النص المفهرس
صفحات 661-680
٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالا: قد صلت، ونحوه قول الحسن، وإبراهيم. وقال مكحول: إذا ولد المولود فهو نسمة، فإذا تقلب ظهراً لبطن فهو رقبة، فإذا صلى فهو مؤمنة، ولأن الطفل لا تصح منه عبادة لفقد التكليف، فلم يجزئ في الكفارة كالمجنون، والقول الآخر أقرب إلى الصحة إن شاء الله؛ لأن الإيمان الإسلام، وهو حاصل في حق الصغير. ويدل عليه ما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً أتى النبي صَلىالله وسلم بجارية أعجمية، فقال: يا رسول الله، إن علي رقبة، فقال لها رسول الله وَل : ((أين الله؟))، فأشارت إلى السماء، قال: ((من أنا؟)) فأشارت إلى رسول الله، وإلى السماء، أي: أنت رسول الله، قال: ((أعتقها)). فحكم لها بالإيمان بهذا القول، ولا يجزئ إعتاق الجنين في قول أكثر أهل العلم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو ثور: يجزئ؛ لأنه آدمي مملوك، فصح إعتاقه كالمملوك، ولنا: أنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد، انتهى . قلت: ولا يجزئ الجنين عند مالك أيضاً، كما سيأتي قريباً عن الدردير، وفي كفارة الظهار من ((الدر المختار)) (١): هي تحرير رقبة، ولو صغيراً رضيعاً، أو كافراً، أو مباح الدم، قال ابن عابدين: خرج الجنين، وإن ولدته لأقل من ستة أشهر، لأنه رقبة من وجه، جزء من الأم من وجه، حتى يعتق بإعتاقها، ودخل الكبير، ولو شيخاً فانياً، لكن في ((الهندية)) عن ((غاية السروجي)): لا يجزئ الهرم العاجز، انتهى. الرابع عشر: قال الموفق (٢): الوصف الثالث: أن لا يكون بها نقص يضر (١) (٥١٩/٣). (٢) («المغني)) (٥٢٠/١٣). ٦٦١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حدیث بالعمل، وقد شرحنا ذلك في الظهار، ويجزئ الصبي، وإن كان عاجزاً عن العمل؛ لأن ذلك ماضٍ إلى زوال، وصاحبه سائر إلى كمال، ولا يجزئ المجنون؛ لأن نقصه لا غاية لزواله معلومة، فأشبه الزَمِنَ، انتهى. وقال في كفارة الظهار (١): لا يجزئ إلا رقبة سالمة من العيوب المضرة بالعمل ضرراً بيّناً؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضرراً بيناً، فلا يجزئ الأعمى، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين، أو الرجلين، والمشلول كالمقطع في هذا، ولا يجزئ المجنون جنوناً مطبقاً، وبهذا كله قال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وأبو ثور، وحكي عن داود: أنه جوّز كل رقبة يقع عليها الاسم أخذاً بإطلاق اللفظ. ولنا: أن هذا نوع كفارة، فلم يجزئ ما يقع عليه الاسم، كالإطعام فإنه لا يجوز أن يطعم مُسَوَّساً، ولا عَفِناً، وإن كان يسمى طعاماً، والآية مقَيَّدَةٌ بما ذكرنا، ولا يجزئ مقطوع اليد، أو الرجل، ولا أشّها، ولا مقطوع إبهام اليد، أو سبابتها، أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة، وإن قُطِعَتْ كلُّ واحدة من يد جاز، وهذا جميعه مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ولو قُطِعَتَا من خلاف أجزأت؛ لأن منفعة الجنس باقية، فاجزأت في الكفارة، كالأعور، فأما إن قطعتا من وفاق، أي من جانب واحد لم يجزئ؛ لأن منفعة المشي تذهب، ويجزئ الأعور في قولهم جميعاً، وقال أبو بكر: فيه قول آخر: لا يجزئ، ويجزئ المقطوع الأذنين، وبذلك قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك، وزفر: لا يجزئ، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإشارة، ويجزئ (١) («المغني)) (٨٣/١١). ٦٦٢ -- . ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث الأخرس إذا فُهِمَتْ إشارته، وفهم بالإشارة، هذا مذهب الشافعي، وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ، وهذا المنصوص عليه عن أحمد؛ لأن الخرس نقص كثير، يمنع كثيراً من الأحكام مثل: القضاء والشهادة، وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله. وإن اجتمع الخرس والصمم، فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض الشافعية، والمريض إن كان مرجو البرء كالحمى، وغيره أجزأ، وإن كان غير مرجو البرء كالسل لا يجزئ؛ لأن زواله يندر، وأما نِصْؤُ(١) الخَلْقِ فإن كان يتمكن معه من العمل أجزأ وإلا فلا، ويجزئ الأحمق، وهو الذي يخطئ على بصير، ويصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ صواباً، والخصي، والمجبوب، والرَّتقاء، والكبير الذي يقدر على العمل. ويجزئ عتق الجاني، والمرهون، والمدبر، والخصيّ، وولد الزنا، ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه منافعه، لا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره، وإن لم ينقطع خبره أجزأ، ولا يجزئ عتقُ الحمل؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولا عتق أم الولد؛ لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة، والملك فيها غير كامل، ولذا لا يجوز بيعها، وقال طاووس، والبِّي: يجزئ عتقها، ولا يجزئ عتق مكاتب أدّى من كتابته شيئاً، انتهى. وقال في كفارة الأيمان (٢): لا تجزئ في الكفارة أم ولد، وهذا ظاهر المذهب، وبه قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى: أنها تجزئ، ويروى ذلك عن الحسن، وطاووس، والنخعي، وعثمان البتي. (١) النضو: الهزيل. (٢) انظر: ((المغني)) (٥٢٥/١٣). ٦٦٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث وعن أحمد في المكاتب: ثلاث روايات، إحداهن: يجزئ مطلقاً، اختارها أبو بكر، وهو مذهب أبي ثور، والثانية: لا يجوز مطلقاً، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي عبيد، والثالثة: إن أدى من كتابته شيئاً لم يجزئه، وإلا أجزأه، وبهذا قال الليث، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال القاضي: هو الصحيح وَيُجْزِئُهُ المدبر، وهو قول طاووس، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، وقال الأوزاعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي: لا يجزئ؛ لأن بيعه عندهم غير جائز. ولنا: أنه عبد كامل المنفعة يجوز بيعه، ولا نعلم خلافاً في إجزاء الخصيّ، سواء كان مقطوعاً، أو مشلولاً، أو موجوءاً؛ لأن ذلك نقص لا يضر بالعمل، ولا يؤثر فيه، بل ربما زادت بذلك قيمته، ويجزئ ولد الزنا، وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن فضالة بن عبيد، وأبي هريرة، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وطاووس، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر، وروي عن عطاء، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وحماد: أنه لا يجزئ، لأن أبا هريرة روى مرفوعاً: ((ولد الزنا شرُّ الثلاثة))(١). ولنا: أنه مملوك مسلم كامل العمل، والأحاديث الواردة في ذمِّه اختلف أهل العلم في تفسيرها، قال الطحاوي: ولد الزنا هو الملازم للزنا، كما يقال: ابن السبيل الملازم لها، وولد الليل الذي لا يهاب السرقة، انتهى. قال الدردير(٢) في كفارة الأيمان: أو عتق رقبة، كالظهار لا جنين، وعتق بعد وضعه مؤمنة، وفي الأعجمي تأويلان: سليمة عن قطع إصبع ونحوه، وعمى، وجنون، وبُكم، ومرض مشرف، وقطع أذن، وصمم، وهرم وعرج (١) أخرجه أبو داود (٣٩٦٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٣٢/٢). ٦٦٤ ------ ۔۔ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث شديدين، إلى آخر ما قال، انتهى إشارة إلى التفصيل المذكور في الظهار، ونصه هي: إعتاق ((رقبة)) لا جنين؛ لأنه حين العتق لم يكن رقبة، ولو أعتق الجنين عن ظهاره عتق بعد وضعه بعتقه السابق، ولا يُجزئ كفارةً، ولا يجزئ منقطع خبره حين العتق، ولو وقع، وظهرت سلامته حين العتق أجزأ بخلاف الجنين . ((مؤمنة)): لأن المقصود القُرْبة بها، والكفر ينافيها، وفي إجزاء عتق الأعجمي، والمراد به: من يجبر على الإسلام من مجوسي كبير، وكتابي صغير، لا يعقل دينه، تأويلان؛ الراجح في الكتابي الصغير: الإجزاء، ولم يرجحوا في المجوسي الكبير شيئاً، وأما المجوسي الصغير: فيجزئ اتفاقاً؛ لأنه مسلم حكماً، ((سليمة)): عن قطع إصبع واحد، ولو بآفة، وأولى يد، أو رجل، أو شللها، وعن عمى، وكذا غشاوة، ولا يبصر معها إلا بعسر، لا خفيفة، وعن بكم، وهو عدم النطق، كان معه صمم أم لا، وعن جنون، وإن قلّ؛ بأن يأتيه مرة في الشهر، ومرض مشرف بأن بلغ صاحبه النزع، وإلا أجزأً وقطع إحدى أذنين، ولو لم يستأصلها . قال الدسوقي(١): قطع الأذنين مانع من الإجزاء، سواء قطعهما من أصلهما، أو قطع أشرافهما، أي: أعلاهما، وأما الأذن الواحد، فالمضرُّ قطعها من أصلها، وأما قطع أعلاها، فلا يضُرُّ، والمعتمد أن قطع الواحدة من أصلها لا يضُرُّ، انتهى. وصمم، وهو: عدم السمع، أو ثقله، فلا يضر الخفيف، وهرم، وعرج شديدين، وجذام، وبرص وإن قليلين، وفلج، أي: يبس الشق، وكذا يبس بعض الأعضاء كيد، أو رِجل، ولا يجزئ مكاتب، ومدبر، ونحوهما، كأم (١) ((الشرح الكبير)) (٤٤٨/٢). ٦٦٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث ولد، ومعتق لأجل؛ لوجود شائبة العتق في الجميع، ويجزئ أعور، ومغصوب، وإن لم يقدر على تخليصه من الغاصب ومرهون، وجانٍ إن خلصا بدفع الدين، وأرش الجناية، ويجزئ ناقص أنملة، ولو من إبهام، وكره الخصيّ، وندب عتق من يصلي ويصوم، أي: يعقل ثواب فعلهما، وعقاب تركهما، وإن لم يبلغ سن من يؤمر بالصلاة، انتهى ملخصاً وبزيادة من الدسوقي . وفي أيمان ((الدر المختار))(١): وكفارته تحرير رقبة، كما مر في الظهار، ونص ما في ((الظهار))، هي: تحرير رقبة، ولو صغيراً، أو كافراً، أو مباح الدم، أو مرهوناً، أو مديوناً، أو آبقاً علمت حياته، أو مرتداً، وفي المرتد وحربي خُلِّي سبيله خلاف، أو أصم إن صيح به سمع، وإلا لا، أو خصياً، أو مجبوباً، أو رتقاء، أو قرناء، لأنهم وإن فات فيهم جنس المنفعة؛ لكنها غير مقصودة؛ إذ المقصود في الرقيق الاستخدام ذكراً أو أنثى. أو مقطوع الأذنين، إذا كان السمع باقياً، أو ذاهب الحاجبين، أو مقطوع أنف، أو شفتين، إن قدر على الأكل، وإلا لا، أو أعور، أو أعمش، أو مقطوع إحدى يديه، وإحدى رجليه من خلاف، أو مكاتباً لم يُؤدِّ شيئاً، ولا يجزئ فائت جنس المنفعة كالأعمى، والمجنون الذي لا يعقل، فمن يفيق يجوز في حال إفاقته، ومريض لا يرجى برؤه، وساقط الأسنان، والمقطوع يداه، أو إبهاماه، أو ثلاث أصابع من كل يد، أو رجلاه، أو يد ورجل من جانب، ومعتوهٍ، ومغلوب، ولا مدبر، وأم ولد، ومكاتب أدى بعض بدله، انتهى. ملخصاً، وبزيادة من ((ابن عابدين)). وبسطت في نقل عباراتهم في هذا البحث؛ لأنهم بعد اتفاقهم على أن (١) (٤ / ٢٧) . ٦٦٦ ----- .----- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث السلامة من العيوب شرط الإجزاء العتق في الكفارة، أوسعوا الاختلاف في أنواع العيوب المانعة عن الإجزاء، فأوردت كلام الفقهاء بأسره مختصراً، ليظهر مسلك كل واحد من الأئمة الأربعة - شكر الله مساعيهم -، ولما كانت الشافعية موافقة للحنابلة في أكثر هذه الفروع اكتفيت في بيان مسلكهم على كلام الموفق، والله الموفق لما يحب ويرضى. الخامس عشر: أن من لم يجد طعاماً، ولا كسوة، ولا عتقاً انتقل إلى صيام ثلاثة أيام للآية، وهذا إجماع لا خلاف فيه، حكى عليه الإِجماع غير واحد من نقلة المذاهب. السادس عشر: أنهم اختلفوا في المراد بعدم الوجدان، قال الخرقي: يُكَفِّرُ بالصوم من لم يفضل عن قوته، وقوت عياله يومَه وليلته، مقدار ما يُكَفِّرُ به، قال الموفق(١): وهذا قول إسحاق، ونحوه قال أبو عبيد، وابنُ المنذر، وقال الشافعي: من جاز له الأخذ من الزكاة لحاجته وفقره، أجزأه الصيام؛ لأنه فقير، ولأن النخعي قال: إذا كان مالكاً لعشرين درهماً، فله الصيام، وقال عطاء الخرساني: لا يصوم من ملك عشرين درهماً، ولمن يملك دونها الصيام، وقال سعيد بن جبير: إذا لم يملك إلا ثلاثة دراهم كفّر بها، وقال الحسن: درهمین، انتھی. وفي ((المنتقى))(٢): روى ابن الموّاز عن مالك: لا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قُوتَه، ويكون في بلد لا يعطف عليه، وروى ابن المزين عن ابن القاسم: إن كان له فضل عن قوت يومه أطعم، إلا أن يخاف الجوع، وهو في بلد لا يعطف عليه فيه، ويعتبر في ذلك أن يجد ما يعتق فيه رقبة كاملة، أو (١) انظر: ((المغني)) (٥٣٣/١٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٥٦/٣). ٦٦٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حديث يكسو الكسوة التي تجزئه، أو ما يجزئ من إطعامهم، فإن قصر ما عنده عن ذلك فليس بواجد ويجزئه الصيام، انتهى. وفي ((الشامي))(١) عن ((البحر)): لو كان عنده واحد من الأصناف الثلاثة لا يجوز له الصوم، وإن كان محتاجاً إليه، ففي ((الخانية)): لا يجوز الصوم لمن يملك ما هو منصوص عليه في الكفارة، أو يملك بدله فوق الكفاف، والكفاف: منزل يسكنه، وثوب يلبسه، ويستر عورته، وقوت يومه، ولو له عبد يحتاجه للخدمة لا يجوز له الصوم، ولو له مال، وعليه دين مثله، فإن قضى به دينه كفّر بالصوم، وإن صام قبل قضائه قيل: يجوز، وقيل: لا، انتهى. والسابع عشر: ما قال الخرقي: من له دار لا غنى له عن سكناها، أو دابة يحتاج إلى ركوبها، أو خادم يحتاج إلى خدمته أجزأه الصيام في الكفارة، قال الموفق(٢): وجملته: أن الكفارة تجب فيما يفضل عن حاجته الأصلية، والسكنى من الحوائج الأصلية، وكذلك الدابة التي يحتاج إلى ركوبها؛ لكونه لا يطيق المشي، أو لم تجر عادته به، وكذلك الخادم الذي يحتاج إلى خدمته؛ لكونه ممن لا يخدم نفسه لمرض، أو لم تجر عادته به، وهذه الثلاثة من الحوائج الأصلية، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، ومالك: من ملك رقبة تجزئ في الكفارة لا يجزئه الصيام، وإن كان محتاجاً إليها لخدمته، انتهى. والثامن عشر: ما قال الباجي: إن الاعتبار في ذلك بحال التكفير دون حال اليمين وحال الحنث، فإن كان حين اليمين معسراً، ثم أيسر قبل أن يشرع في التكفير، لم يجزه الصيام، فإن تلبس بالصوم ثم أيسر أجزأه أن يتمادى على الصوم لأنه قد تلَبَّس بالصوم، انتهى. (١) (٢٩/٤). (٢) ((المغني)) (٥٣٥/١٣). ٦٦٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٨) باب (١٠١١) حدیث وكذا قال الدردير: من أنه إذا عجز وقت الإخراج عن الأنواع الثلاثة بأن لم يكن عنده ما يباع على المفلس لزمه صيام ثلاثة أيام، انتهى. قال الموفق: لو وجبت الكفارة على موسر، فأعسر لم يجزئه الصيام، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: يجزئه، انتهى. وفي ((الدر المختار)): إن عجز عنها كلها وقت الأداء عندنا، حتى لو وهب ماله، وسلمه، ثم صام، ثم رجع بهبة، أجزأه الصوم صام ثلاثة أيام، قال ابن عابدين: قوله: ((وقت الأداء)) أي: لا وقت الحنث، فلو حنث موسراً، ثم أعسر جاز له الصوم، وفي عكسه لا، وعند الشافعي على العكس، انتهى والتاسع عشر: ما تقدم عن الباجي: من تلبّس بالصوم، ثم أيسر أجزأه أن يتمادى على الصوم، وقال الموفق (١): إذا شرع في الصوم ثم قدر على العتق، أو الإطعام، أو الكسوة لم يلزمه الرجوع إليها، وروي ذلك عن الحسن، وقتادة، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وروي عن النخعي، والحكم أنه يلزمه الرجوع إلى أحدها، وبه قال الثوري، وأصحاب الرأي؛ لأنه قدر على المبدل قبل إتمام البدل، فلزمه الرجوع، كالمتيمم إذا قدر على الماء قبل إتمام الصلاة، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٢): الشرط: استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم، فلو صام المعسر يومين، ثم قبل فراغه، ولو بساعة، أيسر، ولو بموت مورثه موسراً يستأنف بالمال، انتهى. والعشرون: اختلفوا في اشتراط التتابع في الصوم، قال الموفق(٣): (١) ((المغني)) (١٣ /٥٤٠). (٢) (٣٠/٤). (٣) ((المغني)) (٥٢٨/١٣). ٦٦٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث (٩) باب جامع الأيمان ١٤/١٠١٢ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخُطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وظاهر المذهب اشتراطه، وكذلك قال إبراهيم النخعي، والثوري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، رُوي نحو ذلك عن علي، وبه قال عطاء، ومجاهد، وعكرمة، وحكي عن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز تفريقها، وبه قال مالك، والشافعي في أحد قوليه؛ لأن الأمر بالصوم مطلق لا يجوز تقييده إلا بدليل، ولنا: أن في قراءة أبيٍّ وعبد الله بن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ كذا ذكره الإمام أحمد في التفسير عن جماعة. انتهى. وفي ((الهداية)): هي: كالخبر المشهور، قال ابن الهمام: والخبر المشهور يجوز تقييد النص القاطع به، انتهى. فهذه عشرون بحثاً، لا بد من معرفتها لطالب الحديث، وههنا أبحاث أخر مفيدة، طويناها بالاختصار. (٩) جامع الأيمان أي: الأحاديث المتفرقة من أبواب ((الأيمان)): ١٤/١٠١٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله اَلل أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه) هكذا أخرجه البخاري (١) برواية عبد الله بن مسلمة عن مالك، قال الحافظ (٢): ظاهر السياق يقتضي: أن الخبر من مسند ابن عمر، وكذا وقع في رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ولم أر عن نافع في ذلك اختلافاً، إلا ما حكى يعقوب بن شيبة أن عبد الله بن عمر العمري (١) في ((الأيمان والنذور)) (٦٦٤٦). (٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٥٣٠). ٦٧٠ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبِ، الضعيف المكَبَّر، رواه عن نافع فقال: عن ابن عمر عن عمر، قال: ورواه عبيد الله بن عمر العمري المصغّر الثقة عن نافع، فلم يقل فيه عن عمر، وهكذا رواه الثقات عن نافع، لكن وقع في رواية أيوب عن نافع أن عمر، لم يقل فيه: عن ابن عمر، أخرجه مسلم، وأخرجه أيضاً عن جماعة من أصحاب نافع بموافقة مالك، ووقع الاختلاف في رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه كما أشار إليه المصنف، انتهى. قلت: والمراد بإشارة المصنف أن البخاري أخرج الحديث بعد طريق نافع هذا برواية ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب قال: قال سالم: قال ابن عمر: سمعت عمر - رضي الله عنه - يقول: قال لي رسول الله وَّه: ((إن الله ينهاكم))، الحديث، ثم قال: تابعه عقيل، والزبيدي، وإسحاق الكلبي عن الزهري، وقال ابن عيينة، ومعمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر سمع النبي وَل﴾ عمر، انتهى. وبسط الحافظ في تخريج هذه الروايات، وذكر الاختلاف في واسطة عمر - رضي الله عنه -، ثم قال: ويشبه أن يكون ابن عمر - رضي الله عنه - سمع المتن من النبي ◌ُّ﴾، والقصة التي وقعت لعمر - رضي الله عنه ـ منه فحدّث به على الوجهين، انتهى. قلت: وأخرج أبو داود(١) رواية عبيد الله المصغر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، فجعله من مسنده، وكذا أخرج رواية معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر. فتأمل. (وهو) أي: عمر - رضي الله عنه - (يسير في ركب) بفتح الراء، اسم جمع الركبان الإبل، وهم: العشرة فصاعداً، كذا في ((المحلى))، قال (١) ((سنن أبي داود)) (٢٢٢/٣). ٦٧١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِگمْ، القسطلاني: راكبي الإبل عشرة فصاعداً، قال الحافظ: وفي مسند يعقوب بن شيبة من طريق ابن عباس، عن عمر: بينا أنا راكب أسير في غزاة مع رسول الله ◌َ﴾ (وهو يحلف بأبيه) حال من عمر - رضي الله عنه - كما قبله فهو حال مترادفة، أو عن المستكن في يسير، فهو حال متداخلة، كذا في ((المحلى)). قال الحافظ (١): وفي رواية سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب: أن رسول الله ◌َّ سمع عمر - رضي الله عنه - وهو يحلف بأبيه، وهو يقول: وأبي، وأبي، وفي رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر عند مسلم من الزيادة: ((وكانت قريش تحلف بآبائها)). (فقال رسول الله وَالر: ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))) أن مصدرية، في محل النصب، أو الجر بتقدير ((عن)) أي: ينهاكم عن الحلف، الأول للخليل، والثاني لسيبويه، كذا في ((المحلى))، قال الحافظ (٢): وفي رواية الليث، عن نافع ((فناداهم رسول الله (وَّ))، ووقع في ((مصنف ابن أبي شيبة))، من طريق عكرمة قال: قال عمر حدثت قوماً حديثاً، فقلت: لا وأبي، فقال رجلٌ من خلفي: ((لا تحلفوا بآبائكم))، فالتفت، فإذا رسول الله وَّ يقول: ((لو أن أحدكم حلف بالمسيح هلك، والمسيح خير من آبائكم)) وهذا مرسل يتقوی بشواهد. وقد أخرج الترمذي من وجه آخر عن ابن عمر أنه سمع رجلًا يقول: لا والكعبة، فقال: لا تحلف بغير الله؛ فإني سمعت رسول الله وسلم يقول: ((من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك)) حَسَّنه الترمذي، وصَحَّحه الحاكم، والتعبير (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٥٣١). (٢) ((فتح الباري)) (١١ / ٥٣١). ٦٧٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث فَمَنْ كَانَ حَالِفاً، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)). أخرجه البخاريّ في: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور، ٤ - باب لا تحلفوا بآبائكم . ومسلم في: ٢٧ - كتاب الأيمان، ١ - باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، حديث ٣. بقوله: فقد كفر، أو أشرك؛ للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، انتهى. قال الباجي(١): تخصيصان للنهي بالحلف بالآباء، أحدهما: لكثرة استعمال العرب له، فقصد إلى النهي عنه، والثاني: أنه هو الذي سمع ◌َّ من عمر - رضي الله عنه - وهو مما لا يجوز، فقصده بالنهي، ثم عم بعد ذلك النهي عن الحلف بغير الله، وقصر الحلف عليه تعالى، فقال: (فمن كان حالفاً) مَنْ شرطية في موضع رفع بالابتداء، وكان واسمها، وخبرها في محل الخبر، قاله القسطلاني (فليحلف بالله أو ليصمت) قال الزرقاني(٢): بضم الميم كما ضبطه غير واحد، وكأنه الرواية المشهورة، وإلا فقد قال الطوفي: سمعناه بكسرها، وهو القياس؛ لأن قياس فعل، بفتح العين، يفعل بكسرها، كضرب يضرب، ويفعل - بضم العين - فيه دخيل، كما في ((خصائص ابن جني))، انتهى. والمعنى، أي: لا يحلف، لا أنه يلزمه الصمت إذا لم يحلف بالله، فهو نظير قوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَمِنُونَ﴾ قال الباجي(٣): خيِّر بين الحلف بالله، والصمت، وذلك يتضمن المنع من الحلف بغير الله، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: لئن أحلف بالله فآئم، أحبُّ إليّ من أن أظاهر، وعن ابن مسعود أنه قال: لئن أحلف بالله كاذباً أحبّ إلي من أن أحلف بغيره صادقاً، كذا في ((المنتقى)). (١) ((المنتقى)) (٢٥٩/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٦٧/٣). (٣) ((المنتقى)) (٢٥٩/٣). ٦٧٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث قال العلماء: السِرُّ في النهي عن الحلف بغير الله: أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة إنما هي لله وحده، وظاهر الحديث تخصيص الحلف بالله خاصة، لكن قد اتفق الفقهاء على أن اليمين تنعقد بالله، وذاته، وصفاته العلية، واختلفوا في انعقادها ببعض الصفات، وكان المراد بقوله: بالله الذات، لا خصوص لفظ الله، وأما اليمين بغير ذلك فقد ثبت المنع فيها . وهل المنع للتحريم؟ قولان عند المالكية، كذا قال ابن دقيق العيد، والمشهور عندهم الكراهة، والخلاف أيضاً عند الحنابلة، لكن المشهور عندهم التحريم، وبه جزم الظاهرية، وقال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله بالإجماع، ومراده بنفي الجواز الكراهة أعمُّ من التحريم والتنزيه، والخلاف موجود عند الشافعية من أجل قول الشافعي: أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية، فأشعر بالتردد، وجمهور أصحابه على أنه للتنزيه، وقال إمام الحرمين: المذهب: القطع بالكراهة، وجزم غيره بالتفصيل، فإن اعتقد في المحلوف فيه من التعظيم ما يعتقده في الله حرم الحلف به، وكان بذلك الاعتقاد كافراً، وعليه يتنزل الحديث المذكور. وأما إذا حلف بغير الله لاعتقاده تعظيم المحلوف به على ما يليق به من التعظيم فلا يُكَفَّرُ بذلك، ولا تنعقد يمينه، كذا في ((الفتح))(١). وفي ((المرقاة))(٢) عن ((شرح السنة)): فيه دليل على أنه لا كفارة على من حلف بغير الإسلام بل يأثم به، ويلزمه التوبة؛ لأنه وقل جعل عقوبته في دينه، ولم يوجب في ماله شيئاً، وإنما أمره بكلمة التوحيد؛ لأنه إذا حلف باللات والعزى فقد ضاهى الكفار في ذلك، فأمر أن يتداركه بكلمة التوحيد، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٥٣١/١١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٤/٧). ٦٧٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث وفي ((الدر المختار))(١) عن ((العيني)): هل يكره الحلف بغير الله تعالى؟ قيل: نعم للنهي، وعامتهم لأدبه أفتوا لا سيما في زماننا، وحملوا النهي على الحلف بغير الله تعالى، لا على وجه الوثيقة، كقولهم: بأبيك، ولعمرك، ونحو ذلك . قال ابن عابدين: اليمين بغيره تعالى تارة يحصل بها الوثيقة، كالتعليق بالطلاق، والعتاق مما ليس فيه حرف القسم، وتارة لا يحصل مثل: وأبيك، ولعمري، والحديث عند الأكثرين محمول على غير التعليق، فإنه يكره اتفاقاً لما فيه من مشاركة المقسم به لله تعالى في التعظيم، وأما التعليق فليس فيه تعظيم، بل فيه الحمل، أو المنع مع حصول الوثيقة، فلا يكره اتفاقاً، وإنما كانت الوثيقة فيه أكثر من الحلف بالله تعالى في زماننا؛ لقلة المبالاة بالحنث، ولزوم الكفارة، أما التعليق فيمتنع الحالف فيه من الحنث خوفاً من وقوع الطلاق والعتاق، انتهى مختصراً. قال الباجي(٢): فإن اعترض معترض بما جاء من ذلك في القرآن من ﴿﴾، ﴿وَلَمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾﴾ وغير ذلك ففيه قولان: قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ أحدهما: أن تقدير ذلك: ورب السماء والطارق، والثاني: أنه تعالى يختص بذلك؛ لأن له أن يقسم بما شاء؛ لأنه معبود، وقد أعلمنا النبي ◌َّر أن ذلك محظور علينا، فلا يجوز لنا القسم بشيء من ذلك، انتهى. وبهما أجاب غير واحد من العلماء. قال الموفق(٣): لله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، ولا وجه للقياس (١) (٥/٤ - ٦). (٢) ((المنتقى)) (٤٥٩/٣). (٣) («المغني)) (٤٣٨/١٣). ٦٧٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث على إقسامه، وقد قيل: إنّ في إقسامه إضمار القسم برب هذه المخلوقات، فقوله: ﴿وَالضُّحَى ﴾﴾ أي: ورب الضحى، انتهى، وهكذا في ((الفتح)) وغيره، وأما ما وقع في الأحاديث من الإقسام بغيره، كقوله وعبّر للأعرابي: ((أفلح وأبيه إن صدق)) . فأجيب بوجوهٍ: قال الحافظ (١): منهم: من طعن في صحة هذه اللفظة، قال ابن عبد البر: هذه اللفظة غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها، وهو إسماعيل بن جعفر، بلفظ ((أفلح والله إن صدق))، قال: هذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ ((أفلح وأبيه))؛ لأنها منكرة ترُدُّها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلًا، وزعم بعضهم: أن بعض الرواة عنه صَحَّف قوله: ((وأبيه)) من قوله: ((والله))، وهو محتمل، ولكن مثل ذلك لا يثبت بالاحتمال، وقد ثبت مثل ذلك من لفظ أبي بكر الصديق في قصة السارق الذي سرق حُلِيَّ ابنته، فقال في حقه: ((وأبيك ما ليلك بليل سارق)). أخرجه في ((الموطأ)) وغيره. قال السهيلي: وقد ورد نحوه في حديث آخر مرفوع قال للذي سأل: أيّ الصدقة أفضل؟ فقال: ((وأبيك لتُنَبَّأَنَّ))، أخرجه مسلم، فإذا، ثبت ذلك فيجاب بأجوبة : الأول: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف، وإلى هذا جنح البيهقي، وقال النووي: إنه الجواب المرضي. الثاني: أنه كان يقع في كلامهم على وجهين: أحدهما للتعظيم، والآخر للتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأول، ومن أمثلة الثاني قول الشاعر: فلا وأبي أعدائها لا أذيعها فإن تَكُ ليلى استودعَتْني أمانةً (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٥٣٣). ٦٧٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث فلا يظن أن قائل ذلك قصد تعظيم والد أعدائها . وقال البيضاوي: هذا اللفظ من جملة ما يزاد في الكلام، لمجرد التقرير والتأكيد، ولا يراد به القسم، كما تزاد صيغة النداء لمجرد الاختصاص دون القصد إلى النداء، وقد تعسف الجواب بأن ظاهر سياق حديث عمر يدل على أنه كان يحلفه، فقيل له: لا تحلفوا، فلولا أنه أتى بصيغة الحلف ما صادف النهي محلًا، ومن ثمّ قال بعضهم وهذا الجواب الثالث: أن هذا كان جائزاً ثم نسخ، قاله المارودي، وحكاه البيهقي. وقال السبكي: أكثر الشُّرَّاح عليه، حتى قال ابن العربي: وروي أنه مَّة كان يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك، وقال السهيلي: لا يصح؛ لأنه لا يظن بالنبي ◌َّ﴾ أنه كان يحلف بغير الله، ولا يقسم بكافر، تالله إن ذلك لبعيد من شيمته، وقال المنذري: دعوى النسخ ضعيفة، لإمكان الجمع، ولعدم تحقق التاريخ . الرابع: أن في الجواب حذفاً تقديره: أفلح ورب أبيه، قاله البيهقي. الخامس: أنه للتعجب، قاله السهيلي، قال: ويدل عليه أنه لم يرد بلفظ ((أبي)) وإنما ورد بلفظ (أبيه))، و((أبيك)) بالإضافة إلى ضمير المخاطب حاضراً، أو غائباً . السادس: أن ذلك خاص بالشارع دون غيره من أمته، وتُعُقِّبَ بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، انتهى. وذكر الحافظ(١) نحو هذه الأجوبة في (كتاب الأيمان)) أيضاً، وقال: أقوى هذه الأجوبة: الأوّلان، يعني: أن ذلك كان قبل النهي، أو أنها كلمة جارية على اللسان لا يقصد بها الحلف، كما جرى على لسانهم: عَقْرَى (١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٣٣/١١). ٦٧٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث حَلْقَى، وما أشبه ذلك، وقال العيني: للثاني منهما، هذا هو الراجح عند العلماء . ثم قال الحافظ(١): من حلف بغير الله مطلقاً لم تنعقد يمينه سواء كان المحلوف به يستحق التعظيم لمعنى غير العبادة: كالأنبياء، والملائكة، والعلماء، والصلحاء، والملوك، والآباء، والكعبة، أو كان لا يستحق التعظيم: كالآحاد، أو يستحق التحقير، والإذلال: كالشياطين، والأصنام وسائر من عبد من دون الله، واستثنى بعض الحنابلة من ذلك الحلف بنبينا محمد بنَ ل فقال: تنعقد به اليمين، وتجب الكفارة بالحنث فاعتلَّ بكونه أحد ركني الشهادة التي لا تتم إلا به. وأطلق ابن العربي نسبته لمذهب أحمد، وتعقبه بأن الأيمان عند أحمد لا يتم إلا بفعل الصلاة، فيلزمه أن من حلف بالصلاة أن تنعقد يمينه، ويلزمه الكفارة إذا حنث، ويمكن الجواب عن إيراده، والانفصال عما ألزمهم به، وفيه الرد على من قال: إن فعلت كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو كافر، أنه ينعقد يميناً، ومتى فعل تجب عليه الكفارة، وقد نقل ذلك عن الحنفية، والحنابلة، ووجه الدلالة من الخبر أنه لم يحلف بالله، ولا بما يقوم مقام ذلك. وقال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في معنى النهي عن الحلف لغير الله تعالى، فقالت طائفة: هو خاص بالأيمان التي كان أهل الجاهلية يحلفون بها تعظيماً لغير الله كاللات، والعزى، والآباء، فهذه يأثم الحالف بها، ولا كفارة فيها، وأما ما كان يؤول إلى تعظيم الله كقوله: وحق النبي، والإسلام، والحج، والعمرة، والهدي، والصدقة، ونحوها مما يراد به تعظيم الله والقربة إليه، فليس داخلًا في النهي. وممن قال بذلك أبو عبيد وطائفة، واحتجّوا بما جاء عن الصحابة من (١) انظر: ((فتح الباري)) (١١/ ٥٣٤). ٦٧٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حديث إيجابهم على الحالف بالعتق، والهدي، والحج ما أوجبوه مع كونهم، رأوا النهي المذكور، فدل على أن ذلك عندهم ليس على عمومه؛ إذ لو كان عاماً لنُهُوا عن ذلك، ولم يوجبوا فيه شيئاً، انتهى. وتعقبه ابن عبد البر: بأن ذكره هذه الأشياء، وإن كان بصورة الحلف، فليست يميناً في الحقيقة، وإنما خرج على الاتساع، ولا يمين في الحقيقة إلا بالله، وقال المهلب: كانت العرب تحلف بآبائها وآلهتها، فأراد الله نسخ ذلك من قلوبهم لينسيهم ذكر كل شيء سواه، ويبقى ذكره؛ لأنه الحق المعبود، فلا يكون اليمين إلا به، والحلف بالمخلوقات في حكم الحلف بالآباء، وقال الطبري في حديث الباب: إن اليمين لا تنعقد إلا بالله، وإن من حلف بالكعبة، أو آدم، أو جبريل، أو نحو ذلك لم تنعقد يمينه، ولزمه الاستغفار؛ لإقدامه على ما نُهِي عنه، ولا كفارة في ذلك، انتهى. ولا يذهب عليك أن ههنا مسألتين: إحداهما: مسألة التعليق كقول الرجل: إن فعلتُ كذا فأنا يهوديّ، أو نحو ذلك، وتقدم الكلام عليه في ((باب ما لا يجب فيه الكفارة من الأيمان)» . والثانية: الحلف باللات والعُزَّى، ونحوهما بدون التعليق، وهي المقصودة هاهنا، وربما اشتبهت إحداهما بالأخرى عند نقلة المذاهب، ووجه ذلك أن أكثر الفقهاء لم يُفرِّقوا بينهما في الحكم، ولم يُوجبوا الكفارة في واحد منهما، إلا أن بعضهم فرّقوا بينهما، فأوجبوا الكفارة في الأولى دون الثانية. وتقدم كلام الموفق في المسألة الأولى في محلها، وقال في الثانية بعدما بسط الكلام في اليمين بالله، وصفاته، والاختلاف في بعض صفاته: لا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق: كالكعبة، والأنبياء، وسائر المخلوقات، ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، هذا ظاهر كلام الخرقي (١)، وهو قول أكثر الفقهاء. (١) انظر: ((المغني)) (٧٠٥/٨). ٦٧٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٩) باب (١٠١٢) حدیث وقال أصحابنا: الحلف برسول الله وَله يمينٌ موجبة للكفارة، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلف بحق رسول الله، فحنث فعليه الكفارة، قال أصحابنا : لأنه أحد شرطي الشهادة، فالحلف به موجب للكفارة، كالحلف باسم الله، ووجه الأول قول النبي وَلّ: ((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت))، ولأنه حلف بغير الله فلم يوجب الكفارة كسائر الأنبياء، وكلام أحمد في هذا يحمل على الاستحباب دون الإيجاب، انتهى. وجزم الدردير(١) بأنه لا ينعقد بالنبي، والكعبة، والركن، والمقام، والعرش، والكرسي، والولي فلانٍ من كل مخلوق مُعَظِّم شرعاً، وفي حرمة الحلف بذلك وكراهته وهو صادق قولان؛ وأما الحلف بالسلطان، أو نعمة السلطان، أو برأسه، أو رأس أبيه، أو تربته، أو نحو ذلك فحرام قطعاً، انتھی . وفي ((البدائع))(٢): لا يحلف بالآباء، والأمهات، والأبناء، لو حلف بشيء من ذلك لا يكون يميناً؛ لأنه حلف بغير الله تعالى، والناس وإن تعارفوا الحلف بهم، لکن الشرع نھی عنه. وقال أيضاً في موضع آخر: اليمين بغير الله عز وجل، نوعان: أحدهما: ما ذكرنا، وهو: اليمين بالآباء، والأبناء، والأنبياء، والملائكة، صلوات الله عليهم، والصوم، والصلاة، وسائر الشرائع، والكعبة، والحرم، وزمزم، والقبر، والمنبر، ونحو ذلك، ولا يجوز الحلف بشيء من ذلك، ولو حلف بذلك لا يعتدّ به، ولا حكم له أصلًا. والثاني: بالشرط والجزاء، ثم بسط الكلام على التعاليق كأن يقول: إن فعلت كذا فعليّ كذا، وتقدم الكلام على التعاليق كما نبهناك قريباً. (١) انظر: ((الشرح الكبير)) (١٢٨/٢). (٢) ((بدائع الصنائع)) (١٦/٣). ٦٨٠