النص المفهرس

صفحات 681-700

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
١٥/١٠١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ
٠
وتوهم الباجي(١) في نقل مذهب الحنفية؛ إذ قال: من حلف باللات
والعُزّى أو الطواغيت فقد أثم، ولا كفارة عليه إن حنث، وقال أبو حنيفة
والثوري: عليه كفارة یمین، انتهى.
ولا يصح النقل عن الحنفية، وكذا تسامح النووي(٢)؛ إذ قال: قال
أصحابنا: إذا حلف باللات، أو غيرها من الأصنام، أو قال: إن فعلت كذا
فأنا يهودي، أو بريء من الإسلام، أو من رسول الله وَّل، ونحو ذلك، لم
ينعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله، ويقول: لا إله إلا الله، ولا كفارة عليه
سواء فعله أم لا، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وجماهير العلماء، وقال
أبو حنيفة: تجب الكفارة في كل ذلك إلا في قوله: أنا مبتدع، أو بريء من
رسول الله، أو اليهودية، انتهى.
فإنه لا يصح النقل لا في المستثنى، ولا في المستثنى منه؛ لأنه لا يجب
الكفارة عندنا في الحلف باللات ونحوها، ويجب في تعليق البراءة من
رسول الله ◌َلة، كما صرح به ابن الهمام وغيره من أصحاب الفروع، والعجب
من العلامة العيني؛ إذ حكى قول النووي هذا، ولم يتعقبه.
١٥/١٠١٣ - (مالك، أنه بلغه) ومعلوم: أن بلاغه صحيح، ولا يبعد أن
يكون بلغه من شيخه عقبة بن موسى؛ فقد رواه البخاري في ((الأيمان)) من طريق
الثوري، وفي ((التوحيد)) من طريق ابن المبارك، وابن عبد البر من طريق
سليمان بن بلال الثلاثة عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، قاله
الزرقاني(٣).
(١) «المنتقى)) (٢٥٩/٣).
(٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١١ / ١٠٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٦٨/٣).
٦٨١

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ كَانَ يَقُولُ: «لَا. وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ».
أخرجه البخاريّ في: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٣ - باب كيف كانت يمين
النبيّ ◌َ﴾ .
وقال ابن عبد البر في ((التقصي)) (١): هذا يستند من حديث ابن عمر،
وغيره من طرق حجازية صحاح، ويستند أيضاً من حديث أم سلمة، وعائشة
- رضي الله عنهما -، انتهى.
(أن رسول الله وَ لو كان يقول:) على سبيل القسم، أي إذا أراد أن
يحلف، ولفظ البخاري بطريق الثوري، عن موسى بن عقبة: كانت يمين
النبي ◌َّلّ، وبطريق ابن المبارك عن موسى: كثيراً ما كان النبي وَلّ يحلف (لا
ومقلب القلوب) قوله: ((لا)) لنفي الكلام السابق، و((مقلب القلوب)) هو المقسم
به، فالواو للقسم، والموحدة في المقلب مجرور به، والمراد بتقليب القلوب:
تقليب أعراضها، وأحوالها، لا تقليب ذات القلب.
قال عز اسمه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ﴾(٢) الآية، قال الراغب:
تقليب الله القلوب والأبصار: صرفها عن رأي إلى رأي، وسمي قلب الإنسان
لكثرة تقلبه، قال أبو بكر بن العربي (٣): القلب جزء من البدن خلقه الله تعالى،
وجعله للإنسان محل العلم، والكلام، وغير ذلك من الصفات الباطنة.
قال الحافظ: في الحديث دلالة على أن أعمال القلب من الإرادات،
والدواعي، وسائر الأعراض بخلق الله تعالى، وفيه: جواز تسمية الله تعالى بما
ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق به.
وفي الحديث حجة لمن أوجب الكفارة على من حلف بصفة من
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٤ /٤٠٤) و((الاستذكار)) (١٠٠/١٥).
(٢) سورة الأنعام: الآية ١١٠.
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٦٨/٣).
٦٨٢

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
صفات الله تعالى فحنث، ولا نزاع في أصل ذلك، وإنما الخلاف في أي صفة
تنعقد بها اليمين، والتحقيق أنها مختصة بالتي لا يشاركها فيها غيره كمقلب
القلوب، انتهى.
قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على: أن من حلف بالله عز وجل
فقال: والله، وبالله، فحنث أن عليه الكفارة، قال ابن المنذر: وكان مالك،
والشافعي، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يقولون: من حلف باسم من
أسماء الله تعالى، فحنث أن عليه الكفارة، ولا نعلم في هذا خلافاً، إذا كان
من أسماء الله عزّ وجلّ التي لا يسمى بها سواه، وأسماء الله عز وجل تنقسم
إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا يسمى به غيره نحو: قوله: والله، والرحمن، والأول الذي
ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، ورب العالمين، ومالك يوم
الدين، ورب السموات والأرض، والحيّ الذي لا يموت، ونحو هذا فالحلف
بهذا يمين بكل حال.
والثاني: ما يسمى به غير الله تعالى مجازاً، وإطلاقه ينصرف إلى الله
عز اسمه مثل: الخالق، والرازق، والرب، والرحيم، والقادر، والقاهر،
والملك، والجبار، ونحوها فهذه يسمى به غير الله مجازاً بدليل قوله تعالى:
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ اْخَلِقِينَ﴾(٢)، وقوله تعالى: ﴿أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾، وقوله تعالى:
﴿فَرْزُقُوُهُم مِّنْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣) فهذا إن نوى به
اسم الله تعالى، أو أطلق كان يميناً؛ لأنه بإطلاقه ينصرف إليه، وإن نوى به
(١) ((المغني)) (٤٥٢/١٣).
(٢) سورة الصافات: الآية ١٢٥.
(٣) سورة التوبة: الآية ١٢٨.
٦٨٣

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
غيره تعالى لم يكن يميناً؛ لأنه يستعمل في غيره فينصرف بالنية إلى ما نواه،
وهذا مذهب الشافعي، وقال طلحة العاقولي(١): إذا قال: والرب، والخالق،
والرازق، كان يميناً على كل حال كالأول؛ لأنها لا تستعمل مع التعريف بلام
التعريف إلا في اسمه تعالى، فأشبهت القسم الأول.
والثالث: ما يسمى به الله تعالى وغيره، ولا ينصرف إليه بإطلاقه:
كالحي، والعالم، والموجود، والمؤمن، والكريم، والشاكر، فهذا: إن قصد به
اليمين باسمه تعالى كان يميناً، وإن أطلق، أو قصد غير الله تعالى لم يكن
يميناً، فيختلف هذا القسم، والذي قبله في حالة الإطلاق، ففي الأول يكون
يميناً، وفي الثاني لا يكون يميناً، وقال القاضي، والشافعي، في هذا القسم:
لا يكون يميناً، وإن قصد به اسم الله تعالى؛ لأن اليمين إنما تنعقد لحرمة
الاسم، ومع الاشتراك لا يكون حرمة، ولنا: أنه أقسم باسم الله تعالى قاصداً
به الحلف، فكان يميناً، والقسم بصفات الله تعالى كالقسم بأسمائه.
وصفاته تنقسم أيضاً ثلاثة أقسام:
أحدها: ما هو صفات لذات الله تعالى، لا يحتمل غيرها: كعزة الله
تعالى، وعظمته، وجلاله، وكبريائه، وكلامه، فهذه تنعقد بها اليمين في قولهم
جميعاً، وبه يقول الشافعي، وأصحاب الرأي، لأن هذه من صفات ذاته، ولم
يزل موصوفاً بها، وقد ورد الأثر بالقسم ببعضها، فروي أن النار تقول: ((قط
قط وعزتك)) رواه البخاري.
والثاني: ما هو صفاتٌ للذات، ويعبر به عن غيرها مجازاً: كعلم الله،
(١) هو أبو البركات طلحة بن أحمد بن طلحة الكندي العاقولي، تفقّه ببغداد على أبي يعلى
ابن الفراء، وتوفي بعد سنة عشر وخمسمائة. العاقولي؛ نسبة إلى دير العاقول، وهي بلدة
بالقرب من بغداد - ((الباب)) (١٠٦/٢).
٦٨٤

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
وقدرته، فهذه صفةٌ للذات، لم يزل موصوفاً بها، وقد تُسْتعمل في المعلوم،
والمقدور: كقولهم: اللَّهم اغفر لنا علمك فينا، ويقال: اللَّهم قد أريتنا
قدرتك، فأرِنا عفوك، ويقال: انْظُرْ إلى قدرة الله، أي: مقدوره، فمتى أقسم
بهذا كان يميناً، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: إذا قال: وعلم الله، لا
يكون يميناً؛ لأنه يحتمل المعلوم.
ولنا: أن العلم من صفاته تعالى، فكان يميناً، أما إن نوى القسم
بالمعلوم احتمل أن لا يكون يميناً، وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأنه نوى
بالاسم غير صفة الله مع احتمال اللفظ ما نواه، وروي عن أحمد: أن ذلك
يمين بكل حال، ولا تقبل منه نية غير صفة الله تعالى، وهو قول أبي حنيفة في
القدرة؛ لأن ذلك موضوع للصفة فلا يقبل منه نية غير الصفة كالعظمة.
والثالث: ما لا ينصرف بإطلاقه إلى صفة الله تعالى، لكن ينصرف بإضافته
إلى الله سبحانه لفظاً، أو نية كالعهد، والميثاق، والأمانة، ونحوها، فهذا لا
يكون يميناً إلا بإضافته أو نيته.
فإن قال: وحق الله، فهي يمين، وبهذا قال مالك، والشافعي، وقال أبو
حنيفة: لا كفارة لها؛ لأن حق الله تعالى طاعته ومفروضاته، وليست صفة له،
وإن قال: لعمر الله، فهي يمين، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: إن كان
قصد اليمين، فهي يمين، وإلا لا، وهو اختيار أبي بكر. ولنا: أنه أقسم بصفة
من صفات الله، فكان يميناً، كالحلف ببقاء الله تعالى؛ فإنه معناه: الحلف
ببقاء الله، وحياته، وقد ثبت عرف الشرع والاستعمال، قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ
لَفِى سَكْرَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
وقال النابغة :
فَلَا لعَمْرُ الذي قَدْ زُرْتَه حِجَجاً
وما أُرِيقَ على الأَنْصاب من جَسَدِ
(١) سورة الحجر: الآية ٧٢.
٦٨٥

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
وأيم الله، وأيمن الله، يمين، والخلاف فيه كالذي قبله، واختلف في
اشتقاقه فقيل: جمعُ يمين، وحذفت النون في البعض تخفيفاً لكثرة
الاستعمال، وقيل: من اليمين والألف للوصل، وإن قال: لا بالله، فإن نوى
به اليمين فهو يمين، وإلا لا، وهو مذهب الشافعي، والحلف بالقرآن، أو
بآية منه، أو بكلام الله يمين منعقدة، وبهذا قال مالك، والشافعي، وعامة
أهل العلم، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بيمين، فمنهم من زعم أنه
مخلوق، ومنهم من قال: لا يعهد به اليمين، وإن حلف بالمصحف انعقدت
يمينه، ولم يكره ذلك إمامنا، وإسحاق؛ لأن الحالف بالمصحف إنما قصد
المكتوب فيه، وهو القرآن، فإنه بين دفتي المصحف بإجماع المسلمين.
وإذا حلف بالعهد، أو قال: عهد الله، أو كفالته فذلك يمين، وقال
عطاء، وابن المنذر: لا يكون يميناً إلا أن ينوي، وقال الشافعي: لا يكون
يميناً إلا أن ينوي اليمين بعهد الله الذي هو صفته، وقال أبو حنيفة: ليس
بيمين، ولعلهم ذهبوا إلى أن العهد من صفات الفعل، فلا يكون يميناً، كما لو
قال: وخلق الله، وقد وافقنا أبو حنيفة في أنه إذا قال: عليّ عهد الله وميثاقه
لأفعلن، ثم حنث، أنه يلزمه الكفارة، ولا يختلف المذهب في أن الحلف
بأمانة الله يمين مكفرة، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا تنعقد بها
اليمين إلا أن ينوي الحلف بصفة الله، ويكره الحلف بالأمانة لما روى أبو داود
عن علي مرفوعاً: ((من حلف بالأمانة فليس منا))، انتهى ملخصاً.
وقال الدردير(١): اليمين: تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله تعالى،
وشمل كل اسم من أسمائه، أو صفته الذاتية: كالعلم، والقدم، والبقاء،
والوحدانية، وكذا المعنوية، لا صفة الفعل: كخلقه، ورزقه: كبالله، ووالله،
وهالله بحذف حرف القسم، وإقامة هاء التنبيه مقامه، وأيم الله أي: بركته،
(١) ((الشرح الكبير)) (١٢٦/٢).
٦٨٦

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٣) حديث
وأصلها: أيمن الله، وحق الله إذا أراد الحالف به الصفة القديمة: كعظمته، لا
إِن أراد به حقه على عباده من العبادات، والعزيز، وعظمته، وجلاله، وإرادته،
وكفالته، أي: التزامه، ويرجع لكلامه كالوعد بالثواب، وكلامه، والقرآن،
والمصحف ما لم ينو النقوش، أو هي مع الأوراق، وعزة الله أي: صفته
القديمة، التي هي: منعته، وقوته، وأمانته أي: تكليفه من إيجاب وتحريم،
وعهده، أي: إلزامه وتكليفه، وعليّ عهد الله، فإنها يمين إلا أن يريد بعزة الله،
وما بعده: المعنى المخلوق في العباد، فلا تنعقد بها يمين، ولا بقوله:
حاشا الله، ومعاذ الله بالمهملة أو المعجمة، ولا بقوله: الله راع، أو كفيل، أو
وكيل، أو شهيد؛ لأنه من باب الإخبار، لا الإنشاء، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (١): القسم بالله تعالى، وباسم من أسمائه، ولو
مشتركاً تعورف الحلف به، لا على المذهب: كالرحمن، والرحيم، والحليم،
والعليم، ومالك يوم الدين، والطالب الغالب، والحق معرفاً لا منكراً، أو
بصفة من صفاته تعالى يحلف بها عرفاً، صفة ذات لا يوصف بضدها :
كعزة الله، وجلاله، وكبريائه، وملكوته، وجبروته، وعظمته، وقدرته، أو صفة
فعل يوصف بها وضدها: كالغضب، والرضا، فإن الأيمان مبنية على العرف،
فما تُعورف الحلف به فيمين، وما لا فلا، انتهى.
قال ابن عابدين: قوله: ولو مشتركاً وقيل: كل اسم لا يسمى به غيره
تعالى كالله، والرحمن، فهو يمين، وما يسمى به غيره: كالحليم، والعليم، فإن
أراد به اليمين كان يميناً، وإلا لا، ورجّحه بعضهم بأنه حيث كان مستعملًا
لغيره تعالى أيضاً لم تتعين إرادة أحدهما إلا بالنية، وردّه الزيلعي بأن دلالة
القسم معيّنَة لإرادة اليمين، إذ القسم بغيره تعالى لا يجوز، نعم إذا نوى غيره
صدق؛ لأنه نوی محتمل کلامه.
(١) (٥٠٠/٥، ٥٠١).
٦٨٧

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
١٦/١٠١٤ - وحدّثني عَنْ مَالكَ، عَنْ عُثْمان بنِ حفص بن
عَمَرَ بْنِ خلدة،
وَأَنْت خبير بأنه منافٍ لما قدمه من أن العامة يُجَوِّزون الحلف بغير الله
تعالى ((نهر))، قال ابن عابدين: هذا غفلة عن تحرير محل النزاع، فإن الذي
جوّزه العامة: ما كان تعليق الجزاء بالشرط لا ما كان فيه حرف القسم،
والحاصل كما في ((البحر)): أن الحلف بالله تعالى لا يتوقف على النية، ولا
العرف على الظاهر من مذهب أصحابنا، وهو الصحيح، وبه اندفع ما في
((الولوالجية)) من أنه لو قال: والرحمن لا أفعل، إن أراد به السورة لا يكون
يميناً، لأنه يصير كأنه قال: والقرآن، وإن أراد به الله تعالى يكون يميناً؛ لأن
هذا التفصيل في الرحمن قول بشر المريسي، انتهى.
ثم قال: قوله: ((أو بصفة)) المراد بها: اسم المعنى الذي لا يتضمن ذاتاً،
ولا يحمل عليها بهو هو كالعزة، والكبرياء، والعظمة بخلاف نحو: العظيم،
وتتقيد بكون الحلف بها متعارفاً سواء كانت صفة ذات، أو صفة فعل، وهو
قول مشايخ ما وراء النهر.
ولمشايخ العراق تفصيل آخر: وهو أن الحلف بصفات الذات يمين لا
بصفات الفعل، وظاهر أنه لا اعتبار عندهم للعرف وعدمه، وقال الزيلعي:
الصحيح الأول، لأن صفات الله تعالى كلها صفات الذات، وكلها قديمة،
والأيمان مبنية على العرف، ما يتعارف الناس الحلف به يكون يميناً، وما لا
فلا، ومعنى قوله: ((كلها صفات الذات)): أن الذات الكريمة موصوفة بها،
فيراد بها الذات سواء كانت مما يسمى صفة ذات، أو صفة فعل، فيكون
الحلف بها حلفاً بالذات، وليس مراده نفي صفة الفعل، انتهى.
١٦/١٠١٤ - (مالك، عن عثمان بن حفص بن عمر) بن عبد الرحمن (بن
خلدة) بفتح الخاء المعجمة، وسكون اللام الأنصاري الزرقي، ثقة، وكان رجلاً
صالحاً، ولي قضاء المدينة في خلافة عبد الملك، من رواة ((الموطأ)) فقط،
٦٨٨

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
عنِ ابنْ شِهَابِ أنه بلغهُ
كما في ((التعجيل)) (١)، وله هذا الحديث الواحد المنقطع، كما في ((التجريد))
يعني: المرفوع، وإلا فله آخر موقوف يأتي في ((ما جاء في الربا في الدين))،
قال الزرقاني(٢): وهم العُقيلي فسماه عمر، وبنو خلدة معروفون بالمدينة، لهم
أحوال، وشرف، وجلالة في الفقه، وحمل العلم، ولا يذهب عليك أن
الحافظ، ذكر في ((التعجيل)) في ترجمة عثمان هذا أنه ولي قضاء المدينة في
خلافة عبد الملك، وهكذا ذكر في ((تهذيبه)) في ترجمة جده عمر بن خلدة أنه
ولي قضاء المدينة في زمن عبد الملك، فتأمل.
(عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (أنه بلغه) قال ابن عبد البر:
كذا هذا الحديث عند يحيى، وابن القاسم، وطائفة، وروته طائفة، منهم:
التنيسي في ((الموطأ)) عن مالك: أنه بلغه أن أبا لبابة لم يذكر عثمان، ولا ابن
شهاب، وليس هذا الحديث عند أكثر رواة ((الموطأ))، ورواه ابن وهب في
(موطئه)) عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب قال: أخبرني بعض بني السائب بن
أبي لبابة، أن أبا لبابة حين ارتبط، فتاب الله عليه فذكره، قال ابن عبد البر:
فبان بهذا البلاغ الذي ذكره ابن عبد البر، كذا في ((التنوير)) (٣).
قال الزرقاني: ورواه إسماعيل بن عُليّة، عن الزهري، عن ابن كعب بن
مالك، عن أبيه، وعن ابن أبي لبابة، عن أبيه، انتهى.
قلت: وقد أخرج في بعض نسخ أبي داود برواية ابن عيينة، عن الزهري،
عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أنه قال للنبي وَل﴾، أو أبو لبابة، أو من
شاء الله، أن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع
(١) ((تعجيل المنفعة)) (ص ٢٨٢). (٧٢٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٣٢/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٦٨/٣).
(٣) (ص٤٠١).
٦٨٩

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
أنَّ أبا لُبَابَةَ بنَ عِبْدِ المُنْذِرِ
من مالي صدقة، قال: ((يجزئ عنك الثلث))، وبرواية معمر، عن الزهري
أخبرني ابن كعب قال: كان أبو لبابة، فذكر معناه، والقصة لأبي لبابة، قال أبو
داود: ورواه يونس، عن ابن شهاب، عن بعض بني السائب بن أبي لبابة،
ورواه الزبيدي، عن الزهري، عن حسين بن السائب بن أبي لبابة مثله، انتهى.
وحسين هذا رقم له الحافظ في (تهذيبه)) (١) لأبي داود فقط، وقال: ذكره
ابن حبان في ((الثقات))، وقال: يروي عن أبيه المراسيل، روى له أبو داود
حديثاً واحداً تعليقاً في النذر، انتهى.
وأخرج الحاكم في ((المستدرك)) بسنده إلى الزهري، عن الحسين بن
السائب بن أبي لبابة، عن أبيه قال: لما تاب الله على أبي لبابة ... الحديث
بنحو ((الموطأ)). وأخرجه في ((المشكاة)) عن أبي لبابة برواية رزين.
(أن أبا لبابة) مختلف في اسمه، فقيل: اسمه: بشير بمعجمة، على زنة
عظيم، وقيل: يسير بمثناة من تحت مضمومة ثم مهملة، وقيل: رفاعة، وحكى
صاحب ((الكشاف)) في تفسير سورة الأنفال: أن اسمه مروان، ويقال: إن رفاعة
ومبشراً أخواه، كذا في ((التهذيب)) و((الإصابة))، قال الزرقاني: وَهِمَ من سَمَّاه
مروان .
(ابن عبد المنذر) الأنصاري المدني الأوسي، قال ابن إسحاق: زعموا أن
النبي 18َ رد أبا لبابة، والحارث بن حاطب بعد أن خرجا معه إلى بدر، فأَمَّرَ
أبا لبابة على المدينة، وضرب لهما بسهميهما، وأجرهما مع أصحاب بدر،
وكذلك ذكره موسى بن عقبة في البدريين، وقالوا: كان أحد النقباء ليلة العقبة،
وكانت راية بني عمرو بن عوف يوم الفتح معه، يقال: مات في خلافة علي،
وقال خليفة: مات بعد مقتل عثمان، ويقال: عاش إلى بعد الخمسين.
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٣٩/٢).
٦٩٠

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
حِيْنَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ،
(لما تاب) وفي النسخ المصرية: ((حين تاب)) (الله عليه) أي قبل توبته من
إشارته إلى بني قريظة، كما جزم به إسحاق، وكانوا حلفاء الأوس، أو من
تخلفه عن غزوة تبوك، فارتبط بسارية المسجد حتى نزل ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ﴾
الآية، كما رواه ابن مردويه، وابن جرير عن ابن عباس، وابن منده وأبو الشيخ
عن جابر بإسناد قوي، فيحمل تعدد ربطه نفسه، قاله الزرقاني(١).
قلت: وتوضيح ذلك: أنه وقعت لأبي لبابة وقعتان: أولاهما: في قصة
بني قريظة، ففي (الجلالين)): نزل في أبي لبابة مروان بن عبد المنذر، وقد
بعثه وَ له إلى بني قريظة لينزلوا على حكمه، فاستشاروه، فأشار إليهم أنه الذبح؛
لأن عياله وماله فيهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية(٢).
وعبارة ((المواهب))(٣): قال ابن إسحاق: حاصرهم رسول الله وَ ل خمساً
وعشرين ليلة، حتى أجهدهم الحصار، وعند ابن سعد: خمس عشرة، وعند
ابن عقبة: بضع عشرة ليلة، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فعرض عليهم
رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا، فقال لهم: يا معشر يهود، وقد نزل بكم من
الأمر ما ترون.
وإني أعرض إليكم خصالًا ثلاثاً، فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟
قال: نبايع هذا الرجل، ونَصَدِّقُه، فوالله لقد تبيّن أنه لنبيّ مرسل، وأنه الذي
تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم، فأبوا، فقال: إذا أبيتم
هذه، فهلمّ نقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه مصلتين
السيوف، لم نترك وراءنا ثقلًا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩/٣).
(٢) سورة الأنفال: الآية ٢٧.
(٣) (٤٦٣/١ - ٤٦٤).
٦٩١

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
نهلك، ولم نترك من ورائنا ما نخشى عليه، فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا
ونسائنا؟.
فقال: إن أبيتم على هذه، فإن الليلة السبت، وعسى أن يكون محمد
وأصحابه قد أمنَّوُنا فيها، فانزلوا، لعلنا نصيب منهم غِرَّةً، فقالوا: نفسد سَبْتَنا،
ونُحدث فيه ما لم يُحدث فيه من كان قبلنا، إلا ما قد علمت، فأصابه ما لم
يخف عليك من المسخ، وأرسلوا إلى رسول الله وَ له: ابعث إلينا أبا لبابة، وهو
رفاعة بن عبد المنذر، نستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه
الرجال، وفزع إليه النساء والصبيان، يبكون في وجهه، فرقٌّ لهم، وقالوا: يا
أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، أنه
الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني
خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، وسلك طريقاً أخرى، فلم
يأت رسول الله وَ﴿ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا
أبرح من مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعتُ، وعاهد الله أن لا يطأ بني
قريظة أبداً، وقال: لا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً، فلما بلغ
رسول الله وَلي خبره، وقد كان استبطأه، قال: ((أما لو جاءني لاستغفرت له،
وأما إذا فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه)).
قال ابن هشام: وقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ست ليالي، تأتيه امرأته في
وقت كل صلاة، فتحِلَّه للصلاة، ثم تعود فتربطه بالجذع، وقال ابن عمر: روي
أنه ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه، فما كاد يسمع،
وكاد يذهب بصره، وكانت ابنته تحِلَّه إذا حضرت الصلاة، أو أراد أن يذهب
الحاجة، فإذا فرغ أعادته .
وروي أن توبته - رضي الله عنه - نزلت على رسول الله وَّل وهو في بيت
٦٩٢

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حدیث
أم سلمة، فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله وَّ من السَحَر، وهو يضحك.
فقلت: مم تضحك؟ أضحك الله سنك، قال: ((تِيْبَ على أبي لبابة)).
قالت: قلت: أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: ((بلى، إن شئت))، فقامت
على باب حجرتها، وذلك قبل أنْ يُضْرَب عليهن الحجاب، فقالت: يا أبا
لبابة، أبشر، فقد تاب الله عليك، قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، قال: لا،
والله حتى يكون رسول الله وَلّ هو الذي يطلقني بيده الشريفة، فلما مر عليه
خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه، ولما اشتدّ الحصار ببني قريظة، أطاعوا،
وانقادوا، ونزلوا على ما يحكم به رسول الله وَثير، فحكم فيهم سعد بن معاذ:
أن يقتل الرجال، وتسبى الذراري والنساء، انتهى مختصراً.
وفي ((الخميس)) (١) بعد ما ذكر قصة ارتباطه بجذع موضع أسطوانة التوبة:
فلما سمع النبي ◌ّ﴾ قال: ((أما لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعله ذلك، فما
أنا الذي أطلقه حتى يتوب الله عليه))، فبعد ما رجعوا عن بني قريظة، أنزل الله
في توبته، فيما رُوي عن عبد الله بن أبي قتادة ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَخُونُواْ اللَّهَ
وَالرَّسُولَ﴾(٢) الآية، وفي (الاكتفاء)) الآية التي نزلت في توبة أبي لبابة ﴿وَءَاخَرُونَ
أُعْتَرَفُواْ﴾ الآية، فأنزلت توبته سَحَراً في بيت أم سلمة، انتهى.
وأما الثانية ففي ((الجلالين)) أيضاً تحت قوله تعالى: ﴿وَءَآخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ
بِذُنُوبِهِمْ﴾(٣) الآية في آخر ((براءة)): نزلت في أبي لبابة، وجماعة أوثقوا أنفسهم
في سواري المسجد؛ لما بلغهم ما نزل في المتخلفين، وحلفوا لا يحلهم إلا
النبي ◌ِّ فحلّهم لما نزلت، انتهى. أي لما نزلت الآية المذكورة.
(١) انظر: ((تاريخ الخميس)) (٤٩٥/١).
(٢) سورة الأنفال: الآية ٢٧.
(٣) سورة التوبة: الآية ١٠٢.
٦٩٣

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
وفي ((الجمل))(١): كان أبو لبابة من أهل الصفة، ربط نفسه اثنتي عشرة
ليلة بسلسلة ثقيلة، وكانت له ابنة تَحِلُّه أوقات الصلاة، وأوقات قضاء الحاجة،
ثم تربطه، وتقدم في الأنفال عند قوله تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ﴾
الآية: أنه ربط نفسه أخرى، انتهى.
وأخرج ابن جرير، والبيهقي في ((الدلائل))، وغيرهما عن ابن عباس في
قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا
عن رسول الله ◌َّيل في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع رسول الله وَّ أوثق سبعة
منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي ◌ُّر إذا رجع في المسجد
عليهم، فلما رآهم قال: ((من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟)) قالوا: هذا أبو لبابة،
وأصحاب له تخلّفوا عنك يا رسول الله أوثقوا أنفسهم، وحلفوا أنهم لا يطلقهم
أحد حتى يطلقهم النبي ◌َّ ويعذرهم، قال: ((وأنا أقسم بالله لا أطلقهم، ولا
أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلّفوا عن
الغزو مع المسلمين)) .
فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله تعالى هو
الذي يطلقنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، وعسى
من الله واجب، فلما نزلت أرسل إليهم النبي وَّر. فأطلقهم، وعَذّرهم، فجاءوا
بأموالهم، فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا،
قال: ((ما أمرت أن آخذ أموالكم))، فأنزل الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً
تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية، فأخذ منهم الصدقة، واستغفر لهم.
وكان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فأرجئوا سنة لا
يدرون: أيعذّبون، أو يتاب عليهم، فأنزل الله عزّ وجل: ﴿لَقَد تَابَ اللَّهُ﴾ إلى
(١) (٣٠٥/٣).
٦٩٤
-

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ﴾ الآية، كذا في ((الدر المنثور)) (١).
وفيه عدة روايات أخرى في القصتين معاً، منها: عن ابن زيد في قوله
تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ﴾ قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسواري،
منهم: كروم، ومرداس، وأبو لبابة، وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ
اُعْتَرَفُوا﴾ قال: ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رهط تخلفوا عن غزوة تبوك، منهم أربعة
خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً جد بن قيس، وأبو لبابة، وحرام، وأوس،
كلهم من الأنصار، تيب عليهم، وهم الذين قيل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾(٢).
وأخرج ابن عساكر، وغيره بسند قوي عن جابر قال: كان ممن تخلف
عن رسول الله ◌ّ في غزوة تبوك ستة: أبو لبابة، وأوس بن جذام، وثعلبة بن
وديعة، وكعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فجاء أبو لبابة،
وأوس، وثعلبة، فربطوا أنفسهم بالسواري، وجاءوا بأموالهم، فقالوا: يا
رسول الله، هذا الذي حبسنا عنك، الحديث.
وقال البغوي في ((المعالم))، والخازن في ((تفسيره)) في قوله تعالى:
﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ﴾ الآية قولان:
أحدهما: أنهم قوم من المنافقين تابوا عن نفاقهم، وأخلصوا.
والثاني: وهو قول جمهور المفسرين: إنها نزلت في جماعة من المسلمين
من أهل المدينة، تخلَّقُوا عن رسول الله وَّر في غزوة تبوك، ثم اختلفوا في
عددهم، فروي عن ابن عباس: أنهم عشرة منهم: أبو لبابة، وعنه خمسة
أحدهم: أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: ثمانية أحدهم: أبو
لبابة، وقال قتادة والضحاك: سبعة أحدهم: أبو لبابة، وقيل: ثلاثة أحدهم
(١) انظر (٤ /٢٥٠).
(٢) سورة التوبة: الآية ١٠٣.
٦٩٥

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أهجرُ دَارَ قَوْمِيْ الّتِيْ أَصَبْتُ فِيْهَا الذنبَ،
هو، وقال قوم: نزلت في أبي لبابة خاصة، واختلفوا في ذنبه الذي تاب منه،
فقال مجاهد: نزلت في أبي لبابة حين قال لبني قريظة ما قال، وقال الزهري:
نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك، انتهى ملخصاً منهما .
وفي ((الخميس))(١) في غزوة بني قريظة: وقال أبو عمر: يرفعه إلى
عبد الله بن أبي بكر، أن أبا لبابة ارتبط إلى جذع، موضع أسطوانة التوبة،
بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة، وفي رواية قال: لا أبرح من مكاني هذا، ولا
يطلقني أحد في غير وقت الصلاة، حتى يتوب الله عليّ مما صنعت، ويقال:
إن هذه الحالة جرت له حين تخلف من تبوك، كذا في ((سيرة مغلطائي)».
انتھی .
وفي ((المواهب))، وشرحه للزرقاني(٢) روى البيهقي في ((الدلائل)) بسنده
عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ﴾. قال: هو أبو لبابة؛ إذ قال لبني
قريظة ما قال، وفيه إطلاق القول على الفعل؛ إذ لم يصدر منه قول غير
الإشارة، وقال البيهقي: ترجم محمد بن يسار إمام المغازي أن ارتباطه كان
حينئذ، أي: حين إشارته لقريظة، روينا عن ابن عباس من طرق عند ابن
مردويه، وابن جرير، ما دل على أن ارتباطه كان بتخلفه عن غزوة تبوك، كما
قال ابن المسيب، وعلى تقدير صحة الخبرين يجمع باحتمال تعدد ربطه نفسه،
انتھی .
(قال) أبو لبابة (يا رسول الله أأهجر؟) بذكر همزة الاستفهام في النسخ
الهندية، وبحذفها في النسخ المصرية، قال الزرقاني: بتقدير همزة الاستفهام
(دار قومي) يريد بني قريظة (التي أصبت فيها الذنب) على وجه المبالغة في
(١) ((تاريخ الخميس)) (٤٩٥/١).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٧٩/٣).
٦٩٦

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
وَأُجَاوِرُكَ، وأَنْخَلِعُ مِنْ مَالِيْ صَدَقَةً إِلى اللهِ، وَإِلَى رَسُوْلِهِ
الإقلاع عن الذنب، وترك كل ما كان سبباً إليه (وأجاورك) في مسجدك، أو
أسكن ببيت في جوارك (وأنخلع من مالي) أي أُعْرى عنه كما يُعرى الإنسان،
إذا خلع ثوبه (صدقة) بالنصب (إلى الله وإلى (رسوله) إلى بمعنى اللام، أي:
خالصة لله ورسوله، أو متعلق بصفة مقدرة، أي صدقة واصلة إلى الله، أي إلى
ثوابه، وجزائه، وإلى رسوله، أي إلى رضاه، وحكمه، وتصرفه، كذا في
((المحلى))، ويريد بذلك التقرب إلى الله تعالى، والشكر له تعالى على توبته بعد
تورطه في الذنب .
وأخرج البيهقي(١) عن سعيد بن المسيب أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي
لبابة، فاطلعوا إليه، وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله وَل﴾، فقالوا: يا أبا لبابة
أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح، فأُخْبِرَ عنه رسولُ اللهِ وَّ
بذلك، فقال له رسول الله وَله: ((أحسبتَ أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم
بها إلى حلقك))، فلبث حيناً حتى غزا رسول الله وَ ◌ّ ر تبوك، وهي غزوة العسرة،
فتخلّف عنه أبو لبابة فيمن تخلّف.
فلما قفل رسول الله وَل﴾ جاءه أبو لبابة يُسَلِّمُ عليه، فأعرض عنه
رسول الله وَل#، ففزع أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة
سبعاً من بين يوم وليلة في حَرِّ شديد لا يأكل فيهن، ولا يشرب قطرة، وقال:
لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا، أو يتوب الله علي، فلم يزل كذلك حتى
ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله وَله ينظر إليه بكرة وعشية.
ثم تاب الله عليه فنودي أن الله قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله وَالله
ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه أحدٌ إلا رسول الله وَله، فجاءه رسول الله وَله،
فأطلقه عنه بيده .
(١) ((دلائل النبوة)) (٢٧٠/٥) في غزوة تبوك، وفي غزوة قريظة (١٤/٤).
٦٩٧

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ: يُجْزِئُكَ مِنْ ذُلِكَ الثُّلُثُ.
فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت
فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أنخلع من مالي صدقة إلى الله
ورسوله؟ فقال: ((يجزي عنك الثلث))، فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكن
رسول الله مه لة، وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم يُرَ منه في الإسلام بعد ذلك
إلا خير، حتى فارق الدنيا .
(فقال رسول الله مَ ﴿ يُجزئك) بضم أوله مهموزاً (من ذلك) أي: من
قصدك، أو نذرك (الثلث) قال الباجي (١): ظاهره أنه كان قد التزم الصدقة
بجميع ماله، ولذلك قال له: ((يجزئك من ذلك الثلث))؛ لأن هذا اللفظ إنما
يستعمل فيما يلزم الإنسان فيه حكم، فيقال له: يجزئك من ذلك كذا، ولو كان
أمر لم يلزمه بعد لقال: تصَدَّقْ بثلث مالك، وأمسك على نفسك الباقي؛
ليكفيك عن الحاجة إلى الناس، كما قال سعد بن أبي وقاص: قلت: يا
رسول الله، أوصي بماله كله؟ قال: ((لا))، قلت: الشطر، قال: ((لا))،
الحدیث .
وفي ((المحلى)): قال الطيبي: هذا الانخلاع ليس بظاهر في معنى النذر،
وإنما هو كفارة، كما ذهب إليه المظهر، أو شكر كما في ((شرح مسلم))، حيث
قال: فيه استحباب الصدقة، وشكر النعم المتجددة، انتهى.
واختلف العلماء في من نذر أن يتصدق بجميع ماله على عشرة أقوال:
الأول: يلزمه ثلث ماله، وبه قال مالك.
الثاني: إن كان ملياً فكذلك، وإن كان فقيراً، فكفارة يمين، وبه قال
الليث، وابن وهب.
(١) ((المنتقى)) (٢٦٠/٣).
٦٩٨

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
الثالث: إن كان متوسطاً يخرج بحصة الثلث، وهو قول ربيعة.
الرابع: يخرج ما لا يضر به، وهو قول سحنون، من المالكية.
الخامس: يخرج زكاة ماله، يُروى ذلك عن ربيعة أيضاً.
السادس: يخرج جميع ماله، وهو قول إبراهيم النخعي.
السابع: إن عَلَّقه بشرط، كقوله: إن شفى الله مريضي، أو إن دخلت
الدار، فالقياس أن يلزمه إخراج كل ماله، وهو قول أبي حنيفة.
الثامن: إن أخرج نذره مخرج التبرر، مثل إن شفى الله مريضي، فيلزمه
جميع ماله، وإن كان لجاجاً، وغضباً فيقصد منع نفسه من فعل مباح، كإن
دخلت الدار فهو بالخيار إن شاء أن يفي بذلك، أو يكفر كفارة يمين، وهو قول
الشافعي .
التاسع: لا يلزمه شيء، وهو قول ابن أبي ليلى، وطاووس، والشعبي.
العاشر: يحبس لنفسه قوت شهرين، ثم يتصدق بمثله إذا أفاد، وهو قول
زفر، هكذا فصَّل المذاهب العيني(١).
وقال الحافظ (٢): اختلف السلف في من نذر أن يتصدق بجميع ماله على
عشرة مذاهب، ثم ذكر المذاهب المذكورة مجملًا، ولم يذكر الثالث والعاشر،
بل ذكر عن قتادة: يلزم الغني العشر، والمتوسط: السبع، والمُمْلِق: الخمس
((فهذا الحادي عشر)) وعن الثوري، والأوزاعي، وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير
تفصيل، ((وهذا الثاني عشر)) .
وقال الخرقي: من نذر أن يتصدق بماله كله أجزأه أن يتصدق بثلثه، كما
(١) ((عمدة القاري)) (٧٣٥/١٥).
(٢) ((فتح الباري)) (١١ / ٥٧٣).
٦٩٩

٢٢ - كتاب الأيمان والنذور
(٩) باب
(١٠١٤) حديث
روي عن النبي ◌ّلّ أنه قال لأبي لبابة: ((يجزئك الثلث)). قال الموفق(١): وبهذا
قال الزهري ومالك، وروى الحسين بن إسحاق عن أحمد، قال: سألته عن
رجل، قال: جميع ما أملك في المساكين صدقة، قال: كفارته كفارة يمين،
وقال ربيعة: يتصدق بقدر الزكاة؛ لأن المطلق محمول على المعهود الشرع،
ولا يجب في الشرع إلا قدر الزكاة، وعن جابر بن زيد قال: إن كان كثيراً،
وهو ألفان، تصدق بعشره، وإن كان متوسطاً، وهو ألف، تصدق بسُبْعه، وإن
كان قليلًا، وهو خمسمائة تصدق بخمسه.
قال أبو حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي كله، وعنه في غيره روايتان:
إحداهما: يتصدق به. والثانية: لا يلزمه شيء.
وقال النخعي، والبتِّي، والشافعي: يتصدق بماله كله، لقول النبي
صَلى له:
وسيا
((من نذر أن يطيع الله فليطعه)) ... الحديث(٢)، ولأنه نذر طاعة فلزم الوفاء به.
ولنا، قول النبي ◌َّلّ لأبي لبابة، وعن كعب بن مالك، قلت: يا رسول الله
إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال رسول الله وَ له: ((أمسك عليك
بعض مالك)) متفق عليه (٣)، ولأبي داود: ((يجزئ عنك الثلث)).
صَلَىاللّه
فإن قالوا: هذا ليس بنذر، وإنما أراد الصدقة بجميعه، فأمر النبي
رسكم
بالاقتصار على ثلثه، كما أمر سعداً حين أراد الوصية بجميع ماله بالاقتصار
على الثلث، فلنا عنه جوابان :
أحدهما: أن قوله: ((يجزئ)» دليل على أنه أتى بلفظ يقتضي الإيجاب؛
لأنها تستعمل غالباً في الواجبات.
(١) ((المغني)) (٦٢٩/١٣).
(٢) أخرجه البخاري ح (٦٦٩٦).
(٣) أخرجه البخاري ح (٢٧٥٧). ومسلم (٤/ ٢١٢٧).
٧٠٠