النص المفهرس

صفحات 341-360

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٩) حديث
وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي))
(ولكن لا أدري ما) موصولة أو موصوفة مفعول لا أدري (يُحدثون بعدي) بصيغة
الخطاب في النسخ المصرية، وفي الهندية بصيغة الغائب، والمعنى أن هؤلاء
استشهدوا بمرأى مني، فلذا خصصتهم بالشهادة، وفيه نفي لعلم غيبه ێلآ.
قال الباجي(١): قال قوم: إن الخطاب وإن كان متوجهاً إلى أبي بكر
- رضي الله عنه -، فإن المراد به غيره ممن لم يعلم مج ل# بمآل حاله وعمله وما
يموت عليه، وأما أبو بكر - رضي الله عنه - فقد أعلم أنه من أهل الجنة،
والنبي ◌َ﴾ شهيد له بذلك لظاهر عمله الصالح، ولما أوحي إليه، وأعلم من
رضوان الله تعالى، ولكنه لما سأل أبو بكر - رضي الله عنه -، واعترض بلفظ
عام، ولم يخص نفسه بالسؤال عن حاله، كان الجواب عاماً، وقد بين
تخصيصه بأنه ليس ممّن يُحدث بعد النبي ◌َّ شيئاً.
قال الباجي: ويحتمل عندي وجهاً آخر، وهو أن النبي و ﴿ه قال: هؤلاء
أنا شهيد عليهم بما شاهدت من عملهم في الجهاد الذي أدى إلى قتلهم في
سبيل الله، ولذلك لم يقل: إنه شهيد لمن حضر ذلك اليوم وقاتل وسلم من
القتل كعلي وطلحة وأبي طلحة - رضي الله عنهم - وغيرهم ممن أبلى ذلك
اليوم وهو أفضل من كثير ممن قتل ذلك اليوم، لكن خص هذا الحكم بمن
شاهد النبي ◌ّ جهاده إلى أن قتل، ويكون على هذا معنى قوله: ((ما تحدثون
بعدي)) لم يرد به الحدث المضاد للشريعة، وإنما أراد به جميع الأعمال
الموافقة للشريعة والمخالفة لها، فيكون المعنى أن ما تعملون بعدي لا
أشاهده، فلا أشهد لكم، فعلى هذا يكون قوله: (ولا أدري ما تحدثون))
متوجهاً إلى جميع الصحابة من أبي بكر وغيره، انتهى.
قلت: ولا شك ولا خفاء أن القول على المعنى الأول لا يتوجه إلى
(١) ((المنتقى)) (٣٠٧/٣).
٣٤١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٩) حديث
فَكَىْ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: أَيِّنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَكَ؟
قال ابن عبد البرّ: مرسل عند جميع الرواة، لكن معناه يستند من وجوه
صحاح كثيرة .
الصديق الأكبر - رضي الله عنه وأرضاه - كيف؟ وقد قال النبي وَله: ((ما لأحد
عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر، فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم
القيامة)). وقال: ((ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا
أن يكون نبيّ))، وفي لفظ: ((على أحد من المسلمين بعد النبيين والمرسلين
أفضل من أبي بكر))، وقال: ((إن روح القدس جبرئيل أخبرني أن خير أمتك
بعدك أبو بكر))، وقال له ولعمر: ((هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين
والآخرين إلا النبيين والمرسلين)).
وأنت خبير بأن شهداء أحد أيضاً من أهل الجنة، فهو سيّدهم في الجنة.
وقال: إن أهل الدرجات العُلى ليراهم من تحتهم، كما ترون النجم الطالع في
أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وقد خرج النبي ◌َّ ذات يوم وأبو بكر
وعمر أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخذ بأيديهما، وقال:
((هكذا نبعث يوم القيامة)).
وفي رواية قال لهما: ((الحمد لله الذي أيدني بكما)) وحديث دعائه: ((من
أبواب الجنة كلها)) حديث مشهور في ((الصحاح))، وقال له: ((إنك أول من
يدخل الجنة من أمتي))، وغير ذلك من الروايات التي لا تحصى كثرة، ذكر
بعضها السيوطي في ((تاريخ الخلفاء))(١) .
(قال: فبكى أبو بكر) - رضي الله عنه - (ثم بكى) أي أطال البكاء وكرره
(ثم قال: أَئِنَّا) باستفهام تأسف لا حقيقي لاستحالته من أبي بكر بعد أن أخبره
النبي ◌َل﴾ (لكائنون) أي موجودون (بعدك) قال الباجي(٢): يريد أنه أطال
(١) انظر: (ص٥٨).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٨/٣).
٣٤٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٩) حديث
البكاء، وأظهر معنى بكائه بقوله أثنا لكائنون بعدك، كأنه للإشفاق من البقاء بعد
النبي 18ّ والانفراد دونه وفقد بركته، وهذا يدل على أنه قد فهم أبو بكر من
قوله: ما تُحدثون، أنه لا يخاف أو لا يجوز أن يكون من أبي بكر حدث يضادّ
الشريعة، لأن بكاءه لذلك كان أولى، وكان حكمه على ذلك بأن يقول: أئِنَّا
المحدثون بعدك حدثاً يصدّ عن سبيلك، ولما لم يقل ذلك ولا بكى من أجله،
وإنما بكى من أجل فراق النبي ◌َّل# وبقائه بعده، علمنا أنه فهم منه ما قدمنا
ذكره، والله أعلم، انتهى.
وأجاد شيخ مشايخنا الدهلوي في ((المسؤَّى))(١) هاهنا تقريراً أنيقاً، فقال:
اعلم أن النبي ◌ّ إذا بشر صحابياً بالجنة، فليس من مقتضى بشارته أن لا يحتاج
إلى سبب من أسباب دخول الجنة أصلاً، بل البشارة إخبار عما يؤول إليه الأمر بعد
حصول أسباب النجاة، وكذلك وعد الله الأنبياء بالعصمة من الذنوب فلا يدخل
عليهم ذنب البتة، وليس من مقتضاه أن لا يكون لهم سبب في الخارج يكُفَّون به
أنفسهم من الذنوب، بل أعدّ الله لهم أسباباً لا تحصى من الإنذار وإراءة الجنة
والنار، وتعريف وِخَامةِ العصاة والحيلولة بينهم وبين ما يريدون في بعض الأحيان
بإراءة برهان ربهم، وصرف قلوبهم ونحو ذلك، كما أن الله تعالى وعدهم بالفتح
يوم بدر، ثم إن القتال كان سبباً للفتح، وعلى هذا القياس جميع مواعيده.
وإذا تمهد هذا فنقول: المبشرون بالجنة أكثر الناس خوفاً من الله تعالى
وأشدّهم تحرزاً من مظان العطب، وأوفرهم خشية من التغير والتبدل، وأعظمهم
التجاءً إلى الله عز وجل، والنبي ◌َّ﴾ أشدهم اعتناءً بوعظهم وتذكيرهم وتزكية
نفوسهم والتنبيه على مواقع الغلط منه لغيرهم، وربما يزجرهم عن مباحات
ومكروهات، لا يزجر عنها غيرهم، وهو قوله ◌ّ: ((لا ينبغي للصديقين أن
يكونوا لعانین)) .
(١) (٤٨٩/٢).
٣٤٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٨٠) حديث
٩٨٠/ ٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه جَالِساً، وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ،
فإذا فهمت هذا السر كان هذا الحديث، وكل ما يجري مجراه من مناقب
المبشرين معرفاً لشدة خوفهم والتجائهم ولشدة اعتناء النبي ◌َّ بتزكية نفوسهم،
وإن كان ◌َّ مركّياً لكافة أمته، كما قال تعالى: ﴿وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
والحكمة﴾(١)، انتھی.
هذا وقد قال النبي وَ﴾: ((لا أدري، والله لا أدري وأنا رسول الله ما
يفعل بي وبكم)). رواه البخاري(٢)، وقال عز اسمه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ
وَجِلَةُ﴾(٣) الآية، كيف وقد قال النبي ◌َّ: (لن ينجي أحداً منكم عمله، قالوا:
ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمته)) كذا في
((المشكاة)) برواية الشيخين عن أبي هريرة، وفيه أيضاً برواية مسلم عن جابر
رفعه: ((لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار ولا أنا إلا
برحمة الله))، انتهى.
٣٣/٩٨٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري مرسلاً (قال: كان
رسول الله وَة) قال ابن عبد البر(٤): هذا الحديث لا أحفظه مسنداً ولكن معناه
موجود من رواية مالك وغيره، انتهى، (جالساً) في المقبرة (وقبر) الواو حالية
(يحفر) لميت (بالمدينة) هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: ((في المدينة))،
وصنيع الزرقاني يشير إلى أن الأول رواية يحيى، إذ قال: ولابن وضّاح في
المدينة، انتهى.
(١) سورة آل عمران: الآية ١٦٤.
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٢٤٣).
(٣) سورة المؤمنون: الآية ٦٠.
(٤) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٧/١٤).
٣٤٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٨٠) حديث
فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ، فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَل﴾: ((بِئْسَ مَا قُلْتَ))، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أَرِدْ هُذَا يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قال الباجي(١): يحتمل أن يكون قصد ذلك لمواصلة من كان القبر يحفر
بسببه، أو لفضل المقبور فيه ودينه، أو للاتعاظ به، ويحتمل أن يكون جلس
بغير ذلك، فصادف حفر القبر، انتهى. قلت: والظاهر أنه قصد بذلك.
(فاطلع) بتشديد الطاء المهملة أي نظر (رجل في القبر فقال) المطلع:
(بئس مضجع المؤمن) - بفتح الميم والجيم بينهما ضاد معجمة ساكنة - موضع
الضجوع جمعه مضاجع، والمخصوص بالذم محذوف وهو القبر، وقال
القاري (٢): أي مرقده ومدفنه. وقال الطيبي: أي هذا القبر، يعني المخصوص
بالذم محذوف، والمعنى كون المؤمن بعد موته في مثل هذا المكان ليس
محموداً، انتهى.
وقال الباجي: قول المطلع: بئس مضجع المؤمن، يحتمل ظاهر اللفظ أن
يريد بذلك المكان، وقد يتناوله على ذلك من يسمعه منه فلو أقره النبي وَل
لاعتقد بعض السامعين له أن النبي لم قد أقره على قوله: ((إن المدينة المنورة
بئس مضجع المؤمن))، انتهى.
(فقال رسول الله وَل: بئس ما قلت) أي حيث أطلقت الذمَّ على مضجع
المؤمن مع أن قبره روضة من رياض الجنة. (فقال الرجل: إني لم أرد) بصيغة
المتكلم من الإرادة (هذا) أي ذم القبر (يا رسول الله، إنما أردت) فضل (القتل
في سبيل الله).
قال الباجي(٣): قوله: ((بئس ما قلت)) يحتمل إما أنه قد أراد عيب القبر.
(١) ((المنتقى)) (٢٠٨/٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٩/٦).
(٣) ((المنتقى)) (٢٠٨/٣).
٣٤٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٨٠) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَل﴾: «لَا مِثْلَ لِلْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا عَلَى الأَرْضِ
بُقْعَةٌ
وتفضيل الشهادة، لكن اللفظ لما كان فيه من الاحتمال ما ذكرناه أنكر عليه
اللفظ دون المعنى، ويحتمل أن يكون على هذا الوجه أنكر عليه اللفظ
والمعنى، لأنه لا يجوز أيضاً أن يقول في القبر: ((بئس المضجع)) لأنه روضة،
وسبب إلى الرحمة، وإنما يجب أن يقول: إن الشهادة أفضل من هذا، فإذا كان
الأمران فاضلين، وأحدهما أفضل من الآخر، وجب أن يقال: هذ أفضل من
هذا، ولا يجوز أن يقول في المفضول: بئس هذا الأمر، وأما المعنى الثاني،
فأن يكون النبي ◌َ# اعتقد أنه أراد بذلك ذم الدفن بالمدينة، ولذلك لم ينكر
على القائل إذ قال: لم أرد هذا يا رسول الله، وإنما أردت القتل في سبيل الله،
ولو كان فهم منه هذا لكان الأظهر أن يقول له: قد فهمت مرادك، ولكن هو مع
ذلك خطأ فإنك قد جئت بلفظ مشترك، أو عبت المفضول مع فضله، انتهى.
(فقال رسول الله وَليّة:) تقريراً لمراده عند الجمهور خلافاً لما سيأتي من
كلام الطيبي إذ فسره أن الموت بالمدينة أفضل من القتل في سبيل الله (لا مثل)
بالنصب (للقتل) أي ليس شيء مثل القتل (في سبيل الله) في الثواب والفضل.
لكن للدفن بالمدينة أيضاً مزيد الفضل كما سيأتي.
قال الباجي(١): قوله: لا مثل للقتل يقتضي تفضيله، وظاهره يقتضي
التفضيل في سائر الأحوال، وأنه لا مثل له من أحوال الحياة والموت،
ويحتمل أن يريد به لا مثل له من أحوال الميتات وصفات الموت؛ لأنه سبب
القول فيجوز أن يحمل علیه، انتهى.
ثم ذكر فضيلة من يموت ويدفن في المدينة سواء يكون بشهادة أو غيرها
فقال: (ما على الأرض) ما نافية (بقعة) بضم الموحدة في الأكثر، فيجمع على
(١) ((المنتقى)) (٢٠٩/٣).
٣٤٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٨٠) حديث
هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا، مِنْهَا»
بقع كغرفة وغرف، وتفتح، فتجمع على بقاع، مثل كلبة وكلاب أي قطعة من
الأرض (هي أحب إلي أن يكون قبري بها) أي بتلك البقعة (منها) أي من
المدينة المنورة .
ويؤيده ما في ((المشكاة))(١) برواية الترمذي وأحمد عن ابن عمر مرفوعاً:
((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها)). قال
الترمذي: وفي الباب عن سبيعة بنت الحارث الأسلمية، انتهى.
قال الباجي(٢): ظاهره تفضيل المدينة على ما سواها من الأرض، ولذلك
أحب أن يكون قبره بها، وهذا يقتضي أنه أحب أن يكون قبره بها دون مكة،
وقد قيل: إن ذلك لمعنى الهجرة، قال الباجي: وليس عندي بالبين، لأنه لو
كان كذلك لم يعلق الحكم بالبقعة، ولعلَّقه بالهجرة، وهذا في حال الإخبار،
وليس فيه دليل على أنه فضل أن يكون قبره بالمدينة على القتل في سبيل الله
على صفة لا يقبر فيها، انتهى.
وقال القاري(٣): قد أجمع العلماء على أن الموت بالمدينة أفضل بعد
اختلافهم أن المجاورة بمكة أفضل أو بالمدينة، ولذا كان من دعاء عمر - رضي الله
عنه - ما سيأتي في الحديث الآتي. وقال الطيبي: معناه إني ما أردت أن القبر
بئس مضجع المؤمن مطلقاً، بل أردت أن موت المؤمن في الغربة شهيداً خير من
موته في فراشه وبلده، وأجاب رسول الله وَ ل بقوله: ((لا مثل القتل)) أي ليس
الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله أي الموت في الغربة، بل هو أكمل
وأفضل، فوضع قوله: ما على الأرض بقعة إلخ موضع قوله: بل هو أفضل
وأكمل فإذا لا بمعنى ليس، واسمه محذوف والقتل خبره، انتهى.
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) (٢٧/٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٩/٣).
(٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠/٦).
٣٤٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٨٠) حديث
قال القاري: هو بظاهره يخالف ما عليه الإجماع من أن الشهادة في
سبيل الله أفضل من مجرد الموت بالمدينة، بل في الحديث ما يدل على أن
الموت في الغربة أفضل من الموت بالمدينة، فتكون الفضيلة الكاملة أن يجمع
له ثواب الغربة والشهادة بالدفن بالمدينة، انتهى.
وقال صاحب ((المحلى)): أي ليس الموت بالمدينة مثل القتل في
سبيل الله، بل هو أفضل، هكذا فسر الطيبي، فعلم منه أن الموت والدفن فيها
أفضل من الشهادة.
قال جدي الشيخ الأجل الدهلوي - قدس سره -: قد اختلج أن الظاهر
على هذا التقدير أن يقال: ليس القتل في سبيل الله مثل الموت في المدينة،
ويحتمل أن يكون معناه ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل الله، بل القتل
أفضل، ولكن لم يرزق الشهادة، فالمدينة أفضل من غيرها، وهذا احتمال
لفظي، ولا شك أن المعنى الأوّل أبلغ وأدخل في فضيلة المدينة، انتهى.
قال صاحب ((المحلى)): يؤيد ما ذكره الشيخ إيراد الإمام هذا الحديث في
أبواب فضائل الجهاد، ولو كان المعنى كما فسره الطيبي كان ينبغي إيراده في
أبواب فضائل المدينة، انتهى.
قلت: ثم أشار القاري (١) إليه بقوله: بل في الحديث ما يدل إلخ فهو
إشارة إلى ما في ((المشكاة)) برواية النسائي وابن ماجه عن عبد الله بن عمر.
وقال: توفي رجل بالمدينة ممن ولد بها، فصلى عليه النبي وَلل، فقال: يا ليته
مات بغير مولده، قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير
مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة.
وفيه أيضاً برواية ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: ((موت الغربة شهادة))،
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠/٦).
٣٤٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٨٠) حديث
وأول الحديثين بظاهره يخالف حديث الباب، ولذا أوَّلَه القاري إذ قال: ظاهره
تخصيص أهل المدينة من عموم ما اتفق عليه العلماء من أن الموت بالمدينة
أفضل من مكة مع اختلافهم في أفضلية المجاورة فيهما، انتهى.
ولا يبعد عندي في وجه الجمع أن الفضل في حديث الموت بغير المولد
جزئي، والفضل في الموت بالمدينة كلي، كيف؟ وهو مؤيد بقوله عليه السلام:
((من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت))، بصيغة الأمر، ولا يلتبس عليك أن
هاهنا ثلاثة أبحاث متقاربة .
الأول: أن القتل في سبيل الله أفضل من الموت بالمدينة عند الجمهور،
وحكى القاري الإجماع على ذلك خلافاً لما يظهر من كلام الطيبي من عكسه.
والثاني: أن الموت بالمدينة أفضل من موت الغربة، كما هو نص حديث
الباب، وهو مؤيد بعدة روايات، وحديث الموت بغير المولد لفضيلة جزئية،
وهي قد تحصل بدون ذلك، كما ورد في وسعة القبر للمؤمن أنه يفسح له فيها
مد بصره .
والثالث: استدل بعضهم بحديث الباب على أفضلية المدينة على مكة،
وهي مسألة خلافية شهيرة، ذكر في هامش ((الكوكب الدري))(١)، ذهب أبو حنيفة
والشافعي وأصحابهما وأحمد بن حنبل والجمهور إلى أن مكة أفضل من المدينة،
ومالك عكس القضية، وهو قول عمر بن الخطاب وأكثر المدنيين، انتهى.
قال القاري(٢): وليس هذا الحديث صريحاً في أفضلية المدينة على مكة
مطلقاً، إذ قد يكون في المفضول مزية على الفاضل من حيثية، وتلك بسبب
تفضيل بقعة البقيع على الحجون، إما لكونه تربة أكثر الصحابة الكرام أو لقرب
(١) (٤ / ٤٥٧).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧/٦).
٣٤٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨١) حديث
ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَعْنِي الْمَدِينَةَ.
(١٥) باب ما تكون فيه الشهادة
٩٨١/ ٣٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ:
ضجيعه عليه الصلاة والسلام، ولا يبعد (١) أن يراد به المهاجرون خاصة، فإنه
ذم لهم الموت بمكة كما قرر في محله، انتهى، (ثلاث مرات) قال القاري:
ظرف لجميع المقول الثاني، أو للفصل الثاني من الكلام، انتهى.
قال الباجي(٢): وإنما قال ذلك ثلاث مرات لما علم من حاله أنه كان إذا
قال قولاً كرره ثلاثاً لعله أن يريد بذلك الإفهام والبيان، انتهى. زاد في النسخ
المصرية بعد ذلك: ((يعني المدينة))، وليست هذه في النسخ الهندية، أي یرید
بقوله : منها المدينة المنورة.
النبي
(١٥) ما يكون فيه الشهادة
بتذكير يكون في النسخ الهندية وتأنيثها في المصرية، أي ما يشترط لصحة
الشهادة، وعُلِم مما ذكر في الباب أن الشهيد من يقتل ظلماً، كما في الأثر
الأول. ويحتسب الأجر كما في الأثر الثاني.
٣٤/٩٨١ - (مالك، عن زيد بن أسلم) فيه انقطاع، وكذا رواه ابن سعد
عن معن عن مالك مرسلاً، ووصله البخاري كما سيأتي. (أن عمر بن الخطاب
كان يقول) وأخرجه البخاري(٣) في ((صحيحه)) فقال: حدثنا يحيى بن بكير نا
الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٩/١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٩/٣).
(٣) أخرجه البخاري في فضائل المدينة (١٨٩٠).
٣٥٠

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨١) حديث
اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ،
عمر - رضي الله عنه - قال: ((اللَّهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في
بلد رسولك ))، وقال ابن زريع: عن روح بن القاسم عن زيد بن أسلم عن
أمه عن حفصة بنت عمر - رضي الله عنه - قالت: سمعت عمر - رضي الله عنه -
يقول نحوه، وقال هشام: عن زيد عن أبيه عن حفصة سمعت عمر.
قال الحافظ (١): قوله: قال ابن زريع وصله الإسماعيلي بلفظ سمعت عمر
- رضي الله عنه - يقول: اللَّهم قتلا في سبيلك ووفاة ببلد نبيّك. قالت: فقلت:
وأنى يكون هذا، قال: يأتي به الله إذا شاء، وقوله: قال هشام وصله ابن
سعد، ولفظه: عن حفصة أنها سمعت أباها يقول: فذكر مثله، وفي آخره إن الله
يأتي بأمره إن شاء، وأراد البخاري بهذين التعليقين بيان الاختلاف فيه على
زيد، فاتفق هشام وسعيد على أنه عن زيد بن أسلم عن أبيه، وقد تابعهما
حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم عند عمر بن شبّة، وانفرد روح عن زيد
بقوله: عن أمه، وقد رواه ابن سعد عن معن بن عيسى عن مالك عن زيد بن
أسلم أن عمر - رضي الله عنه - فذكره مرسلاً .
وللحديث طريق أخرى أخرجها البخاري في ((تاريخه)) من طريق محمد بن
عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري عن جده عن أبيه محمد
عن أبيه عبد الله أنه سمع عمر - رضي الله عنه - يقول ذلك، وطريق أخرى
أخرجها عمر بن شبّة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن عمر إسنادها
صحيح، ومن وجه آخر منقطع، وزاد فكان الناس يتعجبون من ذلك ولا يدرون
وجهه حتى طعن أبو لؤلؤة عمر - رضي الله عنه -، انتهى.
(اللَّهم إني أسألك) وتقدم عن البخاري: اللَّهم ارزقني (شهادة في سبيلك)
فاستجيب له إذ قتله أبو لؤلؤة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ١٠١).
٣٥١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨١) حديث
وَوَفَاةً بِبَلَدِ رَسُولِكَ.
فيه انقطاع.
وقد وصله البخاريّ في: ٢٩ - كتاب فضائل المدينة، ١٢ - باب حدثنا
مسدّد.
٢٣ هـ. كما تقدم في الباب المتقدم مفصلاً، فحصل له ثواب الشهادة؛ لأنه قتل
ظلماً .
ويُشكل على دعائه أنه لما كان جازماً لشهادته لما ورد في الروايات في
إخباره ◌ّ كما تقدم، فكيف دعا بما هو متحقق قطعاً؟ ويمكن أن يجاب عنه
بأن المبشرات قد يتوقف حصولها على شرائط وأسباب لا بد من تحصيلها،
والدعاء لها، كما هو معروف في باب المبشرات هذا، وقد ورد الأمر بالدعاء
عند الأذان بهذا اللفظ: آتِ محمداً الوسيلةَ والفضيلة والمقام المحمود الذي
وعدته. قال القاري (١): الحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله
إظهار لشرفه وعظم مرتبته، وتلذذ بحصول مرتبته، انتهى.
وتقدم في حديث شهادته دليل على شهداء أحد ما أفاده شيخنا الدهلوي (٢):
أن المبشرين بالجنة أكثر خوفاً من الله وأشدهم تحرزاً من مظان العطب، وأوفرهم
خشية من التغيير والتبديل، وأعظمهم التجاءً إلى الله عز وجل، انتهى.
وقال الحافظ(٣): ذكر ابن سعد سبب دعائه بذلك، وهو ما أخرجه بإسناد
صحيح عن عوف بن مالك أنه رأى رؤيا فيها أن عمر - رضي الله عنه - شهيد
مستشهد، فقال لما قصها عليه: أنى لي بالشهادة، وأنا بين ظهراني جزيرة
العرب، لست أغزو والناس حولي، ثم قال: بلى، انتهى (ووفاة) بالنصب عطفاً
على شهادة (ببلد رسولك) فاستجيب أيضا كما تقدم مفصلاً.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (١٦٣/٢).
(٢) ((المسوَّى)) (٤٨٩/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٤/ ١٠١).
٣٥٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨٢) حديث
٣٥/٩٨٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: كَرَمُ الْمُؤْمِنِ تَقْوَاهُ،
قال الباجي(١): دعاء منه - رضي الله عنه - بأن يجمع له بين الشهادة
والوفاة ببلد النبي وَ لّ ليكون قبره بها، وهذا يقتضي تفضيله للمدينة على سائر
بقع مكة وغيرها، ولو كانت مكة عنده أفضل لتمنى أن يقتل بها مسافراً أو
حاجاً، ولا يكون ذلك نقضاً لهجرته، وقد علم من رأى عمر - رضي الله عنه -
تفضيل المدينة، وقد أجمع العلماء على أن هذا الدعاء مستجاب، وأنه
- رضي الله عنه - شهيد، وهذا يقتضي أن من قتل على هذا الوجه وإن لم يقتل
في الحرب ولا المدافعة فإنه شهيد، انتهى.
٣٥/٩٨٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب) - رضي الله
عنه - منقطع(٢) فإن يحيى بن سعيد لم يسمع من عمر - رضي الله عنه - حتى
قيل: لم يسمع من صحابي غير أنس، وهذا الحديث رواه البيهقي في ((السنن))
من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن حسّان بن فائد عن عمر - رضي الله عنه -،
وقد روي مرفوعاً وموقوفاً متصلاً ومرسلاً مختصراً ومفصلاً بوجوه يأتي بيانها .
(كان يقول) في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية(٣): قال (كرم المؤمن
تقواه) الكرم هاهنا كثرة الخير والمنفعة لا ما في العرف من إنفاق المال، وفي
((المجمع)): الكريم الجامع لأنواع الخير والشرف والفضائل، ومنه الكريم ابن
الكريم يوسف بن يعقوب؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم والجمال والعفة
وكرم الأخلاق والعدل ورئاسة الدين والدنيا، انتهى.
والمعنى فضل المؤمن إنما هو التقوى، قال عزّ اسمه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
(١) ((المنتقى)) (٢٠٩/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩/٣).
(٣) في ((الاستذكار)) (١٤ /٢٥٢) أيضاً ((قال)).
٣٥٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨٢) حديث
وَدِينُهُ حَسَبُهُ،
اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾(١). قال الراغب(٢): الكرم إذا وُصِفَ الله تعالى به فهو اسم
الإحسانه وإنعامه المتظاهر، نحو قوله: ﴿فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّ كَرِيمٌ﴾(٣) وإذا وصف به
الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه. وقوله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ فإنما كان كذلك؛ لأن الكرم الأفعال المحمودة،
وأكرمها وأشرفها ما يقصد به وجه الله.
قال الباجي: يريد أن كرمه في نفسه وفضله تقواه الله تعالى، وأخرج
السيوطي في ((الدر)) بطرق: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: اليوم أرفع نسبي
وأضع أنسابكم، أين المتقون؟ أين المتقون؟ إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وفي
المرفوع: ((كرم المؤمن دينه)) أي به يشرف ويكرم ظاهراً وباطناً (ودينه حسبه)
قال في ((المجمع)): الحسب في الأصل الشرف بالآباء وما يعده المؤمن
مفاخرهم، وفيه أيضاً الحسب ما يعد من مآثره ومآثر آبائه، انتهى. والمعنى
شرفه الأصلي انتسابه إلى الدين لا إلى الآباء.
قال الباجي (٤): يريد أن انتسابه إلى الدين هو الشرف والحسب الذي
يخصه، فأما انتسابه إلى أب كافر على وجه الفخر به، فهو ممنوع، وانتسابه
إلى أب صالح على أن له بذلك فضلاً، لا بأس به، غير أن انتسابه إلى دينه
الذي يخصه أتم في الشرف والحسب، وفي المرفوع: ((حسبه خلقه)) بالضم أي
ليس شرفه بشرف آبائه، بل بمحاسن أخلاقه، وقال الأزهري: أراد أن الحسب
يحصل للرجل بكرم أخلاقه وإن لم يكن له نسب، وإذا كان حسب الآباء فهو
أکرم له.
(١) سورة الحجرات: الآية ١٣.
(٢) ((مفردات القرآن)) (ص ٧٠٧).
(٣) سورة النمل: الآية ٤٠.
(٤) ((المنتقى)) (٢٠٩/٣).
٣٥٤
حمـ

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨٢) حديث
وَمُرُوءَتُهُ خُلُقُهُ، وَالْجُرْأَةُ
وقال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج البخاري في ((الأدب)) عن ابن عباس
- رضي الله عنه - ما تعدُّون الكرم؟ وقد بيّن الله الكرم و﴿أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ
أَنْقَكُمْ﴾. وما تعدون الحسب؟ أفضلكم حسباً أحسنكم خلقاً، وأخرج أحمد
وعبد بن حميد والترمذي وصححه والطبراني والدارقطني والحاكم وصححه عن
سمرة بن جندب عن النبي ◌ّ قال: ((الحسب المال والكرم التقوى))(٢).
(ومروءته) بضم الميم والراء المهملة وبالهمزة. (خلقه) بضمتين.
قال الراغب (٣): المروءة كمال المرء كما أن الرجولية كمال الرجل. قال
الراغب: يريد أن المرءوة التي يحمل الناس عليها ويوصفون بأنهم من ذوي
المروآت، إنما هي معان مختصة بالأخلاق من الصبر والحلم والجود والمواساة
والإيثار، انتهى.
قال العلائي(٤): حاصل المروءة راجعة إلى مكارم الأخلاق لكنها إذا
كانت غريزة تسمى مروءة، وقيل: المروءة إنصاف من دونك، والسمو إلى من
فوقك. والجزاء عما أوتي إليك من خير أو شر، وفي المرفوع: ((ومروءته عقله))
أي لأن به يتميز عن الحيوانات، ويعقل نفسه عن كل خلق دني، ويكفها عن
شهواتها الرديّة وطباعها الدنية، ويؤدي إلى كل ذي حق حقه من الحق والخلق.
(والجرأة) بضم الجيم وسكون الراء المهملة بالهمزة والقصر بوزن الجرعة
الهجوم والإسراع بغير توقف، وفي ((مختار الصحاح)): الجرأة كالجرعة والجرة
كالكرة: الشجاعة، والجريء المقدام. وقال القاري في ((شرح الشفاء)»: الجرأة
(١) ((الدر المنثور)) (٥٠٦/٧).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٢٧١)، وأحمد في ((مسنده)) (١٩٥٩٦).
(٣) ((مفردات القرآن)) (ص٧٦٦).
(٤) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٩/٣).
٣٥٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨٢) حديث
وَالْجُبْنُ غَرَائِزُ يَضَعُهَا اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ، فَالْجَبَانُ يَفِرُّ عَنْ أَبِيهِ وَأَمِّهِ،
وَالْجَرِيءُ يُقَاتِلُ عَمَّا لَا يَؤُوبُ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ،
على وزن الجرعة الشجاعة، ويقال: بفتح الراء وحذف الهمزة، كما يقال
للمرأة مَرَة، وبفتح الجيم والراء والمد، انتهى.
(والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة، ضعف القلب عما يحق عليه أن
يقوى، قاله الراغب، وفي ((مختار الصحاح)): الجبن بضمتين لغة فيه (غرائز)
- بغين معجمة فراء مهملة آخره زاي معجمة - جمع غريزة أي طبائع لا
تكتسب، وفي ((المجمع)): أي أخلاق وطبائع جمع غريزة، انتهى. وجمع إما
لأن الجمع ما فوق الواحد وباعتبار الأفراد (يضعها الله حيث يشاء) يريد أنها
طبائع يطبع الله تعالى عليها من شاء ويضعها فيمن شاء من الناس لا تختص
بشريف، ولا وضيع، ولا مؤمن، ولا كافر، ولا بر، ولا فاجر، فقد توجد في
كل صنف من هذه الأصناف، كذا في ((المنتقى)) (١).
قال الزرقاني(٢): وقد روى أبو يعلى عن معدي بن سليمان عن محمد بن
عجلان عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ ((الموطأ)) من أوله إلى هنا، ومعدي ضعّفه
جماعة، وقال الشاذكوني: كان من أفضل الناس وكان من الأبدال، وصحح له
الترمذي حديثاً، وعند الدارقطني من حديثه بهذا السند: الحسب المال، والكرم
التقوى .
(فالجبان يفرّ عن أبيه وأمه) مع محبتهما له وحرصهما على حياته
(والجريء يقاتل عما) هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: (يقاتل مَنْ))
والأوجه الأول (لا يؤوب) أي لا يرجع (به إلى رحله) ولا يكاد يشفق عليه.
قال الباجي: ذكره على معنى التفسير لمعنى الجريء والجبان، وإن ذلك
(١) ((المنتقى)) (٢٠٩/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩/٣).
٣٥٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨٢) حديث
وَالْقَتْلُ حَتْفٌ مِنَ الْحُتُوفِ، وَالشَّهِيدُ مَنِ أَحْتَسَبَ نَفْسَهُ عَلَى اللَّهِ.
إنما هو بالطبع الذي طبع عليه لا باكتساب ولا بتعلم، ولذا يفر الجبان عن أبيه
وأمه مع محبته لهما وحرصه على حياتهما، ويقاتل الجريء على من لا يؤوب
به إلى رحله مع أنه لا يلزمه أمره ولا يكاد يشفق عليه، انتهى. وعلى هذا
فمعنى الفر عنهما أي يفر عن نصرتهما، والجريء ينصر من لا ينفعه، لأن قتاله
بمحض الهجوم والسرعة من غير نظر لنفع يعود عليه.
(والقتل حتف) الحتف الموت جمعه حتوف، كذا في ((مختار الصحاح))
وفي ((المجمع)) الهلاك (من الحتوف) أي نوع من أنواع الموت، قال الباجي(١):
يريد أنه نوع من الموت كالموت من المرض، والموت بالغرق، والموت بالهدم
فهو نوع من أنواع الموت، فيجب أن لا يرتاع منه، فإن الموت لا بد منه،
وهو كله فظيع، وهذا نوع منه فلا يحبب أن يهاب هيبة تورث الجبن، انتهى.
قال الشاعر:
في الجبن عارٌ وفي الإقدام مكرمة
والمرء بالجبن لا ينجو من القدر
أو المعنى أن مجرد القتل موت من الأموات، ليس من الله في شيء
بدون النية، وليس كل قتل شهادة، بل القتل الذي يكون لإعلاء كلمة الله،
ولذا قال :
(والشهيد) عند الله (من احتسب نفسه على الله) أي من رضي بالقتل في
طاعة الله رجاء ثوابه، وهذا هو الغرض من ذكر هذا الأثر في هذا الباب،
وروي الأثر المذكور مختصراً ومفصلاً مرفوعاً وموقوفاً بطرق.
وذكر السيوطي في ((الجامع الصغير))(٢) برواية أحمد والحاكم والبيهقي عن
أبي هريرة: ((كرم المرء دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه))، ورقم عليه بأنه صحيح.
(١) ((المنتقى)) (٢١٠/٣).
(٢) (٥٥٠/٤) رقم الحديث (٦٢٢٩).
٣٥٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٥) باب
(٩٨٢) حديث
وأخرج الحاكم(١) برواية مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء عن أبيه عن
أبي هريرة رفعه: ((كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه))، هذا حديث
صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، فقال: بل مسلم
ضعيف، وما خرج له، ثم قال الحاكم: وله شاهد فذكر بسنده إلى أحمد بن
المقدام عن المعتمر عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن جده عن
أبي هريرة رفعه بلفظه.
وقال السخاوي في ((المقاصد))(٢): حديث ((كرم المرء دينه، ومروءته
عقله، وحسبه خلقه)) أخرجه أبو يعلى والعسكري والقضاعي من حديث مسلم
الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة به مرفوعاً، وأورده
شيخنا في ((زوائد تلخيصه)) لمسند الفردوس: بلفظ: ((حسب المرء دينه ومروءته
خلقه))، ولم يذكر صحابيه ولا عزاه، وهو في ((الموطأ)) عن عمر - رضي الله
عنه - من قوله، وكذا هو عند العسكري من حديث حسان بن فائد عن عمر
- رضي الله عنه - أنه قال: الكرم التقوى والحسب المال، لست بخير من
فارسي ولا نبطي إلا بتقوى، وعنده أيضاً من حديث محمد بن سَلام قال: بينما
عمر بن الخطاب يمشي، ورجل يخطر بين يديه، ويقول: أنا ابن بطحاء مكة
كُدِيِّها فكداها، فقال عمر - رضي الله عنه -: إن يكن لك دين فلك كرم، وإن
يكن لك عقل فلك مروءة، وإن يكن لك مال فلك شرف، وإلا فأنت والحمار
سواء .
وقد ذكر الخرائطي في أول باب من ((مكارمه)) (٣) أثر عمر - رضي الله
(١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١/ ١٣١).
(٢) ((المقاصد الحسنة)) (ص ٣١٥).
(٣) ((مكارم الأخلاق)) (ص٤).
٣٥٨
---

٢١ - كتاب الجهاد
(١٦) باب
(١٦) باب العمل في غسل الشهيد
عنه - وفي ((أشهر مشاهير الإسلام)) عن مسروق قال: تذاكرنا عند عمر - رضي الله
عنه - الحسب فقال: حسب المرء دينه، وأصله عقله، ومروءته خلقه، انتهى.
وفي ((شرح الشفاء)): قال عمر - رضي الله عنه - في حديثه الذي رواه ابن
جرير وابن أبي حاتم وسعيد بن منصور عنه موقوفاً: الجرأة والجبن غرائز
يضعها الله حیث شاء، انتهى.
(١٦) العمل في غسل الشهداء
قد تقدم في أواخر الجنائز أن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا
والآخرة معاً، وشهيد الدنيا فقط، وشهيد الآخرة فقط، وهو من لا يجري
عليه أحكام الشهادة في الدنيا، بل يؤتى أجر الشهادة في الآخرة. وأما في
الدنيا فحكمه كحكم سائر الأموات، كالمطعون وغيره الذي يرتقي عددهم
إلى قريب من الستين، وأما الأولان ويعبّر عنهما بالقتيل في المعركة ومن
في معناه، فيخالفان في بعض الأحكام عن سائر الأموات، منها الغسل،
اختلف فيه السلف والجمهور على أنه لا يغسل كما سيأتي، وهما المرادان
في الترجمة .
قال الموفق(١): أما الشهيد بغير قتل، كالمبطون، والمطعون، والغرق،
وصاحب الهدم، والنفساء، فإنهم يغسلون، ويصلى عليهم، لا نعلم فيهم
خلافاً، إلا ما يحكى عن الحسن: لا يصلى على نفساء؛ لأنها شهيدة، ولنا،
أن النبي ◌َّ صلّى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها، متفق عليه (٢).
وقال النبي ◌َّرَ: ((الشهداء خمسةٌ)) وفي رواية ((الشهادة سبعٌ سوى القتل))، كما
تقدم في الجنائز، وكل هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم، انتهى.
(١) «المغني)) (٤٧٦/٣).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٣١)، ومسلم (٩٦٤)، وأبو داود (٣١٩٥)، والترمذي (١٠٣٥)،
والنسائي (١٩٧٥)، وابن ماجه (١٤٩٣).
٣٥٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٦) باب
(٩٨٣) حدیث
٣٦/٩٨٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَّ عَلَيْهِ،
٣٦/٩٨٣ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن)
أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين (عمر بن الخطاب) لما استشهد (غسل
وكفن) بكسر الفاء المشددة (وصلي عليه) بالبناء المجهول للمفعول في الأفعال
الثلاثة، وفي ((أشهر مشاهير الإسلام)): روي أنه لما ثقُل عمر - رضي الله عنه -
قال لابنه عبد الله: ضع خدي على الأرض، فوضعه على الأرض فجعل يقول:
ويلي، وويل أمي، إن لم يغفر لي ربي، ثم مات، ولما توفي صُلِّ عليه في
المسجد، وحُمِل على سرير رسول الله وَّ، وغسله ابنه عبد الرحمن، وصلى
عليه صهيب، وكان تقدم قبل ذلك علي وعثمان للصلاة عليه، فقال
عبد الرحمن: لا إله إلا الله ما أحرصكما على الإمرة، أما علمتما أن أمير
المؤمنين - رضي الله عنه - قال: ليُصَلِّ بالناس صهيب، انتهى.
وفي ((الخميس)): (١) لما توفي - رضي الله عنه - خرجوا به فصلى عليه
صهيب بن سنان الرومي، ودفن في بيت عائشة - رضي الله عنها -، ونزل في
قبره عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص، وقيل:
صهيب وابنه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عوضاً عن الزبير وسعد،
انتھی .
وقال السيوطي في ((تاريخه))(٢): أخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي
راشد البصري قال: قال عمر - رضي الله عنه - لابنه: اقتصدوا في كفني، فإنه
إن كان لي عند الله خير أبدلني ما هو خير منه، وإن كنت على غير ذلك
سلبني، فأسرع سلبي، الحديث. وكان صهيب إمام الصلوات الخمس إذ ذاك،
فقد ذكر الحافظ في قصة مقتل عمر - رضي الله عنه -، وجعله الأمر شورى بين
(١) ((تاريخ الخميس)) (٢٤٩/٢).
(٢) ((تاريخ الخلفاء)) (ص١٦٦).
٣٦٠