النص المفهرس
صفحات 541-560
٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٢) حديث فَأَرْسَلَتْ مَوْلَى لَهَا يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. فَخَرَجْتُ مَعَهُ. فَسَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ، ثُمَّ لْتَمْشِ مِنْ حَيْثُ عَجَزَتْ. قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَنَرَى عَلَيْهَا، مَعَ ذُلِكَ، الْهَدْيَ . عروة بن أُذينة، قال مالك: إن أمه جعلت عليها المشي، فمشت حتى انتهت إلى السُّقْيا، ثم عجزت فما مشت، فسألت ابن عمر - رضي الله عنه - فقال: مُرؤها أن تعود من العام المقبل فتمشي من حيث عجزت. (فأرسلت) جدتي (مولى لها) لم يسمّ (يسأل عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - ولفظ محمد: ((ليسأله)) بزيادة اللام أي يسأله عن حكم من عجز عن المشي بعدما ألزمه على نفسه (فخرجت معه) أي مع المولى لأسمع الجواب من ابن عمر بلا واسطة (فسأل) المولى (عبد الله بن عمر) عن مسألة جدتي (فقال له) أي للمولى (عبد الله) ابن عمر (مرها) بصيغة الأمر من الأمر (فلترکب) حينئذ (ثم لتمش) في سنة أخرى (من حيث عجزت) يعني إذا قدرت بعد فلتقض المشي من حيث أعيت، فتمشي بقدر ما ركبت. (قال مالك) وفي النسخ المصرية: ((سمعت مالكاً يقول)): (ونرى) بصيغة الجمع في النسخ الهندية، وفي المصرية: ((وأرى)) بصيغة الإفراد (عليها مع ذلك) أي مع قضاء المشي (الهدي) أيضاً. قال الباجي(١): يريد لتفريق مشيها؛ لأن المشي في سفر واحد لا بد أن يكون شرطاً في صحة المشي أو سنة من سننه، ومتمماً لصفته، فإذا دخل عليه النقص بالتفريق للعجز عن الإتيان به على وجهه لزم الدمُ، والهديُ في ذلك بدنةٌ، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام، (١) ((المنتقى)) (٢٣٦/٣). ٥٤١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٢) حديث رواه ابن المواز، وابن حبيب، فإن أخرج الشاة مع القدرة على البدنة ففي (كتاب ابن المواز)) تجزئه كسائر الهدايا، انتهى. وهكذا قال الدردير(١) والدسوقي، إلا أنهما قَيداه بأن ما ركبه كان كثيراً سواء كان مختاراً في ركوبه، أو مضطراً، وإن كان قليلاً فيهدي فقط، والقلة والكثرة باعتبار المسافة صعوبة وسهولة، ومساحة، أو كان ركوبه في المناسك، وهي ما يفعله من خروجه من مكة إلى رجوعه لمنى مع الإفاضة؛ لأنها وإن كانت قليلة في نفسها إلا أنها كثيرة معنىً؛ لأنها المقصودة بالذات. وأما ركوب الإفاضة فقط فلا رجوع فيه، بل يهدي، وهذا إذا كان ناذراً لمشي بلدته قريبة من مكة كالمدني، أو بعيدة عنها بعداً متوسطاً كالمصري، أما إذا كانت بعيدة جداً كالإفريقي فلا يرجع، بل يهدي فقط. ومحل الرجوع إن ظن حين خروجه القدرة على مشي جميع المسافة، ولو في عامين، فخالف ظنه، وإن لم يظن القدرة حين خروجه، وقد ظن القدرة حين يمينه على مشي الجميع مشى مقدوره، وركب معجوزه، وأهدى فقط من غير رجوع ثانياً، ومن ظن حين العجز يمينه، أو نوى أن لا يمشي إلا ما يطيقه، فإنه يخرج أول عام، ويمشي مقدوره، ويركب معجوزه، ولا رجوع عليه ولا هدي، انتھی. وقال الموفق(٢): يلزمه المشي لنذره، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفارة يمين، وعن أحمد، رواية أخرى، أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعي، وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس: ((أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى (١) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (١٦٧/٢). (٢) انظر: ((المغني)) (٦٣٥/١٣). ٥٤٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٢) حديث بيت الله الحرام ((فأمرها النبي (َ﴾ أن تركب وتهدي هدياً))، رواه أبو داود(١) وفيه ضعف؛ ولأنه أخلّ بواجب في الإحرام فلزمه هدي كتاركِ الإحرامِ من الميقات، وعن ابن عمر وابن الزبير قالا: يحج من قابلٍ، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب، ونحوه قال ابن عباس وزاد، فقال: ويهدي، وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعي روايتان إحداهما كقول ابن عمر، والثانية كقول ابن عباس، وهذا قول مالك، وقال أبو حنيفة: عليه هديٌ سواء عجز عن المشي، أو قَدَرَ عليه، وأقلّ الهدي شاةٌ، وقال الشافعي: لا تلزمه مع العجز كفارة بحال، إلا أن يكون النذر مشياً إلى بيت الله، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان، وأما غيره فلا يلزمه مع العجز. ولنا: قول النبي وَل﴾ لأخت عقبة بن عامر: (لتمش، ولتركب، ولتُكَفِّرْ عن يمينها))، وفي رواية: (فلتصم ثلاثة أيام))، وقول النبي ◌َّ: ((كفارة النذر كفارة اليمين))، ولأن المشي مما لا يوجبه الإحرام، فلم يجب الدم بتركه، فأما إن ترك المشي مع إمكانه، فقد أساء، وعليه كفارة أيضاً لتركه صفة النذر، وقياس المذهب أن يلزمه استئناف الحج ماشياً لتركه صفة المنذور، كما لو نذر صوماً متتابعاً فأتى به متفرقاً، وإن مشى بعض الطريق، وركب بعضاً فعلى هذا القياس يحتمل أن يكون كقول ابن عمر، وهو أن يحج فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى، ويحتمل أن لا يجزئه إلا حج، يمشي في جميعه؛ لأن ظاهر النذر يقتضي هذا، انتهى. قلت: ما حكم على رواية أبي داود بالضعف يُشكل عليه لأن أبا داود سكت عليه، وسكوته حجةٌ، وقد سكت عليه المنذري، وقال الهيثمي في (١) ((سنن أبي داود)) (١٩٤/٣) رقم الحديث (٣٢٩٦). ٥٤٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٢) حديث ((مجمع الزوائد))(١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وسيأتي ما قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وقال النووي في ((شرح المهذب)): إن نذر المشي، فركب، وهو قادر على المشي لزمه دم، لما روى ابن عباس عن عقبة أن أخته نذرت ... الحديث. وفيه: ((لتركب، ولتهد بدنة))، رواه أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس. وروي عن عقبة بن عامر: قال يا رسول الله: إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت حافية ... الحديث، وفيه: (لتركب، ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام))، رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن، وفيه نظر، فإن في إسناده ما يمنع حسنه، وإذا عجز عن المشي، فحج راكباً، وقع حجه عن النذر بلا خلاف. وهل يلزمه جبر المشي الفائت؟ فيه قولان مشهوران؛ أحدهما: لا دم، وأصحهما: يلزمه الدم، وعلى هذا فما يلزمه المذهب أنه شاة تجزئ في الأضحية، وقيل: يلزمه بدنة للحديث السابق حكاه الخراسانيون، وإذا قدر على المشي فتركه، وحج راكباً أساء، وارتكب حراماً . وهل يجزئه حجه عن نذره؟ فيه طريقان: أحدهما: يجزئه قولاً واحداً، به قطع العراقيون، والثاني: حكاه الخراسانيون، فيه قولان: القديم؛ لا يُجزئه، بل عليه القضاء، والأصح الجديد أنه يُجْزئه، وعلى هذا ففي وجوب الدم قولان: أصحهما يجب، وهل هو بدنة أو شاة؟ فيه الخلاف السابق، والأصح أنه شاة، انتهى مختصراً . وقال القاري في ((شرح اللباب))(٢): لو ركب في كل الطريق، أو أكثره بعذرٍ، أو بلا عذرٍ، فعليه دم، وإن ركب في الأقل، وكذا في المساواة تَصَدَّقَ بقدره من قيمة الشاة، انتهى. (١) (١٨٩/٤). (٢) (ص٢٦٩). ٥٤٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، كَانَا يَقُولَانِ مِثْلَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ٥/١٠٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَلَيَّ مَشْيٌّ. وقال محمد في ((موطئه)) (١) بعد أثر الباب: قد قال هذا أي ما أفتى به ابن عمر - رضي الله عنهما - قوم، وأحبُّ إلينا من هذا القول ما رُوي عن علي - رضي الله عنه -: من نذر أن يحجّ ماشياً، ثم عجز، فليركب، وليحج، ولينحر بدنة، وجاء عنه في حديث آخر: ويهدي هدياً، فبهذا نأخذ، يكون الهدي مكان المشي، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . وقال الزيلعي في ((نصب الراية))(٢): روى الحاكم عن عمران بن حصين قال: ما خطبنا رسول الله ◌َّ إلا أمرنا بالصدقة، ونهانا عن المُثلة، وقال: ((إن من المُثلة أن ينذر الرجل أن يحج ماشياً فمن نذر أن يحج ماشياً فليهد هدياً وليركب))، وقال: صحيح الإسناد. قلت: وأقرّه عليه الذهبي، وقال الهيثمي في («مجمع الزوائد»(٣): رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح. (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (كانا يقولان: مثل قول عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - يعني يمشي في القضاء مثل ما ركب أولاً . ٥/١٠٠٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال كان عَلَيَّ مشياً قال الباجي(٤): يريد أنه كان يلزمه بنذر، وأما اليمين بمثل هذا فمكروه، (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٦٥/٣). (٢) (٣٠٥/٣). (٣) (١٨٩/٤). (٤) ((المنتقى)) (٢٣٧/٣). ٥٤٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث فَأَصَابَتْنِي خَاصِرَةٌ، فَرَكِبْتُ، حَتَّى أَتَيْتُ مَكَّةَ. فَسَأَلْتُ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحِ وَغَيْرَهُ. فَقَالُوا: عَلَيْكَ هَدْيٌ. فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، سَأَلْتُ عُلَمَاَءَهَا فَأَمَرُونِي أَنْ أَمْشِيَ مَرَّةً أُخْرَى مِنْ حَيْثُ عَجَزْتُ. فَمَشَيْتُ. قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: فَالْأَمْرُ وأرجو أن يكون يحيى بن سعيد على فضله وعلمه لا يحلف بغير الله تعالى، إلا أن يكون في نادرة غضب وحرج، ولعله قد كان ذلك في صباه وقبل أن يفقه، ولذلك احتاج أن يسأل عن حكمه عطاءً، وغيره من العلماء، انتهى. (فأصابتني خاصرة) أي وجع في خاصرتي، وقيل: إنه وجع في الكليتين، كذا في ((المجمع)). وقال الباجي: يريد وجع خاصرة، منعته المشي. (فركبت حتى أتيت مكة) أي أتممتُ سفري بالوصول إلى مكة (فسألت عطاء بن أبي رباح وغيره) من العلماء الموجودة بمكة المكرمة (فقالوا: عليك هدي) قال محمد في ((موطئه)) (١): وبقول عطاء نأخذ. (فلما قدمت المدينة سألت علماءها) ليس في النسخ الهندية لفظ ((علماءها))، بل حذف مفعول سألتُ، وسألهم لما اعتقد أنهم أعلم من أهل مكة، أو لتطييب نفسه باتفاق العلماء، لكنهم خالفوا أهل مكة (فأمروني أن أمشي مرة أخرى من حيث عجزتُ) عن المشي أول مرة، قال الزرقاني(٢): ولا هدي (فمشيت) اتباعاً لفتوى أهل المدينة، وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك قريباً(٣) . (قال مالك) وفي المصرية: ((قال يحيى: سمعت مالكاً)) - رضي الله عنه - يقول: (فالأمر) المختار، وفي النسخ الهندية، قال يحيى: قال مالك: فالأمر (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٦٦/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٩/٣). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣١/١٥). ٥٤٦ -- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث عِنْدَنَا فِيمَنْ يَقُولُ عَلَيَّ مَشْيْ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ رَكِبَ. ثُمَّ عَادَ فَمَشَى مِنْ حَيْثُ عَجَزَ. فَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ فَلْيَمْشِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ. ثُمَّ لْيَرْكَبْ. وَعَلَيْهِ هَدْيُ (عندنا فيمن يقول: عليّ مشي إلى بيت الله) أي نذر الحج ماشياً (أنه إذا عجز) عن المشي في بعض الطريق (ركب) ولا يمنعه العجز عن المشي من التمادي على الوفاء بنذره، والأداء لما التزمه؛ لأنه لا يأمن مثل ذلك في السفر الثاني أيضاً (ثم عاد) مرة أخرى لقضاء ما ركب. (فمشى من حيث عجز) أولاً، وركب في الخروج الأول (فإن كان لا يستطيع المشي) في جميع ما ركب أولاً أي عجز في القضاء أيضاً (فليمش) في القضاء (ما قدر عليه ثم ليركب) ولا قضاء عليه بعد ذلك؛ لأن قضاء ما ركب مرة واحدة فقط عند المالكية، ولا تكرار للقضاء عندهم كما صرح في كتبهم (وعليه هدي) فقط بدون قضاء القضاء. قال في ((المدونة))(١): قلت: فإن هو لم يتم المشي في المرة الثانية، أعليه أن يعود الثالثة في قول مالك؟ قال: ليس عليه أن يعود بعد المرة الثانية، وليُهرق دماً ولا شيء عليه، انتهى. وما اخترته من شرح كلام الإمام مالك جعلتُ قوله: ((فإن كان لا يستطيع المشي)) متعلقاً بالقضاء، كما يدل عليه لفظ فاء التفريع، ويحتمل أن تكون للترتيب الذكري، ويكون الكلام متعلقاً بمن علم ابتداءاً أنه لا يستطيع المشي في القضاء أيضاً، ولا يستطيع المشي في أول مرة أيضاً، وعلى هذا فيكون أول الكلام في حق من استطاع ابتداءً وعجز في الطريق، وهذا الكلام بمن لا يستطيع ابتداءً، ويكون المعنى فإن كان لا يستطيع جميع المشي فليمش ما قدر عليه ولو نصف ميل، ثم يركب وليُهْدِ، ولا قضاء عليه أصلاً . (١) (١٣/٢). ٥٤٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث قال في ((المدونة))(١): قلت: فإن كان هو حين مضى في المرة الأولى إلى مكة مشى وركب، فعُلِم أنه إن عاد الثانية، لم يقدر على أن يتم ما ركب ماشياً، قال مالك: إذا علم أنه لا يقدر أن يمشي المواضع التي ركب فيها في المرة الأولى، فليس عليه أن يعود، ويجزئه الذهاب الأول، ويهريق لما ركب دماً . قلت: فإن كان حين حلف بالمشي فحنث يعلم أنه لا يقدر على أن يمشي، الطريق كله إلى مكة، أيركب في أول مرة ويُهْدي؟ قال مالك: يمشي ما أطاق ولو شيئاً، ثم یرکب ويُهْدِي، انتهى. وقال في موضع آخر: قلت: أرأيت إن حلف بالمشي، فحنث، وقد يئس من المشي، قال مالك: يمشي ما أطاق، ولو نصف ميل، ثم ليركب، ويُهْدي، ولا شيء عليه بعد ذلك، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا مبنيٌ على ثلاثة أصول: الأول: أن المشي قد لزمه بنذره، أو حنثه في يمينه، والثاني: إذا عجز عن المشي في طريقه لا يمكنه التوقف والإراحة بكل موضع يدركه فيه العجز، ولا بد له من استدامة المسير، وذلك لا يكون إلا بالركوب إلى أن يريح، فجاز له الركوب لذلك، ولا ينوب الركوب عن المشي، وإنما يجزئه الوصول، ويبقى ما التزمه من المشي في ذمته يلزمه قضاؤه. والثالث: أن القضاء أقل في سفر واحد، ولا يكاد أن تلحق المشقة فيه، فلذلك لزم التلفيق من رجا أن يُتم، قضى مشيه في سفر واحدٍ، ومن لم یرجُ ذلك لم يلزمه أَنْ يُلَفِّقَ بالقضاء في أكثر من سفر واحد؛ لأن التكرر يشق عليه (١) (١٣/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٧/٣). ٥٤٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، إِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا هِيَ. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ أَنَا أَحْمِلُكَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ نَوَى أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، يُرِيدُ بِذْلِكَ الْمَشَقَّةَ، ولا نهاية له، وكذلك لو رجع للتلفيق في القضاء، فلم يستوفه لم يجب عليه أن يرجع مرة أخرى للقضاء، وذلك أن القضاء لا يُلَفَّقُ، وإنما يُلَفَّقُ به، انتهى. (بدنة أو بقرةٍ أو شاةٍ) بالرفع بدل عن الهدي، وبالجر بإضافة الهدي إليها كذا في ((المحلى)) (إن لم يجد إلا هي) هكذا في جميع النسخ الموجودة عندي من الهندية والمصرية والمتون والشروح إلا الباجي، فمتنها موافق لجميع النسخ، وزاد في الشرح لفظ الواو، فقال قوله: ((وإن لم يجد إلا هي))، يقتضي أنه يجب عليه إخراجها، وإن لم يجد غيرها، وفي بعض النسخ: أو شاة إن لم يجد إلا هي، ومعناه أن الشاة تجزئ إن لم يجد بدنة ولا بقرة، انتهى. وعلى الاحتمال الثاني فقط بنى الزرقاني(١) كلامه، إذ قال: أو شاة تجزئه، إن لم يجد إلا هي، فإن وجد غيرها لم تجزئه، وفي ((الواضحة)): تجزئه، انتهى. وهكذا حكاه الباجي عن ((كتاب ابن المواز)): أن الشاة تجزئ مع القدرة على البدنة كما تقدم قريباً، وتقدم أيضاً أن الواجب عندنا الحنفية أيضاً شاة، وهو الأصح عند الشافعية، وقول لهم بالبدنة، والواجب في المرجّح عند الحنابلة كفارة اليمين. (وسُئِلَ) ببناء المجهول (مالك عن الرجل يقول للرجل) الآخر (أنا أحملك إلى بيت الله) أي إلى مكة فماذا يجب عليه؟ (فقال) مالك - رضي الله عنه - في جواب هذه المسألة: (إن نوى أن يحمله على رقبته يريد بذلك) القول (المشقة) (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٩/٣). ٥٤٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حدیث وَتَعَبَ نَفْسِهِ، فَلَيْسَ ذُلِكَ عَلَيْهِ. وَلْيَمْشِ عَلَى رِجْلَيْهِ. وَلْيُهْدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَوَى شَيْئاً، فَلْيَحْجُجْ على نفسه (وتَعَبَ نفسه) تفسير للمشقة (فليس ذلك) واجباً (عليه) أي ليس عليه حمله، ولا إحجاجه؛ لأنه لم يقصد إحجاجه، وإنما قصد حمله على عنقه، ولا قُرْبة فيه (وليمش) القائل (على رجليه) وليحج لنفسه؛ لأنه لزم عليه الحج. قال الباجي(١): وهذا كما قال: وذلك أنه من قال لآخر: أنا أحملك إلى بيت الله، يريد مكة، ونوى أن يحمله على رقبته للمبالغة في المشقة على نفسه، فإنه ليس عليه حمله على عنقه، ولا عليه أن يحجه؛ لأنه لم يقصد ذلك، وإنما حمله على عنقه كقوله: أنا أحمل هذا العمود، وهذه الطنفسة، وعليه أن يحج ماشياً، لأن قوله: أنا أحملك، يريد على عنقه يتضمن المشي؛ لأن من حمل ثقلاً إنما يحمله ماشياً، فلزمه المشي إلى مكة لما كان قربة، ولم يلزم حمله على عنقه؛ لأنه لا قربة فيه، والنذر إنما يتعلق بالقرب دون غيرها، وإن كان الذي قال: أنا أحمله إلى مكةَ شيءٌ خفيفٌ لا مشقة في حمله راكباً، فعليه الرکوب إلى مكة حاجاً. رواه ابن المواز. قال الباجي: ووجه ذلك عندي أنه لما كان مما جرت العادة أن يحمله الراكب معه لم يتضمن حمله المشي، فلم يلزمه المشي، ولزمه الوصول إلى مكة على وجه القربة بحسب ما تضمنه يمينه، انتهى. (وليهد) أمر من الإهداء (هدياً) قال الباجي: يريد لما التزم من صفة المشي التي لا تلزمه، وذلك على وجه الاستحباب والندب، وقد قال ذلك ابن حبيب فيمن نذر المشي إلى مكة حافياً: إن هديه على وجه الاستحباب والندب؛ لالتزامه من ذلك ما لا يلزمه، انتهى. (وإن لم يكن نوى شيئاً) من المشقة وإتعاب النفس (فليحجج) القائل لأنه (١) ((المنتقى)) (٢٣٨/٣). ٥٥٠ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حدیث وَلْبَرْكَبْ، وَلْيَحْجُجْ بِذْلِكَ الرَّجُلِ مَعَهُ. وَذُلِكَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَحْمِلُكَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحُجَّ مَعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ. لزم عليه الحج بقوله (وليركب) لأنه لم يجب عليه المشي، بل لزم عليه الحج راكباً (وليحجج بذلك الرجل) الآخر أيضاً (معه) لأن لفظه اقتضى إحجاجه وحمله معه (وذلك أنه) أي وجوب إحجاجه؛ لأنه (قال: أنا أحملك إلى بيت الله) فوجب حمله معه، لكنه لم يجب على الرجل الآخر شيء. (فإن أبى الرجل)الآخر (أن يحج معه) أي مع قائل الكلام (فليس عليه) أي على القائل (شيء) بسبب ذلك الرجل الآخر. وإن وجب عليه الحج لنفسه (وقد قضى) أي أدّى القائل (ما) كان واجباً (عليه بنذر) من إحجاجه؛ إذ قال له: احجج معي، وأبى الآخر، وهذا أوجه عندي في معنى هذا الكلام، فيكون قوله: وقد قضى بمنزلة الدليل لقوله فليس عليه شيء. ويحتمل أن يكون الماضي بمعنى المضارع، ويكون المعنى: ويقضي ما وجب عليه من حج نفسه، فيكون بمنزلة الاستدراك من قوله: فليس عليه شيء، ويؤيده سياق المدونة(١)، إذ قال: قال مالك: إذا قال الرجل: أنا أحمل فلاناً إلى بيت الله، فإني أرى أن ينوي، فإن كان إنما أراد إتعاب نفسه، وحمله على عنقه، فأرى أن يحج ماشياً ويهدي، ولا شيء عليه في الرجل ولا يحجه، وإن لم ينو ذلك فليحج راكباً، وليحج بالرجل معه، ولا هدي عليه، فإن أبى الرجل أن يحج، فلا شيء عليه في الرجل، وليحج هو راكباً، انتهى. وقال الباجي(٢): قوله: إن لم يكن نوى شيئاً، يريد أنه لم يُقَيِّد بنية، مما ذكرنا من إتعاب نفسه بحمله فليحجج ليحج بالرجل معه؛ لأن لفظة حمل (١) (١٦/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٨/٣). ٥٥١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث الرجل إلى مكة تقتضي إيصاله إليها، فإن لم تكن نية تعدل به عن القربة، وجب أن يحمل على وجه القربة، وهو تكلف مؤنة الرجل إلى مكة في حج أو عمرة، إلا أنه موقوف على إرادة الرجل الآخر؛ لأن الحالف لا يملكه. فإن أراد الرجل الحج معه على الوجه الذي التزمه وجب عليه الوفاء به، وإن أبى ذلك الرجل لم يلزمه هو شيء في إحجاجه، ويلزمه هو الحج أو العمرة؛ وذلك لأن قوله: ((أنا أحمل فلاناً)» يقتضي مضيهما، فقد لزمه مضيّه في نذره، ومضي الرجل موقوف على اختياره، فمعنى قول مالك: ليس عليه شيء، يريد بسبب الرجل، ولم يرد أن الحج يسقط عنه، انتهى. وقال الدردير(١): نذرُ حمل فلانٍ علي عُنْقه لمكة، إن نوى التعبَ لنفسه فلا يلزمه، وإنما يلزمه أن يحج هو ماشياً، ويهدي ندباً، وإن لا ينوي التعبَ بل نوى بحمله إحجاجه، أو لا نية له ركب هو في حجه جوازاً، وحجّ به، أي المحلوف بحمله معه إن رضي، وإلا حجّ وحده بلا هدي عليه فيهما، أي فيما إذا رضي بالحج معه، أو لم يرض، وحج الناذر وحده، قال الدسوقي: قوله : وإلا ركب وحج به، إنما يحمل هذا على ما إذا لم ينو شيئاً، أما إذا نوى : إحجاجه فالحالف لا يلزمه حج، بل يدفع للرجل ما يحتاج إليه من مؤنة الحج، انتھی . وأما عندنا الحنفية فقد قال القاري في ((شرح اللباب)) (٢) وتبعه صاحب ((الغنية)»: لو حلف أن أُحِجَّ فلاناً على عنقي، لا شيء عليه، انتهى. وفي ((المبسوط)): إن قال: إن فعلت كذا فأنا أحج بفلان فحنث، فإن كان نوى أنا أحجُّ وهو معنا، فعليه أن يحج، وليس عليه أن يحج به، وإن نوى (١) ((الشرح الكبير)) (١٧٢/٢). (٢) (ص٢٦٨). ٥٥٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حدیث قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌّ عَنِ الرَّجُلِ يَحْلِفُ بِنُذُورِ مُسَمَّاةٍ مَشْياً إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ بِكَذَا وَكَذَا، نَذْراً لِشَيْءٍ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ . أن يحججه، كما نوى لأن الباء للإلصاق، فقد ألصق فلاناً بحجّه، وهذا يحتمل معنيين: أن يحج فلان معه في الطريق، وأن يعطي فلاناً ما يحج به من المال، والتزام الأول بالنذر غير صحيح؛ والتزام الثاني صحيح؛ لأن الحج يؤدى بالمال عند اليأس من الأداء بالبدن، فكان هذا في حكم البدل، وحكم البدل حكم الأصل، فيصح التزامه بالبدل. فإن نوى الوجه الأول عملت نيته لاحتمال كلامه، ولكن المنويّ لا يصح التزامه بالنذر، فلا يلزمه به شيء، وإنما عليه أن يحجّ بنفسه فقط، وإن نوى الثاني، فقد نوى ما يصحّ التزامُه بالنذر، فيلزمه ذلك، وإذا لزمه، فإما أن يُعطيه من المال ما يحج به، أو يحج به مع نفسه ليحصل به الوفاء بالنذر، فإن لم يكن له نية فعليه أن يحج، وليس عليه أن يحجج فلاناً؛ لأن لفظه في حق فلان محتمل، والوجوب لا يحصل باللفظ المحتمل، وإن كان قال: فعليّ أن أحجج فلاناً، فهذا محكم غير محتمل، فإنه تصريح الالتزام بإحجاج فلان، وذلك صحيح بالنذر، انتهى. وهكذا قال ابن الهمام في ((شرح الهداية))(١). (وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك) - رضي الله عنه - (عن الرجل يحلف بنذور) جمع نذر (مسماة) أي معينةٍ غير مبهمة كألف حجة مثلاً (مشياً إلى بيت الله) بالنصب حال، أو منصوب بنزع الخافض، وفي نسخة: مشي بالخفض بدل من نذور، قاله الزرقاني(٢)، وفي جميع النسخ التي بأيدينا بالنصب (أَنْ لا يُكَلِّمَ) بفتح الهمزة وتخفيف النون بيان لقوله: يحلف (أخاه أو أباه) مثلاً (بكذا، وكذا نذراً) منصوب على التمييز؛ لقوله: كذا وكذا (لشيء) متعلق نذراً موصوف (لا يقوى عليه) (١) انظر: ((فتح القدير)) (٨٩/٣، ٩٠). (٢) (شرح الزرقاني)) (٥٦/٣). ٥٥٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث وَلَوْ تَكَلَّفَ ذُلِكَ كُلَّ عَامِ لَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ عُمْرُهُ مَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: هَلْ يُجْزِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَذْرٌ وَاحِدٌ أَوْ نُذُورٌ مُسمَّاةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: مَا أَعْلَمُهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْوَفَاءُ بِمَا جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ. فَلْيَمْشِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّمَانِ. وَلْيَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ مِنَ الْخَيْرِ. صفة على ما في النسخ المصرية، وفي النسخ الهندية: لشيء، ولا يقوى عليه. بالعطف يعني نذر شيئاً لا يقدر على وفائه، كأن قال: إن كلمت أخى فللَّه عليّ ألف حجة ماشياً . (ولو تكلف) الحالف (ذلك) أي وفاء النذر (كل عام) من عمره (لعُرِف) ببناء المفعول، ضبطه الزرقاني، ويحتمل بناء الفاعل أيضاً، أي يعرف الحالف (أنه لا يبلغ عمره) بالرفع فاعل يبلغ، والآتي مفعوله (ما جَعَل) الحالف (على نفسه من ذلك) النذور، وهو ألف حجة، ومعلوم أنه لا يبلغ عمره ذلك (فقيل) بيان لقوله: سُئِلَ (له) أي للإمام مالك (هل يُجزيه) أي الحالف (من ذلك نذر واحد) أي حجة واحدة (أو نذور مسماة؟) كلها واجبة عليه. (فقال) أي أجاب الإمام (مالك: ما أعلمه) أي الحالف (يُجزئه من ذلك) الذي أوجبه على نفسه (إلا الوفاء بما جعل على نفسه) أي بما ألزم على نفسه من النذور كلها، ولا يكفيه نذر واحد (فليمش) أي فيحج ماشياً (ما قدر عليه من الزمان) بيانٌ لما، أي يحج ماشياً مدة حياته ومقدوره (وليتقرب إلى الله ما) وفي النسخ المصرية(١): ((بما)) بزيادة الباء على ما (استطاع من الخير). قال الزرقاني: وليتقرب إلى الله بما استطاع من الخير الذي يقدر عليه، انتهى. فكأنه جعله تفسيراً لقوله: فليمش ما قدر، وهو محتمل، ويحتمل أيضاً ما سيأتي عن الباجي، فيكون هذا كلاماً مستأنفاً . (١) وفي ((الاستذكار)) (٣٨/١٥) أيضاً بزيادة الباء. ٥٥٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث فقد قال الباجي(١): هذا، كما قال: إن من التزم من النذور في المشي إلى مكة مالا يستطيع عمره لأدائه، مثل أن ينذر ألف حجة، أو يحلف بها . فحنث، فإنه يلتزم ما التزم من ذلك، ولا يخرجه عنه شيء إلا الوفاء به، ولو قدر عليه، واتّسع عمرُه له، غير أنه قد علم بجري العادة أن ذلك لا يكون، فيلزمه أن يأتي منه بما اتّسع عمره له، ويستغفر الله من التزامه ما لا يستطيع عليه، ويتقرب بما أمكنه من أعمال البر. وقد قال مالك في ((العتبية)) في امرأةٍ حلفت أن لا تكلم أباها بالمشي إلى مكة سبع مرات. قال: تكلمه وتمشي سبع مرات، فإن لم تُطِق(٢) حجت أو اعتمرت سبع مرات وتهدي في كل مرة، انتهى. والهدي لترك المشي الذي نذرته كما تقدم قبل . وفي كلام الإمام مالك - رضي الله عنه - هذا مسألتان كلتاهما خلافيتان الأولى: انعقاد النذور الكثيرة، وعرفت أن مذهب الإمام مالك صحتها وانعقادها بجميعها، وهو المرجح عند الحنفية. قال القاري في ((شرح اللباب))(٣): من نذر مائة حجة، أو أكثر، أو أقل يلزمه كلها، وعليه أن يحج بنفسه قدر ما عاش، ويجب الإيصاء بالبقية، وهذا على ما في ((العيون)) وغيرها مما نصوا على لزوم الكل، وقال في ((النوازل)): هذا قولهما، وعلى قول محمد بقدر عمره، قال التمرتاشي: وأطلق في ((التحفة)) لله عليّ ألف حجة تلزمه، وعن أبي يوسف، وكذا عن محمد تلزمه قدر ما يعيش من السنين. واختاره علي الرازي والسروجي كقوله: علي أن (١) ((المنتقى)) (٢٣٨/٣). (٢) هذا هو الظاهر، وفي ((المنتقى)): لم تطف. وهو تحريف. (٣) (ص٢٦٧). ٥٥٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث أحج عشرين(١) سنة، ومات قبلها لا يلزمه شيء. قال ابن الهمام(٢): والحق لزوم الكل، ليفرق بين الالتزام ابتداء وإضافة، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): لو نذر ثلاثين حجة لزمه بقدر عمره، قال ابن عابدين: أي لزمه أن يحج بقدر ما يعيش، ومشى في ((اللباب)) على أنه يلزمه الكل، وعزاه القاري في ((شرحه)) إلى ((العيون)) وغيره، قال: وفي ((النوازل)): إنه قولهما، والأول قول محمد، وفي (الفتح)): الحق لزوم الكل، انتھی . وفي ((شرح المهذب)): إذا نذر حجات كثيرة انعقد نذره، ويأتي بهن على توالي السنين، بشرط الإمكان، فإن أخَّرَ استقرّ في ذمته ما أخّره، فإذا نذر عشر حجات، ومات بعد خمس سنين، وتمكَّنَ في هذه الخمس وجب أن يقضى من ماله خمس حجات، انتهى. والمسألة الثانية: انعقاد النذر بهذا النوع من التعليق، ويسمونه نذر الدجاج، وهو واجب الوفاء في المرجح عند المالكية، حتى عامتهم لا يذكرون اختلاف المالكية في ذلك. قال الدردير(٤): النذر التزام مسلم كُلِّف ولو كان غضبان، خلافاً لمن قال: يلزمه كفارة يمين، كأن يقول حال غضبه: إن دخلت دار زيد فعلي كذا، ومنه: نذر اللجاج، وهو أن يقصد منع نفسه من شيء، ومعاقبتها، نحو لله عليّ (١) هكذا في الأصل وهو سهو من الناسخ، والصواب محله سنة عشرين ليكون المشبه به غير المشبه ويؤيده أيضاً عبارة ابن الهمام وغيره. اهـ. (ز)). (٢) (فتح القدير)) (٨٩/٣). (٣) ((الدر المختار)) (٤٦/٤). (٤) ((الشرح الكبير)) (٢/ ١٦١). ٥٥٦ .-- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث كذا إن كلمتُ زيداً، ويلزمه النذر، وهذا من أقسام اليمين عند ابن عرفة، والمصنف يرى أنه من النذر، قال الدسوقي: قوله: خلافاً لمن قال، وهو ابن القاسم، انتهى. وسيأتي في أوّل الباب الآتي الكلام على خلاف ابن القاسم هذا . وقال الباجي(١): يلزم النذر على وجه اللجاج والغضب، وقال الشافعي: هو مُخَيَّرٌ في نذره على الدجاج بين أن يُكَفِّرَ كفارةَ يمينٍ، وبين أن يَفِي به، والدليل على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ والوفاء بها أن يأتي بها على حسب ما التزمها، ودليلنا من جهة السنة قوله وَ له: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه))، ودليلنا من جهة القياس أن هذه حال يلزم فيها الوفاء بالطلاق، والعتاق، فلزم فيها الوفاء بسائر القرب كحال الرضى، انتهى. قال الموفق(٢): إذا أخرج النذر مخرج اليمين بأن يمنع نفسه، أو غيره به شيئاً، أو يحث به على شيء، مثل أن يقول: إن كلمتُ زيداً فللّه عليّ الحج، أو صدقة، أو صوم سنة فهذا يمين، حكمه أنه مخيّر بين الوفاء بما حلف، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث، فيتخيّر بين فعل المنذور، وبين كفارة اليمين، ويسمى نذر الدجاج والغضب، ولا يتعين عليه الوفاء به، وهذا قول عمر وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة، وبه قال عطاء، وطاووس، وعكرمة، والقاسم، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف بالحج، وعن الشعبي، والحارث العُكْليِّ، وحماد، والحكم: لا شيء في الحلف بصدقة ماله؛ لأن الكفارة تلزم بالحلف بالله تعالى لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم الله، ولا (١) ((المنتقى)) (٢٢٩/٣). (٢) ((المغني)) (١٣ / ٤٦١). ٥٥٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث يجب ما سَمَّاه، لأنه لم يخرجه مخرج القربة، وإنما التزمه بطريق العقوبة فلم يلزمه، وقال أبو حنيفة، ومالك: يلزمه الوفاء بنذره؛ لأنه نذر، فيلزمه الوفاء به كنذر التبرر، وروي نحو ذلك عن الشعبي. ولنا: ما روى عمران بن حصين مرفوعاً: ((لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين))، رواه سعيد بن منصور والجوزجاني(١)، وعن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً: ((من حلف بالمشي، أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله، أو في المساكين، أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة اليمين))(٢). ولأنه قول من سمّيناه من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم؛ ولأنه يمين، ودليله أنه يسمى بذلك، ويسمى قائله حالفاً، وفارق نذر التبرر؛ لكونه قصد به التقرب إلى الله تعالى والبر، ولم يخرجه مخرج اليمين، وهاهنا خرج مخرج اليمين ولم يقصد به قربة ولا براً، فأشبه اليمين من وجه، والنذر من وجه، فخيّر بين الوفاء وبين الكفارة، وعن أحمد رواية ثانية، أنه تتعين الكفارة، ولا يُجزئه الوفاء بنذره، وهو قولُ لبعض أصحاب الشافعي، انتهى. قلت: والشافعية في ذلك خمسة أقوال: بسطها النووي في ((شرح المهذب))، وقال: نذر اللجاج والغضب، ويقال فيه: يمين اللجاج والغضب، ويقال له أيضاً: يمين الغلق، ونذر الغلق، فإذا قال: إن كلّمتُ فلاناً، أو دخلتُ الدارَ فللَّه علي صومُ شهرٍ، أو حجٌّ، أو صلاةٌ، أو نحو ذلك، ثم كُلَّمه، أو دخل ففيما يلزمه خمسة طرق، جمعها الرافعي، قال: أشهرها على ثلاثة أقوال: أحدها: يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: يلزمه كفارةُ يمين، والثالث: يتخيّر بينهما، قال: وهذا الثالث وهو الأظهر عند العراقيين، وقال النووي: هو الأصح كما رجّحه سائر العراقيين، انتهى. (١) أخرجه النسائي (٢٦/٧)، والإمام أحمد في «مسنده)) (٤٣٣/٤). (٢) ((أخرجه الدار قطني)) (١٦٠/٤). ٥٥٨ - ----- --.. ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث وقال القاري في (شرح اللباب))(١): يلزمه الوفاء بالنذر سواء كان مطلقاً، أو معلقاً بشرطِ بأن قال: إن شفى اللَّهُ مريضي، فعليّ حجةٌ مثلاً، أو عمرة مثلاً، وحكم الأكثر من حجة وعمرة، كذلك لزمه ما عيّن من الحج والعمرة واحدة، أو متعددة، لكن لزومه عند وجود الشرط إذا كان معلقاً، ولا يخرج عنه بالكفارة في ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، وقيل: هذا إذا كان التعليق بشرط يُراد كونُه ووجودُه كقوله: إن شفى الله مريضي فعليّ كذا، وأما إذا كان لا يُراد كونه كإن كَلَّمْتُ زيداً فللِّه علي كذا، فقيل: يجب عليه الوفاء بالنذر، وقيل: يجزئه كفارة اليمين، وهو الصحيح، وقد رجع إليه أبو حنيفة قبل موته بثلاثة أيام، أو بسبعة، وهو قول محمد، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٢): ثم المعلَّقُ فيه تفصيلٌ، فإن علّقه بشرطِ يريده كإن قدم غائبي يوفي وجوباً إن وجد الشرط، وإن علقّه بما لم يُرده كإن زنيت بفلانة مثلاً، فحنث، وفّى بنذره، أو كفّر بيمينه على المذهب؛ لأنه نَذْرٌ بظاهره، يمينٌ بمعناه، فيخيّر ضرورة. قال ابن عابدين: اعلم أن المذكور في كتب ظاهر الرواية أن المعلق يجب الوفاء به مطلقاً، سواء كان الشرط مما يطلب حصوله، كإن شفَى اللَّهُ مريضي أَوْ لا، كإن كلمتُ زيداً فكذا، وهو المسمّى عند الشافعية نذر اللجاج، ورُوي عن أبي حنيفة التفصيل المذكور، وأنه رجع إليه قبل موته بسبعة، وفي ((الهداية)): أنه قول محمد، وهو الصحيح، انتهى. ولا يذهب عليك أن عامة نقلة المذاهب يخلطون ههنا في نقل المذاهب، وبيان اختلاف الأئمة في ذلك، والحق أن النذر المعلِّق لازمٌ عند الإمام مالك، (١) (ص٢٦٦). (٢) ((الدر المختار)) (٤٢/٤). ٥٥٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٣) حديث ولو كان الناذر غضبان، كما تقدم، ويؤيده ما سيأتي في أول الباب الآتي عن ابن عبد البر وغيره، وأما عند الأئمة الثلاثة، ففيه تفصيلٌ عرفته في مذهب الحنفية، وهو المرجح عندهم، قال صاحب ((الهداية))(١): إن علّق النذر بشرط، فوجد الشرط فعليه الوفاء بنفس النذر، وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه، وقال: إذا قال: إن فعلت كذا فعلي حجة، أو صوم سنة، أو صدقة ما أملكه أجزأه من ذلك كفارة يمين، وهو قول محمد، ويخرج عن العهدة بالوفاء بما سمّى أيضاً، وهذا إذا كان شرطاً لا يُريد كونه لأن فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره نذرٌ، فيتخيّر، بخلاف ما إذا كان شرطاً يريد كونه كقوله: إن شفى الله مريضي؛ لانعدام معنى اليمين فيه، وهذا التفصيل هو الصحيح، انتھی . قال ابن الهمام(٢): اختار المصنف والمحققون أن المراد بالشرط الذي تُجزئ فيه الكفارة: الشرط الذي لا يريد كونه، مثل دخول الدار وكلام فلان، فإنه إذا لم يُرد كونه يعلم أنه لم يُرد كون المنذور، حيث جعله مانعاً من فعل ذلك الشرط، لأن تعليق النذر على ما لا يريد كونه بالضرورة يكون لمنع نفسه عنه . وأما الشرط الذي يريد كونه: كإن شفى اللَّهُ مريضي، أو قدِمَ غائبي، أو مات عدوى فللَّه علي صوم شهر، فوجد الشرط لا يجزئه إلا فعل عين المنذور، لأنه إذا أراد كونه كان مريداً كون النذر، فكان النذر في معنى المنجز، فيندرج في حكمه، وهو وجوب الإيفاء به، فصار محمل ما يقتضي الإيفاء المنجز والمعلق المراد كونه، ومحمل ما يقتضي إجزاء الكفارة المعلق الذي لا يراد كونه، وهو المسمى عند طائفة من الفقهاء نذر اللجاج، ومذهب أحمد فيه كهذا التفصيل الذي اختاره المصنف، انتهى. (١) (٣٢١/١). (٢) ((فتح القدير)) (٣٧٦/٤). ٥٦٠