النص المفهرس

صفحات 321-340

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٥) حديث
وَالَلِّ قَالَ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
إِلَى رَجُلَيْنِ :
(عن الأعرج عن أبي هريرة) أي بالسند المتقدم (أن رسول الله صل﴾ قال:
يضحك الله يوم القيامة إلى رجلين) قال الحافظ (١): وفي رواية النسائي من
طريق ابن عيينه عن أبي الزناد: ((إن الله يعجب من رجلين)) قال الخطابي:
الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله،
وإنما هذا مثل ضرب الله لهذا الصنيع، ومعناه الإخبار عن رضا الله بفعل
أحدهما وقبوله الآخر، ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة مع اختلاف حاليهما،
قال: وتأول البخاري الضحك في موضع آخر على معنى الرحمة وهو قريب،
وتأويله على معنى الرضا أقرب.
قال: وقد يكون معنى ذلك أن يعجب الله ملائكته، ويضحكهم من
صنيعهما، وهذا يتخرج على المجاز، ومثله في الكلام يكثر، وقال ابن
الجوزي: أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ويرونه كما جاء، وينبغي أن
يراعى في مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا يشبه صفات الله صفات الخلق، ومعنى
الإمرار عدم العلم بالمراد منه مع اعتقاد التنزيه. قال الحافظ: ويدل على أن
المراد بالضحك الإقبال بالرضا، تعديته بإلى تقول: ضحك فلان إلى فلان، إذا
توجه إليه طلق الوجه مظهراً للرضا عنه، انتهى.
وقال الباجي(٢): يريد - والله أعلم - أنه يفعل بهما ويتلقاهما من الثواب
والإنعام والإكرام بما يتلقى به الضاحك المسرور لمن يقدم عليه من ذلك،
ويحتمل أن يريد به يضحك ملائكته وخزنة جنته أو حملة عرشه إلى هذين
الرجلين على معنى التبشير لهما والإعلام لهما بما يقدمان عليه من فضل الله
تعالى ورحمته ونعمته، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٤٠/٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٥/٣).
٣٢١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٥) حدیث
يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هُذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ، فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ٢٨ - باب الكافر يقتل المسلم، ثم
يُسلم.
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٥ - باب بيان الرجلين يقتل أحدهما
الآخر، حديث ١٢٨.
(يقتل) بفتح أوله وضم المثناة الفوقية (أحدهما) فاعله (الآخر) مفعوله
(كلاهما يدخل الجنة) قال الباجي: وذلك أن مثل هذا غير معهود في الشرع؛
لأن قتل أحدهما الآخر على معنى المخالفة في الدين والشريعة يقتضي بمستقر
الشرع أن يكون أحدهما، وهو المحق من أهل الجنة، والثاني، وهو المبطل
من أهل النار، وهذه القصة على خلاف ذلك، فإنهما يدخلان الجنة، ولعلهما
يكونان من الذين قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلِّ إِخْوَنًا عَلَى سُرُدٍ
مُتَقَبِلِينَ ﴾﴾(١)، انتهى.
ثم بين النبي ◌َّ وجه دخولهما في الجنة، وزاد مسلم من طريق همام عن
أبي هريرة: قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: (يقاتل هذا) أي يقاتل المسلم
الكافر (في سبيل الله فيقتل) بضم الياء بالبناء للمجهول، والضمير للمسلم (ثم
يتوب الله على القاتل) أي يوفقه للتوبة فيقبلها، زاد همام: ((فيهديه إلى الإسلام
ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد)) (فيقاتل) الكفار (فيستشهد) ببناء المجهول.
قال ابن عبد البر(٢): يستفاد منه أن كل من قتل في سبيل الله، فهو في
الجنة، ومعنى هذا الحديث عند أهل العلم أن القاتل الأول كان كافراً، قال
الحافظ: وهو الذي استنبطه البخاري إذ ترجم عليه ((باب الكافر يقتل المسلم
(١) سورة الحجر: الآية ٤٧.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥/٣).
٣٢٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٦) حدیث
٢٩/٩٧٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴾ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بَيَدِهِ، لَا يُكْلَّمُ .....
ثم يسلم فيسدد(١) بعد، ويقتل))، لكن لا مانع أن يكون مسلماً لعموم قوله: ((ثم
يتوب الله على القاتل))، كما لو قتل مسلم مسلماً عمداً بلا شبهة، ثم تاب
القاتل واستشهد في سبيل الله.
وإنما يمنع دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قاتل المسلم عمداً لا تقبل
توبته، كما روي عن ابن عباس وغيره، ويؤيد الأول ما في رواية همام: ((بم
يتوب الله على الآخر فيهديه إلى الإسلام))، وأصرح من ذلك ما أخرجه أحمد
من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ: ((يكون أحدهما
كافراً فيقتل الآخر، ثم يسلم فيغزو فيقتل))، انتهى.
قال الباجي(٢): يحتمل أنه كان كافراً، فيتوب من كفره بالإيمان، فيسقط
عنه جميع ما فعله في حال كفره من قتل المسلم وغيره، وقد قال عز اسمه:
﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُم ◌َّا فَدْ سَلَفَ﴾(٣) وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا
التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَلَةٍ﴾(٤) الآية، فإن كانت التوبة بالإيمان
تسقط القتل للمسلم وغيره، فإذا قاتل بعد ذلك فاستشهد دخل الجنة، انتهى.
٢٩/٩٧٦ - (مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) - رضي الله
عنه - أي بالسند المتقدم (أن رسول الله ﴿﴾ قال: والذي نفسي بيده) قسم
النبي وَيّ للتأكيد والتحقيق (لا يكلم) بضم الياء وسكون الكاف وفتح اللام ببناء
(١) أي يعيش على سداد أي استقامة في الدين، انظر ((فتح الباري)) (٤٠/٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢٠٥/٣).
(٣) سورة الأنفال: الآية ٣٨.
(٤) سورة النساء: الآية ١٧ .
٣٢٣

٢١ - کتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٦) حديث
أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ،
المجهول أي لا يُجرح (أحد) مسلم، كما قيد به في ((الصحيحين)) من رواية
همام (في سبيل الله) عز وجل، المراد به الجهاد على الظاهر، ويحتمل العموم
كما سيأتي.
(والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة متعرضة بين المستثنى منه
والمستثنى، مؤكدة لمعنى المعترض فيه، وتفخيم شأن من يكلم في سبيل الله،
والمعنى - والله أعلم - تعظيم شأن من يكلم في سبيل الله، ونظيره قوله تعالى:
﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّ وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، أي الله أعلم بالشيء الذي
وضعت، وما علق به من عظائم الأمور.
ويجوز أن يكون تتميماً للصيانة عن الرياء والسمعة، وتنبيهاً عن
الإخلاص في الغزو، وإن الثواب المذكور إنما هو لمن أخلص فيه، كذا في
((القسطلاني))، ورجح القاري(١) المعنى الثاني إذ قال: هذا هو الظاهر، والأول
إنما يتمشى كونه تنظيراً على قراءة من قرأ ((وضعت)) بصيغة الغائبة، لا على
قراءة من قرأه بصيغة المتكلم، انتهى.
وإلى المعنى الثاني مال الباجي إذ قال: على معنى أن هذا الحكم ليس
على الظاهر أن من كان يقاتل في حيز المسلمين أنه ممن يقاتل في سبيله،
ويُكلم في سبيله؛ لأنه قد يكون في حيز المسلمين، ويقاتل حمية، ويقاتل ليرى
مكانه، ويقاتل للمغنم، ولا يكون لأحد من هؤلاء هذه الفضيلة، حتى يقاتل في
سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، انتهى.
قال القسطلاني(٢): ولأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان
والحاكم من حديث معاذ بن جبل: ((من جرح جرحاً في سبيل الله أو نُكِب
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧٥/٧).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٣٢٩/٦).
٣٢٤

(٩٧٦) حديث
٢١ - كتاب الجهاد
إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَتْعَبُ دَماً،
(١٤) باب
نكبة، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها
ريح المسك)). قال الحافظ(١): وعرف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا
تختص بالشهيد، بل هي حاصلة لكل من جرح، كذا قال، فليتأمل.
وقال النووي(٢): قالوا: هذا الفضل وإن كان ظاهره أنه في قتال الكفار،
فيدخل فيه من جرح في سبيل الله في قتال البغاة وقطّاع الطريق وفي إقامة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، وكذا قال ابن عبد البر، واستشهد
لذلك بقوله : ((من قتل دون ماله فهو شهيد)).
لكن قال الولي بن العراقي: قد يتوقف في دخول المقاتل دون ماله في
هذا الفضل لإشارة النبي ◌ّ إلى اعتبار الإخلاص في ذلك بقوله: ((والله أعلم
بمن يكلم في سبيل الله)) والمقاتل دون ماله لا يقصد بذلك وجه الله، وإنما
يقصد صون ماله وحفظه، فهو يفعل ذلك بداعية الطبع لا بداعية الشرع، ولا
يلزم من كونه شهيداً أن يكون دمه يوم القيامة كريح المسك، وأي بذلٍ بَذَلَ
نفسه لله حتى يستحق هذا الفضل، انتهى.
(إلا جاء يوم القيامة وجرحه) بضم أوله (يثعب) بفتح أوله وسكون المثلثة
وفتح العين المهملة وموحدة، أي يجري منفجراً أي كثيراً، وهو معنى الرواية
الأخرى: ((يتفجر دما)).
قال التوربشتي: تعبت الماء، فجّرتُه فانثعب، إضافة الفعل إلى الجرح؛
لأنه السبب في فجر الدم، و(دماً) يكون مفعولاً، ولو أراد التمييز لكان من حقه
أن يقول: ينشعب دماً أو يثعب على بناء المجهول، ولم أجده رواية، قال
الطيبي: مجيئه متعدياً نقل عن الجوهري، وظاهر كلام صاحب ((النهاية)) أنه
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٢٠/٦).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٣/٧/ ٢٢).
٣٢٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٦) حديث
اللَّوْنُ لَوْنُ دَم،
لازم، ويؤيد الأول ما في ((القاموس)): ثعب الماء والدم كمنع: فجره فانثعب،
لكن المفهوم من ((التاج)) أنه لازم ومتعد، كذا في ((دستور اللغة))، وفي
(المشارق)) للقاضي عياض: ثعب: تفجر، انتهى مختصراً من ((المرقاة))(١).
قال الحافظ(٢): يحتمل أن يكون المراد بهذا الجرح هو ما يموت صاحبه
بسببه قبل اندماله، لا ما يندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم
يزول، ولا ينفي ذلك أن يكون له فضل في الجملة، لكن الظاهر أن الذي
يحيى يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من فارق الدنيا وجرحه كذلك، ويؤيده ما
وقع عند ابن حبان في حديث معاذ: ((عليه طابع الشهداء))، انتهى.
وقال القسطلاني(٣): ظاهر قوله في رواية مسلم: ((كل كلم يكلمه
المسلم))، أنه لا فرق في ذلك بين أن يستشهد أو تبرأ جرحته، لكن الظاهر أن
الذي يحيى يوم القيامة وجرحه يثعب دماً من فارق الدنيا وجرحه كذالك،
ويؤيده رواية معاذ: ((عليه طابع الشهداء))، انتهى.
وأنت خبير بأن حديث معاذ ليس بظاهر في أن العبرة باستمرار الجرح
إلى الموت، فإن كون الجرح طابعاً لا يستلزم الاستمرار، وحديث همام عند
الشيخين بلفظ: ((كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها
إذ طعنت تفجر دماً)) بمنزلة النص في العموم، والعبرة لوقت الجرح لا لوقت
الموت .
(اللون) مبتدأ (لون الدم) خبره أي حقيقة. قال العيني (٤): اللون من
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)» (٢٧٥/٧).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٠/٦).
(٣) ((إرشاد الساري)) (٣٢٩/٦).
(٤) ((عمدة القاري)) (٦٦٤/٢).
٣٢٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٧) حديث
وَالرِّيْحُ رِيحُ الْمِسْكِ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ١٠ - باب من يجرح في سبيل الله
عزّ وجلّ .
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٨ - باب فضل الجهاد والخروج في
سبيل الله، حديث ١٠٥.
٩٧٧/ ٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ؛ أَنَّ
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقُولُ:
المبصرات، وهو أظهر المحسوسات حقيقة ووجوداً، فلذلك استغنى عن
تعريفه، وإثباته، ومن القدماء من زعم أن لا حقيقة للألوان أصلاً، ومنهم من
ظن أن اللون الحقيقي ليس إلا السواد والبياض، وما عداهما إنما يحصل من
تركيبهما، ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقية خمسة، السواد والبياض والحمرة
والخضرة والصفرة، وجعل البواقي مركبة منها، انتهى.
(والريح ريح المسك) بكسر الميم وهو معرب مشك بالشين المعجمة
وضم الميم، كذا في ((العيني))، وقال القسطلاني: أي كريح المسك، إذ ليس
هو مسكاً حقيقة، بخلاف اللون لون الدم، فلا حاجة فيه لتقدير ذلك؛ لأنه دم
حقيقة، والحكمة في بعثته كذلك أن يكون معه شاهد فضيلته ببذله نفسه في
طاعة الله عز وجل، انتهى.
قال الأبي(١): يحتج به ابن الماجشون القائل: إن تغير رائحة الماء بما
يخالط لا يفسده؛ لأنه ◌ّ سماه دماً، وإن كان ريحه ريح مسك، فغلب الاسم
اللون دون الرائحة، وقال مالك وجمهور أصحابه: تغير الرائحة كتغيّر اللون
والطعم إلا أن يكون تغير الريح بمجاوره، فإنه لا يؤثر ولا يفسد، انتهى.
٣٠/٩٧٧ - (مالك، عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب كان يقول) أي
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٢٢/٣).
٣٢٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٧) حديث
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَتْلِي بِيَدِ رَجُلٍ صَلَّى لَكَ سَجْدَةً وَاحِدَةً، يحَاجُّنِي بِهَا
عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
يدعو بقوله (اللَّهم لا تجعل قتلي) وقد جزم بقتله وشهادته لما في الروايات من
أخباره وَّ، ففي ((جمع الفوائد)) برواية البخاري وأبي داود والترمذي عن أنس،
أن النبي وَلّل صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: ((اسكن
أُحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان))، وبرواية مسلم والترمذي عن أبي
هريرة: ((أن النبي ◌َّل﴿ كان على حراء)) فذكر بمعناه، وترك منه اسم عمر - رضي الله
عنه - من غلط الناسخ، أو وهم الراوي، وهو موجود في مسلم والترمذي.
وأخرج الترمذي(١) أيضاً برواية عثمان - رضي الله عنه - إذ أشرف
على الدار، فقال: أنشدكم بالله والإسلام، هل تعلمون أن رسول الله وَله
كان على ثبير مكة، ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحركت الجبل، فقال:
(اسكن ثبير، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان))، قالوا: اللَّهم نعم،
الحديث، وغير ذلك من الروايات (بيد رجل) مؤمن (صلى لك سجدة
واحدة) أيضاً (يحاجني) بتشديد الجيم المضمومة أي يخاصمني (بها) أي
بتلك السجدة (عندك يوم القيامة).
قال ابن عبد البر(٢): أراد أن يكون قاتله مخلداً في النار، ولا يكون
كذلك إلا من لم يسجد لله سجدة، ولم يعمل من الخير والإيمان مثقال ذرة،
انتھی .
وقال الباجي(٣): في سماع ابن القاسم سئل مالك عن قول عمر - رضي الله
عنه - هذا فقال: يريد بذلك أنه ليس لغير أهل الإسلام عند الله حجة. قال
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٠٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٢٢/١٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٠٥/٣).
٣٢٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٧) حديث
الباجي: ومعنى ذلك عندي أن يكون عمر بن الخطاب علم أنه يقتل. إما بخبر
النبي مي فكان يقول ذلك في صحته، وإنما أن يكون إما علم ذلك بعد أن
جرح وعلم أنه يموت من جرحه ذلك فكرر قوله ذلك، حنقاً على من قتله
وإشفاقاً من أن يكون من الموخِّدين الذين سجدوا لله سجدة، فيكون لهم بها
حجة تمنع من خلودهم في النار.
ويحتمل أن يقولها إشفاقاً على المؤمنين أن يصيبه مؤمن، فيعذب بقتله
لعمر - رضي الله عنه - ويحاج عمر في الموقف، بأنه مؤمن سجد لله تعالى،
فتكون حجته بالإيمان تمنع عمر - رضي الله عنه - من الحرص على تعذيبه
بالنار، وإن كان قد تولى قتله وأذاه بألم الجراح التي أدته إلى الموت، انتهى.
وقد استجاب الله له، فجعل قتله بيد فيروز النصراني أو المجوسي أبي
لؤلؤة عبد لمغيرة بن شعبة الصحابي - رضي الله عنه -، وقال صاحب ((أشهر
مشاهير الإسلام)): إن أبا لؤلؤة فارسي الأصل من نهاوند، قد كان أسره الروم،
ثم أسره منهم المسلمون، ولما قدم سبي نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة لا
يلقى منهم صغيراً إلا مسح رأسه وبكى، وقال له: أكل عمر كبدي، والسبب
الظاهر الذي اختلقه أبو لؤلؤة تحته أسباب أهم وأعظم، وهي الغيظ والحقد
على المسلمين، انتهى.
وقد أخرج البخاري في ((صحيحه))(١) قصة مقتله - رضي الله عنه -
مفصلاً، وفيها عن عمرو بن ميمون قال: ((إني لقائم ما بيني وبينه إلا ابن عباس
غداة أصيب، وكان إذا مرّ بين الصفين قال: استووا حتى إذا لم ير فيه خللاً
تقدم فكبر، وربما قرأ بسورة يوسف أو النحل، فما هو إلا أن كبر، فسمعته
يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين لا
(١) ((صحيح البخاري)) (٣٧٠٠) من ((كتاب المناقب)) ((فتح الباري)) (٥٩/٧ - ٦٩).
٣٢٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٧) حديث
يمر على أحد يميناً ولا شمالاً إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم
سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً، فلما ظن العِلْجُ أنه
مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر - رضي الله عنه - يد عبد الرحمن بن عوف،
فقدمه فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة.
فلما انصرفوا، قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم
جاء فقال: غلام المغيرة. قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت
به معروفاً، الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام)). إلى آخر
ما بسطها .
قال الحافظ(١): وكان ذلك بعد أن صدر عمر - رضي الله عنه - من
الحج، وكان سنة ثلاث وعشرين بالاتفاق، واسم أبي لؤلؤة فيروز، وروى ابن
سعد بإسناد صحيح إلى الزهري قال: كان عمر - رضي الله عنه - لا يأذن لسبي
قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر
له غلاماً عنده صانعاً ويستأذن أن يدخله المدينة، ويقول: إن عنده أعمالاً تنفع
الناس، إنه حدّاد نقاش نجار، فأذن له فضرب عليه المغيرة كل شهر مائة.
فشكى إلى عمر - رضي الله عنه - شدة الخراج، فقال له: ما خراجك
بكثير في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطاً، فلبث عمر - رضي الله عنه -
ليالي، فمرّ به العبد، فقال: ألم أحدث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى
تطحن بالريح؟ فالتفت إليه عابساً، فقال: لأصنعن لك رحى يتحدث الناس
بها، فأقبل عمر على من معه، فقال: توعدني العبد، فلبث ليالي، ثم اشتمل
على خنجر ذي رأسين، نصابه وسطه، فكمن في زاوية من زوايا المسجد في
الغلس حتى خرج عمر - رضي الله عنه - وثب إليه، فطعنه ثلاث طعنات،
إحداهن تحت السُّرَّة قد خرقت الصفاق، وهي التي قتلته.
(١) ((فتح الباري)) (٦٢/٧ - ٦٣).
٣٣٠
-----------
.... "

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٧) حديث
وقوله - رضي الله عنه -: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي - بكسر الميم
وسكون التحتية بعدها مثناة - أي قتلتي. وفي رواية قال: الحمد لله الذي لم
يجعل قاتلي يحاجُني عند الله بسجدة سجدها له قط. وفي أخرى: يحاجّني
بقول لا إله إلا الله. وفي حديث جابر قال عمر - رضي الله عنه -: لا تعجلوا
على الذي قتلني فقيل له: إنه قتل نفسه، فاسترجع عمر فقيل له: إنه أبو لؤلؤة،
فقال: الله أكبر، انتهى ملخصاً من ((الفتح)) (١). قال القسطلاني: قوله: بيد رجل
يدعي الإسلام بل على يد رجل مجوسي وهو أبو لؤلؤة، انتهى.
وفي ((تاريخ الخلفاء)): قال ابن عباس: كان أبو لؤلؤة مجوسياً. وفي
((الخميس))(٢): عن عمرو بن ميمون قال: كان أبو لؤلؤة أزرق نصرانياً، خرجه
أبو عمرو، وقيل: كان مجوسياً، ذكره القلعي وغيره. وروي أن عمر - رضي الله
عنه - بعد أن قدم المدينة من حجته خرج يوماً يطوف بالسوق فلقيه أبو لؤلؤة
وكان نصرانياً، فقال: يا أمير المؤمنين أعدني على المغيرة، فإن عليّ خراجاً
كثيراً، قال كم خراجك؟ قال درهمان: في كل يوم، قال: وإيش صناعتك؟
فقال: نجّار نقّاش حدّاد، قال: فما أرى خراجك كثيراً على ما تصنع من
الأعمال، قال: بلغني أنك تقول: لو أردت أن أعمل رحى تطحن بالريح
لفعلت؟ قال: نعم، قال: فاعمل لي رحى. قال: لأعملن لك رحى يتحدث
بها بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه، فقال عمر: لقد توعدني العلج (٣)
آنفاً .
وفي رواية قيل له: ما يمنعك أن تأمر بدفعه، قال: لا قصاص قبل
القتل، ثم انصرف عمر - رضي الله عنه - إلى منزله. فلما كان من الغد جاءه
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٧٣/٧).
(٢) ((تاريخ الخميس)) (٢٤٨/٢).
(٣) العلج: الرجل من كفّار العجم.
٣٣١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٨) حديث
٣١/٩٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛
أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ
كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين أعهد أنك ميت في ثلاثة أيام، قال:
وما يدريك؟ قال: أجد في كتاب الله التوراة.
وفي ((دول الإسلام)): وثب عليه أبو لؤلؤة وكان الملعون نصرانياً. وفي
((المختصر الجامع)): جرحه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي ثلاث جراحات، وكان
ذلك في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة. وفي ((سيرة مغلطائي)): لأربع
بقين من ذي الحجة. وقال ابن قانع: غرة المحرم لتمام ثلاث وعشرين سنة.
وقال سعد - رضي الله عنه -: طُعِن عمر - رضي الله عنه - يوم الأربعاء الأربع
بقين من ذي الحجة، كذا في ((التهذيب))(١)، ودفن يوم الأحد صبيحة هلال
المحرم، انتهى مختصراً.
٣١/٩٧٨ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد) بكسر
العين وسكون المثناة التحتية (ابن أبي سعيد المقبري) بفتح الباء وضمها نسبة
إلى المقبرة. قال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): كذا رواه يحيى، وتابعه عليه
جمهور رواة ((الموطأ)» عن مالك، منهم ابن وهب وابن القاسم ومطرف وابن
بكير وأبو مصعب، ورواه معن بن عيسى والقعنبي عن مالك عن سعيد بن أبي
سعيد، لم يذكرا يحيى بن سعيد، فيمكن أن مالكاً سمعه من يحيى عن سعيد،
ثم سمعه من سعيد بن أبي سعيد، انتهى.
(عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري السلمي أبو إبراهيم، ويقال: أبو
يحيى المدني من رواة الستة، ثقة، قليل الحديث، توفي سنة ٩٥هـ. وقيل
٩٩هـ. (عن أبيه) أبي قتادة الأنصاري فارس رسول الله وَلخير (أنه قال: جاء رجل
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٤٤١/٧).
(٢) (ص٢١٩).
٣٣٢
----

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٨) حديث
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ لَه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
صَابِراً مُحْتَسِباً، مُقْبِلاً غَيْرَ مُذْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((نَعَمْ))، فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ، أَوْ
أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((كَيْفَ قُلْتَ؟))
إلى رسول الله (1). وفي رواية الليث عن سعيد المقبري عند مسلم، أنه نَّه
قام فيهم، فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال،
فقام رجل (فقال: يا رسول الله) زاد في رواية مسلم: أرأيت أي أخبرني (إن
قتلت) ببناء المجهول (في سبيل الله) أي استشهدت في الجهاد حال كوني
(صابراً) غير جزع على ألم الجراح (محتسباً) ذلك عند الله مخلصاً طالباً للأجر
والمثوبة لا الرياء والسمعة (مقبلاً) على قتال العدو. وقال الباجي(١): مقبلاً
على الموت وقتال العدو (غير مدبر) أي غير فارّ، تأكيد لما قبله وقال
النووي(٢): احتراز ممن يقبل في وقت ويدبر في وقت، كذا في ((المرقاة)).
(أيكفر الله) بهمزة الاستفهام في ((الموطأ)) وبتقديرها في ((المشكاة)) (عني
خطاياي) أي يمحي الله عني بسببه كل ما اكتسبت من الخطأ والزلل. (فقال
رسول الله وقال: نعم) يكفرها (فلما أدبر الرجل) أي ولَّى عنه راجعاً مستوعباً
الجوابه (ناداه رسول الله قال﴾) بنفسه الشريفة (أو أمر به فنودي له) شك من
الراوي (فقال له رسول الله ◌َله: كيف قلت؟) أي أعِدْ سؤالك، وأخبرني به
ثانياً .
قال الباجي: سأله عما قال أن يعيد عليه مبالغة في تفهم سؤال السائل
وتحقيقاً لسؤاله، وذلك أنه لما استوعب كلامه أولاً ثم جاوبه يحتمل أن يكون
ذكر بعد ذلك من سؤاله لفظاً لم يجاوب عنه، فأراد أن يتحقق ذلك إذ أمره
(١) ((المنتقى)) (٢٠٦/٣).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٩/١٣/٧).
٣٣٣

٢١ - کتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٨) حديث
فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَقَالَ لَّهُ النَّبِيُّ ◌َهِ: (نَعَمْ، إِلَّ الدَّيْنَ،
بإعادة السؤال، ويحتمل أن يكون ذكر ذلك اللفظ كله غير أنه بان له بعد أن
جاوبه أن سؤاله يحتمل وجهاً غير ما حمله عليه من المعنى (فأعاد عليه قوله)
أي سؤاله المذكور أولاً (فقال رسول الله وَل: نعم إلا الدين) بفتح الدال وفي
(الدر المنثور)): أخرج أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه:
(يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)).
وأخرج أحمد عن عبد الله بن جحش أن رجلاً قال: يا رسول الله ما لي
إن قتلتُ في سبيل الله! قال: ((الجنة)). فلما ولَّى قال: ((إلا الدين سارَّني به
جبريل آنفاً)). قال القاري(١): استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلاً أي الدين
الذي لا ينوي أداءه، قال التوربشتي: أراد بالدين هاهنا ما يتعلق بذمته من
حقوق المسلمين، إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة من الجاني والغاصب
والخائن والسارق.
وقال النووي(٢): فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد
والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يُكفِّر حقوق الآدميين، وإنما يكفر
حقوق الله .
قال القاري: إلا شهيد البحر، فإنه يغفر له الذنوب كلها والدين، كما
ورد في حديث. وروى الطبراني وأبو نعيم في ((الحلية)) عن ابن مسعود بلفظ:
القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة،
والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث. وأشد ذلك الودائع، فالمراد بالدين
الواجبات الشرعية من أمور الدين، انتهى.
وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٧٨/٧).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٩/١٣/٧).
٣٣٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٨) حديث
حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في ((الشعب)) عن ابن مسعود قال:
((إن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلّها إلا الأمانة يجاء بالرجل يوم القيامة،
وإن كان قتل في سبيل الله، فيقال له: أدَّ أمانتك))، الحديث بطوله.
وقال الباجي:(١) يريد أن الدين من الخطايا التي لا يكفرها القتل في
سبيل الله، وقد قال بعض العلماء: إنما ذلك لأنها من حقوق الآدميين،
وحقوقهم لا تكفرها الحسنات، وهذا وجه محتمل، وقد كان في أول الإسلام
يمتنع النبي ◌ُّ من الصلاة على من مات، وعليه دين لم يترك له قضاء وذلك
لئلا يتسارع الناس في أكل أموال الناس بغير حاجة، ثم لما فتح الله عليه وَّة
قال: ((أنا أولى الناس بالمؤمنين، من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلَّا أو ديناً
أو ضياعاً فَعَليَّ وإليَّ))، فيحتمل أن يكون النبي ◌َّ قال لهذا السائل: ((إلَّا
الدين)) إذا كان يمتنع من الصلاة على من ترك ديناً لا أداء له، فيكون على
عمومه، ويحتمل أن يكون قاله بعد ذلك، ويكون معنى قوله: ((إلا الدين)) لمن
أخذه يريد إتلاف أموال الناس، فهذا حكمه باق في المنع، وما ثبت أن أحداً
من الأئمة قضى دين من مات وعليه دين من بيت مال المسلمين بعد النبي وَالر،
فيحتمل أن يكون هذا الحكم اختص به بَّله، ولا يكون لأحد بعده، انتهى.
قلت: لكن أداء الديون من مصارف بيت المال، وما أشار إليه الباجي
من قوله: يريد إتلاف أموال الناس هو ما أخرج البخاري وغيره من أبي هريرة
رفعه: ((من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدّى اللَّهُ عنه، ومن أخذ يريد إتلافها
أتلفه الله)).
وقال ابن عبد البر (٢): فيه أن الخطايا تكفر بالأعمال الصالحة مع
(١) ((المنتقى)) (٢٠٦/٣).
(٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٦/٣). و((التمهيد)) (٢٣٢/٢٣ - ٢٣٨).
٣٣٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٨) حديث
الاحتساب والنية في العمل وأن أعمال البر المقبولة لا تكفر من الذنوب إلا ما
بين العبد وبين ربه، أما التبعات فلا بد فيها من القصاص. قال: هذا في دين
ترك له وفاءً، ولم يوص به، أو قدر على الأداء فلم يؤد، أو أدانه في غير
حق، ومات ولم يوفه، أما من أدان في حق واجب لفاقة، وعسر، ومات، ولم
يترك وفاءً فلا يحبس عن الجنة، لأن على السلطان فرضاً أن يؤدي عنه من
الصدقات أو الفيء، وقيل: إن تشديده وَّ كان قبل الفتوح.
وقال القرطبي والنووي(١): فيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن
الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا تُكَفِّر حقوقهم، وإنما تكفر حقوقه
عَزَّ اسمه. وقال الحافظ: يستفاد منه أن الشهادة لا تُكفِّر التبعات، وهي لا
تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن يثيب من حصلت له ثواباً
مخصوصاً، ويكرمه كرامة زائدة، وقد بيّن الحديث أنه يكفر عن ما عدا
التبعات، فإن كان له عمل صالح كفرت الشهادة سيئاته غير التبعات، ونفعه
عمله في موازنة ما عليه من التبعات، ويبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم
يكن له عمل صالح فهو تحت المشيئة، انتهى.
وقال ابن الزملكاني: فيه تنبيه على أن حقوق الآدميين لا تكفر لكونها
مبنية على المشاحة والتضييق، ويمكن حمله على الدين الذي هو خطيئة،
والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدين المأذون فيه مسكوتاً
عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به لما يلطف الله بعبده من تعويض
صاحبه، انتهى. وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر كما رأيته، قاله
الزرقاني(٢).
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢٩/١٣/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧/٣).
٣٣٦
-----

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٩) حديث
كَذْلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ)).
أخرجه مسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٣٢ - باب من قتل في سبيل الله
كفرت خطاياه إلا الدَّين، حديث ١١٧.
٩٧٩ / ٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
(كذلك قال لي جبرئيل) وفي رواية عند أبي عمر إلا الدين، فإنه مأخوذ
كما زعم جبرئيل.
قال الباجي(١): استثنى الدين بعد أن قال: نعم، ولم يستثن شيئاً يحتمل
وجوهاً: أن يكون سؤاله أولاً اقتضى الجواب على العموم دون الاستثناء،
وسؤاله آخراً اقتضى الاستثناء هذا إذا أعاد السؤال بزيادة أو نقصٍ، ويحتمل أن
يكون السؤال واحداً، وهو الأظهر غير أنه جاوب أولاً بلفظ عام، أو أمر أن
يجاوب به ليكون للمجتهد حمله على العموم أو تخصيصه بالدليل، ثم أعلمه
جبرئيل أنه يجب أن يجعل تخصيصه بالنص عليه لئلا يفوت الحكم بأن يكون
السائل إنما سئل ليستبيح الأخذ بالدين، ويحتمل أن يكون النبي ◌َ﴾ قد اعتقد
حمله على العموم لاجتهاده أو للفظ عام ورد، فأوحي إليه على لسان جبرئيل
عليه السلام بتخصيص الدين، انتهى.
قال ابن عبد البر(٢): فيه دليل على أن من الوحي ما يتلى، وما لا يتلى
وما هو قرآن، وما ليس بقرآن، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى
بُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (٣) إن الآيات القرآن، والحكمة السنة، وكل
من الله إلا ما قام عليه الدليل، فإنه لا ينطق عن الهوى، انتهى.
٣٢/٩٧٩ - (مالك، عن أبي النضر) سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن
(١) ((المنتقى)) (٢٠٦/٣، ٢٠٧).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٢/١٤) والتمهيد (٢٣ - ٢٤٠).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٣٤.
٣٣٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٩) حدیث
عُبَيْدِ اللَّهِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ لِشُهَدَاءٍ أُحُدٍ :
عبيد الله) بضم العينين بالتصغير، والإضافة، القرشي التيمي (أنه بلغه أن
رسول الله وَل( قال) قال ابن عبد البر (١): هذا مرسل عند جميع رواة ((الموطأ))
لكن معناه يستند من وجوه صحاح كثيرة، انتهى.
قلت: وقد ورد في عدة روايات لشهداء أحد مجتمعة ومنفردة لبعضهم
((إني شهيد))، واشتهر قوله مَّر على الحوض: ((سُحقاً لمن غَيَّرَ بعدي)) (الشهداء
أحد) أي لأجلهم وفي شأنهم لما أشرف عليهم مقتولين، كما رواه ابن إسحاق
عن عبد الله بن ثعلبة، قال الحافظ في ((الدراية)): روى الشافعي وأحمد عن
عبد الله بن ثعلبة: ((أن النبي ◌َ ل﴿ أشرف على قتلى أحد فقال: إني شهيد على
هؤلاء زمِّلوهم بكلومهم))، الحديث.
وأخرج البخاري (٢) والأربعة من حديث جابر أنه وم18 كان يجمع بين
رجلين من قتلى أحد وقال: ((أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة))، الحديث.
وأخرجه البيهقي بطرق منها: بلفظ ((لما كان يوم أحد أشرف النبي
صَلىله
وَستَم
على الشهداء الذين قتلوا يومئذ، فقال: زملوهم بدمائهم، فإني عليهم شهيد)).
وأخرجه أيضاً من طريق ابن أبي صغير وهم سبعون كما صرح به البراء بن
عازب وأنس في ((الصحيح)) وأبي بن كعب. وقال في حديثه: أربعة وستون من
الأنصار، وستة من المهاجرين. رواه الحاكم وابن حبان، وصححاه، وهو
المؤيد بقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَبَتَّكُم ◌ُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُ مِثْلَيْهَا﴾(٣) اتفق علماء
التفسير على أن المخاطب بذلك أهل أحد، وإن أصابتهم مثليها يوم بدر بقتل
سبعين وأسر سبعين، وبهذا جزم ابن إسحاق وغيرهم، والزيادة عليهم إن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٣/١٤).
(٢) أخرجه البخاري (١٣٤٣)، وأبو داود (٣١٣٨)، والترمذي (١٠٣٦)، والنسائي
(١٩٥٤)، وابن ماجه (١٥١٤).
(٣) سورة آل عمران: الآية ١٦٥.
٣٣٨

٢١ - كتاب الجهاد
...---
(١٤) باب
(٩٧٩) حديث
((هُؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ))،
ثبتت، فإنما نشأت من الخلاف في تفصيلهم، وليست بزيادة حقيقة، قاله
الزرقاني(١)، وبسط صاحب ((الخميس))(٢) أسماءهم مفصلاً.
(هؤلاء أشهد عليهم). قال الباجي(٣): يحتمل أمرين، أحدهما: أن يشهد
على ظاهر أمورهم من الإيمان، وإقام العبادات، والجهاد في سبيل الله،
واستدامة ذلك إلى أن قتلوا في مجاهدة عدوهم، وإنّ غيرهم ممن بقي بعده لا
يشهد على استدامتهم لذلك إلى موتهم، ويحتمل أيضاً أن يكون شهد على
ظاهرهم بما رأى. وعلى باطنهم بما أُعْلم به وأوحي إليه، لأنه لو كان فيمن قتل
منهم منافق لم ينتفع بهذه الشهادة، ولم ينجه قتاله بين يدي النبي ولا كما لم ينتفع
بذلك قزمان حيث أعلم النبي و # بباطنه، وأنه من أهل النار مع غنائه وانتفاع
المسلمين، فعلى هذا لم يشهد لمن يبقى بعده، لأنه لم يعلم باستدامتهم للظاهر،
ولم يطلع عند موتهم على أنهم ختموا عملهم بما يرضي الله تعالى، انتهى.
وقصة قزمان ذكرها صاحب ((الخميس)) (٤) برواية ابن إسحاق عن عاصم
قال: كان فينا رجل لا ندري ممن هو، يقال له: قزمان، وكان رسول الله وَالآه
يقول إذا ذكر: إنه من أهل النار، فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً، فقتل
وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل
إلى دار بني ظفر، فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم
يا قزمان فأبشر، قال: بماذا أبشر، فوالله إن قاتلتُ إلا عن أحساب قومي،
ولولا ذاك ما قاتلت، فلما اشتدت عليه الجراحة، أخرج سهماً من كنانته، فقتل
به نفسه، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧/٣).
(٢) انظر: ((تاريخ الخميس)) (٤٤٥/١).
(٣) ((المنتقى)) (٣٠٧/٣).
(٤) ((تاريخ الخميس)) (٤٣٨/١).
٣٣٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٤) باب
(٩٧٩) حديث
فَقَالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ: أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ؟ أَسْلَمْنَا كَمَا
...
أَسْلَمُوا، وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجِّ: «بَلَى،
وقال الزرقاني(١): أشهد عليهم بما فعلوه من بذل أجسامهم، وترك من له
الأولاد أولاده كأبي جابر ترك تسع بنات طيبة بذلك قلوبهم فرحين مستبشرين
بوعد خالقهم، حتى إن منهم من قال: لأجد ريح الجنة دون أحد كأنس بن
النضر، وسعد بن الربيع.
ومنهم من ألقى تمرات كن في يده، ومنهم من قال حين خرج: اللَّهم لا
تردني إلى أهلي، كعمرو بن الجموح، ومنهم من خلفه النبي ◌َّ لكبر سنه.
فخرج رجاء الشهادة وهو اليمان وثابت بن وقش، فحذف المشهود به للعلم به.
وقال ابن عبد البر: أشهد لهم بالإيمان الصحيح والسلامة من الذنوب
الموبقات، ومن التبديل، والتغيير، والمنافسة في الدنيا، فجعل على بمعنى
اللام، وقال السهيلي: أشهد من الشهادة، وهي ولاية، وقيادة، فوصلت بحرف
على لأنه مشهود له، وعليه، وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ
عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(٢): إن هذه الشهادة وإن كانت لهم، لكن لما كان ◌َّ كالرقيب
المؤتمن على أمته عدي بعلى.
(فقال أبو بكر الصديق) على وجه الإشفاق لما رأى من تخصيصهم بحكم
كان يرجو أن يكون حظه منه وافراً، وأن يكون حظ جميع من شركه فيه من
الصحابة ثابتاً (يا رسول الله ألسنا بإخوانهم؟ أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما
جاهدوا) يعني أن عملنا كعملهم في الإيمان الذي هو الأصل، والجهاد الذي
هو آخر عملهم.
(فقال رسول الله ◌َّر: بلى) تقرير على إيمانهم وجهادهم كما جاهدوا
(١) (شرح الزرقاني)) (٣٧/٣).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٤٣.
٣٤٠