)) بصيغة الجمع. قال الباجي(٢): قوله: ما فرى الأوداج يحتمل معنيين: إحداهما: صفة الآلة التي يذبح بها، فيقول: إن ما كان من الآلات على هذه الصفة وجب أن تستباح به الذكاة، وهذا ظاهر اللفظ والمعنى. الثاني: أن يريد به ما يبلغ من ذكاته إلى فري الأوداج، فإنه قد كملت ذكاته، وقوله: ((فكلوه)) يبين أنه إنما أراد به الفعل دون الآلة، فكأنه قال: كل ذبح، أو ذكاة تبلغ فري الأوداج، فإنه قد أباح أكل ما ذُكِّيَ به، وفي الكلام تجوز لرجوع ضمير المأكول على الفعل، انتهى. قلت: وعلى المعنى الأول يكون الحديث بمعنى ما روي عن رافع وغيره مرفوعاً ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)) .... الحديث، وأنا على المعنى الثاني، فقال الباجي(٣): لعله ترك ذكر الحلقوم لما كان في المعلوم في الأغلب لا تفري الأوداج إلا بعد فري الحلقوم، وقال مالك في ((المدونة)): إن الذكاة تفري الحلقوم والودجين، فإن قطع الودجين دون الحلقوم، أو الحلقوم دون الودجين، لم تتم الذكاة، هذا حقيقة المذهب. (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٤١). (٢) ((المنتقى)) (١١٣/٣). (٣) ((المنتقى)) (١١٣/٣). ٣٨ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢١) حديث وقال الشافعي في الذكاة: تقطع الحلقوم، والمريء، والبلعوم، ولا اعتبار بالودجين، والدليل على ما نقوله ما روي عنه وَلغير أنه قال: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل))، وإنهار الدم إجراؤه، وذلك لا يكون إلا بقطع الأوداج، لأنها مجرى الدم، وأما المريء فليس بمجرى الدم، وإنما هو مجرى الطعام، وليس فيه من الدم إلا اليسير الذي لا يحصل به الإنهار، ودليلنا أيضاً ما روي أن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال باعتبار الودجين، ولا مخالف له من الصحابة، ولا نعلم أحداً منهم قال باعتبار المريء. وأما الحلقوم فمجرى النفس، وهو من المذبح، فإن قطع جميعه مع الودجين تمت الذكاة فيه، وإن قطع بعضه، فقد روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في الدجاجة، والعصفور، والحمام إذا أجهز على أوداجه وحلقه أو تُلُثيه، فلا بأس بذلك، وقاله ابن حبيب، وزاد وإن لم يقطع منه إلا اليسير فلا يجوز، وقال سحنون: لا يجوز ذلك حتى يجهز على جميع الحلقوم والأوداج، وجه قول سحنون أن هذا معنى تتعلق به الذكاة، فوجب أن يكون حكمه الاستيعاب كالودجين، ووجه قول ابن القاسم أن الذكاة محلها الودجان، وإنما تتعلق بالحلقوم، على معنى التبع، فإذا قطع أكثره مع استيعاب الودجين، فقد كملت الذكاة، ولو قطع الحلقوم وأحد الودجين، فقد قال ابن حبيب: لا تؤكل، وظاهر ((المدونة))، يقتضيه، لأنه قال: لا تؤكل حتى يقطع الحلقوم والودجين، قال الشيخ أبو إسحاق: إن بقي شيء من الودجين لم تؤكل، ووجه ذلك تعلق الذكاة بهما، فلم یکن بد من استيعابهما، انتهى. قال الدردير(١): الذكاة: قطعُ مميّزٍ تُنكح أنثاه جميع الحلقوم، وهو القصبة التي يجري فيها النفس، وجميع الودجين، وهما عرقان في صفحتي العنق يتصل بهما أكثر عروق البدن ويتصلان بالدماغ، فلو قطع أحدهما، وأبقى (١) ((الشرح الكبير)) (٩٩/٢). ٣٩ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢١) حديث الآخر، أو بعضه لم تؤكل، ولا يشترط قطع المريء وهو عرق أحمر تحت الحلقوم متصل بالفم يجري فيه الطعام، ويسمى البلعوم، واشترط الشافعي قطعه. انتهى. وفي ((الفتح)): (١) قال الشافعي: يكفي يعني إذا قطع الحلقوم والمريء ولو لم يقطع من الودجين شيئاً؛ لأنهما قد يُسَلَّان من الإنسان وغيره فيعيش، وعن الثوري: إن قطع الودجين أجزأه، ولو لم يقطع الحلقوم والمريء، وعن مالك، والليث يشترط قطع الودجين والحلقوم فقط، واحتج له بما في حديث رافع من إنهار الدم، وذلك يكون بقطع الأوداج؛ لأنها مجرى الدم، والمريء: مجرى الطعام، وليس به من الدم ما يحصل به إنهار. اهـ. وفي ((الهداية))(٢): العروق التي تقع في الذكاة أربعة: الحلقوم، والمريء، والودجان؛ لقوله وَلير: ((أفر الأوداج بما شئت))، وهي اسم جمع، وأقله الثلث، فيتناول المريء، والودجين، وهو حجة على الشافعي في الاكتفاء بالحلقوم، والمريء، إلا أنه لا يمكن قطع هذه الثلاثة إلا بقطع الحلقوم فيثبت قطع الحلقوم باقتضائه، وبظاهر ما ذكرنا يحتج مالك، ويشترط قطع جميعها، وعندنا: إن قطع أكثرها يحل عند أبي حنيفة، وقالا: لا بد من قطع الحلقوم، والمريء، وأحد الودجين، هكذا ذكر القدروي الاختلاف، والمشهور في كتب مشايخنا أن هذا قول أبي يوسف وحده. انتهى مختصراً. وفي ((العيني(٣) على البخاري)) بعد ذلك: والحاصل أن عند أبي حنيفة إذا قطع الثلاث أيّ ثلاث كان من الأربعة، جاز، وعن أبي يوسف ثلاث روايات: (١) ((فتح الباري)) (٦٤١/٩). (٢) (١٢٧/٧/٤). (٣) ((عمدة القاري)) (٥١٥/١٤). ٤٠