النص المفهرس
صفحات 281-300
٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث هكذا في ((أحكام القرآن)) (١)، ويظهر إلى ذلك ميل البخاري، كما تقدم من كلام الحافظ والقسطلاني. والتاسع: أن الخمس كله لذوي القربى، كما حكاه الحافظ عن زين العابدين، وتقدم في المذهب الثالث من مذاهبه. والعاشر: ما عزاه عامة المفسرين، ونقلة المذاهب إلى الجمهور، وجعلوه قولاً مشهوراً في الآية أن اسمه تعالى للتبرك، ويقسم الخمس على خمسة أقسام، وتقدم في المذهب الثاني ما قال الرازي في ((التفسير الكبير)): إن هذا هو القول المشهور، وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢): وقال آخرون: قوله: (الله)) افتتاح كلام، وهو مقسوم على خمسة، وهو قول عطاء والشعبي وقتادة، انتهى. وحكى الموفق(٣) عن الحسن بن محمد بن الحنفية وغيره: أن قوله: ﴿لِلَّهِ حَُهُ﴾ افتتاح كلام، يعني أن ذكر الله تعالى لافتتاح الكلام باسمه تبركاً به، لا لإفراده بسهم، فإن الله تعالى الدنيا والآخرة، انتهى. وبذلك جزم صاحب ((الهداية))، واستدل له ابن الهمام (٤) بأثر الحسن بن محمد بن علي بن الحنفية هذا، وقال: رواه الحاكم، وذكره أيضاً عن ابن عباس برواية الطبراني في ((تفسيره)) برواية الضحاك عن ابن عباس، انتهى. وقال البيضاوي: الجمهور على أن ذكر الله عز وجل للتعظيم، كما في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، وأن المراد قسم الخمس على (١) (٦١/٣). (٢) (٦١/٣). (٣) ((المغني)) (٢٨٨/٩). (٤) (فتح القدير)) (٢٤٧/٥). ٢٨١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث الخمسة المعطوفين، فكأنه قال: فإن الله تعالى خمسه يصرفه إلى هؤلاء الأخصين به، انتهى. ثم أهل هذا المذهب اختلفوا فيهما بينهم على أقوال ذكرت في كلام الحافظ. والحادي عشر: أن سهم الله وسهم رسوله واحد، قال الجصاص(١): روى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن الخمس كان يقسم على عهد رسول الله وَلّر على خمسة أسهم، لله وللرسول سهم، ولذوي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، انتهى. وحكاه الموفق أيضاً فقال: سهم الله والرسول واحد، كذا قال عطاء والشعبي، انتھی .. ولو أضيفت إلى هذه المذاهب الأقوال التي تقدمت في كلام الحافظ غير ما ذكر في هذه المذاهب ترتقي المذاهب إلى خمسة عشر قولاً . وأما مسالك الأئمة في فروعهم، فقد قال الموفق(٢) بعد ما حكى الاختلاف في تخميس الفيء: إن الغنيمة مخموسة، ولا اختلاف فيه بين أهل العلم بحمد الله تعالى، وقد نطق به الكتاب العزيز، لكن اختلف في أشياء: منها سلب القاتل، ومنها إذا قال الإمام: من فعل كذا فله كذا فذكر الاختلاف فيها، وتقدم الكلام عليها في مواضعها . ثم قال: إن الخمس مما يجب خمسه من الغنيمة والفيء شيء واحد في مصرفهما وحكمهما، ولا اختلاف في هذا بين القائلين بوجوب الخمس فيهما، فإن القائل بوجوب الخمس في الفيء غير من قاله من أصحابنا الشافعي، وقد وافق على هذا، فإنه قال في الفيء والغنيمة يجتمعان في أن فيهما الخمس لمن (١) («أحكام القرآن)) (٦١/٣). (٢) ((المغني)) (٢٨٥/٩ وما بعدها). ٢٨٢ -- ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث سماه الله تعالى يعني في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية. ثم الخمس يقسم على خمسة أسهم. وبهذا قال عطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وقتادة وابن جريج والشافعي، وروى ابن عباس أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - قسما الخمس على ثلاثة أسهم، ونحوه حكي عن الحسن بن محمد بن الحنفية، وهو قول أصحاب الرأي، قالوا: يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى والمساكين وابن السبيل، وأسقطوا سهم رسول الله وَّل بموته وسهم قرابته أيضاً. وقال مالك: الفيء والخمس واحد يجعلان في بيت المال، قال ابن القاسم: وبلغني عمن أثق به، أن مالكاً قال: يعطي الإمام أقرباءَ رسول الله ◌َ﴿ على ما يرى. وقال الثوري والحسن: يضعه الإمام حيث أراه الله عز وجل. ولنا، قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ الآية. وقال الحسن بن محمد بن الحنفية وغيره: قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ افتتاح كلام كما تقدم. وقد روي عن ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - قالا: كان رسول الله وَّةٍ يقسم الخمس على خمسة أقسام. وما قاله أبو حنيفة فمخالف لظاهر الآية؛ فإن الله تعالى سمى لرسوله وقرابته شيئاً، وجعل لهما في الخمس حقاً، كما سمى للثلاثة الأصناف الباقية. وأما حمل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - على سهم ذي القربى في سبيل الله، فقد ذكر لأحمد، فسكت، وحرك رأسه، ولم يذهب إليه، ورأى أن قول ابن عباس ومن وافقه أولى لموافقته كتاب الله وسنة رسوله، فإن ابن عباس - رضي الله عنه - لما سئل عن سهم ذي القربى؟ فقال: إنا كنا نزعم أنه لنا، فأبى ذلك علينا قومنا. ولعله أراد بقوله: أبى ذلك فعل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في حملهما عليه في سبيل الله، ومن تبعهما على ذلك. ٢٨٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث وقد تكلم في رواية ابن عباس عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنهما حملا على سهم ذي القربى في سبيل الله، فقيل: إنه يرويه محمد بن مروان وهو ضعيف عن الكلبي، وهو ضعيف أيضاً، ولا يصح عند أهل النقل، فإن قالوا: فالنبي ◌َّ ليس بباقٍ فكيف يبقى سهمه؟ قلنا: جهة صرفه إلى النبي ◌َّيّ مصلحة المسلمين، والمصالح باقية. قال رسول الله وقتليفون: ((ما يحل لي إلا الخمس والخمس مردود عليكم». ثم قال الخرقي: وسهم رسول الله وَلا يصرف في الكراع والسلاح ومصالح المسلمين، قال الموفق(١): وهذا قول الشافعي، فإنه قال: اختار أن يضعه الإمام في كل أمر خُصَّ به الإسلامُ وأهلهُ، من سدّ ثغر، وإعداد سلاح، أو إعطائه أهل البلاء في الإسلام نفلاً. وهذا السهم كان لرسول الله وَل من الغنيمة، حضر أو لم يحضر، كما أن سهم بقية أصحاب الخمس لهم، حضروا أو لم يحضروا. وكان لرسول الله رَليل يصنع به ما شاء، فلما توفي وليه أبو بكر - رضي الله عنه - ولم يسقط بموته. وزعم قوم أنه سقط بموته، ويُرَدُّ على أنصباء الباقين من أهل الخمس؛ لأنهم شركاؤه، وقال آخرون: بل يُرَدّ على الغانمين؛ لأنهم استحلّوها بقتالهم، وخرجت منها سهام منها سهم النبي ◌َّ ما دام حياً، فإذا مات وجب رده إلى من وُجِدَ سَبَبُ الاستحقاق فيه، كما أنَّ تَرِكَة الميت إذا خرج منها سهم بوصية، ثم بطلت الوصية ردّت إلى التركة. وقالت طائفة: هو للخليفة بعده؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - روى عن النبي وَّر أنه قال: ((إذا أطعم الله نبياً طعمة، ثم قبضه فهو الذي يقوم بها من بعده))، وقد رأيت أن أرده على المسلمين، والصحيح أنّه باق، وأنه يصرف في مصالح المسلمين، لكن الإمام يقوم مقام النبي مَّ في صرفه. وروي عن الحسن بن محمد بن الحنفية أنه قال: اختلفوا في هذين (١) انظر: ((المغني)) (٢٩٠/٩). ٢٨٤ .-- ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث السهمين يعني سهم رسول الله وَّ وسهم ذي القربى، فأجمع رأيهم على أن يجعلوهما في الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا في خلافة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في الخيل والعدة في سبيل الله، انتهى. وقد عرفت في كلام الموفق، أن الإمام الشافعي - رحمه الله - يوافق الإمام أحمد في بقاء سهم النبي ◌ّ وإنفاقه بعده وَّ في مصالح المسلمين، وكذا يوافقه في سهم ذي القربى. وأما عند المالكية فقد قال الدردير(١): الخمس والجزية والفيء والعشور والخراج محلها بيت مال المسلمين، يصرفه الإمام باجتهاده في مصالحهم العامة والخاصة، يبدأ بالصرف ندباً لآله ◌َّ وهم بنو هاشم، ويوفر أي يكثر ويعظم نصيبهم لمنعهم من الزكاة، ثم للمصالح العائد نفعها على المسلمين، كبناء المساجد والقناطر والغزو وأرزاق القضاة وقضاء دين معسر وتجهيز ميت، انتھی . وقال ابن الهمام(٢): فعند مالك الأمر مفوَّض إلى رأي الإمام، إن شاء قسم بينهم، وإن شاء أعطى بعضهم دون بعض، وإن شاء أعطى غيرهم، إن كان أمر غيرهم أهم من أمرهم، انتهى. وأما عند الحنفية ففي ((الدر المختار))(٣): والخمس يقسم عندنا أثلاثاً لليتيم والمسكين وابن السبيل، وجاز صرفه لصنف واحد - (فتح)) - وفي ((المنية)): لو صرفه للغانمين لحاجتهم جاز، وقدم فقراء ذوي القربى، ولاحق لأغنيائهم، وذكره تعالى للتبرك باسمه في ابتداء الكلام إذ الكل لله تعالى، وسهمه ◌َّ سقط بموته، لأنه حكم علق بمشتق وهو الرسالة، انتهى. (١) ((الشرح الكبير)) (١٩٠/٢). (٢) ((فتح القدير)) (٢٤٣/٥). (٣) ((الدر المختار)) (٣٢٦/٤). ٢٨٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث وفي ((الهداية))(١): الخمس يقسم على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل، يدخل فقراء ذوي القربى فيهم، ويقدمون، ولا يدفع إلى أغنيائهم. وقال الشافعي - رحمه الله -: لهم خمس الخمس يستوي فيه غنيهم وفقيرهم، ويقسم بينهم للذكر مثل حظّ الأنثيين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِذِى الْقُرْبَ﴾ من غير فصل بين الغني والفقير. ولنا، أن الخلفاء الأربعة الراشدين قسموه على ثلاثة على نحو ما قلنا، وكفى بهم قدوة، وقال عليه السلام، ((يا معشر بني هشام! إن الله تعالى كره لكم غسالة الناس، وأوساخهم، وعوضكم منها بخمس الخمس))، والعوض إنما يثبت في حق من يثبت في حقه المعوض وهم الفقراء، والنبي ◌َّ أعطاهم للنصرة، ألا ترى أنه ◌ّ * علل فقال: ((إنهم لن يزالوا معي هكذا وشبّك بين أصابعه)) دل على أن المراد من النص قرب النصرة لا قرب القرابة، وأما ذكر الله تعالى في الخمس، فإنه لافتتاح الكلام تبركاً باسمه، وسهم النبي ◌َّ سقط بموته؛ لأنه ◌َ﴾ كان يستحقه برسالته ولا رسول بعده، انتهى. قال ابن الهمام(٢): قوله: يقسم على ثلاثة، فإن قيل: فلا فائدة حينئذ في ذكر اسم اليتيم حيث كان استحقاقه بالفقر والمسكنة لا باليتم، أجيب بأن فائدته دفع توهم أن اليتيم لا يستحق من الغنيمة شيئاً؛ لأن استحقاقها بالجهاد واليتيم صغير، فلا يستحقها، ومثله ما ذكر في ((التأويلات)) للشيخ أبي منصور لما كان فقراء ذوي القربى يستحقون بالفقر، فلا فائدة في ذكرهم في القرآن، أجاب بأن أفهام بعض الناس قد تُفضي إلى أن الفقير منهم لا يستحق؛ لأنه من قبيل الصدقة، ولا تحلّ لهم، وفي ((التحفة)): هذه الثلاثة مصارف الخمس عندنا لا على سبيل الاستحقاق، حتى لو صرف إلى صنفٍ واحدٍ منهم جاز، كما في الصدقات. (١) (٣٩٠/١). (٢) انظر: ((فتح القدير)) (٢٤٢/٥). ٢٨٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث وقوله: ولنا، أن الخلفاء الراشدين إلخ ثم إنه لم ينكر عليهم أحد ذلك مع علم جميع الصحابة بذلك وتوافرهم، فكان إجماعاً إذ لا يظن بهم خلاف رسول الله ◌َ﴾، والكلام في إثباته، فروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنه -: أن الخمس كان يقسم على عهد رسول الله والله على خمسة أسهم: الله والرسول سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل. وروى الطحاوي عن محمد بن خزيمة عن يوسف بن عدي عن عبد الله بن المبارك عن محمد بن إسحاق قال: سألت أبا جعفر يعني محمد بن علي، فقلت: أرأيت علياً - رضي الله عنه - حيث ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذي القربى؟ قال: سلك به والله سبيل أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، فقلت: وكيف وأنتم تقولون ما تقولون؟ قال: أما والله ما كان أهله يصدرون إلا عن رأيه، قلت: فما منعه؟ قال: كره والله أن يدعى عليه بخلاف سيرة أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. قال ابن الهمام: وكون الخلفاء فعلوا ذلك لم يختلف فيه، وبه تصح رواية الكلبي، فإنه مضغَّفٌ عند أهل الحديث إلا أنه وافق الناس، وحين ثبت هذا حكمنا بأنه إنما فعله لظهور أنه الصواب، لا أنه لم يكن يحل له أن يخالف اجتهاده اجتهادهما، وقد عُلِم أنه خالفهما في أشياء لم توافق رأيه كبيع أمهات الأولاد وغير ذلك، فحين وافقهما علمنا أنه رجع إلى رأيهما، وبهذا يندفع ما استدل به الشافعي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: كان رأي علي - رضي الله عنه - في الخمس رأي أهل بيته، ولكن كره أن يخالف أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - ، قال: ولا إجماع بدون أهل البيت، لأنا نمنع أن ٢٨٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث فعله كان تقية من أن ينسب إليه خلافهما وكيف؟ وفيه منع المستحقين من حقهم في اعتقاده، فلم يكن منعه إلا لرجوعه وظهور الدليل له. وكذا ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - من أنه كان يرى ذلك محمول على أنه كان في الأول كذلك، ثم رجع، ولئن لم يكن رجع، فالأخذ بقول الراشدين مع اقترانه بعدم النكير أولى، انتهى. وقول صاحب ((الهداية)): قرب النصرة لأقرب القرابة، قال صاحب (العناية))(١): والمراد بالنصرة نصرة الاجتماع في الشِّعْبِ، لا نصرةَ القتال، يشير إليه قوله عليه السلام: ((لا نفترق في جاهلية ولا إسلام)) ولهذا يصرف إلى النساء والذراري. قال ابن الهمام(٢): والذي يجب أن يُعَوَّل عليه على اعتقاد أن الراشدين لم يُعطوا ذوي القربى، أن القربى بيان مصرف لا استحقاق على ما هو المذهب، وإلّا لم يجز لهم منعه بعده عليه الصلاة والسلام، فكان يجب أن يعطوهم، فلما لم يعطوهم كان المراد بيان أنهم مصارف أي أن كلا من المذكورين مصرف حتى جاز الاقتصار على صنف واحد، كان يعطى تمام الخمس لليتامى كما ذكرنا في ((التحفة))، فجاز للراشدين أن يصرفوه إلى غيرهم خصوصاً، وقد رأوهم أغنياء متموّلين إذ ذاك، ورأوا صرفه إلى غيرهم أنفع، انتهى . قال الخطابي في ((المعالم)) (٣): استدل بهذا الحديث أي بقوله: ((إلا الخمس والخمس مردود عليكم)) بعض أهل العلم على أن سهم النبي وَلّ ساقط (١) انظر: ((العناية)) على هامش ((فتح القدير)) (٢٤٦/٥). (٢) ((فتح القدير)) (٢٤٥/٥). (٣) (معالم السنن)) (٤٥٩/٢). ٢٨٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث بعد موته، ومردود على شركائه المذكورين معه في الآية، وكذلك سهم ذي القربى، وإلى ذلك ذهب أصحاب الرأي، انتهى. وقال الجصاص في ((أحكام القرآن)) (١): ويدل على أن الخمس غير مستحق قسمته على السّهمان، وأنه موكول إلى رأي الإمام، قولُه وَلّ: ((ما لي من هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم))، ولم يخصص القرابة بشيء منه دون غيرهم، دل ذلك على أنهم فيه، كسائر الفقراء يستحقون منه مقدار الكفاية وسد الخلة، ويدل عليه قوله وَله: ((يذهب كسرى فلا كسرى بعده، ويذهب قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)) فأخبر أنه ينفق في سبيل الله ولم يخصص به قوماً دون قوم، ويدل على أنه كان موكولاً إلى رأي النبي ◌َّ، أنه أعطى المؤلفة قلوبهم، وليس لهم ذكر في آية الخمس، فدل على ما ذكرنا، ويدل عليه أن كل من سمي في آية الخمس لا يستحق إلا بالفقر، وهم اليتامى وابن السبيل، فكذلك ذوو القربى؛ لأنه سهم من الخمس، انتهى. قلت: وترجم البخاري في (صحيحه))(٢) ((باب الدليل على أن الخمس النوائب رسول الله وَ﴾ والمساكين وإيثار النبي مثل﴿ أهل الصفة والأرامل حين سألته فاطمة - رضي الله عنها - وشكت إليه الطحن والرحى أن يُخْدِمَها من السبي فَوكلها إلى الله)). ثم قال: باب(٣) قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلَرَّسُولِ﴾ يعني للرسول قسم ذلك، وقال رسول الله وَالر: ((إنما أنا قاسم والله يعطي)). (١) (٦٤/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٢١٥/٦). (٣) (٢١٧/٦). ٢٨٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٦٩) حديث ثم قال(١): ((باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي ◌ُّية برضاعه فيهم، فتحلل من المسلمين، وما كان النبي وَّ بعد الناس أن يعطيهم من الفيء والأنفال من الخمس، وما أعطى الأنصار، وما أعطى جابر بن عبد الله من تمر خيبر)). ثم قال(٢): ((باب: ومن الدليل على أن الخمس للإمام وأنه يعطي بعض قرابته دون بعض، ما قسم النبي (ّليّ لبني المطلب ولبني هاشم من خيبر))، وذكر الروايات المتعلقة بهذه التراجم. فهذه كلها تدل على ما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة من أن القسمة إلى الثلاثة أو الخمس ليست بواجبة، بل الإمام لو رأى صرفها في محل سواها يجوز له ذلك. ثم حديث الباب وما في معناه استدل بها من أنكر سهم الصفيّ، قال الموفق(٣): وكان لرسول الله وَل من المغنم الصفي، وهو شيء يختاره من المغنم قبل القسمة، كالجارية والعبد والثوب والسيف ونحوه، وهذا قول ابن سيرين والشعبي وقتادة وغيرهم من أهل العلم، وقال أكثرهم: إن ذلك انقطع بموت النبي ◌َّ، قال أحمد: الصفي إنما كان للنبي ◌ّر خاصة لم يبق بعده، ولا نعلم مخالفاً لهذا إلا أبا ثور، فإنه قال: إن كان الصفي ثابتاً للنبي فللإمام أن يأخذه على نحو ما كان يأخذه النبي وَلّ، ويجعله بجعل سهم النبي ◌ّ من خمس الخمس، فجمع بين الشك فيه في حياة النبي وَّ، ومخالفة الإجماع في إبقائه بعد موته، قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً سبق أبا (١) (فتح الباري)) (٢٣٦/٦). (٢) (٢٤٤/٦). (٣) ((المغني)) (٢٩١/٩). ٢٩٠ .....- ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٠) حديث ٩٧٠/ ٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ : ثور إلى هذا القول، وأنكر قوم كون الصفي للنبي وَل، واحتجوا بحديث الباب أي من قوله: إلا الخمس، ولأنه تعالى قال: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ الآية، فمفهومه أن باقيها للغانمين. ولنا، ما روى أبو داود بإسناده أن النبي وَلل كتب إلى بني زهير بن قيس: ((إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأدَّيتَمُ الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم الصفي، إنكم آمنون بأمان الله ورسوله))، وفي حديث وفد عبد القيس الذي رواه ابن عباس: ((وأن يعطوا سهم النبي وَال والصفي)). وقالت عائشة: كانت صفية من الصفي. رواه أبو داود، وأما انقطاعه بعد النبي ◌َّل﴿ فثابت بإجماع الأمة قبل أبي ثور وبعده، وكون أبي بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم لم يأخذوه، ولا ذكره أحد منهم، ولا يجمعون على ترك سنة النبي وَالر، انتهى. وفي ((البذل)) (١) عن ((شرح السير)): كان لرسول الله و لل ثلاث حظوظ في الغنائم: الصفي، وخمس الخمس، وسهم كسهم أحد من الغانمين، ومعنى الصفي أنه كان يصطفي لنفسه شيئاً قبل القسمة من سيف أو درع أو جارية أو نحو ذلك، وقد كان هذا لولي الجيش في الجاهلية مع حظوظ أخر، وفيه يقول القائل : لك المرباع منها والصفايا وحملك والنشيطة والفضول فانتسخ ذلك كله سوى الصفي، فإنه كان لرسول الله وَ # ولم يبق بعد موته بالاتفاق، انتهى. ٢٣/٩٧٠ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الانصاري (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة والموحدة الثقيلة، زاد في النسخ المصرية بعد (١) ((بذل المجهود)) (٣١١/١٣). ٢٩١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٠) حديث أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدِ الْجُهَنِيَّ ذلك: عن ابن أبي عمرة، وليست هذه الزيادة في النسخ الهندية، والصحيح حذفها في رواية يحيى كما سيأتي (أن زيد بن خالد الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء، المدني الصحابي الشهير، قال ابن عبد البر(١): كذا في رواية يحيى، وهو غلط منه، وسقط من كتابه شيخ محمد، وهو في رواية غيره إلا أنهم اختلفوا فيه، فقال القعنبي وابن القاسم وأبو مصعب ومعن بن عيسى وسعيد بن عفير: عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي عمرة، وقال ابن وهب ومصعب الزبيري: عن ابن أبي عمرة، واسمه عبد الرحمن، انتهى. كذا في ((التنوير))(٢) و((الزرقاني)). وهكذا ذكر في ((التقصي)) (٣) بلفظ عن محمد بن يحيى بن حبان أن زيد بن خالد، ثم قال: هكذا في كتاب يحيى وروايته عن مالك، لم يقل عن أبي عمرة ولا عن ابن أبي عمرة، وهو غلط منه، وسقط من كتابه ذكر أبي عمرة أو ابن أبي عمرة، واختلف فيه أصحاب مالك، فقال القعنبي وابن القاسم في رواية ومعن بن عيسى وأبو مصعب وسعيد بن عفير وأكثر النسخ عن ابن بكير كلهم قالوا في هذا الحديث: عن مالك عن أبي عمرة، وقال ابن وهب ومصعب الزبيري عن مالك فيه: عن ابن أبي عمرة، وكذلك روته طائفة عن ابن القاسم عن مالك، انتهى مختصراً، وذكر في هامشه: زاد في المصرية ((قد يكون مالك سكت عنه لما داخله فيه من الشك، ويحيى من آخر من سمعه عن مالك))، انتهى. وصوب العلامة الزرقاني(٤) ابن أبي عمرة مستدلاً بما قال الحافظ في ((التقريب)): أبو عمرة الأنصاري عن زيد بن خالد، صوابه: ابن أبي عمرة، واسمه عبد الرحمن، انتهى. (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٣/١٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٠/٣). (٣) (ص٣٨٣). (٤) (ص٢٢١). ٢٩٢ --- -- - - ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٠) حديث قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ يَوْمَ حُنَيْنِ، وتوهم العلامة الشارح في ذلك، فإن الذي صوب الحافظ كونه ابن أبي عمرة، وسماه عبد الرحمن هو رجل آخر، يروي أيضاً عن زيد بن خالد الجهني، لكنه يروي عنه حديث ((ألا أخبركم بخير الشهداء))، يأتي في ((الموطأ)) أيضاً في ((كتاب الأقضية))، فإن الرواة اختلفوا فيه أيضاً، فبعضهم ذكروه بأبي عمرة، وبعضهم بابن أبي عمرة، فصوب فيه الحافظ الثاني تبعاً للترمذي إذ صوبه في ((جامعه)) في (كتاب الشهادة))، وأما أبو عمرة هذا الراوي حديث الغلول، فإنه رجل آخر، أشار إليه أيضاً الترمذي، وقال فيه الحافظ في (تقريبه)): أبو عمرة مولى زيد بن خالد الجهني، مقبول من الثالثة، انتهى. وقال في ((تهذيبه)): ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وإليه أشار ابن عبد البر في ((التقصي))، إذ عزاه إلى الأكثرين، وحديث الغلول هذا أخرجه أبو داود(١) برواية القطان وبشر بن المفضل كلاهما عن يحيى بن سعيد الأنصاري بلفظ أبي عمرة، وكذا النسائي برواية القطان فقط، وكذا ابن ماجه برواية الليث عن يحيى الأنصاري بلفظ أبي عمرة. وعلم من هذا كله أن ما في النسخ المصرية عن محمد بن يحيى بن حبان عن ابن أبي عمرة، أن زيد بن خالد الجهني غلط بوجهين: الأول: أن رواية يحيى ليست بواسطة، والثاني: أن الصواب في الواسطة أبو عمرة لا ابن أبي عمرة . (قال) زيد (توفي رجل) لم يسم، وحكى الشيخ في ((البذل))(٢) عن رواية أحمد في ((مسنده)): أن رجلاً من أشجع من أصحاب النبي وَّ، انتهى. قلت: وهكذا في ابن ماجه بلفظ: توفي رجل من أشجع بخيبر، الحديث، (يوم حنين) (١) (٢٧١٠) وابن ماجه (٢٨٤٨) والنسائي (٤ /٦٤). (٢) ((بذل المجهود)) (٢٨٤/١٣). ٢٩٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب ( ٩٧٠) حديث وَإِنَّهُمْ ذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّ، فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: (صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ))، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذلِكَ، بالحاء المهملة ونونين بينهما تحتانية في جميع النسخ الهندية، قال ابن عبد البر(١): كذا في رواية يحيى، وهو وهم، وإنما هو يوم خيبر، وعلى ذلك جماعة الرواة، وهو الصحيح، كذا في ((التنوير))(٢). وقال الباجي(٣): يوم حنين كذا وقع في كثير من النسخ وهو غلط، والصواب يوم خيبر، وكذلك رواه الأثبات، ويدل على ذلك أنه قال: من خرز يهود، ولم يكن يوم حنين يهود يؤخذ من خرزهم، والقصة مشهورة، وإنما كان ذلك إذا فتحت خيبر، انتهى. قلت: وكذلك في أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرها بلفظ خيبر، قال الزرقاني: بخاء معجمة وآخره راء عند جميع الرواة إلا يحيى، فقال: حنين، وهو وهم منه، والصحيح خيبر، ويدل عليه قول: من خرز يهود ولم يكن بحنين يهود، قاله ابن عبد البر، انتهى. قلت: وعلم منه أن ما في بعض النسخ المصرية في لفظ خيبر وإن كان صحيحاً في نفسه لكنه خلاف رواية يحيى. (وإنهم ذكروه لرسول الله وَله) ليصلي عليه رجاء بركة دعائه وصلاته وَلآل، وقال عزّ اسمه: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَرٌ لَهُمْ﴾ (فزعم زيد) أي قال زيد، وإطلاق الزعم على القول شائع في الحديث كثيراً، وأكثر ما يطلق على القول الذي لم يوثق به (أن رسول الله ◌َّلر قال: صلوا على صاحبكم) فأشار إلى امتناعه وَيّة عن الصلاة عليه. (فتغيرت وجوه الناس لذلك) قال الباجي(٤): يحتمل أن يريد به وجوه (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٤/١٤). (٢) (ص٣٨٣). (٣) ((المنتقى)) (٢٠٠/٣). (٤) ((المنتقى)) (٢٠٠/٣). ٢٩٤ ...-- - ..------ --. ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٠) حديث فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ﴿ قَالَ: ((إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، المؤمنين لامتناعه وقلّر من الصلاة على من هو من جملتهم، ولا يعلمون له ذنباً انفرد به، فخافوا أن يكون المانع أمراً يشملهم فيهلكوا بذلك، ويحتمل أن يريد به قبيلة وطائفة تغيرت وجوههم لما يخصهم من أمره، ولما خافوا أن يكون ذلك لمعنی شائع فیهم، انتھی. قلت: أو تغيرت لأجل هذا الرجل خاصة لأنه قد علموا من حاله وَلاول أنه لا يمتنع من الصلاة إلا على من لا ترضى حاله، وأنه قد علم أنه أحدث حدثاً يمنعه من الصلاة عليه. (فزعم زيد أن رسول الله(٣) قال: إن صاحبكم) هذا (قد غلّ في سبيل الله) أي خان في الغنيمة، فبين المعنى الذي امتنع به عن الصلاة عليه . قال الشيخ في ((البذل))(١): فلهذا قالت الفقهاء: إذا مات الفاسق المصرُّ على الفسق يجوز أن لا يصلي عليه الأئمة الذين يُقتدى بهم، بل يأمرون الناس أن يصلوا عليه، انتهى. قال الباجي: وهذه سنة في امتناع الأئمة وأهل الفضل من الصلاة على أهل الكبائر على وجه الردع والزجر عن مثل فعلهم، وأمر غيره بالصلاة عليه دليل على أن لهم حكم الإيمان لا يخرجون عنه بما أحدثوه من معصية، وقد روى ابن سحنون عن أبيه عن مالك أنه قال: لا بأس أن يصلى على من غلّ، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن يريد به أن يصلي عليه غير الإمام، والثاني: أن الإمام مخيَّر إن شاء صلّى وإن شاء ترك، وإن ما فعل النبي ◌َّ من الامتناع لم يكن على وجه المنع من الصلاة عليه، وإنما كان ذلك لأنه رأى ذلك في ذلك الوقت أفضل، وأن من رأى الصلاة في وقت تكون الصلاة (١) ((بذل المجهود)) (٢٨٥/١٢). ٢٩٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٠) حديث قَالَ: فَفَتَحْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا خَرَزَاتٍ مِنْ خَرَزِ يَهُودَ، مَا تُسَاوِينَ دِرْهَمَیْنِ . أخرجه أبو داود في: ١٥ - كتاب الجهاد، ١٣٣ - باب في تعظيم الغلول. والنسائيّ في: ٢١ - كتاب الجنائز، ٦٦ - باب الصلاة على من غلّ. وابن ماجه في: ٢٤ - كتاب الجهاد، ٣٤ - باب الغلول. أفضل، وقد قال ◌َّ في الصلاة على المنافقين: ((إني خيرّتُ فاخترت))، انتھی . (قال) زيد (ففتحنا) وفي أبي داود وغيره: ((ففتشنا)) (متاعه) لنجد ما غل فنردّه إلى الغنائم (فوجدنا خرزات من خرز اليهود) بالتعريف في النسخ الهندية، و((من خرز يهود)) بالتنكير في المصرية، وفي أبي داود وغيره: ((خرزاً من خرز يهود)) وفي ((مختار الصحاح)): خرز الخف وغيره من باب نصر، والخرز - بفتحتين - الذي ينظم، الواحد خرزة، وقال المجد: الخرزة محركةً: الجوهر وما ينظم، وخرزات الملك جواهر تاجه، قال الباجي (١): يحتمل أنهم عرفوا أنها من الغنائم لأنهم انفصلوا عن غنائم اليهود بخيبر، ولم تكن عنده مثل هذا من المتاع، لا سيما في ذلك الموضع الذي لا يحمل فيه الخرز لزينة ولا لبيع، فعلموا بذلك أنها غلّ من الغنائم، ويحتمل أن يكون عرف ذلك من رآه يأخذها من دور اليهود، فظن أنه قد أدّاها، فلما وجدها في متاعه بعد موته، عرفها ووصفها بذلك على معنى الإعلام بجنسها وقلة الانتفاع بها، كما أخبر بقيمتها، فقال: (ما يساوين درهمين) ليعلم بتفاهة قيمتها، وإن أخذ هذا المقدار على تفاهته أيضاً من جملة الكبائر التي تمنع من صلاة النبي ◌َّلّ عليه. (١) ((المنتقى)) (٢٠١/٣). ٢٩٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧١) حديث ٢٤/٩٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ الْكِنَانِيّ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَتَى النَّاسَ فِي قَبَائِلِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ، وَأَنَّهُ تَرَكَ قَبِيلَةً مِنَ الْقَبَائِلِ، قَالَ: وَإِنَّ الْقَبِيلَةَ ٢٤/٩٧١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة) بضم الموحدة، كما في ((رجال جامع الأصول)) (الكناني) قال الزرقاني(١): قال في ((الإكمال)): سئل أبو زرعة الرازي عن اسم أبي بردة فقال: لا أعرفه، انتهى. قلت: والظاهر عندي أنه هو المغيرة بن أبي بردة الراوي حديث الوضوء، فإنهم اختلفوا في اسمه، كما تقدم في محله، وقال الحافظ في ((التعجيل)): عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة الكناني حجازي، أرسل عن النبي ◌ُّلّ في الوضوء بماء البحر، وعنه يحيى بن سعيد، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: روى عنه أهل المدينة، انتهى. (أنه بلغه أن رسول الله (وَ لا) قال ابن عبد البر(٢): لا أعلم هذا الحديث روي مسنداً بوجه من الوجوه، انتهى. قلت: وهذا غير الأحاديث الأربعة التي تقدمت في المقدمة (أتى الناس في قبائلهم) جمع قبيلة وهي جماعة من بني أب واحد، قال الباجي: يريد أن القبائل تحيزوا في نزولها، تنزل كل قبيلة في جهة، فأتى الناس في قبائلهم، أي في مواضعهم التي تحيزوا فيها بالقبائل (يدعو لهم) قال الباجي(٣): يريد أن إتيانه القبيلة إنما كان للدعاء لها استئلافاً للمسلمين، وإحساناً إليهم، وإرادة أن تعمهم بركة دعائة من سيرعلى وجه التخصيص به لكل قبيلة (وأنه ترك قبيلة من القبائل) بغير الدعاء، فلم يأتهم، ولم يدع لهم تنبيهاً على فعل وجد منهم، منع من ذلك. (قال) الراوي: (وإن القبيلة) لما علموا أن رسول الله وّ لم يَدَعِ الإتيان (١) (شرح الزرقاني)) (٣٠/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٩٤/١٤). (٣) ((المنتقى)) (٢٠١/٣). ٢٩٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧١) حديث وَجَدُوا فِي بَرْدَعَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ عِقْدَ جَزْعٍ، غُلُولاً، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ عَلَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهِمْ، كَمَا يُكَبِّرُ عَلَى الْمَيِّتِ. إليهم والدعاء لهم، وقد فعل ذلك لسائر القبائل إلا لحدثٍ فيهم، كشفوا عن ذلك الحدث، وفتشوا حالهم ومتاعهم (وجدوا في بردعة رجل منهم) بدال مهملة في النسخة الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها بذال معجمة. قال الباجي(١): البرذعة الفراش المبطن، وقال الزرقاني (٢): بدال مهملة ومعجمة، حلس يجعل تحت الرحل، هذا أصله لغة، وفي عرف زماننا هي للحمار بمنزلة السرج للفرس، كما في ((المصباح))، وفي ((مختار الصحاح)): البرذعة بالفتح الحلس الذي يلقى تحت الرحل (عقد) بكسر العين المهملة وإسكان القاف قلادة (جزع) بفتح الجيم وسكون الزاي: خرز فيه بياض وسواد الواحد جزعة كتمر وتمرة، وفي ((المحلى)): الجزع: الخرز اليماني (غلولا) أي خيانة من المغنم. (فأتاهم رسول الله (وَلّ فكبر عليهم كما يكبر على الميت) قال الباجي: يحتمل أن يكون ◌َ﴿ فعل ذلك على وجه الزجر عن مثل ما وجد عندهم من الغلول، ولعله ﴿ ﴿ أشار بتكبيره عليهم أربعاً، كما يكبر على الميت إلى أن حكمهم حكم الموتى الذين لا يسمعون الوعظ، ولا يمتثلون الأوامر، ولا يجتنبون النواهي، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ الآية، ويحتمل أن يكون 1 أشار بذلك إلى أنهم بمنزلة الموتى الذين انقطع عملهم، وذلك إن كان يعلم أن من فعل ذلك منهم لا يقضى له بتوبة، فكان ذلك بمنزلة الإعلام بسوء مصيره، كما قال ◌َّ للرجل المسمى قزمان، وقد بلي في قتال المشركين بلاء عظيماً، فقال: ((إنه من أهل النار))، فكانت خاتمته أن قتل نفسه، فيكون في هذا الحديث على من غلَّ خاصةً وتمادى على كتمان ما غله وستره، ولم يأت به إذا امتنع النبي ◌َل#له من إتيان قبيلته والدعاء لها، ولا صرفه عن سوء (١) ((المنتقى)) (٢٠١/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣١/٣). ٢٩٨ ۔ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٢) حديث ٢٥/٩٧٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِيِ الْغَيْثِ سَالِم مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً؛ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ عَامَ خَيْبَرَ، معتقده في الإصرار على الغلول، حتى فتش متاعه ووجد الغلول عنده، فكان تكبيره ولو كتكبيره على الميت إعلاماً بأنه في حكم الميت على ذلك الفعل، وأنه لم يقض له بتوبة نسأل الله العفو والعافية والعصمة برحمته، انتهى. قال الزرقاني(١): والأول أظهر، وبه جزم أبو عمر، انتهى. ٢٥/٩٧٢ - (مالك، عن ثور) بمثلثة في أوله (ابن زيد الديلي) بكسر المهملة وإسكان التحتية، ووقع في بعض روايات مسلم الدؤلي (عن أبي الغيث) بغين معجمة فتحتية فمثلثة (سالم) المدني (مولى عبد الله بن مطيع) بن الأسود القرشي العدوي، قال النووي(٢): سالم أبو الغيث صحيح، وفيه تصريح بأنه يسمى سالماً، وأما قول ابن عبد البر في أول كتابه ((التمهيد)»: لا يوقف على اسمه صحيحاً ليس بمعارض لهذا الإثبات الصحيح، انتهى. قال الحافظ في ((الفتح)) (٣): سالم مولى ابن مطيع يكنى أبا الغيث، وهو بها أشهر، وقد سمي هاهنا، فلا التفات لقول من قال: إنه لا يوقف على اسمه صحيحاً، وهو مدني لا يعرف اسم أبيه، انتهى. وقال في ((تهذيبه)) ورقم عليه للستة: قال أحمد: لا أعلم أحداً روى عنه إلا ثور، وأحاديثه متقاربة، وقال ابن سعد: كان ثقة حسن الحديث، انتهى. وذكر في الآخذين عنه جماعة غير ثور، قال الزرقاني: عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي العدوي والمدني، له رؤية، وأَمّره ابن الزبير على الكوفة، ثم قتل معه سنة ٧٣هـ. (عن أبي هريرة أنه قال: خرجنا مع رسول الله (مّ عام حنين) بالحاء (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣١/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٨٨/٧). (٣) انظر: ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٢٨/٢/١). ٢٩٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٣) باب (٩٧٢) حديث المهملة ونونين بينهما تحتانية، هكذا في بعض النسخ الهندية، وفي أكثرها وجميع النسخ المصرية: ((خيبر)) بالخاء المعجمة آخره راء مهملة، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه، لكنه غلط في نسخة يحيى هذه؛ لأنهم اتفقوا على غلط يحيى في ذلك، ولعل من ذكر لفظ ((خيبر)) هاهنا أراد تصحيح اللفظ، ولم يكن له حق على قواعد المحدثين، كما هو معروف من أصولهم، قال ابن عبد البر: قوله: حنين، كذا رواه عبيد الله بن يحيى عن أبيه في الموضعين، ورواه ابن وضّاح عن يحيى ((خيبر)) في الموضعين على ما رواه الجماعة عن مالك، منهم ابن وهب وابن القاسم والقعنبي ومعن بن عيسى والشافعي وأبو إسحاق الفزاري وغيرهم وهو الصواب، انتهى. وخالفه الباجي، فقال: عام حنين، كذا قال عن مالك يحيى بن يحيى وابن القاسم والقعنبي، وقال جماعة من الرواة عن مالك: عام خيبر، انتهى. فذكر ابن القاسم والقعنبي فيمن روى حنيناً. وأخرجه البخاري في ((صحيحه)) برواية أبي إسحاق الفزاري عن مالك بلفظ ((خيبر))، قال الحافظ: في رواية عبيد الله بن يحيى بن يحيى الليثي عن أبيه في ((الموطأ)) (حنين)) بدل ((خيبر))، وخالفه محمد بن وضَّاح عن يحيى بن يحيى فقال: ((خيبر)) مثل الجماعة، نبه عليه ابن عبد البر، ووقع في رواية إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عند البخاري في ((الأيمان والنذور))(١): خرجنا مع النبي ◌ِّر، وهي رواية رواة ((الموطأ)) أعني قوله: خرجنا. وأخرجها مسلم (٢) من طريق ابن وهب عن مالك، ومن طريق عبد العزيز الدراوردي عن ثور، فحكى الدارقطني عن موسى بن هارون أنه قال: وهم ثور في هذا الحديث؛ لأن أبا هريرة لم يخرج مع النبي ◌َّ إلى خيبر، وإنما قدم بعد خروجهم إلى خيبر، وقدم عليهم خيبر بعد أن فتحت. قال أبو مسعود: (١) ح (٦٠٧٧) ((باب هل يدخل في الأيمان والنذور)) إلخ ((فتح الباري)) (٥٩٢/١١). (٢) أخرجه مسلم (١٣٨/٢) ((باب غلظ تحريم الغلول)). ٣٠٠