النص المفهرس

صفحات 261-280

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
إِلَّا مِنَ الْخَيْلِ، لأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَاَلْخَيَلَ وَالْبِغَالَ
ج
وَاَلْحَمِيرَ لِتَكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ
(إلا من الخيل) قال الباجي(١): ذهب مالك في قوله هذا إلى أحد
معنيين، أحدهما: أن اسم الخيل واقع على جميعها وإن افترقت في أنواعها .
فمنها العراب، ومنها الهجن، أو المعنى أن يريد أنها في حكمها وإن لم يكن
اسم الخيل يتناولها (لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه:) خلق (﴿وَالْخَيَلَ﴾) اسم
جنس لا واحد له من لفظه، بل من معناه، وهو فرس، وسمّت خيلا لاختيالها
في مشيها، كذا في ((الجمل)). و(﴿وَالْغَالَ﴾) جمع بغل وهو المتولد بين الخيل
والحمير، (﴿وَاُلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُهَا وَزِينَةً﴾) قال ابن بطال: وجه الاحتجاج بالآية
أن الله تبارك وتعالى امتنَّ بركوب الخيل، وقد أسهم لها رسول الله وَّل، واسم
الخيل يقع على البرذون والهجين، بخلاف البغال والحمير، وكأن الآية
استوعبت ما يركب من هذا الجنس لما يقتضيه الامتنان، فلما لم ينص على
البرذون والهجين فيها دلّ على دخولها في الخيل، انتهى.
وقال الباجي(٢): استدلال مالك بالآية يدل على أنه أراد أن اسم الخيل
يتناول البراذين والهجن، لأنه تعالى قال: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾، والظاهر
أنه استوعب ذكر الحيوان المشار إلى ركوبه والحمل عليه ليُعَدِّد نعمه علينا،
ولم يذكر الهجن والبراذين، فدل ذلك على أن اسم الخيل يتناولها، انتهى.
(وقال) الله (عز وجل:) (﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ﴾) أي لقتالهم (﴿مَّا أُسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةِ﴾)
قال النبي ◌ّ وهو على المنبر: ((ألا إنّ القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إنّ
القوة الرمي)) أخرجه أبو داود(٣) من حديث عقبة بن عامر الجهني (﴿ وَمِن رِّبَاطِ
(١) ((المنتقى)) (١٩٧/٣).
(٢) («المنتقى)) (١٩٧/٣).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٥١٣).
٢٦١

٠٠
٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، فَأَنَا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ
مِنَ الْخَيْلِ، إِذَا أَجَازَهَا الْوَالِي، وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: وَسُئِلَ
عَنِ الْبَرَاذِينِ، هَلْ فِيهَا مِنْ صَدَقَةٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ
صَدَقَةٍ؟
اٌلْخَيْلِ﴾) مصدر بمعنى حبسها في سبيل الله (﴿تُرْهِبُونَ بِهِ،﴾) أي تخوفون به، قال
صاحب ((الجمل)): يجوز أن يكون حالاً من فاعل أَعِدُّوا أي حال كونكم مرهبين،
وأن يكون حالاً من مفعوله أي أعِدُّوه مرهباً به (﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾) ومعنى ذلك
أنه إذا ثبت بالآية المتقدمة أن الهجن والبراذين من الخيل، وقد قال تعالى:
﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾، ثبت أن البراذين والهجن مما
قد أمر الله تعالى بأن تربط في سبيل الله ليرهب بها العدو .
(فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل) أي في حكم الخيل في السهام (إذا
أجازها الوالي) أي أمير الجيش (وقد قال سعيد بن المسيب) كما تقدم في كتاب
الزكاة في ((باب صدقة الخيل)).
(وسئل) ببناء المجهول والسائل عبد الله بن دينار (عن البراذين، هل فيها
من صدقة؟ فقال) سعيد في جوابه (وهل في الخيل من صدقة؟) فجعلها من
الخيل، ولذا أجاب به في السؤال عن البراذين، واستدل به مالك على أن
البراذين في حكم الخيل فهما سواء في السهم.
قال العيني(١): وبقول مالك قال أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور،
وقال الليث: للهجين والبرذون سهم دون سهم الفرس، ولا يلحقان بالعراب،
وقال ابن المناصف: أول من أسهم البرذون رجل من همدان يقال له: المنذر
الوادعي، فكتب بذلك إلى عمر - رضي الله عنه - فأعجبه فجرت سنته للخيل
والبراذين، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (١٨٥/١٠).
٢٦٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
قال الحافظ(١): ووقع لسعيد بن منصور، وفي (المراسيل)) لأبي داود عن
مكحول أن النبي وَلّ هجن الهجين يوم خيبر وعرب العراب، فجعل للعربي
سهمين وللهجين سهماً، وهذا منقطع، ويؤيده ما روى الشافعي في ((الأم))
وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر قال: أغارت الخيل فأدركتِ
العراب وتأخرت البراذن، فقام ابن المنذر الوادعي، فقال: لا أجعل ما أدرك
كمن لم يدرك، فبلغ ذلك عمر - رضي الله عنه -، فقال: هبلت الوادعي أمه،
لقد ذكرت به أمضوها على ما قال، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهم
العراب، وفي ذلك يقول شاعرهم(٢) :
وكانتْ سواءً قبل ذاك سِهامُها
ومِنّا الذي قَدْ سَنَّ في الخَيْلِ سُنَّةً
وهذا منقطع أيضاً، وقد أخذ أحمد بمقتضى حديث مكحول في
المشهور عنه، انتهى.
وقال الخرقي: يعطى الفارس ثلاثة أسهم، إلّا أن يكون فرسه هجيناً
فيعطى سهماً له وسهماً لفرسه، قال الموفق(٣): الهجين: الذي أبوه عربي وأمه
بِرْذَوْنَة والمُقْرِفُ عكسه، وأراد الخرقي بالهجين هاهنا ما عدا العربي، وحكي
عن أحمد أنه قال: الهجين البرذون، واختلفت الرواية عنه في سهمانها، فقال
الخلال: تواترت الروايات عن أبي عبد الله في سهام البرذون، أنه سهم واحد،
واختاره أبو بكر، والخرقي، وهو قول الحسن، قال الخلال: وروى عنه ثلاثة
متيقظون أنه يسهم للبرذون مثل سهم العربي، واختاره الخلال، وبه قال مالك
والشافعي وغيرهما، لأنه تعالى قال: ﴿وَاَلْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ﴾ وهذه من الخيل، ولأن
الرواة رووا: ((أن النبي ◌ّير أسهم للفرس سهمين))، وهذا عام في كل فرس.
(١) ((فتح الباري)) (٦٧/٦).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٧٦/١٤).
(٣) انظر: ((المغني)) (٨٦/١٣).
٢٦٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
وحكى أبو بكر، عن أحمد، رواية ثالثة: أن البراذين إن أدركت إدراك
العرب، أسهم لها مثل الفرس العربي، وإلا فلا، وهذا قول ابن أبي شيبة،
وابن أبي خيثمة، وأبي أيوب، والجوزجاني؛ لأنها من الخيل، وقد عملت
عمل العِرَاب فأعطيت سهماً كالعربي، وحكى القاضي رواية رابعة: أنه لا
يسهم لها، وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي؛ لأنه حيوان لا يعمل عمل
الخيل العراب، فأشبه البغال، ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب
العتاق منها .
ولنا: ما روى سعيد بإسناده عن أبي الأقمر (١)، قال: أغارت الخيلُ على
الشام، فأدركتِ العرابُ من يومها، وأدركت الكَوَادِن(٢) ضحى الغد، وعلى
الخيل رجل من همدان، يقال له: المنذر بن أبي حُمَيْضة(٣)، فقال: لا أجعل
الذي أدركَ من يومه مثل الذي لم يدرك، ففضل الخيل، فقال عمر: هَبِلَتِ
الوادعِيَّ أُمُّهُ أمضُوها على ما قال، ولم يعرف عن الصحابة خلاف هذا.
ثم قال بعد ما ذكر حديث مكحول المذكور قبل: وأما قولهم: إن
النبي ◌َل* قسم للفرس سهمين من غير تفريق، قلنا: هذه قضية عين لا عموم
لها، فيحتمل أنه لم يكن فيها برذون، وهو الظاهر، فإنها من خيل العرب، ولا
براذين فيها، ودلَّ على صحة هذا أنهم لما وجدوا البراذين بالعراق، أشكل
عليهم أمرها، وأن عمر - رضي الله عنه - فرض لها سهماً واحداً، وأمضى ما
قال المنذر في تفضيل العراب عليها، ولو كان النبي ◌َّ سَوَّى بينهما، لم يخف
ذلك على عمر - رضي الله عنه - ولا خالفه، ولو خالفه لم يسكت عليه
الصحابة، انتهى.
(١) هكذا في ((المغني)) والظاهر ((ابن الأقمر)) كما في ((السنن الكبرى)).
(٢) جمع الكودن: هو البرذون البطئ، أو البرذون الهجين.
(٣) وفي ((المصنف)) (١٨٣/٥) أبي حمصة.
٢٦٤
-- -

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
وأجاب عنه في ((شرح السير)): بأن في حديث المنذر ما يدل على أن
الإسهام للبراذين كان معروفاً بينهم، ثم المنذر كان عاملاً، فحكم فيما هو
المجتهد فيه، وأمضى عمر - رضي الله عنه - حكمه لهذا، لا لأن رأيه كان
موافقاً لذلك، ونحن هكذا نقول: إن الحاكم إذا قضى في المجتهد فيه بشيء،
فليس لمن بعده من الحكام أن يبطل ذلك، انتهى. ثم لا يسهم لغير الخيل عند
الجمهور، وهو إجماع فيما سوى البعير ففيه خلاف لأحمد.
قال الموفق(١): ما عدا الخيل والإبل، من البغال والحمير والفيلة
وغيرها، لا يسهم لها بغير خلاف، وإن عظم عناؤها، وقامت مقام الخيل؛
لأن النبي ◌َ﴾ لم يسهم لها، ولا أحد من خلفائه، ولأنها مما لا تجوز
المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها، كالبقر، انتهى.
أما البعير فقد قال الخرقي: من غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره،
قسم له ولبعيره سهمان، قال الموفق (٢): نص أحمد على هذا، وظاهر أنه لا
يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس، وعن أحمد، أنه يسهم للبعير سهم،
ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره، وحكي نحو هذا عن الحسن؛ لأنه تعالى
قال: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾(٣)، ولأنه حيوان تجوز المسابقة
عليه بعوض، فيسهم له كالفرس، ثم لا يزاد على سهم البرذون؛ لأنه دونه،
ولا يسهم له إلا أن يشهد الوقعة عليه، ويكون مما يمكن القتال عليه، فأما هذه
الإبل الثقيلة، التي لا تصلح إلا للحمل، فلا يستحق راكبها شيئاً؛ لأنها لا
تكر، ولا تفر، فراكبها أدنى حال من الراجل، واختار أبو الخطاب أنه لا
يسهم له بحال، وهو قول أكثر الفقهاء.
(١) ((المغني)) (٩٠/١٣).
(٢) (٨٩/١٣).
(٣) سورة الحشر: الآية ٦.
٢٦٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(١٣) باب ما جاء في الغلول
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم، أن من غزا
على بعير، فله سهم راجل، كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري،
والشافعي، وأصحاب الرأي، وهذا هو الصحيح، إن شاء الله؛ لأنه وَ * لم
ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيراً،
ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، بل هي كانت غالب دوابهم، فلم ينقل عنه
أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي و 8# من خلفائه
وغيرهم، مع كثرة غزواتهم، لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم
البعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك؛ لأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر،
فلم يسهم له کالبغل والحمار، انتهى.
(١٣) ما جاء في الغلول
بضم الغين المعجمة واللام أي الخيانة في (المغنم))، كذا في ((الفتح)) (١)،
وقال النووي: قال أبو عبيد: هو الخيانة في الغنيمة خاصة، وقال غيره:
الخيانة في كل شيء، انتهى. وقال الراغب(٢): الغَلَلُ: أصله تَدَرُّعُ الشيء
وتَوَسُّطُه، ومنه: الغلل للماء الجاري بين الشجر، فالْغُلُّ مختص بما يقيد به،
فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغْلَالٌ، والغِلَالَةُ: ما يلبس بين الثوبين،
فالشعار: ما يلبس تحت الثوب، والدثار: ما يلبس فوقه، والغِلالة: ما يلبس
بينهما، والغلول: تدرع الخيانة، والغِلُّ: العداوة، وغلَّ يَغِلُّ: إذا صار ذا غلّ،
أي: ضغن، وغَلَّ يَغُلُّ: إذا خان، انتهى.
وقال ابن قتيبة: سمي الغلول بذلك لأن آخذه يخفيه في متاعه، كذا في
(١) ((فتح الباري)) (١٨٥/٦).
(٢) ((مفردات القرآن)) (ص ٦١٠).
٢٦٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
٢٢/٩٦٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
سعيد،
((الفتح))، وقال العيني(١): هو من غل في المغنم يغل غلولا، قال ابن الأثير:
الغلول الخيانة في المغنم، والسرقة في الغنيمة، وكل من خان في شيء خفية
فقد غلّ، وسميت غلولا، لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة ومجعول فيها،
غُلّ وهو الحديد التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ونقل النووي الإجماع على
أن الغلول من الكبائر، وتبعه الحافظ والعيني، وقال عز اسمه: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ
بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ (٢)، وقد ورد الوعيد فيه في روايات كثيرة، ذكر المصنف
عدة منها .
قال الموفق(٣): من غل من الغنيمة حرق رحله كله إلا المصحف، وما
فيه روح، وبهذا قال الحسن وفقهاء الشام، وقال مالك والليث والشافعي
وأصحاب الرأي: لا يحرق، انتهى.
وقال الدردير(٤): حرم الغلول، وهو الخيانة من الغنيمة قبل حوزها،
وليس منه أخذ قدر ما يستحق منها إذا كان الأمير جائراً لا يقسم قسمة شرعية،
فإنه يجوز إن أمن على نفسه، وأدب الغال بالاجتهاد إن ظهر عليه، لا إن جاء
تائباً، ولو بعد القسم وتفرق الجيش وتعذر الرد، ويتصدق به عنهم بعد دفع
خمسه للإمام، انتهى.
٢٢/٩٦٩ - (مالك، عن عبد ربه بن سعيد) هكذا في النسخ الهندية
وبعض المصرية، وفي بعضها عبد الرحمن بن سعيد، وليس بصحيح، وهو
(١) ((عمدة القاري)) (٤٠٤/١٠).
(٢) سورة آل عمران: الآية ١٦١.
(٣) ((المغني)) (١٦٨/١٣).
(٤) ((الشرح الكبير)) (١٧٩/٢).
٢٦٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْب؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَلَّ حِينَ صَدَرَ مِنْ حُنَيْنِ، وَهُوَ
يُرِيدُ الْجِعِزَّانَةَ، سَأَلَهُ النَّاسُ،
عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري أخو يحيى بن سعيد، له في ((الموطأ)) مرفوعاً
ثلاثة أحاديث هذا ثانيها، وفي ((التقصي)) (١): له ثلاثة أحاديث، وذكر من جملتها
هذا الحديث، ولم يذكر عبد الرحمن بن سعيد في شيوخ مالك في ((الموطأ)) (عن
عمرو) بفتح العين (ابن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال ابن
عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرساله، ووصله النسائي، قال الحافظ: بإسناد
حسن من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده، وأخرجه النسائي أيضاً بإسناد حسن من حديث عبادة، قاله الزرقاني(٢).
قلت: ووصله أبو داود(٣) أيضاً برواية حماد عن ابن إسحاق بهذا السند،
وأخرج أيضاً برواية عمرو بن عبسة قال: ((صلى بنا رسول الله وَّه إلى بعير من
المغنم، فلما سلّم أخذ وبرةً من جنب البعير، ثم قال: ولا يحل لي من
غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم)).
وقال الجصاص: روى أبو عاصم النبيل عن وهب أبي خالد الحمصي،
قال: حدّثتني أم حبيبة عن أبيها العرباض بن سارية أن النبي وَلّر أخذ وبرة،
فقال: ((ما لي فيه إلا الخمس، فأدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار على
صاحبه يوم القيامة،)) - مختصر -، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده بسنده بمعنى حديث الباب مختصراً.
(أن رسول الله (وَ ل# حين صدر) أي رجع (من) غزوة (حنين، وهو يريد
الجعرّانة) تقدم ضبطه في كتاب الحج، (سأله الناس) قال الباجي(٤): يريد حيث
(١) انظر: ((التقصّي)) (ص١٠٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨/٣).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٢٧٥٥).
(٤) ((المنتقى)) (١٩٨/٣).
٢٦٨
----

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
حَتَّى دَنَتْ بِهِ نَاقَتُهُ مِنْ شَجَرَةٍ، فَتَشَبَّكَتْ بِرِدَائِهِ، حَتَّى نَزَعَتْهُ عَنْ
ظَهْرِهِ،
أصاب هوازن فأظفره الله عز وجل بهم وغنم أموالهم وذراريهم، فصدر يريد
الجعرانة، وهي طريقه إلى مكة، فسأله الناس قسم تلك الغنائم وضايقوه في
طريقه لإلحاحهم عليه بالمسألة، حتى ألجؤه إلى سمرة، فدنت ناقته منها فعلقت
بردائه، انتهى .
وأخرج البخاري (١) من حديث جبير بن مطعم: بينا هو مع رسول الله وَال
ومعه الناس مقفله من حنين علقت رسول الله ◌َّ﴿ الأعرابُ يسألونه حتى اضطروه
إلى سمرة فخطفت رداءَه، فوقف رسول الله مَ ل# فقال: ((أعطوني ردائي، فلو كان
عدد هذه العضاه نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً)).
(حتى دنت به) وَلّ (ناقته من شجرة) وهي السمرة، كما تقدم في حديث جبير بن
مطعم (فتشبكت) بتشديد الموحدة أي اختلطت السمرة وعلقت (بردائه) أي علق
شوكها به (حتى نزعته عن ظهره) وفي حديث جبير بن مطعم: فخطفت رداءه.
قال القسطلاني(٢): أي علق شوكها بردائه الشريف فجبذه، فهو مجاز،
لأنه استعير لها الخطف، أو المراد خطفته الأعراب، انتهى.
وقال الحافظ(٣): وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمر بن شبة في ((كتاب
مكة)): حتى عدلوا بناقته عن الطريق، فمر بسمرات فانتهشن ظهره، وانتزعن
رداءه، فقال: ناولوني ردائي، فذكر نحو حديث جبير بن مطعم، وفيه: ونزل
ونزل الناس معه، فأقبلت هوازن فقالوا: جئنا نستشفع بالمؤمنين إليك ونستشفع
بك إلى المؤمنين، فذكر القصة، انتهى.
(١) ((صحيح البخاري)) (٣١٤٨) باب ما كان يعطى المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس،
وأخرجه البخاري في الجهاد (٢٨٢١).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٣٥٠/٦).
(٣) ((فتح الباري)) (٢٥٦/٦).
٢٦٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَل١٤: «رُدُّوا عَلَيَّ رِدَائِي، أَتَخَافُونَ أَنْ لَا أَقْسِمَ
بَيْنَكُمْ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
مِثْلَ سَمُرٍ تِهَامَةَ
(فقال رسول الله (يوليو- ردوا علي ردائي) وفي حديث جبير: أعطوني ردائي
يعني خلصوه من الشجرة وإن كانوا خطفوه، فالرد بلا تخليص (أتخافون أن لا
أقسم بينكم ما أفاء الله) أي ردّ الله (عليكم) من الغنيمة، وأصل الفيء الردّ
والرجوع، وسميت مال الكفار فيئاً، لأنها كانت في الأصل للمؤمنين، فإن
الإيمان أصل، ويطلق في العرف على ما يحصل للمؤمنين بلا قتال، والغنيمة
ما يحصل بالقتال، لكن المراد ههنا الغنيمة، لأن سؤالهم كان لقسم ما غنموا.
قال الباجي(١): يريد بقوله: أتخافون، الإنكار لكثرة سؤالهم إياه، لأن
ذلك سؤال من يخاف أن يمنع حقه، وأما من كان له حق في الغنيمة يتيقن أنه
سيعطاه ويستوفيه، فلا يجب أن يسأل (والذي نفسي بيده) يتصرف فيها كيف
يشاء، وهذا قَسَمٌّ كان النبي وَّ يقسم به كثيراً (لو أفاء الله) بالهمز (عليكم مثل
سمر) بفتح السين المهملة وضم الميم، جمع سمرة بالتاء، شجرة طويلة،
متفرقة الرأس، قليلة الظل، صغيرة الورق والشوك، صلبة الخشب، قاله ابن
التين، وقال القزاز: العضاه شجرة الشوك كالطلح والعوسج والدر، وقال
الداوودي: السمرة هي العضاة، وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها
أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح، كذا في (الفتح))(٢).
(تهامة) بكسر المثناة الفوقية اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز
ومكة من تهامة، قال ابن فارس: سمّيت التهامة من التهم، - بفتح التاء والهاء -
وهو شدة الحر، وركود الريح، وقال صاحب ((المطالع)): سميت بذلك لتغير
(١) ((المنتقى)) (١٩٨/٣).
(٢) (فتح الباري)) (٢٥٤/٦).
٢٧٠

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
نَعَماً، لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلاً، وَلَا جَبَاناً، وَلَا
كَذَّاباً))،
هوائها، يقال: تهم الدهر إذا تغير، كذا في ((لغات النووي)) (نعماً) بفتحتين
منصوب على التمييز (لقسمته بينكم) هكذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية،
وفي نسخة الزرقاني: لقسمته عليكم، قال: وفي رواية: بينكم، انتهى. وظاهره
أن رواية يحيى: عليكم.
قال الباجي(١): قسمه مَ﴿ل على سبيل الإنكار عليهم لفعلهم وكثرة
إلحاحهم عليه بالسؤال فيما قد عرف من حاله أنه لا يمنعه، حتى إنهم قد
اعتقدوا فيه المنع، وهذا مما لا يفعله فقهاء الصحابة ولا فضلاء المهاجرين
والأنصار، وإنما يفعله قوم من المؤلفة قلوبهم، أو ممن قرب إسلامه، ولم
يتمكن الفقه بعد في نفسه، ولا عرف أن على النبي صلّ من أحكام الشريعة
تفريقه أربعة أخماس من الغنيمة على الغانمين، ورد الخمس عليهم وعلى
غيرهم من المؤمنين، فأقسم وَلّ لو كان ما أفاء الله عليهم في الكثرة مثل سمر
تهامة نعماً لما منعه ذلك من أن يقسمه بينهم، انتهى.
(ثم لا تجدوني) بنون واحدة، وفي رواية أبي ذر للبخاري: ((لا تجدونني))
بنونين (بخيلاً ولا جباناً ولا كذاباً) بصيغة المبالغة، ولفظ البخاري في حديث
جبير ((ولا كذوباً))، قال القسطلاني(٢): أي إذا جربتموني لا تجدونني ذا بخل
ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله، لا نفي المبالغة التي
تدل عليه الثلاثة، لأن كذوباً من صيغ المبالغة، وجباناً صفة مشبهة، وبخيلاً
يحتمل الأمرين، انتهى.
قال الباجي(٣): يحتمل أن تكون ثم هاهنا بمعنى الواو، فيكون تقديره
(١) ((المنتقى)) (١٩٨/٣).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٦/ ٣٥٠).
(٣) ((المنتقى)) (١٩٩/٣).
٢٧١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: ((أَدُّوا الْخِيَاطَ
وَالْمِخْيَطَ ،
إني أقسم عليكم ما أفاء الله، ولا تجدوني بخيلاً بشيء من ذلك ولا جباناً ولا
كذاباً، ويحتمل أن تكون ((ثم)) على بابها في الترتيب والمهملة، فيكون المعنى
إني أقسم عليكم جميع ما أفاء الله، ثم لا تجدوني بعد هذا بخيلاً بما يكون
لي، وإنما نفى عن نفسه هذه الثلاث الخلال، لأنها مختصة بالحالة التي كان
عليها، لأنهم كانوا سألوه ما أفاء الله من الغنائم والمال، انتهى.
قال الحافظ(١): وفي الحديث ما كان في النبي ◌ُّ من الحلم وحسن
الخلق وسعة الجود والصبر على جُفاة العرب، وفيه جواز وصف المرء نفسه
بالخصال الحميدة عند الحاجة كخوف ظن الجهلة به خلاف ذلك، ولا يكون
ذلك من الفخر المذموم، انتهى.
(فلما نزل رسول الله ◌َّلة) عن ناقته بالجعرّانة (قام في الناس) لبيان القسمة،
والإحذار عن الغلول وغيره (فقال: أدوا) بتشديد الدال المهملة (الخائط) هكذا
في النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي البعض الآخر(٢) منها: الخياط.
قال الزرقاني(٣): الخياط بكسر المعجمة وتحتية زنة لحاف أي الخيط،
بدليل رواية الخائط واحد الخيوط، وإن احتمل الخياط الإبرة، لكن يدفعه قوله
(والمخيط) بكسر الميم وإسكان المعجمة وفتح الياء، فإنه الإبرة بلا خلاف،
انتهى. وقال المجد: الخياط ككتاب ومنبر: ما خيط به الثوب، والإبرة، وقال
الباجي (٤): الخائط واحد الخيوط والمخيط الإبرة، ومن رواه الخياط فقد يكون
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٤/٦).
(٢) وفي ((الاستذكار)) (١٧٨/١٤) أيضاً ((الخياط)).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٩/٣).
(٤) ((المنتقى)) (١٩٩/٣).
٢٧٢
---

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
الخياط الخيوط، ويكون الإبرة، قال تعالى: ﴿حَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ
اَلْخِيَاطِ﴾(١).
ومعنى ذلك الأمر بأداء القليل التافه، فإذا وجب رد القليل فبأن يجب رد
الكثير الذي له القدر والقيمة أولى، وفي ((الموازية)): وسمع ابن القاسم فيما لا
ثمن له مثل الخرقة يُرقَّع بها أو الخيط يخيط به أو مسلة أو إبرة، فقال له: أن
ينتفع به، وقاله أصبغ وقال: لا خلاف فيه، قال مالك: والذي يرد الخيط
والكبة، ومثله مما ثمنه دانق وشبهه أخاف أن يرائي بذلك، وليس يضيق على
الناس.
وروى أشهب عن مالك في ((العتبية)): ما كان ثمنه درهم ونحوه له أن
يحبسه ولا يبيعه، فمعنى قوله وَلّ: رُدُّوا الخائط والمخيط، إنما هو على وجه
المبالغة، لا على معنى أن ما يقع عليه اسم خيط من وبر أو أقل من ذلك
يجب نقله وردُّه إلى الغنائم، وهذا كما قال ◌َّ: ((ما لي مما أفاء الله عليكم
ولا مثل هذا، ثم تناول وبرة من الأرض))، ومعلوم أن مثل هذا لا يجب
أداؤه، ولا يمكن الاحتراز منه، ومن أخذه من بعير غيره لغير أذى فلا يأثم
بذلك، انتهى .
قلت: وتقدم فيما يجوز للمسلمين أكله قبل الخمس ما قال الدردير (٢):
رد وجوباً الفاضل عن حاجته إن كثر بأن كان قدر الدرهم لا إن كان يسيراً بأن
لم یکن له ثمن أو أقل من درهم، انتهى.
وتقدم فيه أيضاً اختلاف الأئمة في ذلك من أن إحدى الروايتين عن أحمد
يوافق المالكية، وهو إحدى الروايتين عن الشافعي، وبه قال مكحول
(١) سورة الأعراف: الآية ٤٠.
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٨٠/٢).
٢٧٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
والأوزاعي وغيرهما، والرواية الثانية لهما، وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور وابن
المنذر واختيار أبي بكر من الحنابلة يجب رده أيضاً.
قال الخطابي في ((المعالم))(١): في قوله: ((أدوا الخياط والمخيط)) دليل
على أن قليل ما يغنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة، ليس لأحد أن يستبد
بشيء منه، وإن قل، إلا الطعام الذي وقعت فيه الرخصة، وبهذا قال الشافعي،
وقال مالك: إذا كان شيئاً خفيفاً فلا أرى به بأساً، أن يرتفق به آخذه دون
أصحابه، انتھی .
ومال ابن عبد البر إلى قول الجمهور، كما سيأتي في حديث مدعم، قال
السرخسي في ((شرح السير الكبير)): ما وجدوا من متاع المشركين أو المسلمين
شيئاً سقط منهم مثل السوط والحذاء والحبل، فإنه لا يحلّ لمن كان غنياً أن
ينتفع بشيء من ذلك، فإن كان من متاع المشركين فهو غنيمة، وإن كان من
متاع المسلمين فهو لقطة.
فإن قيل: جاءت الرخصة في السوط ونحو ذلك، كما في حديث اللقطة،
قلنا: تأويل ذلك في السوط المنكسر ونحوه مما لا قيمة له، ولا يطلبه صاحبه
بعدما سقط، فأما إذا كان شيئاً له قيمة، فحكمه حكم اللقطة اعتباراً للقليل
بالكثير، ألا ترى أن النبي وَ ل﴿ل قال: ((ردّوا الخيط والمخيط))، فقيل له: إن
فلاناً أخذ قبالين من شعر، قال: ((قبالين من نار)) وإذا كان هذا الحكم في
الغنيمة فما ظنك في مال المسلمين؟ وأشار في الكتاب إلى أن له مخالفاً في
المسألة، وهم بعض أهل الشام، فإنهم يرخصون في السوط ونحوه، انتهى.
واستدل الجصاص في ((أحكام القرآن)) بحديث الباب على أن ما لا قيمة
له ولا يتمانعه الناس من نحو النواة والتبنة والخرق التي يرمى بها، يجوز
(١) ((معالم السنن)) (٤٥٩/٢).
٢٧٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ، وَنَارٌ، وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، قَالَ: ثُمَّ
تَنَاوَلَ مِنَ الأَرْضِ وَبَرَةً مِنْ بَعِيرٍ، أَوْ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي
بِيَدِهِ، مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، وَلَا مِثْلُ هُذِهِ،
للإنسان أن يأخذه، ثم قال: فإن قيل: فقد قال: لا يحل لي مثل هذا، قيل
له: إنما أراد مثل هذا فيما يتمانعه، لا ذاك بعينه، انتهى.
(فإن الغلول) أي الخيانة في الغنيمة (عار) أي يلزم منه شين وسبة في
الدنيا. (ونار) جهنم يوم القيامة (وشنار) بفتح الشين المعجمة والنون المخففة
فالألف فالراء المهملة، أقبح العيب والعار، قال ابن عبد البر(١): الشنار لفظة
جامعة لمعنى النار والعار، ومعناها الشين والنار، وفي ((المحلى)) عن
((المجد): بفتح المعجمة وخفة النون، أقبح العيب، وفي ((المنتقى)): قال أبو
عبيدة: الشنار العيب والعار (على أهله يوم القيامة) يريد أن الغلول شين وعار
ومنقصة في الدنيا وعذاب ونار في الآخرة
(قال) الراوي (ثم تناول) بَل﴾ (من الأرض) أي أخذ مما ألقي عليها (وبرة)
بواو موحدة وراء مهملة مفتوحات أي شعرة (من بعير أو شاة) هكذا في جميع
النسخ، فهو مجرور عطف على بعير، وفي جميع النسخ المصرية: ((أو شيئاً))
فهو منصوب عطف على وبرة، وعلى كلتا النسختين شك من الراوي.
وفي ((الزرقاني)) (٢) عن النسائي: ثم مال إلى راحلته فأخذ منها وبرة،
فوضعها بين إصبعيه. ولفظ أبي داود برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:
ثم دنا يعني النبي ◌َّ من بعير، فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال، الحديث.
(ثم قال: والذي نفسي بيده) يتصرف فيه كيف شاء (مالي مما أفاء الله
عليكم) أي مما غنمتم، فإن المراد بالفيء هاهنا الغنيمة للسياق والسباق، كما
تقدم قريباً (ولا مثل هذه) الوبرة عطف على محذوف، وهو لفظ ((الشيء))، كما
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٨٥/١٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩/٣).
٢٧٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ)).
وصله النسائيّ في: ٣٨ - كتاب قسم الفيء، حديث ٧.
في رواية أبي داود، ولفظه: ((ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا))،
وهكذا في ((المشكاة)) برواية أبي داود، قال الطيبي: ((ولا هذا)) تأكيد يعني
لقوله: شيء (إلا الخمس) بضم الميم ويسكن، قال الطيبي: المستثنى بالرفع
على البدل وهو الأفصح ويجوز النصب، انتهى. والمعنى: إلا الخمس لي
أتصرف فيه كيف أشاء أو أملكه أو أقسمه، على الاختلاف في معناه، كما
سيأتي (والخمس) المذكور مع كونه لي (مردود عليكم) أيضاً أي مصروف
في مصالحكم.
واختلف أهل العلم في معنى هذا الكلام لاختلافهم في مصرف
الخمس، فقيل: الخمس كله لرسول الله وَالر، وقيل: له عليه السلام
خمس الخمس، وقيل: ليس له ◌ّ شيء منه، بل كان له التصرف في
الخمس، وقيل غير ذلك، وأصل الاختلاف في تفسير قوله عز اسمه:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾(١) الآية.
وترجم البخاري في (صحيحه)): ((باب قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ.
وَلِلَّسُولِ﴾ يعني وللرسول قسم ذلك))، قال الحافظ(٢): هذا اختيار منه لأحد
الأقوال في تفسير الآية، والأكثر على أن اللام في قوله: ((للرسول)) للملك وأن
للرسول خمس الخمس، وهل كان يملكه أو لا؟ وجهان للشافعية، ومال
البخاري إلى الثاني، وقال إسماعيل القاضي: لا حجة لمن ادعى أن الخمس
يملكه النبي وَله بقوله تعالى: ((وللرسول))؛ لأنه تعالى قال: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ
(١) سورة الأنفال: الآية ٤١.
(٢) ((فتح الباري)) (٢١٧/٦).
٢٧٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، انتهى. وقال القسطلاني (١): وقال البخاري: يعني
للرسول قسم ذلك فقط لا ملكه، وإنما خص بنسبة الخمس إليه إشارة إلى أنه
ليس للغانمين فيه حق، بل هو مفوض إلى رأيه، انتهى.
وحكى الحافظ (٢) حاصل مذاهب العلماء في ذلك، فجعلها سبعة، وقال:
أحدها: قول أئمة المخالفة الخمس، يؤخذ من سهم الله، ثم يقسم الباقي
خمسة كما في الآية، والثاني: عن ابن عباس خمس الخمس لله ولرسوله وَل﴾،
وأربعة للمذكورين في الآية، وكان النبي ◌َّ يرد سهم الله ورسوله لذوي القربى
ويأخذ لنفسه شيئاً، والثالث: قول زين العابدين: الخمس كله لذوي القربى،
والمراد يتامى ذوي القربى، وكذلك المساكين وابن السبيل. أخرجه ابن جرير
عنه، لكن السند إليه واهٍ، الرابع: هو كله للنبي ◌َ 18ّ فخمسه لخاصته وباقيه
لتصرفه، الخامس: هو للإمام ويتصرف فيه بالمصلحة كما يتصرف في الفيء.
السادس: يرصد لصالح المسلمين، السابع: يكون بعد النبي # لذوي القربى
ومن ذكر بعدهم في الآية، انتهى.
قلت: والحق أن المذاهب في ذلك أكثر من سبعة، وذلك أنهم اختلفوا
هل الله عزّ اسمه سهم في الخمس أم لا؟ فمال إلى الأول جماعة، وقالوا :
يسدس الخمس، ثم اختلفوا فيه على عدة أقوالٍ: الأول: ما هو المعروف عن
أبي العالية، حكاه عنه غير واحد من نقلة المذاهب أن يصرف سهم الله عز
وجل اسمه في الكعبة، قال البيضاوي: ذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية،
وقال: يقسم ستة أقسام، ويصرف سهم الله إلى الكعبة.
قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣): روى أبو جعفر الرازي عن الربيع بن
(١) ((إرشاد الساري)) (٧/ ٣٠).
(٢) (فتح الباري)) (٢٣٨/٦).
(٣) (٦٠/٣ - ٦١).
٢٧٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
أنس عن أبي العالية قال: كان رسول الله وَله يؤتى بالغنيمة فيضرب بيده، فما
وقع فيها من شيء جعله للكعبة، وهو سهم بيت الله، ثم يقسم ما بقي على
خمسة، فيكون للنبي ◌ّ سهم ولذوي القربى سهم، ولليتامى والمساكين وابن
السبيل سهم سهم، والذي جعل للكعبة هو السهم الذي لله تعالى، انتهى.
والثاني: أن سهمه تعالى لرسوله وَلّر، حكاه البيضاوي أيضاً، فقال:
وقيل: سهمه تعالى مضموم إلى سهم الرسول وَّل، انتهى.
قال الرازي في ((التفسير الكبير)): في كيفية قسمة ذلك الخمس قولان:
الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس، فسهم لرسول الله، وسهم لذوي
القربى والباقي للفرق الثلاثة، والقول الثاني: وهو قول أبي العالية: أن خمس
الغنيمة يقسم على ستة أقسام: فواحد منها لله، وواحد لرسوله، والثالث: لذوي
القربى، والثلاثة الباقية للفرق الباقية، قالوا: والدليل عليه أنه تعالى، جعل
خمس الغنيمة الله تعالى، ثم للطوائف الخمسة.
ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول مَله،
ومنهم من قال: يصرف إلى عمارة الكعبة، وأجاب الأولون بأن قوله وله: ((ما
لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس)) يدل على أن سهم الله وسهم الرسول
واحد، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس، وإن قلنا: إن السهمين
يكونان للرسول 18 صار سهمه أزيد من الخمس، وكلا القولين ينافي ظاهر
قوله: ((ما لي إلا الخمس))، انتهى.
والثالث: أيضاً أن سهمه تعالى لرسوله وَّلة، لكن سهمه لأزواجه، حكي
ذلك القول عن عبد الله بن بريدة، قال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج ابن أبي
حاتم عن حسين المعلم قال: سألتُ عبد الله بن بريدة عن قوله: ((فإن لله
خمسه)) قال: الذي لله تعالى لنبيه، والذي للرسول لأزواجه، انتهى.
(١) ((الدر المنثور)) (٦١/٤).
٢٧٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
والرابع: ما حكي عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال السيوطي في
((الدر)): أخرج ابن المنذر من طريق أبي مالك عن ابن عباس قال: كان
رسول الله ﴾ يقسم ما افتتح على خمسة أخماس: فأربعة أخماس لمن شهده،
ويأخذ الخمس خمس الله، فيقسمه على ستة أسهم: فسهم لله، وسهم للرسول،
وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل،
وكان النبي ◌َّيل يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة
الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول ◌َله في الكراع
والسلاح ونفقة أهله، الحديث.
والخامس: ما حكى البيضاوي عمن ذهب إلى ظاهر الآية، وقال: يقسم
ستة أقسام فقال: وقيل: سهم الله لبيت المال.
والسادس: ما في ((المغني))(١): إذ قال: وقيل: يقسم على ستة: سهم الله
وسهم لرسوله لظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾ الآية. فعدّ ستَّة،
وجعل الله عز وجل لنفسه سهماً سادساً، وهو مردود على عباد الله أهل
الحاجة، انتهى.
فهذه ستة أقوال لمن جعل الآية على ظاهرها، وقسم الخمس على ستة
سهام، وجعل الله عز وجل سهماً واحداً .
والسابع: من ذهب إلى التربيع، قال الجصاص (٢): اختلف السلف في
كيفية قسمة الخمس في الأصل، فروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة
عن ابن عباس قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها لمن
قاتل، وخمس واحد يقسم على أربعة، فربع لله وللرسول ولذي القربى، يعني
قرابة النبي ، فما كان لله ولرسوله فهو لقرابة النبي ◌ّليل، ولم يأخذ النبي ◌َّل
(١) ((المغني)) (٩/ ٢٨٧).
(٢) ((أحكام القرآن)) (٦٠/٣).
٢٧٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٣) باب
(٩٦٩) حديث
من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع
الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين، وروى قتادة عن
عكرمة مثله، انتھی.
وحكاه السيوطي في ((الدر))(١) عن سعيد بن جبير، فقال: أخرج ابن أبي
حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَيِمْتُمْ﴾
الآية، كان المسلمون إذا غنموا في عهد النبي ◌َّ أخرجوا خمسه، فيجعلون
ذلك الخمس الواحد أربعة أرباع، فربعه لله وللرسول ولقرابة النبي صل#ٍ، فما
كان لله فهو للرسول والقرابة، وكان للنبي وُّل نصيب رجل من القرابة، والربع
الثاني للنبي ◌َّ، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، انتهى.
هكذا فيه، وجعل الربع الثاني للنبي بدل اليتامى، فتأمل.
والثامن: ما قال محمد بن مسلمة، وهو من المتأخرين من أهل المدينة:
جعل الله الرأي في الخمس إلى نبيه وَله، كما كانت الأنفال له قبل نزول آية
القسمة، فنسخت الأنفال في الأربعة الأخماس، وترك الخمس على ما كان
عليه موكولاً إلى رأي النبي ◌َّر، كما قال تعالى: ﴿َّا أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ
أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآية، فذكر هذه الوجوه، ثم قال: ﴿وَمَآ ءَانَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾(٢)
فبين في آخره أنه موكول إلى رأي النبي ◌َّ، وكذلك قال في الخمس: إنه الله
وللرسول، يعني قسمته موكولة إليه، ثم بين الوجوه التي يقسم عليها على ما يرى
ويختار، ويدل على ذلك حديث جابر، أنه سئل كيف كان النبي وَلا يصنع
بالخمس؟ قال: كان يحمل منه في سبيل الله الرجل ثم الرجل ثم الرجل،
والمعنى في ذلك أنه كان يعطي منه المستحقين، ولم يكن يقسمه أخماساً،
(١) ((الدر المنثور)) (٦٣/٤).
(٢) سورة الحشر: الآية ٧.
٢٨٠