النص المفهرس

صفحات 441-460

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حديث
بشرط أن لا يكتموه، فلما كتم كنز أبي الحقيق الذي في مسك الجمل سبى
نساءهم ودفع الأرض والنخل إليهم على المزارعة على الشطر، انتهى.
قال ابن إسحاق: خرج إليها النبي ◌ُّ في بقية المحرم سنة سبع، فأقام
يحاصرها بضع عشرة ليلة إلى أن فتحها في صفر. وروى يونس بن بكير في
((المغازي)) عن ابن إسحاق في حديث المسور ومروان قالا: انصرف
رسول الله ◌َّر من الحديبية فنزلت عليه سورة الفتح فيما بين مكة والمدينة
فأعطاه الله فيها خيبر بقوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ
هَذِهِ﴾ يعني خيبرَ فقدم المدينة في ذي الحجة، فأقام بها حتى سار إلى خيبر في
المحرم .
وذكر موسى بن عقبة في ((المغازي)) عن ابن شهاب أنه نَّ أقام
بالمدينة عشرين ليلة أو نحوها، ثم خرج إلى خيبر، وعند ابن عائذ من
حديث ابن عباس أقام بعد الرجوع من الحديبية عشر ليال، وحكى ابن
التين عن ابن الحصار أنها كانت في آخر سنة ست، وهذا منقول عن
مالك، وبه جزم ابن حزم، وهذه الأقوال متقاربة، والراجح منها ما ذكره
ابن إسحاق.
ويمكن الجمع بأن من أطلق سنة ست بناه على أن ابتداء السنة من شهر
الهجرة الحقيقي، وهو ربيع الأول، وأما ما ذكره الحاكم عن الواقدي وكذا ابن
سعد أنها كانت في جمادى الأولى، فالذي رأيته في مغازي الواقدي أنها كانت
في صفر، وقيل: في ربيع الأول، وأغرب من ذلك ما أخرجه ابن سعد وابن أبي
شيبة من حديث الخدري، قال: خرجنا مع رسول الله وّل إلى خيبر لثمان عشرة
من رمضان، الحديث، وإسناده حسن إلا أنه أخطأ، ولعلها كانت إلى حُنين،
فتصحفت، وتوجيهه بأن غزوة حنين كانت ناشئة عن غزوة الفتح، وغزوة الفتح
خرج إليها النبي ◌َّ في رمضان جزماً، وذكر أبو حامد في ((التعليقة)) أنها كانت
٤٤١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حديث
أَتَاهَا لَيْلاً، وَكَانَ إِذَا أَتَى قَوْماً بِلَيْلِ لَمْ يُغِرْ
سنة خمس، وهو وهم، ولعله انتقال من الخندق إلى خيبر، كذا في ((الفتح)) (١).
(أتاها ليلاً) لا تخالفه رواية الصحيح عن محمد بن سيرين عن أنس:
صبحنا خيبر بكرة لحمله على أنهم قدموها ليلاً، وباتوا دونها، ثم ركبوا إليها
بكرة، فصبحوها بالقتال والإغارة، كما يدل عليه سياق الرواية.
وقال الباجي(٢): يحتمل أن يكون وقليل قصد ذلك ليستتر المسلمون في
مكامنهم، فإذا أصبح خرج من اليهود من جرت عادته بالخروج، فيظفر بهم،
ويحتمل أنه أراد أن يأتي ليلاً ليعلم بقاءهم على كفرهم بتركهم الأذان، ويحتمل
أن يكون قصد بذلك الرفق بأصحابه، ليقيهم بذلك حرَّ الشمس ووهجَ الحر،
انتھی .
قال العيني(٣): قوله: ((أتى خيبر ليلا)) أي في الليل، ومعناه قرب منها،
وقال ابن إسحاق: إنه نزل بوادٍ يقال له: الرجيع بينهم وبين غطفان لئلا
يمدّوهم، وكانوا حلفاءهم، قال: فبلغني أن غطفان تجهّزوا، وقصدوا خيبر،
فسمعوا حِسّاً خلفهم، فظنوا أن المسلمين خلفوهم في ذراريهم، فرجعوا
فأقاموا، وخذلوا أهل خيبر، انتهى.
(وكان) وَلّ (إذا أتى قوماً بليل لم يُغر) بضم الياء وكسر الغين المعجمة،
من أغار، هكذا في أكثر الروايات، وهكذا في البخاري: ((لم يغر بهم))، قال
الحافظ (٤): كذا للأكثر من الإغارة، ولأبي ذر عن المستملي: لم يقربهم بفتح
أوله وسكون القاف وفتح الراء وسكون الموحدة، وفي ((جهاد البخاري)) بلفظ:
(١) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٧).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٦/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٢١٣/١٢).
(٤) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٧).
٤٤٢
-- -

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حديث
حَتَّى يُصْبِحَ، فَخَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ
((لا يغير عليهم))، وهو يؤيد رواية الجمهور، وفي أذانه من وجه آخر بلفظ: ((كان
إذا غزا لم يغز بنا حتى يصبح))، قال الزرقاني(١): وصحح الأول، وفي النسخ
المصرية: لم يَغْزُ بالزاي (حتى يصبح) أي يدخل في الصباح. ويطلع الفجر.
قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون كان يفعل ذلك ◌َّر لأن الليل ليس
بوقت إغارة، لا سيما فيما يقرب من الحصون والقرى، لأن من خشي أن يغار
عليه يُبيِتُ فيها، فلا يظفر به، فإذا خرج عند الصباح وانتشرت العُمّال، وسائر
الناس المتصرفين أغار حينئذ ليظفر بهم أو ببعضهم، ويحتمل أن يكون كان
يفعل ذلك تثبيتاً، فإن سمع أذاناً عند الصباح أمسك وإن لم يسمعه أغار،
انتھی .
قلت: ويؤيد الثاني ما في أذان البخاري عن حميد بلفظ: ((كان إذا غزا لم
يغز بنا حتى يصبح، وينظر فإن سمع أذاناً كف عنهم وإلا أغار، قال: ((فخرجنا
إلى خيبر، فانتهينا إليهم ليلاً، فلما أصبح، ولم يسمع أذاناً ركب))، الحديث،
زاد في النسخ المصرية بعد ذلك: ((فلما أصبح)) (فخرجت يهود) ولفظ البخاري
برواية عبد الله بن يوسف عن مالك: ((فلما أصبح خرجت اليهود)).
قال الحافظ: زاد أحمد من طريق قتادة عن أنس إلى زروعهم، وحكى
الواقدي أن أهل خيبر سمعوا بقصده لهم، فكانوا يخرجون في كل يوم
متسلحين مستعدين، فلا يرون أحداً حتى إذا كانت الليلة التي قدم فيها
المسلمون ناموا، فلم يتحرك لهم دابةٌ، ولم يصِحْ لهم دِيكُ، وخرجوا
بالمساحي طالبين مزارعهم، فوجدوا المسلمين.
(بمساحيهم) قال الحافظ(٣): بمهملتين، جمع مسحاة من آلات الحرث،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٩/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٦/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٧).
٤٤٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حدیث
وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ، وَالْخَمِيسُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ،
قال القسطلاني: بتخفيف الياء، هي كالمجارف إلا أنها من حديد. وفي
((المحلى)): المسحاة آلة من حديد يسوى بها الأرض، من سحوت الشيء إذا
قشرته، وفي ((لغات الصراح)): بها ولا(١).
(ومكاتلهم) بفوقية، جمع مكتل، بكسر الميم، القُفَّةُ الكبيرةُ يحول فيها
التراب وغيره، كذا في ((العيني))، وفي ((المحلى)): المكتل الزنبيل يسع خمسة
عشر صاعاً، وفي مسلم برواية ثابت عن أنس: ((وقد أخرجوا مواشيهم وخرجوا
بفؤوسهم ومکاتلهم ومرورهم»(٢).
(فلما رأوه ◌َلّ قالوا) هذا (محمد) أو جاء محمد رَّ (والله) قسم (محمد
والخميس) ضبطوه بالرفع عطفاً على محمد. وبالنصب على أنه مفعول معه،
والمراد به الجيش يسمى به، لأن له خمسة أركان، المقدمة، والساقة،
والميمنة، والميسرة، والقلب، وقالوا: ذلك ينذر بعضهم بعضاً.
(فقال رسول الله وَّ: الله أكبر) إعظاماً لله تعالى، وإكباراً له، وإخباراً
بعلو دينه، وظهور أمره. وقال النووي: فيه استحباب التكبير عند اللقاء (خربت
خيبر) قال عياض: قيل: تفاؤل بخرابها بما رأى في أيديهم من آلات الخراب
من الفوس والمساحي وغيرها، وقيل: أخذه من اسمها، والأصح أنه أعلمه الله
تعالى بذلك.
وقال السهيلي: يؤخذ من هذا الحديث التفاؤل، لأنه وسي لما رأى آلات
(١) هذا باللغة الأردية.
(٢) والمرور جمع مَرِّ بفتح الميم، وهي المساحى، قال القاضي: قيل: هي حبالهم التي
يصعدون بها إلى النخل، واحدها مر، وقيل: مساحيهم واحد مر لا غير، ((شرح صحيح
مسلم)) للنووي (١٦٥/١٢/٦).
٤٤٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حديث
إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ، فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ١٠٢ - باب دعاء النبيّ ◌َّ إلى
الإسلام والنبوّة .
ومسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ٤٣ - باب غزوة خيبر، حديث ١٢٠
و ١٢١.
الهدم مع أن لفظ المسحاة من سحوت إذا قشرت، أخذ منه أن مدينتهم
ستخرب .
قال الحافظ (١): ويحتمل أن يكون قاله بطريق الوحي، ويؤيده قوله بعد
ذلك: ((إنا إذا نزلنا بساحة قوم إلخ)).
وقال العيني(٢): هذا من جملة معجزاته علم بطريق الوحي أنها تخرب،
وقيل: أخذه من لفظ المسحاة، لأنه من سحوت إذا قشرت، وفيه أخذ التفاؤل
من حيث الاشتقاق، انتهى.
(إنا إذا نزلنا بساحة قوم) أي بفنائهم ومنازلهم، وأصل الساحة الفناء بين
المنازل كما في شروح البخاري، قال صاحب ((الجمل)): الساحة الفناء الخالي
من الأبنية، وجمعها سوح، فألفها منقلبة عن واو، فتُصَغَّرُ على سويحة، وبهذا
يتبين ضعف قول الراغب: إنها من ذوات الياء حيث حدّها في مادة سيح، ثم
قال: الساحة المكان الواسع، ومنه ساحة الدار، ويحتمل أن يكون لها مادتان،
انتھی .
(فساء) بئس صباحاً (صباح المنذرين) فيه إقامته الظاهر مقام المضمر، كذا
في ((الجلالين))، قال صاحب ((الجمل)): قوله: ((بئس صباحاً)) أشار بهذا إلى أن
ضمير بئس يعود على المخصوص، والتمييز محذوف والمذكور مخصوص لا
(١) فتح الباري)) (٤٦٨/٧).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٢ /٢١٤).
٤٤٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حديث
فاعل، وفي ((السمين)): المخصوص بالذم محذوف أي صباحهم، والصباح
مستعار من صباح الجيش، المبيت لوقت نزول العذاب، ولما كثرت فيهم الهجوم
والغارات في الصباح سموا الغارة صباحاً، وإن وقعت في وقت آخر.
وقوله: فيه إقامة الظاهر أي في التعبير بالمنذرين فأل عهدية، فكان
مقتضى الظاهر أن يقال: صباحهم، وفي ((الكرخي)): المخصوص بالذم
محذوف، تقديره ((فساء صباح المنذرين صباحهم)) واللام للجنس، فإن أفعال
الذم والمدح تقتضي الشيوع، انتهى.
قال السيوطي في ((التنوير)): (١) هذا الحديث أصل في جواز التمثيل
والاستشهاد بالقرآن والاقتباس، نص عليه ابن عبد البر في ((التمهيد)) وابن رشيق
في ((شرح الموطأ)) وهما مالكيان، والنووي في ((شرح مسلم))، ولا أعلم خلافاً
في جوازه في النشر في غير المجون، والخلاعة، وهزل الفساق، وشربة الخمر
واللاطة ونحو ذلك، وقد نص على جوازه أئمة مذهبنا بأسرهم، واستعملوه في
الخطب والرسائل وسائر أنواع الإنشاء، ونقلوا استعماله عن أبي بكر الصديق
وعمر وعليٍّ وابنه الحسن وابن مسعود - رضي الله عنهم - وغيرهم من الصحابة
والتابعين فمن بعدهم، وأوردوا فيه عدة أحاديث صحيحة عن النبي وملّ كما
ورد في حديث فتح مكة: أنه ◌ّل جعل يطعن في الأصنام، ويقول: ((جاء الحق
وزهق الباطل)).
وإنما يكره ضرب الأمثال من القرآن في المزح ولغو الحديث، ونص
النووي أيضاً على جوازه، في ((كتاب التبيان))، وألَّفَ قديماً في جوازه الإمام
أبو عبيد القاسم بن سلّام كتاباً، ذكر فيه جميع ما وقع للصحابة والتابعين من
ذلك، وأورده بالأسانيد المتصلة إليهم، ومن المتأخرين الشيخ داود الشاذلي
(١) انظر: ((تنوير الحوالك)) (ص٣٩١).
٤٤٦
---

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حدیث
الباخلي من المالكية كُرَّاسة. قال فيها: لا خلاف بين أئمة المذهبين المالكية
والشافعية في جوازه، ونقله صريحاً عن القاضي أبي بكر الباقلاني والقاضي
عياض، وقال: كفى بهما حجةً، قال: غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة.
وقد رواه الخطيب البغدادي وغيره بالإسناد عن مالك أنه كان يستعمله.
قال: وهذا أكبر حجة على من يزعم أن مذهب مالك تحريمه، والعمدة في نفي
الخلاف في مذهبه على الشيخ داود، فإنه نقله، وهو أعرف بمذهبه.
وأما مذهبنا فأنا أعرف أن أئمته مجمعون على جوازه، والأحاديث
الصحيحة والآثار عن الصحابة والتابعين تشهد لهم، فمن نسب إلى مذهبنا
تحريمه، فقد فشر، وأبان على أنه أجهل الجاهلين، وقد ألفت في ذلك كتابا
سمّيته ((رفع الألباس وكشف الالتباس في ضرب المثل من القرآن والاقتباس))،
انتهى ما في ((التنوير)) ملخصاً.
وتعقبه الزرقاني(١) فقال: ويقضى عليه بالوهم في قوله في ((عقود
الجمان)» :
فمالكٌ مُشَدِّدٌ في المنع
قلت: وأما حكمه في الشرع
ولكن يحيى النووي أباحه
وليس فيه عندنا صراحة
والشرف المقري فيه حقَّقا
في الوعظ نثراً دون نظم مطلقاً
مدح النبي ولو بنظم فاقتفى
جوازه في الزهد والوعظ، وفي
انتھی .
وبذلك جزم في ((الإتقان))(٢) إذ قال: قد اشتهر عن المالكية تحريمه،
وتشديد النكير على فاعله، وأما أهل مذهبنا فلم يتعرض له المتقدمون ولا أكثر
(١) ((شرح الزرقاني)) (٥٠/٣).
(٢) (١٤٧/١).
٤٤٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حدیث
المتأخرين مع شيوع الاقتباس في أعصارهم، واستعمال الشعراء لهم قديماً
وحديثاً، وقد تعرض له جماعة من المتأخرين، فسُئِل عنه الشيخ عز بن
عبد السلام فأجازه، واستدل بقوله وَّ في الصلاة وغيره: (وَجَّهْتُ وجهي
للذي)) إلخ، وبقوله: ((اللَّهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكناً، والشمس
والقمر حسباناً اقضٍ عني الدَّين وأغنني من الفقر)).
وفي سياق كلام لأبي بكر رضي الله عنه ﴿وَسَيَعْلُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنقَلَبٍ
يَقَلِبُونَ﴾(١) وفي آخر حديث لابن عمر - رضي الله عنهما - ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ (٢)، وهذا كله يدل على جوازه في مقام المواعظ والثناء
والدعاء والنثر، ولا دلالة فيه على جوازه في الشعر، وبينهما فرق.
فإن القاضي أبا بكر من المالكية صرح بأن تضمينه في الشعر مكروه،
وفي النثر جائز، واستعمله أيضاً في النثر القاضي عياض في مواضع من خطبة
((الشفاء))، وقال الشرف إسماعيل المقري في ((شرح بديعته)): ما كان في
الخطب والمواعظ ومدحه ون ◌َ﴾ وآله وصحبه. ولو في النظم فهو مقبول، وغيره
مردود.
وفي ((شرح بديعته)): من حجة الاقتباس ثلاثة أقسام: مقبول، ومباح،
ومردود: فالأول: ما كان في الخطب والمواعظ والعهود، والثاني: ما كان في
الغزل والرسائل والقصص، والثالث: على ضربين: أحدهما، ما نسبه الله عز وجل
إلى نفسه، ونعوذ بالله ممن ينقله إلى نفسه كما قيل: عن أحد بني مروان: أنه وقع
(٣)
على مطالعة فيها شكاية عُمّاله ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ(
والآخر تضمين آية في معنى هزل، ونعوذ بالله عز وجل من ذلك كقوله:
(١) سورة الشعراء: الآية ٢٢٧.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٢١.
(٣) سورة الغاشية: الآيتان ٢٥، ٢٦.
٤٤٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حديث
هيهات هيهات لما توعدون
أرخى إلى عشاقه طرفه
لمثل هذا فليعمل العاملون
ورِذْفه ينطق من خلفه
قال السيوطي: هذا التقسيم حسن جداً وبه أقول، ثم ذكر أقوالاً أخر
في ذلك، وذكر هذا التقسيم غيره من أهل العلم، وهو جائز عندنا الحنفية
أيضاً، جزم به ابن عابدين، وتقدم حكاية الإجماع على ذلك عن جماعة.
وفي ((الدر المنتقى)) تحت قول الماتن: للإمام أن يُنَفّلَ قبل إحراز الغنيمة،
وقبل أن تضع الحرب أوزارها: هو اقتباس من القرآن، وبه يستدل على جواز
الاقتباس خلافاً لما زعم بعض الناس، ثم قال بعد ما ذكر بعض من استعمله في
كلامه من الفقهاء والمفسرين، وكذا السيوطي، ونقل الإجماع على جوازه: وهو
كثير في كلامهم نظماً ونثراً، بل جاء عنه وَّ، فذكر الروايات والآثار في ذلك.
ثم قال الباجي(١): وليس في هذا الحديث ذكر الدعوة قبل القتال،
ويحتمل أن يكون ذلك، ولم ينقل إلينا، وقد روى أبو حازم عن سهل بن سعد
قال يوم خيبر لعلي بن أبي طالب: ((انفذ على رِسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم
ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً
خير لك من أن يكون لك حمر النعم))، ويحتمل أن يكون ترك الدعوة لما تقدم
من دعائهم، وعلم من عنادهم وإصرارهم.
ثم قال بعدما حكى اختلاف العلماء في الدعوة: روي أن علياً - رضي الله
عنه - قال للنبي ◌َّ* يوم خيبر: يا رسول الله نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال
رسول الله ◌َر: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم))، الحديث(٢)، قلت:
وهو نص في الدعوة يوم خيبر، وقد تقدم اختلاف الأئمة في مسألة الدعوة بعد
أثر أبي بكر - رضي الله عنه - إذ بعث الجيوش إلى الشام.
(١) ((المنتقى)) (٢١٧/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٢١٠)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأبو داود (٣٦٦١).
٤٤٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
٤٩/٩٩٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
وسـ
قَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ
٤٩/٩٩٦ - (مالك، عن) محمد بن مسلم (بن شهاب) الزهري (عن
حميد) بضم الحاء المهملة مصغراً (ابن عبد الرحمن بن عوف) وفي رواية
شعيب عن الزهري عند البخاري في فضل أبي بكر - رضي الله عنه - أخبرني
حميد (عن أبي هريرة) قال ابن عبد البر: اتفق الرواة عن مالك على وصله إلا
يحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف، فإنهما أرسلاه، ولم يقع عند القعنبي
أصلاً .
قال الحافظ (١): أخرجه الدارقطني في ((الموطآت)) من طريق يحيى بن
بكير موصولاً، فلعله اختلف عليه، وأخرجه أيضاً من طريق القعنبي، فلعله
حدّث به خارج ((الموطأ))، انتهى.
(أن رسول الله وَّل قال: من أنفق زوجين) أي شيئين من أي نوع كان،
قال الحافظ (١): والزوج يطلق على الواحد وعلى الاثنين، وهو هاهنا على
الواحد جزماً، وفي ((العيني)) (٢): قال الداودي: والزوج هاهنا الفرد، يقال
للواحد زوج وللاثنين زوج، قال تعالى: ﴿فَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنَ
٣٩
وروى حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد وحميد عن الحسن عن صعصعة بن
معاوية عن أبي ذر أن النبي وَلّ قال: ((من أنفق زوجين ابتدرته حجبة الجنة))،
ثم قال: بعيرين شاتين حمارين درهمين، قال حماد: أحسبه قال: خفين.
وفي رواية النسائي ((فرسين من خيله))، وروي عن صعصعة قال: رأيت
أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيراً له، عليه مزادتان، قال: سمعت النبي صل﴾
(١) ((فتح الباري)) (١١٢/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٨/٨).
٤٥٠

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
يقول: ((ما من مسلم ينفق زوجين من ماله في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة
كلهم يدعوه إلى ما عنده))، قلت: زوجين ماذا؟ قال: إن كان صاحب خيل،
ففرسين، وإن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر، فبقرتين حتى
عَدَّ أصناف المال، انتهى.
وقال الباجي(١): روي عن الحسن البصري أنه قال: اثنين من جنس
واحد كدرهمين ودينارين، وروي عن غيره أنه قال: دينار، ودرهم، ومعنى
ذلك - والله أعلم - أنه أقل ما يقع به التكرار من العبادة، وما يتقرب به إلى الله،
ويحتمل أن يريد بذلك العمل، فيدخل في ذلك من صلى صلاتين أو صام
يومين أو جاهد مرتين، وإن كان لفظ الاتفاق فيما قدمناه أظهر، انتهى.
وقال القاري(٢): زوجين شفعا من جنس، قال ابن الملك: الزوج يطلق
على الزوج. وعلى الواحد منهما، وهو المراد هاهنا، فالمراد من الزوجين
الاثنان من جنس واحد لا الصنفان كما توهم ابن حجر، قال الطيبي: أي
كدرهمين أو دينارين. ويحتمل أن يراد التكرير، والمداومة على الصدقة وهو
الأولى، انتهى.
قال القاري: ويمكن أن يراد بهما صدقتان: إحداهما سِرُّ، والأخرى
علانية، وقيل: أي صلاتين، وصومين حملاً للحديث على جميع أموال البر،
وهو بعيد جداً، انتهى.
وقال التوربشتي: فسر زوجين بدينارين، ودرهمين، ويحتمل أن يراد به
تكرار الإنفاق مرة بعد مرة، ففسر الإنفاق بما ينفقه، لأنه إذا أنفق درهماً في
سبيل الله، ثم عاد فأنفق آخر يصير زوجين، ومعنى الكلام الإنفاق بعد الإنفاق
أي يتعود ذلك ويتخذه دأباً، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢١٨/٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٠/٤ - ٢٠١).
٤٥١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
وفي ((العيني))(١): قوله: زوجين يعني دينارين أو درهمين أو ثوبين،
وقيل: دينار وثوب أو درهم ودينار أو ثوب مع غيره أو صلاة وصوم، فيشفع
الصدقة بأخرى، أو فعل خير بغيره. وفي رواية إسماعيل القاضي عن أبي
مصعب عن مالك ((من أنفق زوجين من ماله))، انتهى.
(في سبيل الله) قال الحافظ (٢): اختلف في المراد بقوله: في سبيل الله،
فقيل: أراد الجهاد، وقيل: ما هو أعم منه، وقال أيضاً: الإنفاق في الصلاة(٣)
والجهاد والعلم والحج ظاهر، وأما الإنفاق في غيرها فمشكل.
ويمكن أن يكون المراد بالإنفاق في الصلاة فيما يتعلق بوسائلها من تحصيل
آلاتها من طهارة وتطهير ثوب وبدن ومكان، والإنفاق في الصيام بما يقويه على
فعله، وخلوص القصد فيه، والإنفاق في العفو عن الناس يمكن أن يقع بترك ما
يجب له من حق، والإنفاق في التوكل بما ينفقه على نفسه في مرضه المانع له من
التصرف في طلب المعاش من الصبر على المصيبة. أو ينفق على من أصابه مثل
ذلك طلباً للثواب، والإنفاق في الذكر على نحو من ذلك، والله أعلم.
وقيل: المراد بالإنفاق في الصلاة والصيام بذل النفس والبدن فيهما، فإن
العرب تسمي ما يبذله المرء من نفسه نفقة، كما يقال: أنفقت في طلب العلم
عمري، وبذلت فيه نفسي، وهذا معنى حسن، وأبعد من قال: المراد بقوله:
زوجين النفس والمال، لأن المال في الصلاة والصيام ونحوهما ليس بظاهر إلا
بالتأويل المتقدم، وكذلك من قال: النفقة في الصيام تقع بتفطير الصائم
والإنفاق عليه، لأن ذلك يرجع إلى باب الصدقة، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (١٨/٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩/٧).
(٣) كذا في الأصل، والظاهر بدلها الصدقة، اهـ. (ز)).
٤٥٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هُذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ
(نودي) ببناء المجهول، وبَيَّنَ البخاري في رواية الفاعل بلفظ ((دعاه خزنة
الجنة)) (في الجنة) أي عند دخولها، وفي رواية للبخاري ((نودي من أبواب
الجنة))، وسيأتي في آخر الحديث ما قال الشيخ في ((الكوكب الدري))(١): إن
المراد من أبواب الجنة أبواب الصدقة كلها، لا سائر كبار أبواب الجنة.
قال الحافظ: ومعنى الحديث أن كل عامل يُدعى من باب ذلك العمل،
وقد جاء ذلك صريحاً من وجه آخر عن أبي هريرة «لكل عامل باب من أبواب
الجنة يدعى منه بذلك العمل)) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح،
انتھی .
قال العيني(٢): المراد من هذه الأبواب غير الأبواب الثمانية، وقال ابن
بطال: لا يصح دخول المؤمن إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو
على سبيل الإكرام والتخيير له في دخوله من أيها شاء، انتهى.
(يا عبد الله هذا خير) قال الحافظ (٣): لفظ خير بمعنى فاضل لا بمعنى
أفضل، وإن كان اللفظ قد يوهم ذلك ففائدته زيادة ترغيب السامع في طلب
الدخول من ذلك الباب، انتهى.
قال الباجي (٤): يحتمل أن يريد به يا عبد الله هذا خير أعدّه الله لك،
فأقبل إليه من هذا الباب، ويحتمل أن يريد هذا خير أبواب الجنة لك لأنه في
الخير والثواب الذي أعدّ لك (فمن كان من أهل الصلاة) أي كانت الصلاة
أغلب أعماله أو ممن يكثر النفل، ذكره الطيبي أو ممن يحسنها، قاله القاري.
(١) (٤ / ٤٠٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٩/٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٩/٧).
(٤) ((المنتقى)) (٢١٨/٣).
٤٥٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ
الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ،
(دعي) ببناء المجهول (من باب الصلاة) قال الباجي: ومعناه - والله أعلم -
أن تكون الصلاة أغلب أعماله وأكثرها، وقد تغلب على عمل الرجل الصلاة.
فتكون أكثر أعماله، ويغلب على أعماله الصوم، فيكون أكثر أعماله، وكذلك
الجهاد والصدقة، فمن كان الغالب على عبادته نوع من هذه العبادات نودي من
الباب المختص به.
وهذا يحتمل وجهين: أن يريد بقوله: في سبيل الله أي سبيل كانت من
الجهاد وغيره، فيكون معنى ذلك أن من كانت عبادته ونافلته الصلاة دعي من
باب الصلاة، ويحتمل أن يريد بسبيل الله الجهاد خاصة، ويكون معنى من كان
من باب الصلاة من تنفل في غزوه، ومن كان من أهل الصيام من صام في
غزوه، وأهل الصدقة من تصدق في غزوه، فيكون هذا أغلب عليه في الغزو،
وبه يُنادى، وإن كانت عبادته في سائر الأوقات يغلب عليها غير ذلك، انتهى.
(ومن كان من أهل الجهاد) المكثرين منه (دعي) ببناء المجهول (من باب
الجهاد) قال الحافظ: ومعنى الحديث أن كل عامل يدعى من باب ذلك العمل.
وقد جاء ذلك صريحاً من وجه آخر عن أبي هريرة ((لكل عامل باب من أبواب
الجنة يدعى منه بذلك العمل)) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة بإسناد صحيح،
انتھی .
(ومن كان من أهل الصدقة) المكثرين منها (دعي) ببناء المجهول (من باب
الصدقة) قال القسطلاني(١): وليس هذا تكراراً لما في صدر الحديث حيث
قال: أنفق زوجين، لأن الإنفاق ولو بالقليل خير من الخيرات العظيمة، وذاك
حاصل من كل أبواب الجنة، وهذا استدعاء خاص، انتهى.
(١) ((إرشاد الساري)) (٥٠٦/٤).
٤٥٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
وَمَنْ كَانَ بِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ)).
(ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان) قال الباجي(١): رأيت
لبعض أهل اللغة الرّيان من الري، فخص ذلك بدعاء الصائم لما كان في
الصوم من الصبر على ألم العطش والظمأ في الهواجر، وقال الحربي: إن كان
الريان علماً للباب فلا كلام، وإن كان صفة فهو من الرواء الذي يَرْوَى،
والمعنى أن الصائم لتعطيشه نفسه في الدنيا يدخل من باب الريان ليأمن من
العطش ثواباً له على ذلك.
وفي التعبير بالريان إيماء إلى زيادة أمر الصوم ومبادرة القبول له،
واحتمال أنه يدعى إليه كل من رَوِيَ من حوضه بَِّ، رَدَّه عياض بأنه لا يختص
الحوض بالصائمين، والباب مختص بهم، قال القرطبي: اكتفى بذكر الري عن
الشبع، لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، وقال الحافظ: أو لكونه أشق على
الصائم من الجوع، انتهى.
قال الحافظ(٢): وقع في الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة،
وفي أوائل الجهاد من البخاري أن أبواب الجنة ثمانية، وبقي من الأركان الحج
فله باب بلا شك، وأما الثلاثة الأخرى، فمنها باب الكاظمين الغيظ والعافين
عن الناس، رواه أحمد بن حنبل بسنده عن الحسن مرسلاً: ((إن الله باباً في
الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة، ومنها الباب الأيمن، وهو باب
المتوكلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عتاب)). وأما الثالث فلعله
باب الذكر، فإن عند الترمذي ما يومئ إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم، والله
أعلم، ويحتمل أن يكون المراد بالأبواب التي يدعى منها أبواب من داخل
أبواب الجنة الأصلية، لأن الأعمال الصالحة أكثر عدداً من ثمانية، والله أعلم،
انتھی
(١) ((المنتقى)) (٢١٨/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٩/٧).
٤٥٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
قلت: والمراد بالباب الأيمن ما في أحمد في حديث الشفاعة الطويل،
((فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقول: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب
عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من
الأبواب))، الحديث. وهكذا في ((المشكاة)) برواية الشيخين.
وقال القاري(١): روى الحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَل:
((إن للجنة باباً يقال: له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الذين
كانوا يداومون على صلاة الضحى؟ هذا بابكم. فادخلوه برحمة الله))، وجاء في
حديث آخر باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وباب
الراضين، وجاء في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب،
أنهم يدخلون من باب الأيمن، قال عياض: ولعله الثامن، انتهى.
وقال العيني(٢): روى الطبراني في ((المعجم)) من حديث ابن سلام عن
أبي أمامة عن عبادة بن الصامت بلفظ ((عليكم بالجهاد في سبيل الله)) فإنه باب
من أبواب الجنة، يذهب الله به الهم والغم، انتهى.
وفي ((الدر)) له برواية البخاري في ((الأدب المفرد)) عن ابن عباس قال:
(ما من مسلم له والدان يصبح إليهما محسناً إلا فتح الله بابين يعني من الجنة،
وإن كان واحداً فواحداً))، الحديث، وبرواية ابن أبي شيبة والحاكم وصححه
والبيهقي عن أبي الدرداء مرفوعاً: ((الوالد وسط أبواب الجنة فاحفظ ذلك
الباب، أو ضيِّعه))، وبرواية أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه عنه مرفوعاً
((الوالدة أوسط باب من أبواب الجنة)).
قلت: وفي ((الدر)) (٣) برواية البخاري ومسلم والطبراني عن سهل بن سعد
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠١/٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٩/٨).
(٣) ((الدر المنثور)) (٢٢٧/٧).
٤٥٦
----

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
مرفوعاً ((في الجنة ثمانية أبواب(١)، منها باب يسمى الريان))، وبرواية مالك
وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة مرفوعاً
((من أنفق زوجين)) وهو حديث الباب.
وبرواية ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبي يعلى والطبراني والحاكم عن
ابن مسعود مرفوعاً ((للجنة ثمانية أبواب سبعة مغلقة، وباب مفتوح للتوبة حتى
تطلع الشمس من نحوه)) .
وبرواية ابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: ((للجنة
ثمانية أبواب، باب للمصلين، وباب للصائمين، وباب للحاجين، وباب
للمعتمرين، وباب للمجاهدين، وباب للذاكرين، وباب للشاكرين)).
وبرواية أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((لكل عمل أهل من أبواب الجنة
يدعون منه بذلك العمل)).
وبرواية البزار عن أبي هريرة مرفوعاً ((إذا كان يوم القيامة دعي الإنسان
بأكبر عمله، فإذا كانت الصلاة أفضل دعي بها، وإن كان صيامه أفضل دعي
به، وإن كان الجهاد أفضل دعي به))، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أثَمَّ أحدٌ
يدعى بعملين؟ قال: ((نعم أنت)).
وبرواية الطبراني في ((الأوسط)) والخطيب في ((المتفق والمفترق)) عن أبي
هريرة مرفوعاً: ((إن في الجنة باباً يقال له: الضحى))، الحديث، تقدم قريباً.
وأخرج أيضاً برواية ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَ﴾: ((إن في الجنة قصراً يقال له
عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف
(١) انظر: ((التمهيد)) (١٨٧/٧) ذكر ابن عبد البر فيه أحاديث كثيرة تشهد بأن أبواب الجنة
ثمانية .
٤٥٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
حيرة، لا يدخله أو لا يسكنه إلا نبي أو صديق أو شهيد أو إمام عادل))(١).
وبرواية ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد
قال: قرأ عمر - رضي الله عنه - على المنبر ﴿جَنَّتِ عَنْنٍ﴾ فقال: أيها الناس هل
تدرون ما جنات عدن؟ قصر في الجنة، له عشرة آلاف باب، على كل باب
خمسة وعشرون ألفاً من الحور العين، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وبرواية أبي الشيخ عن ابن عباس قال: أخص أهل الجنة منزلاً يوم
القيامة، له قصر من درة جوفاء، فيها سبعة آلاف غرفة لكل غرفة سبعون ألف
باب، الحدیث.
وأخرج برواية ابن أبي حاتم عن كعب قال: سأصف لكم منزل الرجل
من أهل الجنة، كان يطلب في الدنيا حلالاً، ويأكل حلالاً حتى لقي الله على
ذلك، فإنه يعطى يوم القيامة قصراً من لؤلؤ، واحدة فيها سبعون ألف غرفة
وأسفل الغرف سبعون ألف بيت، في كل بيت سبعون ألف باب، الحديث.
وترجم البخاري في ((صحيحه))(٢) ((باب صفة أبواب الجنة)) وأخرج فيه
حديث سهل بن سعد المرفوع ((في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان))،
قال الحافظ: وقد وردت هذه العدة لأبواب الجنة في عدة أحاديث، منها:
حديث أبي هريرة وهو حديث الباب، ومنها: حديث عبادة وصله البخاري في
ذكر عيسى من أحاديث الأنبياء من طريق جنادة بن أبي أمية عن عبادة عن
النبي ◌َ﴾ قال: من شهد أن لا إله إلا الله، الحديث، وفيه ((أدخله الله من
أبواب الجنة الثمانية أيها شاء))، وعن عمر عند أحمد وأصحاب السنن، وعن
عتبة بن عبد عند الترمذي وابن ماجه، انتهى.
(١) أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥٦٥/٤).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٢٨/٦) ح (٣٢٥٧). وانظر ((التمهيد)) (١٨٨/٨ - ١٨٩).
٤٥٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
قلت: والمراد بحديث عمر ما روي عنه مرفوعاً ((من توضأ فأحسن
الوضوء))، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحديث، وفيه
((فتحت له ثمانية أبواب الجنة))، هذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود (١) ((فتحت
له أبواب الجنة الثمانية))، قال الترمذي: وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر،
انتھی .
والمراد بحديث عتبة ما في ((مسند أحمد)) من حديث عتبة بن عبد السلمي
مرفوعاً ((القتل ثلاثة))، الحديث، وفيه ((ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب
والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله حتى إذا لقي العدو، قاتل حتى
يقتل، محيت ذنوبه وخطاياه، إن السيف مَخَّاء الخطايا، وأدخل من أي أبواب
الجنة شاءَ، فإن لها ثمانية أبواب)).
وأخرج أيضاً في حديث الشفاعة الطويل عن أبي هريرة بلفظ ((فأقول: يا
رب أمتي أمتي، فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن
من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب)) وتقدمت الإشارة
في كلام الحافظ في الجمع بين هذه الروايات المختلفة في الأبواب، وسيأتي
بسطه في كلام الشيخ من ((الكوكب الدري))(٢).
قال الزرقاني(٣): ولا يرد عليه أن الذين لا حساب عليهم يتسوَّرُوْن كما
ورد لاحتمال أن هذا الباب من أسفل الجنة التي يتسوَّرُوْن منها، فأطلق عليه
أنهم دخلوا منها مجازاً، أو أنه مُعَدُّ لهم تكريماً، وإن لم يدخلوا منه، وتبع في
عَدِّ الباب الأيمن عياضاً، وقد تعقبه أبو عبد الله الأبي بأن المراد بالأيمن ما
(١) أخرجه أبو داود (١٦٩)، ومسلم (الحديث: ٢٣٤/١٧)، والنسائي (١١١).
(٢) (٤/ ٤٠٢).
(٣) (٥١/٣).
٤٥٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٦) حديث
فَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ يُدْعَى مِنْ هَذِهِ
الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ،
عن يمين الداخل، وذلك يختلف بحسب الداخلين، وإنما يكون باباً إذا كان
اسماً وعلماً على باب معين.
وقال الكرماني: يحتمل أن تكون الجنة كالقلعة، لها أسوار، محيط
بعضها ببعض، وعلى كل سور باب، فمنهم من يدعى من الباب الأول فقط،
ومنهم ما يتجاوز عنه إلى الباب الداخل وهلم جراً. قال العيني: هذا الذي
ذكره لا يستبعده العقل، ولكن معرفة كيفية الجنة وكيفية أبوابها وغير ذلك
موقوفة على السماع من الشارع، انتهى.
(فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله) زاد معن: بأبي أنت وأمي (ما على
من يُدعَى من هذه الأبواب من ضرورة) قال المظهري: ما نافية، ومن زائدة أي
ليس ضرورة على من دعي منها. إذ لو دُعي من واحد لحصل مراده، وهو
دخول الجنة مع أنه لا ضرورة عليه أن يدعى من جميعها. بل هو تكريم
وإعزاز، وقال ابن المنير، وغيره: يريد من أحد تلك الأبواب خاصة دون غيره
من الأبواب، فأطلق الجمعَ، وأراد الواحد، وقال ابن بطال: يريد أن من لم
يكن إلا من أهل خصلة واحدة من هذه الخصال، ودعي من بابها لا ضرر
عليه، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة.
وقال الطيبي: لما خص كل باب بمن أكثر نوعاً من العبادة. وسمع ذلك
الصديق رغب أن يدعى من كل باب، وقال: ليس على من دعي منها ضررٌ بل
شرف وإكرام، فسأل هل يدعى إلخ. وفي ((العيني))(١): قوله: من ضرورة أي
من ضرر أي ليس على المدعو من كل الأبواب مضرة أي قد سعد من دعي من
أبوابها جميعاً، ويقال: معناه ما على من دعي من تلك الأبواب من لم يكن إلا
(١) ((عمدة القاري)) (١٩/٨).
٤٦٠