النص المفهرس
صفحات 221-240
٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حدیث فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً، وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، قَالَ: فَلَقِيتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، حبل العاتق عصبه، والعاتق موضع الرداء من المنكب، وقال القاري: العاتق بكسر الفوقية ما بين العنق والكتف، وقال القسطلاني (١): حبل العاتق عرق أو عصب عند موضع الرداء من العنق، أو ما بين العنق والمنكب. قال الحافظ (٢): وعرف منه أن قوله في رواية الليث أي المذكورة بلفظ: ((فأضرب يده فقطعتها)» أن المراد باليد الذراع، والعضد إلى الكتف، وقوله في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك عند البخاري: فقطعت الدرع أي التي كان لابسها، وخلصت الضربة إلى يده، فقطعتها . (فأقبل) المشرك (عليّ) بشد الياء (فضمَّني) بشد الميم أي فغطّني، وعصرني قاله القاري (ضمة) موصوف وصفته (وجدت منها) أي من الضمة (ريح الموت) استعارة عن أثره، أي وجدت منها شدة كشدة الموت، ويحتمل قاربت الموت، قال الباجي(٣): يريد أنه وجد من شدتها ألماً يقرب من ألم الموت، ويحتمل أن يريد أنه خاف من شدتها الموت، قال الحافظ(٤): وأشعر ذلك بأن هذا المشرك كان شديد القوة جداً (ثم أدركه الموت فأرسلني) أي أطلقني وخلّى سبيلي (قال) أبو قتادة: (فلقيت عمر بن الخطاب) قال الحافظ : في السياق حذفٌ بَيَّنَتْه روايةُ الليث حيث قال: فتحلّل، ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون، وانهزمتُ معهم، فإذا بعمر بن الخطاب (فقلت: ما بال الناس؟) منهزمين (قال: أمر الله) أي قضاؤه، أو المراد ما حال الناس بعد الانهزام؟ (١) ((إرشاد الساري)) (٦٧/٧). (٢) (فتح الباري)) (٣٧/٨). (٣) ((المنتقى)) (١٩٠/٣). (٤) (فتح الباري)) (٣٧/٨). ٢٢١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حدیث ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ه: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ))، فقال: أمر الله غالب، و﴿اَلْعَقِبَةَ لِلْمُنَّقِينَ﴾، قاله القسطلاني (١). · (ثم إن الناس رجعوا) أي رجعوا بعد الهزيمة حين نادى العباس، وعلى الثاني رجعوا بعد انهزام المشركين، كذا في ((القسطلاني)). قال الباجي: يحتمل أن يريد الرجوع من جولتهم، ويحتمل أن يريد رجعوا من القتال بعد الفراغ منه (فقال رسول الله مَله: من قتل قتيلاً) أوقع القتيل على غير المقتول باعتبار ما آل إليه، كقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (له عليه بينة) تقدم اختلاف الفقهاء في البينة في البحث السابع عشر من الأبحاث التي في الترجمة (فله سَلَبُه) بفتحتين، فعل بمعنى مفعول. قاله القاري، وقال الزرقاني(٢): بفتح المهملة واللام وموحدة، ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره، انتهى. وتقدم في الأبحاث التي في الترجمة اختلافهم فيما يدخل في السلب وما لا يدخل فيه، وتقدم أيضاً في البحث الحادي عشر من هذه الأبحاث أن القاتل هل يستحقه مطلقاً أو يتوقف على تنفيل الإمام؟ قال الباجي(٣): والذي ذهب إليه مالك أن رسول الله وَ ل﴾ قال ذلك بعد أن برد القتال، ولو لم يقله لم يكن للقاتل سلب، فإن السلب الذي نَفَّله رسول الله وَّ للقاتل، إنما هو من الخمس، والدليل على أن هذا القول إنما كان بعد الفراغ من القتال، قوله: ثم إن الناس رجعوا، فقال رسول الله وَثر، وهذا يقتضي أن قوله 184م كان بعد رجوعهم، فإن كان رجوعهم ذلك من القتال فهو ما قلناه، وإن كان رجوعهم من الهزيمة، فإنه يقتضي أنه سير قال ذلك بعد التراجع من الهزيمة فيمن قتل قبل التراجع، ولذلك قام أبو قتادة فيمن قتله قبل التراجع، وقضی له بسلبه. (١) ((إرشاد الساري)) (٧/ ٦٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢١/٣). (٣) ((المنتقى)) (١٩٠/٣). ٢٢٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث ووجه آخر أن القعنبي، وهو أوثق الناس، وأحفظهم لحديث مالك، قال في هذا الحديث: ثم إن الناس رجعوا وجلس النبي ◌َلّ، فقال ... إلخ وهذا يدل على أنه بعد الفراغ من القتل؛ لأنه ◌ّ# كان راكباً على بغلته في حال القتال، ومعلوم أنه لا يرجع عنه إلى الجلوس والراحة إلا بعد الفراغ منه. ووجه آخر: وهو أنه لا خلاف أن النبي صَلّ إنما قال ذلك بعد الفراغ، ورجوع الناس من الهزيمة، وهذا يدل على أنه لم يرد به التحريض، ولو أراد به التحريض على القتال ذلك اليوم لقاله في أول القتال وقبل الهزيمة. ووجه رابع: ما روى أبو موسى الأشعري أنّ رجلاً سأل النبي وَّ فقال: الرجل يقاتل للغنيمة، ويقاتل للحمية، ويقاتل ليُرَى مكانه؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا، فذلك في سبيل الله))(١)، وإذا قاله في أول القتال أثر ذلك في النيات، وعرض الناس ليقاتلوا لما يحصل لهم من السلب. والدليل على أنه من الخمس حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ((أن رسول الله وَّل﴿ل بعث سرية قبل نجد، فغنموا إبلاً كثيرةً، فكانت سُهْمانهم اثني عشر بعيراً، أو أحد عشر بعيراً، ونفّلوا بعيراً بعيراً)(٢)، فوجه الدليل منه أنه ذكر أن سُهْمانهم بلغت أحد عشر بعيراً، ثم نفّلُوا بعيراً بعيراً. وهذا يدل على أن النفل من غير الأربعة الأخماس، وإذا ثبت هذا، فلو أن إماماً قال قبل القتال، أو نفَّل رجلاً سلبَ قتيلٍ من غير الخمس فإنه لا ينقض؛ لأنه من الإمام حكمُ حاكم بقول بعض العلماء، فلا ينقض، قاله سحنون، انتهى . (١) أخرجه البخاري (٣١٢٧)، ومسلم (١٩٠٤). (٢) أخرجه أبو داود (٢٧٤١). ٢٢٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث وقال الشيخ في ((البذل)) (١): ملخص ما في ((شرح السير الكبير)): أن لفظ الأنفال في عبارة الفقهاء ما يخص به الإمام بعض الغانمين، فذلك الفعل يسمى تنفيلاً، وذلك المال نفلاً، ولا خلاف أن التنفيل جائز قبل الإصابة للتحريض على القتال، فإنه ◌َّ مأمور بالتحريض، لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى اُلْقِتَالِ﴾(٢) فهذا الخطاب لرسول الله وَّ، ولكل من قام مقامه، فإن الشُّجْعان قلّما يتخاطرون بأنفسهم، إذا لم يخصوا بشيء من المصاب، فإذا خصهم الإمام بذلك، فذلك يُغريهم على المخاطرة بأرواحهم، وإيقاع أنفسهم في جلبة العدو. ولا يستحق القاتل السلب بدون تنفيل الإمام عندنا، وعلى قول الشافعي استحقه، وإن لم يسبق التنفيل من الإمام؛ لأن قوله وَلجر: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) لنصب الشرع، ومثل هذا الكلام في لسان الشرع لبيان السبب كقوله وجل: ((من بدّل دينه فاقتلوه))(٣). ولكنا نقول: إن لو قال ◌َل هذه الكلمة بالمدينة بين يدي أصحابه، ولم ينقل أنه قال هذا إلا بعد تحقق الحاجة إلى التحريض، فإن مالك بن أنس - رضي الله عنه - قال: لم يبلغنا أن النبي ◌َّ قال في شيء من مغازيه: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) إلا في موضع يوم حنين، وذلك بعدما انهزم المسلمون، ووقعت الحاجة إلى تحريضهم؛ ليكرّوا، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدَِّينَ﴾. وذكر محمد بن إبراهيم التيمي أنه قال ذلك يوم بدر وحنين، وقد كانت الحاجة إلى التحريض يوم بدر معلومة، فعرفنا أنه إنما قال ذلك بطريق التنفيل للتحريض لا بطريق نصب الشرع. (١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٠٥/١٢). (٢) سورة الأنفال: الآية ٦٥. (٣) أخرجه البخاري (٣٠/١٧)، وأبو داود (٤٣٥١)، والترمذي (١٤٥٨)، والنسائي (٤٠٧٠)، وابن ماجه (٢٥٣٥). ٢٢٤ ... ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث قَالَ: فَقُمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: وأيد ما قلنا ما ذكر عبد الله بن شقيق قال: كان النبي ◌َلجر محاصراً وادي القرى، فأتاه رجل، فقال: ما تقول في الغنائم؟ فقال: (لله تعالى سهمٌ؛ ولهؤلاء الأربعة))، قال: فالغنيمة يغنمها الرجل، قال: ((إن رُمِيْتَ في جنبك بسهم، فلست بأحق به من أخيك المسلم))، فهذا دليل ظاهر على أن القاتل لا يستحق السلب بدون التنفيل. قلت: والظاهر أنه وَل* قال هذا القول قبل القتال أيضاً، ثم أعاده بعد الرجوع، كما سيأتي في آخر الباب من حديث أنس: أنه ◌ُ * قال ذلك يوم حنين، فقتل أبو طلحة اليوم عشرين رجلاً، وأخذ أسلابهم. يؤيده أيضاً ما وقع مثل ذلك في قصة بدر، فإنه وقع فيها التصريح بالوعد قبل القتال، كما سيأتي في آخر هذا الباب، ويستدل للحنفية والمالكية في قولهم: إن السلب يتوقف على تنفيل الإمام، بما في ((الصحاح)) وغيرها من قصة قتل أبي جهل، وقوله وَ﴾: ((كِلاكُما قتله)) ثم قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. وبما أخرجه إسحاق والطبراني في ((الكبير)) و(الأوسط)) من طريق جنادة بن أمية قال: كنا معسكرين بدابق، فذكر لحبيب بن مسلمة الفِهْري أن نبيه القرظي خرج بتجارة من البحرين، يريد أَرمِينية، فخرج عليه، فقتله، فجاء بسلبه يحمله على خمسة أبغال من الديباج والياقوت، فأراد حبيب أن يأخذه كله، وقال: إن رسول الله وَل﴾ قال: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، فقال أبو عبيدة: خذ بعضه، فإنه لم يقل ذلك للأبد، فقال معاذ لحبيب: فإنما لك ما طابت به نفس إمامك، وحدثهم به معاذ عن النبي ◌َّر، وبما تقدم في أول الباب في كلام الموفق من الروايات الدالة على ذلك. (قال) أبو قتادة: (فقمت فقلت) وفي النسخ المصرية، ((ثم قلت))، أي في ٢٢٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً، لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَلَهُ سَلَبُهُ)). قَالَ: فَقُمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ. ثُمَّ قَالَ ذُلِكَ، الثَّالِثَةَ، فَقُمْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّ: «مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟)) نفسي أو جهاراً؟ قاله القاري(١) (من يشهد لي؟) بقتل ذلك الرجل (ثم جلست) إذ لم أر أحداً يشهد لي، قال الحافظ (٢): وفي رواية الليث عن يحيى بن سعيد عند البخاري: ((فلم أر أحداً يشهد لي))، وذكر الواقدي أن عبد الله بن أنيس شهد له، فإن كان ضبطه احتمل أن يكون وجده في المرة الثانية، فإن في رواية الليث المذكورة: ((فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره)) انتهى. (ثم قال) النبي ◌َّر مرة ثانية: (من قتل قتيلاً له عليه بَيْنَةٌ، فله سلبه. قال) أبو قتادة: (فقمت ثم قلت) مثل الأول (من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال) وَل: (ذلك) القول المرة (الثالثة) قال الباجي(٣): تكرار النبي ول# ذلك ثلاث مرات، يحتمل أن يكون قالها في ساعات متفرقة لكي يسمع قوله من يأتي بعد قوله الأول والثاني، ويحتمل أن يكون جرى في ذلك على عادته وَل﴿ أنه إذا قال قولاً، أعاده ثلاثاً فيكون ذلك قولاً متقارباً، وقيام أبي قتادة عند قوله الأول والثاني بعد أن جلس في الأول والثاني لما كان يتجدّد له من الأمل في سلب قتيله، بقول النبي ◌َلّ بما كان يثبت في نفسه أنه مستحق لسلب ذلك القتيل لعلمه بقتله له، ثم كان يجلس بعد ذلك عندما تبيَّن له أنه لا يدفع إليه إلا بِبَيَِّة، وكان عنده أنَّ بينته على ذلك معدومة، انتهى. (فقمت) مرة ثالثة (فقال رسول الله وسلّم: مالَكَ يا أبا قتادة؟) تقوم وتقعد، (١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٨/ ٣٧). (٣) ((المنتقى)) (٣/ ١٩٢). ٢٢٦ ---- ----- ------------ ------ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث قَالَ: فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَسَلَبُ ذُلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. هذا إن قال: من يشهد لي في نفسه، وإن قاله جهاراً. فمعنى قوله وَثَر: مالك أي ما تريد بقولك: من يشهد لي. قال الباجي: يحتمل أن يكون ◌َّ لما رأى قيامه مرة بعد مرة اعتقد أنه ممن يستحق مثل هذا، أو ممن في نفسه شبهة من استحقاقه، فإن كان مستحقاً له بَيَّن وجه استحقاقه، وهداه إليه، فإن لم يكن على ذلك الوجه بَيَّن له أنه غير مستحق له أو تَفَضّل عليه ابتداء، ويحتمل أن يكون اعتقد فيه أن له حاجة فمنعه الحياء من إبدائها، وتبعثه حاجته على القيام إليها مرة بعد مرة، فأراد أن يسهل عليه استفتاح الكلام فيها . (قال) أبو قتادة: (فاقتصصت) ببناء المتكلم (عليه) ◌َ# (القصة) أي ما جرى له من قتله والموجب بقيامه وجلوسه (فقال رجل من القوم) زاد في رواية الليث المذكورة من جلسائه، قال الحافظ (١): لم أقف على اسمه، وقال أيضاً: ذكر الواقدي أن اسمه أسود بن خزاعي، وفيه نظر؛ لأن في الرواية الصحيحة أن الذي أخذ السلب قرشي (صدق) أبو قتادة (يا رسول الله) في دعواه (وسلب ذلك القتيل) الذي يدَّعي أبو قتادة قتله (عندي، فأرضه) بهمزة قطع وكسر الهاء (منه) أي من السلب، وفي رواية للبخاري وغيره ((فأرضه مني)) (يا رسول الله). قال القاري (٢): من باب الإفعال، والخطاب لرسول الله وَّله، أي فأعطِه عوضاً عن ذلك السلب ليكون لي، أو أَرْضِه بالمصالحة بيني وبينه، قال الطيبي: ((من)) فيه ابتدائية أي أرض أبا قتادة لأجلي ومن جهتي، وذلك إمّا بالهبة، أو بأخذه شيئاً يسيراً من بدله. ((فتح الباري)) (٨/ ٣٧). (١) (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧/٨). ٢٢٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث فَقَالَ أَبُو بَكْر: لَا هاءَ اللَّهِ، إِذَاً لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، (فقال أبو بكر) - رضي الله عنه - وقال الحافظ(١): وقع في حديث أنس أن الذي خاطب النبي وَّ بذلك عمر - رضي الله عنه - أخرجه أحمد من طريق حماد بن أبي سلمة عن إسحاق بن أبي طلحة عنه ولفظه: أن هوازن جاءت يوم حنين، فذكر القصة، وقال: قال أبو قتادة: إني ضربت رجلاً على حبل العاتق، وعليه درع، فأعجلت عنه، وقام رجل، فقال: أخذتها، فأرضه منها، وكان رسول الله وَّ لا يُسْأَلُ شيئاً إلا أعطاه أو سكت، فسكت، فقال عمر - رضي الله عنه -: والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فقال النبي ◌َّيقول: صدق عمر - رضي الله عنه -. وهذا الإسناد قد أخرج به مسلم بعض هذا الحديث، وكذا أبو داود، ولكن الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر، كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، ويحتمل الجمع بأن يكون عمر - رضي الله عنه - أيضاً قال ذلك تقوية لقول أبي بكر - رضي الله عنه -، انتهى. وكذا ذكره العيني والقسطلاني مختصراً . (لاها الله) بالجر أي لا والله، وسيأتي البسط فيه (إذا) بالهمزة المكسورة والتنوين (لا يعمد) بكسر الميم ورفع الدال، كذا في ((المرقاة))، أي لا يقصد النبي ◌َّ (إلى أسد) بفتحتين أي إلى رجل، كأنه في الشجاعة أسد (من أسد الله) بضم الهمزة وسكون السين، وقيل: بضمهما جمع أسد، والجملة تفسير للمقسم عليه، والمعنى لا يقصد النبي ◌ُّل إلى إبطال حقه وإعطاء سلبه إياك. قال النووي(٢): في جميع روايات المحدثين في ((الصحيحين)) وغيرهما إذا بالألف قبل الذال، وأنكره الخطابي وأهل العربية، ولقد أطال الطيبي(٣) من (١) ((فتح الباري)) (٤٠/٨). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦٠/١٢/٦). (٣) ((شرح الطيبي)) (٢٧٠/٩ - ٢٧٥). ٢٢٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث مقال النحويين في هذا المحل مع تعارض تقديراتهم وتناقض تقريراتهم، كذا في ((المرقاة))(١) . قلت: وبسط الحافظ في ((الفتح))(٢) أيضاً في هذا المحل بما لا مزيد عليه، وذكر عدة روايات وقع فيها هذا اللفظ، وقال في آخره: وإنما أطلتُ في هذا الموضع؛ لأني منذ طلبت الحديث، ووقفت على كلام الخطابي، وقعت عندي منه نفرةٌ للإقدام على تخطئة الروايات الثابتة خصوصاً ما في «الصحيحين))، فما زِلتُ أتطلَّب التخلص من ذلك إلى أن ظفرتُ بما ذكرته، فرأیت إثباته کله، انتهى. وقال أيضاً: هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من ((الصحيحين)) وغيرهما بهذه الأحرف ((لاها الله إذاً))، فأما ((لاها الله))، فقال الجوهري: ها، للتنبيه، وقد يقسم بها يقال: لاها الله، ما فعلت كذا، قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله أي لم يسمع ((لاها الرحمن)) كما سمع ((لا والرحمن)). قال: وفي النطق بها أربعة أوجه: أحدها: الله باللّام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألف والهمزة، ثانيها: مثله لكن بإظهار ألف واحد بغير همز، ثالثها: بثبوت الألفين بهمزة قطع على الجلالة، رابعها: بحذف ألف وثبوت همزة القطع، والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث ثم الأول. وقال أبو حاتم السجستاني: العرب تقول: لاهأ الله ذا بالهمز والقياس ترك الهمز. وحكى ابن التين عن الداوودي أنه روي برفع الله، قال: والمعنى يأبى الله، وقال غيره: إن ثبتت الرواية بالرفع، فتكون ها للتنبيه، والله مبتدأ، ويعمد خبره. (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٧/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٣٧/٨ - ٣٨). ٢٢٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث قال الحافظ(١): ولا يخفى تكلفه، وقد نقل الأئمة الاتفاق على الجر، فلا يلتفت إلى غيره، وأما ((إذاً)) فثبتت في جميع الروايات المعتمدة والأصول المحققة من ((الصحيحين)) وغيرهما بكسر الألف ثم ذال معجمة منونة، واختلف في كتابة إذا هذه هل تكتب بالألف أو بنون، وهذا الخلاف مبني على أنها اسم أو حرف، فمن قال: هي اسم قال: يكتب بالنون، ومن قال: هي حرف، وهم الجمهور اختلفوا، فمنهم من قال: هي بسيطة، وهو الراجح، ومنهم من قال: هي مركبة من إذا وإن، فعلى الأول تكتب بألف، وهو الراجح، وبه وقع رسم المصحف، وعلى الثاني تكتب بنون. واختلف في معناها، فقال سيبويه: معناها الجواب والجزاء، وتبعه جماعة فقالوا: هي حرف جواب، يقتضي التعليل، وأفاد أبو علي الفارسي: أنها قد تتمحض للجواب، وأكثر ما تجيء جواباً لـ ((لو)) وإن ظاهراً أو مقدراً، فعلى هذا لو ثبتت الرواية بلفظ إذا لاختلّ نظم الكلام؛ لأنه يصير هكذا لا والله إذاً لا يعمد إلى أسد، وكان حق السياق أن يقول: إذا يعمد، أي لو أجابك إلى ما طلبت لعمد إلى أسد، وقد ثبتت الرواية بلفظ ((لا يعمد))، فمن ثَمَّ ادعى من ادّعى أنها تغییر، انتهى. وقال القسطلاني(٢): إذاً بهمزة مكسورة فذال معجمة منونة، حرف جواب وجزاء في جميع الروايات في ((الصحيحين)) وغيرهما، لكن اتفق كثير ممن تكلم على الحديث على تخطئة جهابذة المحدثين، ونسبتهم إلى الغلط والتصحيف، وأن الصواب ذا بغير همزة ولا تنوين للإشارة، فقال الخطابي: المحدثون يروونه إذا، وإنما هو في كلام العرب ((لاها الله ذا)) والهاء فيه بمنزلة الواو. والمعنى لا والله يكون ذا. وقال المازني: الصواب لاها الله ذا أي ذا يميني (١) ((فتح الباري)) (٣٨/٨). (٢) ((إرشاد الساري)) (٦٨/٧). ٢٣٠ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث وقسمي، وقال ابن الحاجب: حمل بعض النحويين إدخال إذا في هذا المحل على الغلط من الرواة؛ لأن العرب لا تستعمل ها الله إلا مع ذا، وإن سُلِّمَ استعماله بدون ذا، فليس هذا موضع إذن؛ لأنه للجزاء، وهو ههنا على نقيضه. ومعرفة هذا تتوقف على أن يعلم أن مدخول إذن جزاء لشرطٍ مقدرٍ على ما نقله في ((المفصل)) عن الزجاج، وإذا كان كذلك وجب أن يكون الشرط المقدر يصح وقوعه سبباً لما بعد إذا، إذ الشرط يجب أن يكون سبباً للجزاء، وإذا تقرر هذا فقوله: ((لاها الله إذاً لا يعمد)) جواب لمن طلب السلب بقوله: ((فأرضه عني)) وليس بقاتل. و(يعمد)) وقع في الرواية مع ((لا)) فيكون تقدير الكلام إن إرضاءه عنك لا يكون عامداً إلى أسد، فيعطيك سلبه، ولا يصح أن يكون إرضاء النبي صَ لّه وَئِيَّة القاتل عن الطالب سبباً لعدم كونه عامداً إلى أسد، ومعطياً سلبه الطالب، وإذا لم يكن سبباً له، بطل كون لا يعمد جزاءً للإرضاء. ومقتضى الجزائية أن لا تذكر ((لا)) مع يعمد، ويقال: إذاً يعمد ليصح جواباً لطالب السلب، فيكون التقدير إن يرضه عنك يكن عامداً إلى أسد ومعطياً سلبه، فتحقق الجزائية لصحة كون الإرضاء سبباً؛ لكونه عامداً إلى أسد من أسد الله، فقالوا: الظاهر أن الحديث لاها الله ذا. لا يعمد إلى أسد من أسد الله، فصحّفها بعض الرواة، ثم نقلت الرواية المصحّفة كذلك، وأجاب أبو جعفر الغرناطي بأن إذاً جواب شرط مقدر يدل عليه قوله: صدق، فأرضه، فكأن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: إذا صدق في أنه صاحب السلب إذاً لا يعمد إلى السلب، فيعطيك حقه، فالجزاء على هذا صحيح؛ لأن صدقه سبب أن لا يفعل ذلك، وقع في بعض الروايات: إذاً يعمد بإسقاط لا، وحينئذ فلا إشكال، انتهى مختصراً. ٢٣١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حدیث واختار الحافظ(١) أيضاً جواب الغرناطي إذ قال: وقال بعض من أدركناه، وهو أبو جعفر الغرناطي، نزيل حلب، في حاشية نسخته من البخاري: استرسل جماعةٌ من القدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المخلّص منه أن اتّهَمُوا الأثبات بالتصحيف، فقالوا: ((لاها الله ذا)) باسم الإشارة، قال: ويا عجباً من قوم يقبلون التشكيك على الروايات الثابتة، ويطلبون لها تأويلاً، وجوابهم أن ((ها الله)) لا يستلزم اسم الإشارة، كما قال ابن مالك، وأما جعل ((لا يعمد)) جواب ((فأرضه))، فهو سبب الغلط، وليس بصحيح ممن زعمه، وإنما هو جواب شرط مقدَّرٌ، فذكر الجواب المذكور، ثم قال: وهذا واضح لا تكلف فيه . وقال الحافظ: وهو توجيه حسن، ويؤيده ما رجحه من الاعتماد على ما تُثْبِتُ به الروايةَ كثرةُ وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث، ثم ذكر الروايات التي وقعت فيها هذه الجملة، وقال أبو البقاء: يمكن توجيه الرواية بأن التقدير لا والله لا يعطي إذاً، ويكون لا يعمد إلخ تأكيداً للنفي المذكور، وموضِّحاً للسبب فيه، وقال الطيبي: الرواية صحيحة، والمعنى صحيح، كقولك: لمن قال لك: افعل كذا، والله إذاً لا أفعل كذا، ويحتمل أن تكون إذا زائدة، كما قال أبو البقاء في قول الحماسي: ((إذاً لقام بنصري معشر خشن)) في جواب قوله: (لو كنت من مازن لم تستبح إبلي)) ثم قال النووي(٢): في هاالله لغتان المد والقصر، قالوا: ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو، وقالوا: ولا يجوز الجمع بينهما، فلا يقال: لاها (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٩/٨). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦٠/١٢/٦). ٢٣٢ ... - - - ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، والله، قال القسطلاني(١): أما لفظ الجلالة فجر، لأن ها التنبيه عوض عن واو القسم، وقال ابن مالك: ليست عوضاً عنها، وإن جرَّ ما بعدها بمقدَّرٍ لم يلفظ به، كما أن نصب المضارع بعد الفاء ونحوه بمقدِّر، والمعنى لا والله، اتنهى. قال النووي: وفي الحديث دليل على أن هذه اللفظة تكون يميناً، قال أصحابنا: إن نوى بها اليمين كانت يميناً، وإلا فلا، لأنها ليست متعارفة في الأيمان، انتهى. قلت: وهو من ألفاظ اليمين عند الحنفية. ففي ((الدر المختار)) (٢): ومن حروفه الواو والباء والتاء ولام القسم وحرف التنبيه، كقوله: ((ها الله))، قال ابن عابدين المراد به ها محذوف الألف، أو ثابتها مع وصل ألف الله، وقطعها، انتهى. وكذا عند المالكية، قال الدردير(٣): اليمين بتحقيق أمر لم يجب بذكر اسم الله، أو صفته كبالله وهالله بحذف حرف القسم وإقامة ها التنبيه مقامه، انتهى. (يقاتل عن الله ورسوله) قال الطيبي: فيه وجهان: أحدهما: أن تكون عن صلة، فيكون المعنى يصدر قتاله عن رضا الله ورسوله أي بسببهما، كقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْنُهُ عَنّ أَمْرِئَّ﴾ . وثانيهما: أن تكون حالاً، أي يقاتل ذابّاً عن دين الله أعداءه ناصراً لأوليائه، انتهى. والجملة صفة لأسد. وقال الباجي(٤): هذا يقتضي أن كل من كان من المقاتلين على هذا (١) ((إرشاد الساري)) (٦٨/٧). (٢) (٤ /٢٤). (٣) ((الشرح الكبير)) (١٢٧/٢). (٤) ((المنتقى)) (١٩٣/٣). ٢٣٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حدیث فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ)) فَأَعْطَانِيهِ. الوجه مستحق سلب القتيل بما تقدم من قول النبي ◌َّ﴾، ومن كان منهم لا يقاتل عن الله ورسوله، فإنه غير داخل تحت ذلك. (فيعطيك) أي هو أو النبي ◌َّر، قاله القاري، وجميع النسخ متظافرة على الفاء في أوله، وليست في نسخة ((المحلي))، فقال: الجملة حال من المستكنّ في ((لا يعمد)) أو مستأنفة بدل عن ((يعمد))، انتهى. وفي مسلم برواية الليث ((كلّا لا يعطيه أُضَيْبَعَ من قريش. ويدع أسداً من أسد الله))، وفي رواية البخاري ((أضيبع من قريش)) هذا على المشهور من النسخ، وفي غير المشهور منها عكسها، (سلبه) أي سلب قتيله الذي قتله، قال الحافظ (١): هكذا ضبط الأكثر بالتحتانية في يعمد، ويعطي، وضبطه النووي بالنون فيهما، انتهى. قلت: بل قال النووي: فيهما ضبطوه بالياء والنون، وكلاهما ظاهر، انتهى. (فقال رسول الله وَله: صدق) الصديق - رضي الله عنه - (فأعطه) أي أبا قتادة بهمزة قطع أمر للذي اعترف بأن السلب عنده (إياه) أي السلب، قال النووي(٢): في الحديث فضيلة ظاهرة لأبي بكر - رضي الله عنه - في إفتائه بحضرة النبي ◌ّلة، واستدلاله لذلك، وتصديق النبي وَل﴾ في ذلك، وفيه أيضاً منقبة ظاهرة لأبي قتادة، فإنه سماه أسداً من أسد الله تعالى يقاتل عن الله ورسوله، وصدّقه النبي ◌َّ، انتهى. (فأعطانيه) أي هو أو رسول الله مَّر، قال القسطلاني(٣): أي أعطى النبي 8* أبا قتادة، وإنما أعطاه لعلمه أنه القاتل بطريق من الطرق، فلا يقال: (١) ((فتح الباري)) (٤٠/٨). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦٠/١٢/٦). (٣) ((إرشاد الساري)) (٦٩/٧). ٢٣٤ -.- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ مَخْرَفاً أعطاه بإقرار من في يده السلب، لأن المال منسوب لجميع الجيش فلا اعتبار بإقراره، انتھی. قلت: وهذا عند من يشترط فيه البينة، والمسألة خلافية تقدمتا في أول الباب، وفيه المبحث السابع عشر من الأبحاث التي تقدمت في أول السلب، وقال صاحب ((المحلى)): ولعله تم نصاب الشهادة بشهادة رجل آخر مع ذلك الرجل الذي كان يطلبه لنفسه، انتهى. وقال الحافظ(١): قوله في هذا الحديث له عليه بينة مفهومه أنه إذا لم تكن له بينة لا يُقبل، وسياق أبي قتادة يشهد لذلك، وعن الأوزاعي يقبل قوله بغير بيّنة، لأنه ◌َّ أعطاه لأبي قتادة بغير بَيِّنة، وفيه نظر، لأنه وقع في ((مغازي الواقدي)) أن أوس بن خولي شهد لأبي قتادة، وعلى تقدير أن لا يصح، فيحمل على أن النبي لم علم أنه القاتل بطريق من الطرق، وأبعد من قال من المالكية: إن المراد بالبينة هاهنا الذي أقرّ له أن السلب عنده، انتهى. (فبعت الدرع) بكسر الدال وسكون الراء وعين مهملات، قال الواقدي: باعه لحاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق، كذا في ((العيني)) (فابتعت به) وفي النسخ المصرية ((فاشتريت به)) أي بثمنه (مخرفاً)، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، ويجوز كسرها، نقله ميرك، وقال السيوطي: الأول هو المشهور، وروي بالكسر أي بستاناً، قاله القاري. وقال النووي(٢): بفتح الميم والراء، هذا هو المشهور، وقال القاضي عياض: رويناه بفتح الميم وكسر الراء، كالمسجد، والمراد بالمخرف هاهنا البستان، وقيل: السكة من النخل تكون صفّين يخترف من أيهما شاء، أي يجتنى، (١) ((فتح الباري)) (٢٤٩/٦). (٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٦٠/١٢/٦)، و((شرح الزرقاني)) (٢٣/٣). ٢٣٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٥) حديث فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالِ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. أخرجه البخاريّ في: ٥٧ - كتاب فرض الخمس، ١٨ - باب من لم يخمس للأسلاب. ومسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ١٣ - باب استحقاق القاتل سلب القتيل، حديث ٤١. وقال ابن وهب: هي الجُنَيْنَةُ الصغيرة، وقال غيره: هي نخلات يسير، انتهى. وقال الحافظ(١): أي بستاناً سُمِّي بذلك، لأنه يخترف منه التمر أي يجتنى، وفي رواية للبخاري ((خرافاً)) بكسر أوله، وهو التمر الذي يخترف أي يجتنى، أطلقه على البستان مجازاً، وذكر الواقدي أن البستان المذكور يقال له: الوديين، انتهى. وهكذا حكى عنه القسطلاني، وحكى عنه العيني الودنين (في بني سلمة) بكسر اللام هم بطن من الأنصار. وهم قوم أبي قتادة، كذا في ((الفتح)) (فإنه لأوّلُ مالٍ تَأَثَّلْتُهُ) بمثناة فوقية فهمزة مفتوحة فمثلثة مشددة فلام ساكنة ففوقية، أي تكلفتُ جمعَه، كذا في ((القسطلاني))(٢). وقال العيني(٣): أي اتخذته أصل المال، واقتنيته، وقال القاري: جمعته وجعلته أصل مالي، وقال الحافظ: أي أَصَّلْتُهُ، وأثلة كل شيء أصله، وفي رواية ابن إسحاق: أول مال اعتقدته أي جعلته عقدة، والأصل فيه من العقد، لأن من ملك شيئاً عقد عليه، انتهى. (في الإسلام) قال الباجي(٤): يريد بالمال هاهنا الأصل الذي لا يُنْقَلُ ولا يُحَوَّل، لأنه لا خلاف أنه قد ملك قبل ذلك ما يقع عليه اسم المال من السلاح وغيرها، ويحتمل أن يريد بذلك غير ذلك من الأموال، ولكنه لم يكن اتخذها على معنى التأثل، وإنما اتخذها للحاجة إليها بالاستعمال، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٤٠/٨). (٢) انظر: ((إرشاد الساري)) (٦٩/٧). (٣) ((عمدة القاري)) (٤٨٨/١٠). (٤) ((المنتقى)) (١٩٣/٣). ٢٣٦ ----- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٦) حديث ١٩/٩٦٦ - وحدّثني مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلاً يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ عَنِ الأَنْفَالِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: الْفَرَسُ مِنَ النَّفَلِ، وَالسَّلَبُ مِنَ النَّفَل. قَالَ: ثُمَّ عَادَ الرَّجُلُ لِمَسْأَلَتِهِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ، ذُلِكَ أَيْضاً. ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: الأَنْفَالُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا هِيَ؟ ١٩/٩٦٦ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أنه قال: سمعت رجلاً) لم يسم (يسأل) ببناء الفاعل (عبد الله بن عباس) - رضي الله عنهما - مفعوله (عن الأنفال؟) ما هي؟ (فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل) أي هما داخلان في النفل الذي يأخذه الغازي زائداً على سهمه، (قال) القاسم: (ثم عاد) الرجل (لمسألته) وكأنه لم يرض الجواب (فقال ابن عباس ذلك أيضاً) أي أعاد جوابه الأول. (ثم قال الرجل) أي أسأل عن (الأنفال التي قال الله في كتابه) ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ اٌلْأَنْفَالِ﴾(١) (ما هي؟) فلم يجبه ابن عباس أو أعاد جوابه الأول، والظاهر أنه - رضي الله عنه - لم يفصح له الجواب، لأنه رآه متعنتاً أو غير أهل لذلك، وإلا فقد روى أبو داود(٢) والنسائي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس أن المشيخة يوم بدر ثبتوا تحت الرايات، وأما الشُّبَّانُ فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة: أشركونا معكم، فإنّا كنا لكم رِدْأ، فاختصموا إلى النبي 18 فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، الآية. فقسم رسول الله رَّر الغنائم بينهم على السواء، فهذا ابن عباس - رضي الله عنه - نفسه روى أن المراد بالأنفال في الآية الغنائم. وأوضح منه ما قال السيوطي في ((الدر))(٣): أخرج ابن جرير وابن المنذر (١) سورة الأنفال: الآية ١. (٢) أخرجه أبو داود في الجهاد (٢٧٣٧) (باب في النفل)) (٧٧/٣). (٣) ((الدر المنثور)) (١٠/٤). ٢٣٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٦) حديث قَالَ الْقَاسِمُ: فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُحْرِجَهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرُونَ مَا مَثَلُ هُذَا؟ وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في ((سننه)) عن ابن عباس في قوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: الأنفالُ المغانمُ كانت لرسول الله وَّ خاصة. الحديث. وقال أيضاً: أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال: الأنفال المغانم أمروا أن يصلحوا ذات بينهم، فيرد القوي على الضعيف. والأوجه عندي أن ابن عباس - رضي الله عنهما - لم يجب بأن المراد بالأنفال المغانم مع روايته لذلك، لأن الآية على ذلك منسوخة، كما سيأتي في كلام الباجي، وعلى المعنى الآخر، وهو أن المراد منها الزيادة التي يزيدها الأئمة، الآية محكمة، وعلى هذا تفيد معنى معمولاً به، ومعظم ما يدخل فيها على هذا المعنى الفرس والسلب، فإنهما ينفلان أكثر، كما لا يخفى. (قال القاسم: فلم يزل الرجل يسأله حتى كاد) أي قارب (أن يُحرِجَهُ) بتقديم الجيم على الحاء المهملة في النسخ الهندية، وبعكسه في النسخ المصرية، وبه ضبطه الزرقاني(١) إذ قال: بضم الياء وإسكان المهملة وكسر الراء وفتح الجيم، أي يُضَيِّق عليه، وسقطت ((أن)) في رواية، وهو أفصح، انتهى. قلت: ومعنى الأول ظاهر. (فقال ابن عباس) وفي النسخ المصرية (٢) ((ثم قال ابن عباس)) (أتدرون ما مثل هذا؟) بفتح الميم والمثلثة، أي صفته، قال الباجي(٣): ظاهره أنه سأله عن الأنفال المذكورة في قول تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَفَالِ﴾ قال عكرمة ومجاهد وابن عباس: هي الغنائم قيل: والأنفال جمع نفل، وإنما سميت الغنيمة نفلاً، (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٤٨/١٤). (٣) ((المنتقى)) (١٩٣/٣). ٢٣٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٦) حديث مَثَلُ صَبِغ فإنها تفضُّلٌ من الله عز اسمه على الناس، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وابن عباس - رضي الله عنهما - أيضاً أن الأنفال هي الزيادات يزيدها الأئمة للناس إذا شاءوا ذلك، لو كانت فيه مصلحة. وقال الحسن: الأنفال ما شذّ من العدو من عبد أو دابة للإمام أن يعطي ذلك من شاء، فمن قال: الأنفال هي الغنائم، قال: الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾(١) الآية. ومن قالَ بالقولين بعده جعلها محكمة، فإذا تقرر ما ذكرناه، واحتمل أن يكون سؤال الرجل عن الأنفال المذكورة، فكان سؤاله عن معنى هذه اللفظة ومقتضاها، فأجابه عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - بذكر ما يصح أن يكون منهما، وهو بعضها، وإنما يكون هذا جواباً لمن عرف أن الأنفال هي الزيادة التي تثبت بالشرع، أو بالعرف في الشرع. وأما من سأل عن نفس الأنفال، فليس هذا جوابه، ولعل ذلك الرجل لم يتبين سؤاله، ولا تبيّن مراده، فاعتقد عبد الله بن عباس أنه لما كان يسأله عما قد جاوبه به، أو لعله قد اقترن بسؤاله من سوء التأويل وإظهار الإعجاب بقوله وإدعاء المعرفة بما سأل عنه وانفراده بمعرفة ذلك ما اقتضى أن يجاوبه ابن عباس بما جاوبه به، أو لعله رأى أنه ممن لا يستحق السؤال عن هذه المسألة، وأنه ممن يجب عليه أن يسأل عن مسائل وضوئه وصلواته لقلة معرفته، فيغفل ذلك، ويقبل على السؤال عن مثل هذه المسائل التي لا تليق به، ولا يفهمها، ولا يحتاج إلى معرفتها . فلذلك قال له ابن عباس: أتدرون ما مثله (مثل صبيغ) بصاد مهملة، فموحدة فتحتية فغين معجمة بوزن عظيم، كما قال الحافظ في ((الإصابة))، وتبعه (١) سورة الأنفال: الآية ٤١. ٢٣٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (٩٦٦) حديث الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. الزرقاني(١)، وكذا المجد إذ قال: كأمير، وضبطه صاحب ((المحلى)) بضم الصاد المهملة مصغراً، ابن عِسْل بكسر العين وإسكان السين المهملتين، ويقال: بالتصغير. ويقال: ابن سهل التميمي الحنظلي، كذا في ((الزرقاني)) تبعاً (للإصابة))، وقال المجد: ابن عُسيل، وفي ((المحلي)): ابن عبيد التيمي، وقيل: ابن شريك. وقال الحافظ: روى الخطيب من طريق عِسْل بن عسيل التميمي عن عطاء بن أبي رباح عن عمه صبيغ بن عسل، قال: جئت عمر - رضي الله عنه - فذكر قصته، ومن طريق يحيى بن معين قال: هو صبيغ بن شريك، وقال: ضميرُ عمه يعود إلى عِسْل لا إلى عطاء، وقال أيضاً: له إدراك، وقصته مع عمر - رضي الله عنه - مشهورة، انتهى. وإنما مثله به ابنُ عباس، لأنه رآه متعنتاً غير مصغ للعلم، فأشار إلى أنه حقيق أن يُصْنع به مثل ما صنع عمر - رضي الله عنه - بصبيغ، قال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن القاسم بن محمد، قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس، فذكر أثر الباب، وفي لفظ: فقال ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل عمر - رضي الله عنه - بصبيغ العراقي، (الذي ضربه عمر بن الخطاب) قال المجد: كان يُعَنِّتُ الناس بالسؤالات والغوامض، فنفاه عمر - رضي الله عنه - إلى البصرة، انتهى. وأخرج إسماعيل بن إسحاق القاضي ثنا ابن أبي أويس ثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٤/٣). (٢) ((الدر المنثور)) (١٠/٤). ٢٤٠