النص المفهرس
صفحات 601-620
٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَعَقْدُ الْيَمِينِ: أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يَبِيعَ ثَوْبَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، ثُمَّ يَبِيعَهُ بِذْلِكَ، أَوْ يَحْلِفَ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ، ثُمَّ لَا يَضْرِبُهُ، ءء والثوري، وممن قال: هذا لغو اليمين، مجاهد، وسليمان بن يسار، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأكثر أهل العلم على أن لغو اليمين لا كفارة فيه . وقال ابن عبد البر: أجمع المسلمون على هذا وقد حكي عن النخعي في اليمين على شيء يظنه حقاً فتبين بخلافه أنه من لغو اليمين، وفيه الكفارة وهو أحد قولي الشافعي، روي عن أحمد أن فيه الكفارة، وليس من لغو اليمين؛ لأن اليمين بالله وجدت مع المخالفة، فأوجبت الكفارة كاليمين على المستقبل، ولنا؛ قوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلََّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ وهذه منه، ولأنها يمين غير منعقدة، فلم تجب فيها كفارة كيمين الغموس، ولأنه غير مقصود للمخالفة، فأشبه ما لو حنث ناسياً . وفي الجملة: فلا كفارة في يمين على ماضٍ؛ لأنها تنقسم ثلاثة أقسام: ما هو صادق فيه، فلا كفارة فيه إجماعاً، وما تعمّد الكذبَ فيه، فهو يمين غموس لا كفارة فيها، وما يظنه حقاً فتبين بخلافه فلا كفارة فيه؛ لأنه من لغو اليمين، فأما اليمين على المستقبل فما عقد عليه قلبه، وقصد اليمين عليه، ثم خالف، فعليه الكفارة، وما لم يعقد عليه قلبه، ولم يقصد اليمين عليه، وإنما جرت على لسانه فهو من لغو اليمين، انتهى. (قال) الإمام (مالك: وعقد اليمين) الوارد في قوله عز اسمه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ فَكَفََّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾(١) الآية هو (أن يحلف الرجل) أو المرأة (أن لا يبيع ثوبه) مثلاً (بعشرة دنانير ثم يبيعه بذلك) أي: بعشرة دنانير، ويخالف حلفه (أو يحلف) مثلاً (ليضربن غلامه ثم لا يضربه (١) سورة المائدة: الآية ٨٩. ٦٠١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث وَنَحْوَ هُذَا، فَهُذَا الَّذِي يُكَفِّرُ صَاحِبُهُ عَنْ يَمِينِهِ. ونحو ذلك) أي: كل فعل يحلف أن يفعلن، ثم لا يفعل، أو يحلف لا يفعلن، ثم يفعل (فهذا) النوع من اليمين (هو الذي يكفر) من التفعيل (صاحبه) أي: يجب عليه الكفارة (عن يمينه) الذي خالف فيها وحنث. قال الباجي(١): هذا كما قال: إن عقد اليمين التي تُكَفِّرُ أن يحلف ليفعلنّ، ثم لا يفعل، أو يحلف لا يفعل، ثم يفعل، فهذان اليمينان إنما يتناولان المستقبل، وذلك: أن الأيمان على ضربين: يمين على مستقبلٍ، ويمين على ماضٍ، فأما اليمين في المستقبل، فلا يدخلها في قول مالك لغوٌ ولا غموسٌ، وإنما يدخلها البرّ، فلا تجب فيه كفارة، أو الحنث، فتجب فيه الكفارة، وهو ينقسم قسمين: أحدهما: يقتضي المنع كقوله: والله لا أفعل كذا، فهو: إن أطلق الفعل، ولم يُعَلِّقِ بوقتٍ، ولا مكان، ولا صفة، منعت اليمين ذلك الفعل على التأبيد، فمتى فعله حنث، ولزمته الكفارة. وإن قَيَّد الفعل لوقتٍ أو بمكانٍ، مثل: والله لا أفعلُ كذا غداً، أو بمكة تعلق المنع بذلك الوقت، أو بذاك المكان، فإن فعله على شيء من ذلك حنث، وإن فعله على غير ذلك الوقت، أو المكان لم يحنث؛ لأن يمينه لم يتناول ذلك. وإن كان اليمين على إتيانه بالفعل. فإن علّق يمينه على زمان يفعل فيه، أو مكان، أو صفة يفعل ذلك الفعل عليها، لم يبرّ إلا بفعله في تلك المدة، أو المكان، أو على تلك الصفة، فإن فات شيء من ذلك، وكان مما يفوت، مثل أن يحلف ليفعلنّ ذلك في شهر معين فينقضي، أو بناء معين فينهدم، أو على صفة مثل أن يحلف أن يفعل ذلك ماشياً، فيتعذر عليه ذلك بعذر، يعلم أنه لا يقدر عليه بقية عمره، وقع الحنث بفوات ذلك، وإن أطلق يمينه لم يحنث بموته؛ لأن الفعل المحلوف عليه على (١) ((المنتقى)) (٢٤٣/٣). ٦٠٢ 11- ------- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث الإطلاق ليس على الفور، ولا يتعلق بزمانٍ دون زمانٍ. فإن فعله في بقية من عمره لم يحنث، وإن مات قبل أن يفعل فات بموته الفعل، كما لو علَّقه بزمان معين فمات قبله. وقوله: فهذا الذي يُكَفِّرُ صاحبُه يريد أن اليمين على المستقبل هي التي تدخلها الكفارة لتحلّها، أو لترفع مآتمها، وأما لغو اليمين، فلا كفارة فيها؛ لأنها على مذهب مالك متعلقة بالماضي. انتهى. قال الموفق: (١) من حلف أن يفعل شيئاً فلم يفعله، أو لا يفعل شيئاً ففعله، فعليه الكفارة، لا خلاف في هذا عند فقهاء الأمصار. قال ابن عبد البر: الكفارة بإجماع المسلمين هي التي على المستقبل من الأفعال، وذهبت طائفة إلى أن الحلف متى كان طاعة لم يوجب كفارة، وقال قوم: من حلف على فعل معصية، فكفارتها تركها، وقال سعيد بن جبير: اللغو: أن يحلف الرجل فيما لا ينبغي له، يعني فلا كفارة عليه في الحنث، وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَال﴾: ((لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليدَعْها، وليأت الذي هو خير، فإنّ تركَها كفارة))، رواه أبو داود(٢)، ولأن الكفارة إنما تجب لرفع الإثم، ولا إثم في الطاعة . ولنا: قول النبي ◌َّير: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليُكَفِّر عن يمينه))، وقال: ((إني والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وكَفَّرت عن (١) («المغني)) (٤٤٥/١٣). (٢) ((سنن أبي داود)) (٣٢٧٤). ٦٠٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث وَلَيْسَ فِي اللَّغْوِ كَفَّارَةٌ. قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الَّذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آئِمٌ. وَيَحْلِفُ عَلَى الْكَذِبِ، وَهُوَ يَعْلَمُ، يميني))، أخرجه البخاري(١)، وحديثهم لا يُعَارض حديثنا؛ لأن حديثنا أصح منه وأثبت، ثم إنه يحتمل أنَّ تركها كفارة لإثم الحلف، والكفارة المختلف فيها كفارة المخالفة، وقولهم: إن الحنث طاعة، قلنا: اليمين غير طاعة، فتلزمه الكفارة للمخالفة، ولتعظيم اسم الله تعالى إذا حلف به، ولم يبرّ يمينه. وإذا ثبت هذا، نظرنا في يمينه، فإن كانت على ترك شيء ففعله حنث، ووجبت الكفارة. وإن كانت على فعل شيء، ولم يفعله، وكانت يمينه موقتة بلفظ، أو نية، أو قرينة حاله، ففات الوقت حنث وكفّر، فإن كانت مطلقة لم يحنث إلا بفوات وقت الإمكان؛ لأنه ما دام في الوقت والفعل ممكن، فيحتمل أن يفعل فلا یحنث، انتهى. (وليس في اللغو) أي اليمين اللغو (كفارة) وعليه الأئمة الأربعة، كما تقدم قريباً مع الاختلاف فيما بينهم في تفسير اللغو، وقد قال عز اسمه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَدِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ﴾(٢). (قال مالك: وأما الذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه آثم) بصيغة الفاعل (وهو يحلف) هكذا في جميع النسخ الهندية، والمصرية من المتون والشروح، وكذا في متن الباجي، وفي ((شرحه)) بلفظ: أو يحلف (على الكذب) وهو يطلق في المقال والفعال، قاله الراغب (وهو يعلم) أنه كاذب في حلفه. قال الزرقاني(٣): أي: يعلم يقيناً، أو ظناً، أو شكّاً، وهكذا يأتي عن (١) ((صحيح البخاري)) ح (٦٦٨٠). (٢) سورة المائدة: الآية ٨٩. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٦٣/٣). ٦٠٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث لِيُرْضِيَ بِهِ أَحَداً. أَوْ لِيَعْنَذِرَ بِهِ إِلَى مُعْتَذَرٍ إِلَيْهِ. أَوْ لِيَقْطَعَ بِهِ مَالاً . فَهِذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهِ كَفَّارَةٌ . الباجي (ليرضى به) أي: بحلفه (أحد) هكذا في جميع النسخ الهندية برفع ((أحد))، فيكون الفعل أي يرضى: من المجرد، وهذا فاعله، وفي جميع النسخ المصرية ((أحداً)) بالنصب. فيكون الفعل: من الإرضاء، وفاعله: الضمير إلى الحالف، وهذا مفعوله (أو ليعتذر به) أي: بحلفه (إلى معتذرٍ) بالمثناة الفوقية، والذال المعجمة المفتوحتين، على اسم مفعول (إليه، أو ليقطع) وفي بعض النسخ: ليقتطع (به مالاً) فهذا النوع من اليمين يُسمَّى: يمين غموس، وسَوَّى مالكٌ بين الثلاثة: أي: الإرضاء، والاعتذار، وقطع المال في رواية ((الموطأ)»، وسيأتي فيه خلاف في كلام الباجي (فهذا) النوع من اليمين (أعظم من أن يكون فيه كفارة). قال الباجي(١): فإن هذا اليمين أيضاً ليست من جنس ما تتعلق به؛ لأنها يمين على ماضٍ، ويمين الماضي لا تخلو من ثلاثة أحوال؛ لا يجب بشيء منها كفارةٌ، ثم قال: الثالث: أن يحلف، ولا يعتقد أن الأمر على ما يحلف، إما لأنه يعلم ضد ما حلف عليه، أو لأنه يشكّ في ذلك، فهذه اليمين الغموس سُمِّيت بذلك؛ لأنها غمست صاحبَها في الإثم، ولا كفارة لها، لكونها متعلقة بالماضي، وإنما قال: إنها أعظم من أن تكون فيها كفارة؛ لأنها انعقدت على الإثم، والتي لم تُكَفِّرْ لم تنعقد على إثم، وإنما انعقدت على الجواز. وقوله: ليرضي به أحداً، أو يعتذر به .... إلخ يريد أن هذه كلها من الأيمان الغموس؛ لأنها انعقدت على إثم وكذب، وهذا إذا اعتقد في نفسه مثل ما يظهر من حلفه، أما إن قصد الإلغاز بيمينه، فقد قال مالك: ما كان من (١) ((المنتقى)) (٢٤٤/٣). ٦٠٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث ذلك على وجه المكر والخديعة ليغرَّ به من حق عليه فهو فيه آثُمٌ ولا يُكَفِّرُ، وما كان من ذلك على وجه العذر، أو الاستحياء من أخيك لما بلغه عنك فلا بأس به، حكى ذلك عنه ابن حبيب، فسوَّى مالك في هذا القول بين العذر، وبين المكر، والخديعة لقطع حق غيره، وقال: الإثم فيهما . وقال ابن حبيب: ما كان من هذا في مكر، أو خديعة ففيه الإثم، والنية نية الحالف، وما كان في حقٍ عليك، فالنية نية الذي حلفك، ورواه عن مالك، فيجيء على هذه الرواية أن الإثم الذي في موضع المكر، والخديعة لا يُبَلِّغُ اليمين إلى الغموس؛ لأنه ليس بحانث، ولا حالف على باطل، وإنما هو آثم في المكر بأخيه، وإن الإثم في قطع الحق لما كانت على نية من حلفك بلغت اليمين إلى الحنث والغموس، انتهى. وقال الدردير(١): لا كفارة في كل يمين غموس تعلّقَتْ بماضٍ شَكَّ الحالف في المحلوف عليه، أو ظنّ ظناً غير قوي، وأولى إن تعمَّدَ الكذب وحلف شاكاً، أو ظاناً، أو متعمداً الكذب، واستمرّ على ذلك بلا تبيّن صدق، فإن تبيَّن صدقُه لم تكن غموساً، وفيه نظر، ويستغفر الله وجوباً، بأن يعزم على أن لا يعود نادماً على ما صدر منه، ولا كفارة في يمين لغو تعلّقت بماضٍ أو حال، بأن يحلف على شيء يعتقده، فظهر نفيه، فإن تعلقت بالمستقبل كفّرت كالغموس، فاللغو والغموس لا كفارة فيهما إن تعلّقا بماضٍ، وفيهما الكفارة إن تعلّقا بالمستقبل، فإن تعلقا بالحال كفّرت الغموس دون اللغو، انتهى. قال الدسوقي: قوله: بأن شكّ، أو ظنّ، أي: كما لو شكّ في مجيء زيد أمس، ثم حلف مع شكه أنه جاء، وقوله: فيه نظر، أي فإن إثم الجراءة لا يسقط عنه إذا تبين صدقه، وإنما تزيله التوبة. (١) ((الشرح الكبير)) (١٢٨/٢). ٦٠٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٥) باب (١٠٠٧) حديث قال الخرقي: من حلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة عليه؛ لأن الذي أتى به أعظم من أن تكون فيه الكفارة، قال الموفق(١): هذا ظاهر المذهب، نقله الجماعة عن أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم: ابن مسعود، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الحديث، وأصحاب الرأي من أهل الكوفة، وهذه اليمين تُسَمَّى يمين الغموس؛ لأنها تغمس صاحبَها في الإثم، قال ابن مسعود: كنا نعدّ من اليمين التي لا كفارة لها اليمين الغموس، وعن سعيد بن المسيب قال: هي من الكبائر، وهي أعظم من أن تُكَفَّرَ، وروي عن أحمد أن فيها الكفارة، وروي ذلك عن عطاء، والزهري، والحكم، وهو قول الشافعي؛ لأنه وجدت منه اليمين بالله تعالى، والمخالفة مع القصد، فلزمته الكفارة كالمستقبلة . ولنا: أنها يمين غير منعقدة، فلا توجب الكفارة، كاللغو أو يمين على ماضٍ، فأشبهت اللغو وبيان كونها غير منعقدة أنها لا توجب براً، ولا يمكن فيها، ولأنه قارنها ما ينافيها، وهو الحنث، فلم تنعقد كالنكاح الذي قارنه الرضاع، ولأن الكفارة لا ترفع إثمها، فلا تشرع، ودليل ذلك: أنها كبيرة، فإنه يُرْوى عن النبي وَّر أنه قال: ((من الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس)) رواه البخاري (٢)، وروي فيه: ((خمس من الكبائر، لا كفارة لهن: الإشراك بالله، والفرار من الزحف، وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة، يقتطع بها مال امرئ مسلم))(٣)، ولا يصح القياس على المستقبلة؛ لأنها يمين منعقدة، يمكن حلّها، (١) ((المغني)) (١٣ / ٤٤٨). (٢) ((صحيح البخاري)) (٦٦٧٥). (٣) أخرجه أحمد في «مسنده)) (٣٦٢/٢). ٦٠٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث (٦) باب ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين ١٠/١٠٠٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: وَاللَّهِ. والبر فيها، وهذه غير منعقدة، فلا حل لها، وقول النبي وَله: ((فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير)) يدل على أن الكفارة إنما تجب بالحلف على فعلٍ يفعله فیما يستقبله، انتهى. (٦) ما لا يجب فيه الكفارة من الأيمان مِن بيان لما، أي: باب الأيمان التي لا تجب فيها الكفارة، للاستثناء مثلاً، أو لبعض ألفاظ اليمين التي لا توجب الكفارة. ١٠/١٠٠٨ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -، (أنه كان يقول) موقوف في ((الموطأ))، وكذا في ((موطأ محمد))(١)، وروي مرفوعاً أيضاً كما سيأتي (من قال: والله) لأفعلن كذا، قال الباجي(٢): يتضمن: أن اليمين يتعلق بالقول، فمن نطق باليمين على وجه ينعقد به اليمين لزمه متضمنها، وهل ينعقد بالنية دون القول؟ فقد قال القاضي أبو محمد: إن متأخري أصحابنا اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: يصحّ ذلك، ومنهم من قال: لا يصح، بناءً على صحة الطلاق بالقلب، فإن قلنا: لا يصح؛ فلا فرق، وإن قلنا: يصحّ؛ فالفرق بينه وبين الاستثناء أن اليمين التزام وإيجاب، والاستثناء رفعٌ وحلٌّ للوجوب، وما طريقه الإلزام أبلغ مما طريقه الإباحة والتحليل، فجاز أن ينعقد اليمين بالقلب، وإن لم ينعقد الاستثناء إلا باللفظ، انتهى. وقال الموفق(٣): ويشترط أن يستثني بلسانه، ولا ينفعه الاستثناء بالقلب (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٦٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٤٤/٣). (٣) ((المغني)) (٤٨٥/١٣). ٦٠٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث في قول عامة أهل العلم، منهم: الحسن، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وابن المنذر، ولا نعلم لهم مخالفاً؛ لأن النبي ◌َّم قال: ((من حلف فقال: إن شاء الله))، والقول هو النطق، ولأن اليمين لا تنعقد بالنية، فكذلك الاستثناء، وقد روي عن أحمد: إن كان مظلوماً، فاستثنى في نفسه رجوت أن يجوز، إذا خاف على نفسه؛ فهذا في حق الخائف على نفسه؛ لأن يمينه غير منعقدة، أو لأنه بمنزلة المتأوِّل، وأمّا في حق غيره فلا . واشترط القاضي أن يقصد الاستثناء، فلو أراد الجزم فسبق لسانه إلى الاستثناء من غير قصد، أو كانت عادته جارية بالاستثناء، فجرى لسانه على العادة من غير قصدٍ لم يصحّ؛ لأن اليمين لما لم ينعقد من غير قصد، فكذلك الاستثناء، وهذا مذهب الشافعي، وذكر بعضهم: أنه لا يصحُّ الاستثناء حتى يقصده مع ابتداء يمينه، فلو حلف غير قاصد للاستثناء، ثم عرض له بعد فراغه من اليمين، فاستثنى لم ينفعه، ولا يصح؛ لأن هذا يخالف عموم الخبر، فإنه وَّ قال: ((من حلف، فقال: إن شاء الله لم يحنث))، ولأن لفظ الاستثناء يكون عقيب يمينه، فكذلك نيته، ويصح الاستثناء في كل يمين مكفرةٍ كاليمين بالله والظهار والنذر. وقال ابن أبي موسى: من استثنى في يمين تدخلُها الكفارةُ، فله ثُنياه، فلو قال: أنت عليّ كظهر أمي إن شاء الله، أو قال: لله عليّ أن أتصدق بمائة درهم، إن شاء الله لم يلزمه شيء. وإذا استثنى في الطلاق والعتاق، يعني: قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، أو لعبده أنت حرٌّ إن شاء الله، فأكثر الروايات عن أبي عبد الله أنه توقف عن الجواب، لاختلاف الناس فيها، وتعارض الأدلة، وفي موضعٍ قَطَعَ أنه لا ينفعه الاستثناءُ فيهما . قال في رواية إسحاق بن منصور، وحنبل: من حلف فقال: إن شاء الله، ٦٠٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حدیث ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ، لَمْ يَحْنَثْ. لم يحنث، وليس له استثناء في الطلاق، والعتاق؛ لأنهما ليسا من الأيمان، وبه قال مالك، والأوزاعي، والحسن، وقتادة، وقال طاووس، وحماد، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي يجوز الاستثناء فيهما. انتهى مختصراً. (ثم قال: إن شاء الله) قال الباجي(١): يريد من كانت يمينه بالله، فإن الاستثناء يمنع وقوع الحنث بمخالفتها، وخصّ بذلك اليمين بالله تعالى؛ لأن الاستثناء لا يؤثر في غيرها سواء كانت اليمين بطلاق، أو عتق، أو مشي إلى مكة، أو غير ذلك، وكذلك التزام شيء من ذلك، أو إيقاعه لا يؤثر الاستثناء فيه، مثل أن يقول لامرأته: أنتِ طالقٌ إن شاء الله، أو يقول: عليّ المشي إلى مكة إن شاء الله، فهذا يلزمه ما أوقع، ولا ينفعه الاستثناء، وقال الشافعي: لا يلزمه شيء من ذلك. والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿الطّلَقُ مَرَتَانٍ﴾ الآية، ولم يُفَرِّقْ بين أن يستثني أولا، فيحمل على عمومه، ودليلنا من جهة المعنى أن للاستثناء اختصاصاً باليمين بالله تعالى؛ لأنها يمين مشروعة مباحة فجعل لمن حلف بها مخرجاً منها بالاستثناء، كما جعل له مخرجاً بالكفارة، وقال عز اسمه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا﴾ واليمين بالطلاق ممنوع، فلم يجعل له مخرجاً بالاستثناء كما لم يجعل له مخرجاً بالكفارة، انتهى. (ثم لم يفعل الذي حلف عليه، لم يحنث) قال الباجي: يحتمل أن يريد به أنه إن قال: إن شاء الله على معنى حلّ يمينه، وأمّا إن قال ذلك سهواً، أو بمعنى إن ما شاء الله أن يكون كان امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِنِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴿ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾(٢) قال القاضي أبو محمد: أو تُبُرّكاً، أو (١) ((المنتقى)) (٢٤٦/٣). (٢) سورة الكهف: الآية ٢٣. ٦١٠ --- - -- --- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حدیث تأكيداً، أو سبق بذلك لسانه، أو قصد التلفظ به ولم يقصد به شيئاً، فإنه لا يُحِلُّ شيء من ذلك يمينَه، ومتى حنث فيما حلف عليه، وجبت عليه الكفارة، وقد روى أشهب عن مالك في («العتبية)): أنه قال: وكذلك من قالها بهجاء، وذكر له قول عمر - رضي الله عنه -: من قال: إن شاء الله فقد استثنى، فقال: إنما ذلك إذا نوى به الاستثناء يريد حِلَّ اليمين، انتهى. وقال أيضاً: لا يكون الاستثناء إلا نطقاً، فإن نواه من غير نطق لم ينعقد، رواه ابن القاسم عن مالك، قال الباجي: كالكفارة لو نوى أن عبده حرٌّ عن الكفارة لم يجزئه إلا أن يتلفّظ به، انتهى. وتقدم قول الموفق في هذه الجزئيات قريباً . ثم الحديث موقوف على ابن عمر - رضي الله عنهما - عند مالك، وجماعة من أصحاب نافع، ورفعه أيوب السختياني، رواه الشافعي، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، من طريقه عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: ((من استثنى فإن شاء مضى، وإن شاء ترك من غير حنث))، هذا لفظ النسائي، ولفظ الترمذي، فقال: ((إن شاء الله فلا حنث عليه))، ولفظ الباقين سوى أحمد ((فقد استثنى))، قال الترمذي: لا نعلم أحداً رفعه غير أيوب، وقال ابن عُليّة: كان أيوب تارة يرفعه، وتارة لا يرفعه. وقال البيهقي: لا يصح رفعه إلا عن أيوب، وتابعه على رفعه عبدُ الله العمري، وموسى بن عقبة، وكثير بن فرقد، وأيوب بن موسى، وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث)) أخرجه الترمذي، واللفظ له، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، كذا في ((التعليق الممجد))(١)، عن ((تلخيص الحبير)) للحافظ ابن حجر. (١) (١٦٧/٣). ٦١١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي النُّنْيَا أَنَّهَا لِصَاحِبِهَا، مَا لَمْ يَقْطَعْ كَلَامَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ ذُلِكَ نَسَقاً، يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضاً، قَبْلَ أَنْ يَسْكُتَ، فَإِذَا سَكَتَ وَقَطَعَ كَلَامَهُ، فَلَا ثُنْيَا لَه. (قال مالك: أحسن ما سمعتُ) أي: أحسن الأقوال التي سمعت في ذلك، وهذا يدل على أنه - رضي الله عنه - سمع في ذلك أقاويل مختلفة، وسيأتي بيان بعضها (في الثُنيا) بضم المثلثة، وسكون النون، وخفة الياء اسم، من الاستثناء: من ثنيت الشيء إذا عطفته كأنَّ المستثنى عطف بعض ما ذكره، فإنه عُرْفا إخراج بعض ما تناوله اللفظ، ويُطلق أيضاً على التعليق بالمشيئة، وهو المراد ههنا، كذا في ((المحلى)) (أنها) أي الُنيا (لصاحبها ما لم يقطع) الحالف (كلامه) يريد: إن قطع الكلام يمنع الاستثناء، وإنما يكون الاستثناء متصلاً بالكلام، ولا يقطع ذلك انقطاع النفس، قاله ابن المواز. وقال الباجي: أو سُعال، أو تثاؤب؛ أو ما أشبه ذلك؛ لأن الاستثناء لما لم يجز إفراده بالنطق؛ لأنه لا يفيد شيئاً لم يجز أن يتراخى عما يتعلق به كالشرط، وخبر الابتداء، كذا في ((المنتقى)) (١)، ثم فسر عدم القطع بقوله: (وما كان من ذلك) أي الكلام (نسقاً) بفتحتين، ما جاء من الكلام على نظام واحد، كما في ((مختار الصحاح))، وفَسَّره بقوله: (يتبع بعضه) أي بعض الكلام (بعضاً) ويتم كلامه (قبل أن يسكت فإذا سكت وقطع كلامه) أي: أتمّه (فلا ثُنْيا له) بعد ذلك، ولا حق له في إلحاق الاستثناء إذاً. قال الباجي: هذا أحسنُ ما سُمِع في الثنيا، وهذا يقتضي أنه قد سمع غير ذلك أيضاً، وهو ما روي عن الحسن، وطاووس: أن للحالف الاستثناء ما لم يقم من مجلسه، وما روي عن ابن عباس أنه كان يرى له الاستثناء متى ما ذكر، وتأوّل قول الله تعالى: ﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌّ﴾ وهذا قد قال شيوخنا : (١) (٢٤٧/٣) . ٦١٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث إنه لا يثبت عن ابن عباس، فإنه من أهل اللسان، ولا يخفى عليه أنه ليس من لغة العرب أن يذكر الإنسان لفظاً، ثم يظهر الاستثناء منه بعد عام، وقوله عزّ اسمه: ﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ ليس من الاستثناء في اليمين، بل يحتمل أن يريد به ذكر الله تعالى بالاستغفار، أو بغير ذلك من الأذكار، ويحتمل أن يريد بذلك أن يقول: إن شاء الله تعالى متى ما ذكر بمعنى إن ما يشاء الله أن يكون كان، لا على معنى الاستثناء، فإن الاستثناء؛ لا يكون إلا متصلاً، انتهى. قال المفسرون: إن القوم لما سألوا النبي 18 عن المسائل الثلاث قال عليه السلام: ((أجيبكم غداً)) ولم يقل: إن شاء الله، ((فاحتبس الوحي خمسة عشر يوماً))، وفي رواية ((أربعين يوماً))، ثم نزلت هذه الآية، وفيها قولان؛ الأول؛ التقدير ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك، إلا أن يأذن الله لك في هذا القول، والمعنى أنه ليس لك أن تخبر عنْ نفسك أنك تفعل الفعل الفلاني، إلا إذا أذن الله لك في ذلك الإخبار. والثاني: أن يكون التقدير إلا أن تقول: إن شاء الله . وأما قوله: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾(١) ففيه وجهان: الأول: أنه كلام متعلق بما قبله، والتقدير أنه إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، فليذكره إذا تذكّر، وعند هذا اختلفوا. فقال ابن عباس: لو لم يتذكّر إلا بعد مدة طويلة، ثم ذكر إن شاء الله كفى في رفع الحنث، وعن سعيد بن جبير بعد سنة، أو شهر، أو أسبوع، أو يوم، وعن طاووس أنه يقدر على الاستثناء في مجلسه، وعن عطاء يستثني على مقدار حلب الناقة، وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً . واحتجّ ابن عباس بقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾، وهو غير (١) سورة الكهف: الآية ٢٤. ٦١٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث مختص بوقتٍ، بل هو يتناول كل الأوقات - واستدلال ابن عباس ظاهر، لكن الفقهاء قالوا: لو جَوَّزْنا ذلك لزم أن لا يستقرّ شيءٌ من العقود والأيمان، يحكى أن أبا منصور بلغه أن أبا حنيفة - رضي الله عنه - خالف ابن عباس في الاستثناء المنفصل، فاستحضره لينكر عليه، فقال أبو حنيفة: هذا يرجع عليك، فإنك تأخذ البيعة بالأيمان، أتفرض أن يخرجوا من عندك، فيستثنوا، فيخرجوا عليك؟ فاستحسن المنصور كلامه، ورضي به. قال الرازي في ((التفسير الكبير)) (١): وحاصل هذا الكلام يرجع إلى تخصيص النص بالقياس، وفيه ما فيه، وأيضاً فلو قال: إن شاء الله خُفية بحيث لا يسمعه أحد، فهو معتبر، ودافع للحنث بالإجماع، مع أن المحظور الذي ذكرتم حاصل فيه، فثبت أن الذي عَوَّلوا عليه ليس بقوي، والأولى أن يَحْتَجُوا في وجوب كون الاستثناء متصلاً، بأن الآيات الكثيرة دلّت على وجوب الوفاء بالعقد والعهد قال تعالى: ﴿أَوَفُواْ بِالْعُقُودِ﴾، ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ﴾، فالآتي بالعهد يجب عليه الوفاء بمقتضاه لأجل هذه الآيات، خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان متصلاً؛ لأن الاستثناء مع المستثنى بمنزلة الكلام الواحد بخلاف ما إذا كان منفصلاً، فإنه حصل الالتزام التام بالكلام، فوجب عليه الوفاء بذلك الملتزم. والقول الثاني: أن هذا كلام مستأنف، وعلى هذا ففيه وجوهٌ: الأول: اذكر ربك بالتسبيح والاستغفار، إذا نسيت كلام الاستثناء، والثاني: اذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكر المنسي، والثالث: حمله بعضهم على الصلاة المنسية عند ذكرها، انتهى. وقال الخرقي: إذا حلف فقال: إن شاء الله، فإن شاء فعل، وإن شاء ترك، ولا كفارة عليه إذا لم يكن بين الاستثناء واليمين كلام. قال الموفق(٢): (١) (١٠٩/٢١). (٢) ((المغني)) (٤٨٤/١٣). ٦١٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث الحالف إذا قال: إن شاء الله مع يمينه، فهذا يسمى استثناءً، فإن ابن عمر - رضي الله عنهما - روى عن النبي وَالر أنه قال: ((من حلف، فقال: إن شاء الله فقد استثنى)) رواه أبو داود(١)، وأجمع العلماء على استثناء تسميته، وأنه متى استثنى في يمينه لم يحنث فيها، لقوله وَالر: ((من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث)) رواه الترمذي(٢)، ولأنه متى قال: لأفعلَنَّ إن شاء الله، فقد علمنا أنه متى شاء الله فعل، ومتى لم يفعل لم يشاء الله ذلك، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، إذا ثبت هذا فإنه يشترط أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين بحيث لا يفصل بينهما كلام أجنبي، ولا يسكت بينهما سكوتاً يمكنه الكلام فیه . فأما السكوت لانقطاع نفسه، أو صوته، أوعيٌّ، أو عارض من عطشة، أو شيء غيره، فلا يمنع صحة الاستثناء، وثبوت حكمه، وبهذا قال مالك، والشافعي، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، وإسحاق؛ لأنه عليه السلام قال: ((من حلف فاستثنى))، وهذا: أي: اتصاله بالفاء يقتضي كونه عقيبه، ولأن الاستثناء من تمام الكلام، فاعتبر اتصاله به كالشرط، وجوابه، وخبر المبتدأ والاستثناء بإلَّا، ولأن الحالف إذا سكت ثبت حكم يمينه، وانعقدت موجبة لحكمها، وبعد ثبوته لا يمكن دفعه ولا تغييره، قال أحمد: حديث النبي اَلّ: ((إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيراً منها فكَفِّر عن يمينك))، ولم يقل: فاستثنٍ، ولو جاز الاستثناء في كل حالٍ لم يحنث حانث به. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز الاستثناء إذا لم يطل الفصل بينهما، قال في رواية المروزي: حديث ابن عباس أن النبي وَلّ قال: ((والله لأغزون قريشاً، ثم قال: إن شاء الله)) إنما هو استثناء بالقرب، ولم يخلط كلامه بغيره، (١) أخرجه أبو داود (٣٢٦١). (٢) أخرجه الترمذي (١٥٣٢). ٦١٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث ونقل عن أحمد إسماعيل بن سعيد مثل هذا، وزاد، قال: ولا أقول فيه بقول هؤلاء، يعني من لم ير ذلك إلا متصلاً، ويحتمل كلام الخرقي هذا؛ لأنه قال: إذا لم يكن بينهما كلام، ولم يشترط اتصال الكلام وعدم السكوت، وهذا قول الأوزاعي، قال في رجل حلف ثم سكت ساعة لا يتكلم، ولا يُحَدِّثُ نفسه بالاستثناء، فقال له رجل: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، أيكفر يمينه؟ قال: أراه قد استثنى. وقال قتادة: له أن يستثني قبل أن يقوم أو يتكلم، ووجه ذلك أن النبي وَل استثنى بعد سكوته، إذ قال: ((والله لأغزون قريشاً))، ثم سكت ثم قال: ((إن شاء الله))، واحتج به أحمد، ورواه أبو داود، وزاد قال الوليد بن مسلم: ((ثم لم يغزهم))، ويشترط على هذه الرواية أن لا يطيل الفصل بينهما، ولا يتكلم بينهما بكلام أجنبي. وحكى ابن أبي موسى عن بعض أصحابنا أنه قال: يصح الاستثناء ما دام في المجلس، وحكي ذلك عن الحسن، وعطاء، وعن عطاء أنه قال: قدر حلب الناقة العَزُوزة، وعن ابن عباس أن له أن يستثني بعد حين، وهو قول مجاهد، وهذا القول لا يصح لما ذكرناه، وتقديره: بمجلسٍ، أو غيره، لا يصلح لأن التقديرات بابها التوقيف، فلا يصار إليها بالتحكم، انتهى. وقد عرفت فيما سبق أنهم اختلفوا في تقدير الاستثناء على أقاويل كثيرة. منها: ما في ((المنتقى)) (١): أن حسناً، وطاووساً قد رأياه بالمجلس، وقال ابن عباس: بالتأبيد، ومنها: ما في ((التفسير الكبير)): أن سعيد بن جبير قدّره بسنَةٍ، أو شهرٍ، أو أسبوع، أو يوم، وطاووساً بمجلس، وعطاءً بحلب ناقة. (١) (٢٤٧/٣). ٦١٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث ومنها: ما في ((الموفق)) (١): أن عامتهم اشترطوا الاتصال، وعن أحمد رواية ما لم يطل الفصل، وبه قال الأوزاعي، وعن بعض أصحابهم ما دام في المجلس، وحكي عن الحسن، وعطاء، وعنه قدر حلب ناقة، وعن ابن عباس، ومجاهد بعد حين، وفي ((الجمل))(٢) عن ابن عباس: يجوز انفصاله إلى شهر، وقيل: سنة، وقيل: أبداً روايات عنه، وعن سعيد بن جبير: يجوز انفصاله إلى أربعة أشهر، وعن عطاء، والحسن: يجوز انفصاله في المجلس، وعن مجاهد: إلى سنتين، انتهى. وفي ((نصب الراية))(٣) برواية (الطبراني)) بسنده عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَذَكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌّ﴾ قال: إن شئت الاستثناء، فاستثنٍ إذا ذكرت، وهي لرسول الله وَ﴿ل وليس لنا أن نستثني إلا بصلة اليمين، وذكر بطريقين عن ابن عمر - رضي الله عنهما - كل استثناء غير موصول فصاحبه حانث، انتهى. وفي ((المحلى)): قال عياض: أجمعوا على أن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متصلاً، وعن ابن عباس له الاستثناء أبداً، وتأوّله بعضُهم أنه يستحب له أن يقول: إن شاء الله تبركاً، بقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتٌ﴾ وليس مراده أن ذلك رافع للحنث، ومسقطٌ للكفارة، وأما إذا استثنى في الطلاق والعتق وغيرهما ما سوى اليمين بالله، فمذهب الشافعي، وأبي حنيفة، صحة الاستثناء فيها كاليمين، وقال مالك، والأوزاعي: لا تصح إلا في اليمين، انتهى. وتقدم عن ((المغني)) أنه يصح الاستثناء في كل يمين مكفرة عند أحمد إلا الطلاق والعتاق، فأكثر الروايات عنه فيهما أنه توقف في ذلك، (١) (٤٨٤/١٣). (٢) (٤١٠:٤). (٣) (٣٠٣/٣). ٦١٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حدیث قَالَ يَحْيَىَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ: كَفَرَ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَحْنَثُ: إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَلَيْسَ بِكَافِرٍ، وَلَا مُشْرِكٍ، حَتَّى يَكُونَ قَلْبُهُ مُضْمِراً عَلَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وَلَا يَعُدْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وفي رواية ليس له الاستثناء فيهما مثل قول مالك، وغيره. وفي ((الدر المختار))(١) و((شرحه)): وَصَلَ بحلفه إن شاء الله بطل يمينه، وكذا يبطل بالاستثناء المتصل كلُّ ما تعلق بالقول عبادة، كنذر، وإعتاق، أو معاملة كطلاق، وإقرار لو بصيغة الإخبار، ولو بصيغة الأمر، أو النهي، كأعتقوا عبدي بعد موتي إن شاء الله لم يصحّ الاستثناء، فللمأمور أن يبيعه، والفرق أن الإيجاب يقع ملزماً بحيث لا يقدر على إبطاله بعد، فيحتاج إلى الاستثناء حتى لا يلزمه حكم الإيجاب، والأمر لا يقع لازماً، فإنه يقدر على إبطاله بعزل المأمور به، فلا يحتاج إلى الاستثناء، هذا ما تعلق بالقول بخلاف المتعلق بالنية، فإذا وصل المشيئة بالتلفظ بالنية لا تبطل؛ لأنها لطلب التوفيق، انتھی . (قال) يحيى: قال (مالك في الرجل يقول) في كلامه أنه (كَفَرَ بالله) بصيغة الماضي (أو أشرك بالله) إن فعل كذا، أو لم يفعل كذا (ثم يحنث) أي يفعل ما حلف عليه (إنه ليس) يجب (عليه كفارة) بحلفه ذاك (وليس) هو (بكافر ولا مشرك) بالجر عطف على كافر، أي لا يكون كافراً بكلامه هذا، ولا بحنثه بعده (حتى يكون قلبه مضمراً على الشرك والكفر) فيكون كافراً بإضماره، وإن لم يكن كذلك فلم يكفر (وليستغفر الله) على تقوّله بهذا القول القبيح، وأشدّ منه بحنثه بعد هذا القول. (ولا يعد) بصيغة النهي من العود (إلى شيء من ذلك) الكلام ونحوه أبداً (١) (٤٦/٤). ٦١٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث وَبِئْسَ مَا صَنَعَ . (وبئس ما صنع) من قوله وحنثه، قال الباجي(١): وهذا كما قال مالك: إن من قال مثل ما قاله من أنه كفر بالله إن قال كذا، أو هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو عليه غضب الله، أو هو بريء من الإسلام، ثم خالف ما عليه، فإنه لا يلزمه بذلك شرك، ولا خروج عن دين الإسلام، بل هو على إسلامه، وإنما يكون كافراً من اعتقد الكفر، وأما من كرهه، أو أبغضه، أو اعتقد خلافه، فلا يكون كافراً، ولكنه آثم في يمينه تلك فليستغفر الله، ولا يعد إلى الحلف بها، ولا يلزمه بيمينه تلك شيء، خالفها أو وافقها . وقال أبو حنيفة، والثوري: من قال: هو يهودي، أو نصراني، أو كفرت بالله، أو برئت من الإسلام فهي يمين، وعليه الكفارة إن حنث، والدليل على ما نقوله ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال: تعال أقامِرك فليتصدق)) فوجه الدليل أنه وَلَّ أوجب(٢) عليه تكفير حلفه باللات والعُزَّى، ومن جهة القياس أن هذه يمين مفسرة عُرِيت عن اسم الله تعالى، وصفاته نطقاً، ونيةً، وعرفاً، فلم يجب بها كفارة يمين . وأما ما روي عن ثابت بن الضحاك عن النبي وَلغير أنه قال: ((من حلف بملة غير الإسلام كاذباً فهو كما قال)) فإنه لا حجة فيه للمخالف؛ لأنه إن أراد به كما قال من الكفر، فإن المخالف لا يقول به، وإن كان أراد به كما قال من أنه يلزمه ما حلف عليه، فإنه ليس فيه للمخالف حجة؛ لأنه ليس فيه ذكر كفارة يمين، ووجه آخرٌ وهو: أن في الحديث ما يدل على أنه إنما هو الحلف على (١) ((المنتقى)) (٢٤٨/٣). (٢) كذا في الأصل، والظاهر أن مفعوله محذوف، وهو أن يقول: لا إله إلا الله، وذلك أن مجرد إيجاب التكفير لا يكون حجة للمالكية، ويتم التقريب لهم أنه ور أوجب في تكفير هذا القول أن يقول: لا إله إلا الله. لا كفارة اليمين، اهـ، ((ش)). ٦١٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث الماضي؛ لأنه هو الذي ينطلق عليه اسم الكذب، وأما من حلف على أن يفعل فلا يوصف بالكذب. ومعنى الحديث - والله أعلم - أن من حلف بذلك أنه لم يفعل في الماضي فعلاً، أو لم يقل قولاً، وهو كاذب في ذلك، فإنه قد فعل ما حلف أنه لم يفعله وقال: ما حلف أنه لم يقله، انتهى. وفيه: أنه لم يبق بقوله فهو كما قال فائدة على هذا المعنى. واختلفت الرواية عن أحمد في الحلف بالخروج من الإسلام مثل أن يقول: هو يهوديٌّ إن فعل كذا، أو هو بريءٌ من الإسلام، أو من رسول الله، أو من القرآن، أو نحو ذلك، فعن أحمد: عليه الكفارة إذا حنث، يروى هذا عن عطاء، وطاووس، والحسن، والشعبي، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، ويروى ذلك عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، والرواية الثانية عن أحمد: لا كفارة عليه، وهو قول مالك، والشافعي، والليث، وأبي ثور، ويحتمل أن يحمل الرواية الأولى عن أحمد على الندب؛ لأنه قال في رواية حنبل: إذا قال: أكفر بالله، أو أشرك بالله فأحب إليّ أن يُكَفِّرَ كفارة یمین إذا حنث. ووجه الرواية الأولى ما روي عن الزهري عن خارجة بن زيد عن أبيه عن النبي ◌ّ أنه سئل عن الرجل يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام في اليمين يحلف بها، فيحنث فقال: ((عليه كفارة يمين))، أخرجه أبو بكر، قاله ((المغني)) (١) وقال: الرواية الثانية أصح إن شاء الله. قلت: لكن الخرقي جزم بالرواية الأولى، وكذا صاحب ((الروض المربع)) (٢) ((ونيل المآرب))، وحكاها مذهب أحمد عامة نقلة المذاهب. (١) انظر: ((المغني)) (٤٦٥/١٣). (٢) (٣٦٨/٣). ٦٢٠