النص المفهرس

صفحات 141-160

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٣) حديث
وقد تخلف عثمان يوم بدر، فأجرى له رسول الله وَ ل سهماً من الغنيمة، انتهى.
وفي ((الشرح ((الكبير))(١) لأبي الفرج بن قدامة: أما المريض الذي لا
يتمكن من القتال فإن خرج بمرضه عن أهلية الجهاد كالزَمِن، والأشلِّ،
والمفلوج، فلا سهم له، وإن لم يخرج عن ذلك كالمحموم، ومن به الصداع،
فإنه يسهم له، ويعين برأيه وتكثيره ودعائه، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٢): لا يسهم من الغنيمة إلا من استكملت فيه ستة
شرائط: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والذكورة، والصحة، فإن اختلَّ
شرط من ذلك كالكافر، والصبي، والمجنون، والرقيق، والمرأة، والزمن رضخ
له، ولم يسهم، والرضخ اسم لما دون السهم، ويجتهد الإمام أو أمير الجيش
في قدره. لكن لا يبلغ به سهم راجل ولو كان الرضخ لفارس، ومحل الرضخ
الأخماس الأربعة، لأنه سهم من الغنيمة، يستحق بحضور الوقعة إلا أنه
ناقص، وإنما يرضخ لمي حضر بلا أجرة، وبإذن الإمام أو الأمير، فإن حضر
بأجرة فله الأجرة، ولا شيء له سواها، وإن حضر بلا إذن فلا رضخ له، بل
يُعَزَّرُ، انتھی.
وفي ((تحفة المحتاج)): ومرضه وجرحه في الأثناء لا يمنع استحقاقه، وإن
لم يرج برؤه، والجنون، والإغماء كالموت، فلو مات بعد انقضائه والحيازة
فحقه لوارثه، وكذا بعد انقضاء القتال وقبل الحيازة في الأصح، ولو مات في
أثناء القتال فالمذهب أنه لا شيء له، والعبد والصبي والمرأة والخنثى ما لم
تَبِنْ ذكورتُه، والأعمى والزمِنُ وفاقد الأطراف إذا حضروا فلهم الرضخ، انتهى
مختصراً .
(١) (٤٨٨/١٠).
(٢) (٤/ ٢٦٧).
١٤١

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٣) حديث
وفي ((الدر المختار))(١): لا يسهم لعبد وصبي وامرأة وذمي ومجنون
ومعتوهٍ، ورضخ لهم قبل إخراج الخمس عندنا إذا باشروا القتال، ولا يبلغ به
السهم، قال ابن عابدين: أطلق مباشرة القتال في العبد، فيشمل ما إذا قاتل
بإذن سيده أو بدونه، كما في ((الفتح))، وصرح به في ((شرح السير الكبير))،
قال: والقياس أنه إذا قاتل بلا إذن المولى لا يرضخ له، والاستحسان أنه
یرضخ له، انتهى.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): لا يسهم للعبد كما يسهم للحر، وبه
نأخذ، فإن العبد تبع للحر، وليس من أهل أن يجاهد بنفسه حتى كان للمولى
أن يمنعه، وهو ممنوع من الخروج بغير إذنه، ولا يُسَوّى بين الأصل والتبع في
الاستحقاق، لكن يرضخ له إذا قاتل بحسب جرأته وغنائه وكفايته، وقال أيضاً
بعد ذلك: الرضخ ثابت له إذا قاتل بإذن سیده، انتهى.
وقال أيضاً: إذا كان العبد مع مولاه، فقاتل بإذنه يرضخ له لما روي عن
فضالة بن عبيد ((أن النبي (ّ كان يرضخ مماليك، ولا يسهم لهم)) ولأنه غير
مجاهد بنفسه، ألا ترى أن للمولى أن يمنعه من الخروج، فلا يسوّى بينه وبين
الحر الذي هو أهل الجهاد بنفسه في استحقاق السهم، ولكن يرضخ له إذا قاتل
لمعنى التحريض، انتهى.
وظاهر المتون أن العبد يرضخ له إذا قاتل بالإذن، وفي ((البحر)): ظاهر
ما في ((الولوالجية)): أن العبد يرضخ له بشرطين: إذن المولى بالقتال، وأن
يقاتل. فعليه لو قاتل بلا إذن لا يرضخ له، انتهى. وحقق ابن عابدين في
((هامشه)) مستدلاً بما تقدم عن السرخسي في ((شرح السير الكبير)) أن ذلك
القياس والاستحسان أن يرضخ له، ثم قال: وبه اندفع ما في الحواشي
(١) (٣٢٥/٤).
١٤٢
--------- ---

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٣) حديث
+
اليعقوبية من أن العبد إذا كان مأذوناً بالقتال وقاتل، ينبغي أن يكون له السهم
الكامل كما لا يخفى، انتهى.
قلت: وجزم بذلك صاحب ((البدائع)) (١) إذ قال: الذي يستحق السهم منها
هو الرجل المسلم المقاتل، وهو أن يكون دخل دار الحرب على قصد القتال
سواء قاتل أو لم يقاتل، وسواء كان مريضاً أو صحيحاً، شاباً، أو شيخاً،
حراً، أو عبداً، مأذوناً بالقتال، لأنهم من أهل القتال، أما المرأة والصبي
العاقل والذمي والعبد المحجور، فليس لهم سهم كامل، لكن يرضخ لهم على
حسب ما يرى الإمام، انتهى.
وحكى ابن عابدين عن ((البحر)): أن المقاتل وغيره سواء حتى يستحق
الجندي الذي لم يقاتل لمرض أو غيره، انتهى.
وفي ((شرح السير)): لا يزاد رضخ الذمي إن كان فارساً على سهم فارس،
وإن كان راجلاً على سهم راجل منهم، وبسطت في ذلك، لأن عامة نقلة
المذاهب اختلطوا في نقلها .
وعُلِمَ مما سبق أن لسهم الغنيمة سبعة شرائط: منها متفق عليها، ومنها
مختلفٌ فيها، الأول: الإسلام، وهو شرط عند الأئمة الثلاثة، وعن أحمد في
ذلك روايتان: المرجح في الفروع عدم اشتراطه، فيسهم لكافر بشرط القتال
بإذن الإمام أو الأمير، والثاني: البلوغ شرط عند الأئمة الثلاثة، واختلفت
الروايات في ذلك عن مالك، والمرجح في الفروع يسهم له إذا أطاق القتال،
وعن الأوزاعي يسهم مطلقاً، والثالث: العقل، وهو شرط إجماعاً فلا يسهم
لمجنون .
والرابع: الذكور أيضاً شرط عند الأئمة الأربعة، فلا يسهم عندهم لامرأة
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١٠٤/٦).
١٤٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
(٧) باب ما لا يجب فيه الخمس
خلافاً لبعض السلف، والخامس: الحرية أيضاً شرط عند الأئمة الأربعة إلا ما
في ((البدائع)) من أنه يسهم للعبد المأذون عند الحنفية، وقال أبو ثور: يسهم
للعبد مطلقاً، والسادس: الصحة مختلف فيها في اشتراطها، وفي حدِّ المرض
المانع كما تقدم بعض تفاصيلها، والسابع: شهود الواقعة، وهو أيضاً شرط
إجماعاً .
ومع ذلك اختلفوا في تفاريعه في مسألتين: إحداهما: من شهدها بعد
تمام القتال وإحراز الغنيمة قبل إحرازها بدار الإسلام يسهم عند الحنفية خلافاً
للأئمة الثلاثة .
والثانية: من تركه الإمام بدار الإسلام لضرورة الجيش، أو أميره، أو
أرسله رسولاً، أو لحاجة هل يسهم له؟ فيه تفصيل عند الأئمة، محلها الفروع،
وتقدم شيء منه فيما سبق.
ثم من لا يسهم من المذكورين يرضخ عند الأئمة الثلاثة بشي من الغنيمة
دون السهم خلافاً للإمام مالك، إذ قال: من لا يسهم منهم لا يرضخ أيضاً،
ثم الذين قالوا بالرضخ اختلفوا في محله: هل هو أصل الغنيمة أو الأخماس
الأربعة؟ وعن أحمد والشافعي في ذلك وجهان، مختار فروعهما الثاني،
وبالأول قالت الحنفية.
(٧) ما لا يجب فيه الخمس
الظاهر عندي في غرض المصنف بهذه الترجمة بيان أن الفيء لا خمس
فيه، فإن المذكور في هذا الباب هو فيء عند الإمام مالك كما سيأتي عن
(المدونة)) وشُرَّاح ((الموطأ))، واختلفت الأئمة في أن ما ذكر في الباب هل هو
فيء أم لا؟ كما سيأتي.
وأما مسألة الفيء بنفسه أيضاً مختلفة عند الأئمة في أنه هل يخمَّس أم
١٤٤
-

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
لا؟ والجمهور منهم الحنفية والمالكية على الثاني، وبالأول قال الشافعي، وهو
رواية عن أحمد اختارها الخرقي إذ قال: خمس الفيء والغنيمة مقسمومٌ على
خمسة أسهم.
قال الموفق(١): الفيء مخموس كما تخمَّسُ الغنيمة في إحدى الروايتين،
وهو مذهب الشافعي، والرواية الثانية، لا يخمس، نقلها أبو طالب فقال: إنما
تخمس الغنيمة، قال القاضي: لم أجد بما قال الخرقي من أن الفيء مخموس
نصاً، فأحكيه، إنما نص على أنه غير مخموس، وهذا قول عامة أهل العلم،
قال ابن المنذر: لا نحفظ عن أحد قبل الشافعي قال في الفيء: خمس كخمس
الغنيمة، انتهى.
قال ابن رشد (٢): أما الفيء عند الجمهور، فهو كل ما صار للمسلمين من
الكفار من قبل الرعب والخوف من غير أن يوجف عليه بخيل أو رجل،
واختلفوا في الجهة التي يصرف إليها، فقال قوم: الفيء لجميع المسلمين الفقير
والغني، والإمام يعطي منه للمقاتلة، والحكام، والولاة، وينفق منه في النوائب
كبناء القناطر والمساجد، ولا خمس في شيء منه، وبه قال الجمهور، وهو
الثابت عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -. وقال الشافعي: بل فيه
الخمس، والخمس مقسوم على الأصناف الذين ذكروا في خمس الغنيمة،
والباقي مصروف إلى اجتهاد الإمام، وأحسب أن قوماً قالوا: إن الفيء غير
مخمَّسٍ، ولكن يقسم على الأصناف الخمس الذين يقسم عليهم الخمس، وهو
أحد أقوال الشافعي فيما أحسب.
ثم قال بعد سبب اختلافهم: أما تخميس الفيء، فلم يقل به أحد قبل
(١) («المغني)) (٢٨٤/٩).
(٢) ((بداية المجتهد)) (١/ ٤٠٢).
١٤٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ وُجِدَ مِنَ الْعَدُوِّ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ بِأَرْضٍ
الْمُسْلِمِينَ، فَزَعَمُوا
الشافعي، وإنما حمله على هذا القول أنه رأي الفيء قد قسم في الآية على
عدد الأصناف الذين قسم عليهم الخمس، فاعتقد لذلك أن فيه الخمس، لأنه
ظن أن هذه القسمة مختصةٌ بالخمس، وليس ذلك بظاهر، بل الظاهر أن هذه
القسمة تختص جميع الفيء، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(١): يقسم مال الفيء على خمس، يصرف خمسه
وجوباً على من يصرف عليه خمس الغنيمة، فيُخَمَّسُ جميعه خمسة أخماس
متساوية كالغنيمة خلافاً للأئمة الثلاثة حيث قالوا: لا يخمس، بل جميعه
لمصالح المسلمين، ودليلنا قوله تعالى: ﴿ََّ أَفَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، فأطلق
ههنا، وقيد في الغنيمة، فحمل المطلق على المقيد، ويعطى أربعة أخماسها
للمقاتلة أي المرتزقة، وفي مصالح المسلمين، انتهى.
قال ابن حجر في ((شرح المنهاج)): يُخَمَّسُ الفيُ خمسة أسهم متساوية،
وقالت الأئمة الثلاثة: يصرف جميعه لمصالح المسلمين، ولنا القياس على
الغنيمة المخمسة بالنص، فخمسة لخمسة متساوية: أحدها: مصالح المسلمين
كالثغور والقضاة والعلماء وسائر من يشتغل عن كسبه لمصالح المسلمين،
والثاني: بنو هاشم وبنو المطلب يشترك فيه الغني والفقير، والثالث: اليتامى،
ويشترط فقره على المشهور، والرابع والخامس: المساكين وابن السبيل، أما
الأخماس الأربعة، فالأظهر أنها للمرتزقة، وهم الأجناد المرصدون للجهاد،
ولقضاتهم، وأئمتهم، ومؤذنيهم، وعمالهم، انتهى.
(قال مالك في من وجد) ببناء المجهول (من العدو) بيان لمن (على
ساحل) أي شاطئ (البحر) مثلاً (بأرض المسلمين) أي في دار الإسلام (فزعموا)
(١) (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣) .
١٤٦

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
أَنَّهُمْ تُجَّارٌ وَأَنَّ الْبَحْرَ لَفِظَهُمْ، وَلَا يَعْرِفُ الْمُسْلِمُونَ تَصْدِيقَ ذُلِكَ إِلَّا
أَنَّ مَرَاكِبَهُمْ تَكَسَّرَتْ، أَوْ عَطِشُوا فَزَلُوا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُسْلِمِينَ: أَرَى أَنَّ
ذَلِكَ لِلإِمَامِ، يَرَى فِيهِمْ رَأْيَهُ، وَلَا أَرَى لِمَنْ أَخَذَهُمْ فِيهِمْ خُمُساً.
أي ادّعوا، والضمير إلى ((من)) باعتبار العموم أي ادّعى الذين وجدوا (أنهم
تجار) جمع تاجر (وأن البحر لفظهم) بفاء وظاء معجمة أي رماهم وألقاهم في
الساحل. (ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك) أي تصديق دعواهم بالقرائن (إلا
أن مراكبهم تكسرت) هكذا في الزرقاني(١)، وجميع النسخ الهندية من المتون
والشروح، وكذا في ((المدونة)) بلفظ الاستثناء، وفي جميع النسخ المصرية ((ولا
أن مراكبهم)) بحرف العطف ولا النافية، والمعنى على الأول لا توجد قرينة
على تصديقهم غير أن مراكبهم مكسورة، فهذه قرينة على تصديق قولهم، وعلى
الثانية لا توجد قرينة على صدق دعواهم أن البحر لفظهم حتى إن مراكبهم أيضاً
لم تتكسَّرْ، فلو كان البحر لفظهم تكسَّرتْ مراكبهم
(أو عطشوا) الظاهر أنه عطف على قوله: تجار أي زعموا أنهم عطشوا
(فنزلوا) على ساحل البحر لشدة عطشهم (بغير إذن المسلمين) أي بدون
الاستئمان، فقال مالك في هذه المسألة: (أرى أن ذلك) أي أمرهم (للإمام يرى
فيهم رأيه) كيف يشاء (ولا أرى لمن أخذهم) من المسلمين (فيهم خمساً) لأنهم
لم يوجفوا عليهم بخيل ولا ركاب، قاله الزرقاني(٢).
ولفظ ((المدونة))(٣): روى ابن وهب عن مالك في قوم من العدو يوجدون
قد نزلوا بغير إذن المسلمين على ضَفَّةِ البحر في أرض المسلمين، فيزعمون
أنهم تجار، وأن البحر لفظهم ههنا، ولا يعرف المسلمون تصديق ذلك إلا أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧/٣).
(٣) (٣٧٣/١).
١٤٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
-----
مراكبهم قد انكسرت بهم ومعهم السلاح، أو يَشْكُون العطش الشديد، فينزلون
للماء بغير إذن المسلمين، قال مالك: ذلك إلى الإمام يرى فيهم رأيه، ولا أرى
لمن أخذهم فيهم خمساً لا دالّ ولا غيره، قال ابن وهب: قال مالك: ولا
يكون الخمس إلا فيما أوجفت عليه الخيل والركاب، انتهى.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن العدو إذا وُجِد بساحل المسلمين قد
نزلوا دون إذن أحد من المسلمين، أو لَفَظَهم البَحْرُ، فادّعوا أنهم أتوا للتجارة.
فإن لم يُعْلَمْ صدقُ قولهم فهم فيء، ولو عُلِمَ صدقهم لم يعرض لهم، ووجب
تركهم على ما نزلوا عليه، أو يُرَدُّوْن إلى مأمنهم، وروى ابن حبيب عن غير
واحد من أصحاب مالك عن مالك أنهم وما معهم فيء، ولا يُقْبَل قولهم، وإن
كانت معهم التجارات مثل الجوز واللوز وغير ذلك، وليسوا على جهة حرب
فهم أهل حرب أبداً حتى يؤمنوا إلا أن يكونوا تعَوَّدُوْا الأمان على الاختلاف
بالتجارة قبل هذا، فهم على الأمان.
فوجه القول الأول أنهم إذا عرف صدقهم في أنهم تجار، فهم مستأمنون،
يلزم بذل الأمان لهم، أو ردّهم إلى مأمنهم، ووجه رواية ابن حبيب أنهم أهل
حرب، فلا أمان لهم، ومتى غلبوا وظفر بهم قبل بذل الأمان لهم، فهم فيء،
أما من اعتاد الاختلاف للتجارة إلى بلد المسلمين على أمان، فقد تقدم الأمان
له على هذا الوجه فهو على ذلك، انتهى.
وقال الدردير(٢): إن أُخِذَ الحربي بأرضنا، ومعه تجارة، وقال: إنما
دخلت بلا أمان، لأني ظننت أنكم لا تعرضون لتاجر ولما معه، ولا يجوز قتله
ولا أسره ولا أخذ ماله، وإن قامت قرينة على صدقه أو كذبه، فعليها العمل،
(١) ((المنتقى)) (١٨٢/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٨٦/٢).
١٤٨
-

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
+
فإن قامت على كذبه، رأى الإمام فيه رأيه من قتل أو استرقاق أو غيره، قال
الدسوقي: قوله: قرينة على صدقه كعدم وجود سلاح معه، أو كذبه كوجوده
معه، انتهى.
وقال الموفق (١): إذا دخل الحربي دار الإسلام بغير أمان، نُظِرَتْ، فإن
كان معه متاعٌ يبيعه في دار الإسلام، وقد جرت العادة بدخولهم إلينا تجاراً بغير
أمان لم يَعْرِضْ لهم، وإن لم تكن معه تجارة. فقال: جئت مستأمناً لم يقبل
منه، وكان الإمام مخيّراً فيه، ونحو هذا قال الشافعي والأوزاعي: وإن كان
ممن ضلَّ الطريق أو حملته الريح في المركب إلينا فهو لمن أخذه، وفي إحدى
الروايتين والأخرى يكون فيئاً، انتهى.
وقال أيضاً في موضع آخر: ليس لأهل الحرب دخول دار الإسلام بغير
أمان؛ لأنه لا يؤمن أن يدخل جاسوساً أو متلصصاً فيضر بالمسلمين، فإن دخل
بغير أمان سئل، فإن قال: جئت رسولاً فالقول قوله؛ لأنه تتعذر إقامة البينة
على ذلك، ولم تزل الرسل تأتي من غير تقدم أمان، وإن قال: جئت تاجراً
نظرنا، فإن كان معه متاع، يبيعه قبل قوله أيضاً وحقن دمه؛ لأن العادة جارية
بدخول تجارهم إلينا وتجارنا إليهم، وإن لم يكن معه ما يتجر به، لم يقبل
قوله؛ لأن التجارة لا تحصل بغير مال، وكذلك مدعي الرسالة، إذا لم يكن
معه رسالة يؤديها، أو كان ممن لا يكون مثله رسولاً، انتهى.
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير
أمان))، قال الحافظ (٢): أي هل يجوز قتله؟ وهي من مسائل الخلاف، قال
مالك: يتخير فيه الإمام، وحكمه حكم أهل الحرب، وقال الأوزاعي
(١) («المغني)) (٨٣/١٣).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٨/٦).
١٤٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٧) باب
والشافعي: إن ادعى أنه رسول قُبِلَ منه، وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يُقبل ذلك
منه، وهو فيء للمسلمين، انتهى. وكذا قال العيني، وزاد قال أبو حنيفة وأبو
يوسف وأحمد: لا يقبل ذاك منه، وهو فيء للمسلمين، وقال محمد: هو لمن
وجده، انتھی.
وقد عرفت أن للإمام أحمد روايتين في أنه فيء أو لمن وجده، إحداهما
مع أبي حنيفة والأخرى مع محمد، وما حكيا من مذهبه في ادعائه الرسالة يأباه
ما تقدم عن ((المغني)) من أنه يقبل قوله إذا كان معه الرسالة، وكذا يقبل عند
الحنفية إن كان معه كتاب يعرف.
- -
قال ابن نجيم تحت قول صاحب ((الكنز)): لا يمكن مستأمن أن يقيم فينا
سنة: قيدَ بالمستأمن؛ لأنه لو دخل دارنا بلا أمان، فهو وما معه فيء، فإن
قال: دخلت بأمان لم يصدق وأخذ، ولو قال: أنا رسول، فإن وجد معه
كتاب، يعرف أنه كتاب ملكهم بعلامة تعرف ذلك كان آمناً، فإن الرسول لا
يحتاج إلى أمانٍ خاصٍ، بل بكونه رسولاً يأمن، وإن لم يعرف فهو زور،
فيكون هو وما معه فيئاً، وإن دخل دار الإسلام بلا أمان، فأخذه واحد من
المسلمين، لا يختص به عند أبي حنيفة، بل يكون فيئاً للمسلمين، وظاهر
قولهما أنه يختص به، انتهى.
:
قال محشيه: قوله: وإن دخل دار الإسلام بلا أمان، قال الرملي: يؤخذ
منه جواب حادثة الفتوى، وهو أنه يخرج كثيراً من سفن أهل الحرب جماعة
منهم للاستقاء من الأنهر التي بالسواحل الإسلامية، فيقع فيهم بعض منا
فيأخذهم، انتهى.
وكذا حكى الخلاف بين الإمام وصاحبيه الكاساني في ((البدائع)) (١)،
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٨٨/٦).
١٥٠
-------

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
(٨) باب ما يجوز للمسلمين أكله قبل الخمس
وبسط في دلائل الفريقين، وقال السرخسي في ((مبسوطه)): إذا وجد الحربي في
دار الإسلام فقال: أنا رسول، فإن أخرج كتاباً، عرف أنه كتاب ملكهم، كان
آمناً حتى يبلغ رسالته ويرجع؛ لأن الرسل لم تزل آمنة في الجاهلية والإسلام،
وإن لم يخرج كتاباً، أو أخرج ولم يعلم أنه كتاب ملكهم، فهو وما معه فيء،
ولو أن حربياً دخل بغير أمان فأخذه واحد من المسلمين، فهو فيء لجماعة
المسلمين في قول أبي حنفية، وهي رواية بشر عن أبي يوسف، وظاهر المذهب
عند أبي يوسف، وهو قول محمد أنه لمن أخذه خاصة.
ثم في وجوب الخمس فيه روايتان عن أبي حنيفة، في إحداهما قال:
المأخوذ بمنعة الدار كالمأخوذ بمنعة الجيش، يكون غنيمة يخمس، وفي الرواية
الأخرى: الخمس فيما أوجف عليه المسلمون، ولم يوجد ههنا، فهو بمنزلة
الجزية والخراج، ولأن الحق فيه لجماعة المسلمين يصرف إلى بيت المال، فلا
فائدة في إيجاب الخمس فيه، وكذلك عن محمد فيه روايتان في إحداهما جعله
كالحطب والصيد، فلا خمس فيه؛ لأنه ما أصيب بطريق فيه إعزاز الدين، وفي
الرواية الأخرى، قال فيه: الخمس بمنزلة الركاز؛ لأن الواجد إنما أخذه بقوة
الدار، انتهى.
(٨) ما يجوز للمسلمين أكله قبل الخمس
يعني في دار الحرب، كما يدل عليه الأقوال الآتية والمسألة إجماعية،
وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب))،
قال الحافظ(١): أي هل يجب تخميسه في الغانمين أو يباح أكله للمقاتلين؟
وهي مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح
به، وكل طعام يعتاد أكله عموماً، وكذلك علف الدواب، سواء كان قبل
(١) ((فتح الباري)) (٢٥٥/٦).
١٥١

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
القسمة أو بعدها بإذن الإمام أو بغير إذنه، والمعنى فيه أن الطعام يعز في دار
الحرب فأبيح للضرورة، والجمهور أيضاً على جواز الأخذ، ولو لم تكن
الضرورة ناجزة، واتفقوا أيضاً على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال
سلاحهم في حال الحرب، وردّ ذلك بعد انقضاء الحرب.
وشرط الأوزاعي إذن الإمام، وعليه أن يرده كلما فرغت حاجته، وقال
الزهري: لا يأخذ شيئاً من الطعام ولا غيره إلا بإذن الإمام، وقال سليمان بن
موسى: يأخذ إلا أن نهى الإمام.
وقال ابن المنذر: قد وردت الأحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول،
واتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام، وجاء الحديث بنحو ذلك،
فليقتصر عليه، وأما العلف فهو في معناه، وقال مالك: يباح ذبح الأنعام
للأكل، كما يجوز أخذ الطعام، وقيده الشافعي بالضرورة، انتهى ..
وقال الموفق(١): أجمع أهل العلم، إلا من شذَّ منهم على أَنَّ للغزاة إذا
دخلوا أرض الحرب، أن يأكلوا مما وجدوا من الطعام، ويعلفوا دوابَّهم من
أعلافهم، منهم الأوزاعي، والشافعي، ومالك، وأصحاب الرأي، وقال
الزهري: لا يؤخذ إلا بإذن الإمام.
ولنا ما روى عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا طعاماً يوم خيبر، فكان
1
الرجل يأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف، رواه سعيد وأبو داود (٢)، وروي
عن عبد الله بن مغفل قال: دُلِّيَ جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته، الحديث
متفق عليه(٣)، ولأن الحاجة تدعو إلى هذا، وفي المنع منه مضرة بالجيش
(١) ((المغني)) (١٢٦/١٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٧٠٤)، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (٢٧٢/٢).
(٣) أخرجه البخاري (٣١٥٣)، ومسلم (١٧٧٢).
١٥٢

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
وبدوابهم، فإنه يعسر عليهم نقله من دار الإسلام، ولا يمكن قسمة ما يأخذه
الواحد منهم، ولو قُسِمَ لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به، ولا يدفع به
حاجته، فأباح الله تعالى لهم ذلك.
فمن أخذ من الطعام شيئاً مما يُقْتات أو يصلح به القوت، من الأُدْم
وغيره أو العلف لدابته، فهو أحق به، وسواء كان له ما يستغني به عنه، أو لم
يكن، فإن فضل منه ما لا حاجة به إليه، ردّه على المسلمين؛ لأنه إنما أبيح له
ما يحتاج إليه .
وإن وجد دُهناً فهو كسائر الطعام، لحديث ابن مغفل، ولأنه طعام فأشبه
البر والشعير، وإن كان غير مأكول، فاحتاج أن يدّهن به أو يدّهن دابته، فظاهر
كلام أحمد جوازه، إذا كان حاجة، قال أحمد: في زيت الروم إن كان من
ضرورة أو صداع فلا بأس، فأما التزين فلا يعجبني.
وقال الشافعي: ليس له دهن دابته من جرب إلا بالقيمة؛ لأن ذلك لا
تعم الحاجة إليه، وله أكل ما يتداوى به عند الحاجة، وقال أصحاب الشافعي:
ليس له ذلك؛ لأنه ليس من القوت. ولنا أنه طعام احتيج إليه، أشبه الفواكه.
ولا يجوز لبس الثياب، ولا ركوب دابة المغنم، لما روى رويفع بن ثابت
مرفوعاً: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء المسلمين،
حتى إذا أعجفها ردّها فيه))، الحديث رواه سعيد (١)، وقيل: مثل ذلك في
الثوب، انتهى .
وعلم منه أنه ما حكى الحافظ من الإجماع في الثياب وغيرها ليس
بصحيح، ولم يقل به الجمهور، وفي ((تحفة المحتاج)) تحت قول النووي: وله
التبسط بأخذ القوت وما يصلح به: خرج بالقوت غيره، كمركوب وملبوس،
(١) ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٦٧/٢).
١٥٣

.... ..
٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بَأْساً أَنْ يَأْكُلَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلُوا أَرْضَ
الْعَدُوِّ مِنْ طَعَامِهِمْ مَا وَجَدُوا مِنْ ذُلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ.
نعم، إن اضطر للسلاح يقاتل به، أو نحو فرسٍ يقاتل عليها، أخذه بلا أجرة،
ثم ردَّه، فلا يأخذ شيئاً من ذلك، فإن احتاجه، فبالقيمة أو يحسبه من سهمه،
انتھی .
وقال الباجي(١): أما ما أخذ للقوة والاستعداد، كالفرس والسلاح
والثوب، فاختلف فيه أصحابنا، فقال ابن القاسم: له أن يأخذ ذلك من احتاج
إليه بغير إذن الإمام، وينتفع به حتى ينقضي غزوه، وروى ابن زياد وابن وهب
ليس له أن يأخذ شيئاً من ذلك، وجه الأولى أن هذا مما تدعو الحاجة إليه،
فجاز كالطعام، ووجه الرواية الثانية أن هذا مما ينتفع به مع بقاء عينه، وله
قيمة، فلم يكن لأحد من الغانمين الانفراد به، كالذهب والورق، انتهى.
وكذلك ما عزوا إلى سليمان بن موسى، هو المرجح عند الجمهور، فإن
الدردير من المالكية والإمام محمد في ((السير الكبير)) من الحنفية صرحا بأنه إن
منع الإمام فلا يجوز الأخذ، لكن حكى الدسوقي عن ((المدونة)): أنهم إن
اضطروا إلى ذلك، فلا يلتفت إلى منع الإمام، لأن الإمام إذ ذاك عاصٍ،
وهكذا حكي عن بعض الحنفية.
(قال مالك: لا أرى) زاد في بعض النسخ المصرية بعد ذلك لفظ ((بذلك))
فيكون إشارة إلى ما سيأتي من قوله: أن يأكل إلى آخره، وليست هذه الزيادة
في النسخ الهندية وأكثر المصرية وهو الأوجه (بأساً) أي حرجاً (أن يأكل
المسلمون إذا دخلوا أرض العدو) أي دار الحرب (من طعامهم) متعلق ليأكل (ما
وجدوا) مفعول ليأكل (من ذلك) الطعام (كله) أي بجميعه أو أنواعه (قبل أن
يقع في المقاسم)، هكذا في النسخ الهندية، فضمير الفاعل إلى ما وجدوا، وفي
(١) ((المنتقى)) (١٨٣/٣).
١٥٤
----
--

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَأَنَا أَرَى الإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ، يَأْكُلُ
....
مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ إِذَا دَخَلُوا أَرْضَ الْعَدُوِّ، كَمَا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعَامِ،
النسخ المصرية: تقع المقاسم أي الأنصبة له جمع مقسم، كمقعد، وهو
النصيب .
وتقدم في كلام الحافظ والموفق الإجماع على جوازه، وكذا حكى
الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة المذاهب، منهم القاضي عياض إذ قال:
أجمعوا على جواز أكل طعام الحربيين ما داموا في الحرب، فيأكلون منه قدر
حاجاتهم، ويجوز بإذن الإمام وبغير إذنه، وروى البخاري(١) عن ابن عمر:
((كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه))، كذا في ((المحلى)).
وقال الدردير(٢): وجاز أخذُ محتاج من الغانمين ولو لم تبلغ حاجته حد
الضرورة سواء أذن الإمام أم لا، ما لم يمنع من ذلك نعلاً وحزاماً وإبرة
وطعاماً. وإن كان نعماً يذبحها و((علفاً)) كثوبٍ وسلاح ودابةٍ ليردَّ، راجع إلى ما
بعد الكاف، وأما ما قبل الكاف فالجواز مطلقاً، انتهى.
(قال مالك: وأنا أرى الإبل والبقر والغنم بمنزلة الطعام يأكل منه) أي مما
ذكر من أنواع البهائم (المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يأكلون من الطعام)
قال الباجي(٣): وأما الحيوان المباح أكله كالإبل والبقر والغنم، فإنها بمنزلة
الطعام عند مالك، وقال الشافعي: لا يذبح شيء من ذلك إلا لضرورة إذا
عدموا الطعام، والدليل على ما نقوله أن الحاجة إلى أكلها والاقتيات بها أشد
من الحاجة إلى العسل والعنب، انتهى.
قلت: ما حكي من مذهب الشافعي يوافقه ما تقدم في كلام الحافظ من
(١) (٣١٥٤) ((فتح الباري)) (٢٥٦/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٧٩/٢ - ١٨٠).
(٣) ((المنتقى)) (١٨٤/٣).
١٥٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
التقييد بالضرورة، لكن لا يوافقه ما يأتي من ((تحفة المحتاج))، وترجم البخاري
في (صحيحه)) ((باب ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم)) (١)، وذكر فيه
حديث رافع بن خديج في ذبحهم الإبل التي أصابوها لأجل الجوع، وأمر
النبي ◌ّ﴾ بإكفاء القدور، واختلفت شراح الحديث في هذه القصة، فقيل: كانت
في دار الإسلام، وقيل: كان في الطعام قلة، وقيل: كان الذبح على طريق
التعدي، وقيل: غير ذلك، والظاهر أن البخاري مال إلى كراهة الذبح، ولم
يجعله كالطعام.
وقال الموفق(٢): أما عَقْرُ دوابّهم للأكل، فإن كانت الحاجة داعية إليه،
ولا بدّ منه فمباح بلا خلاف، لأن الحاجة تُبيح مال المعصوم، فمال الكافر
أولى، وإن لم تكن الحاجة داعيةً إليه نظرنا، فإن كان الحيوان لا يراد إلا
للأكل، كالدجاج والحمام، وسائر الطيور، والصيد، فحكمه حكم الطعام في
قول الجميع، لأنه لا يراد لغير الأكل، وتقلّ قيمته، فأشبه الطعام، وإن كان
مما يحتاج إليه في القتال، كالخيل، لم يبح ذبحه للأكل في قولهم جميعاً.
وإن كان غير ذلك كالغنم والبقر لم يبح في قول الخرقي، وظاهر كلام
أحمد إباحته، وجه قول الخرقي ما روى سعيد(٣) بسنده إلى ثعلبة بن الحكم،
قال: ((أصبنا غنماً للعدو، فنصبنا قدورنا، فمر النبي ﴿ بالقدور وهي تَغْلي،
فأمر بها، فأكفئت، ثم قال لهم: إن النهبة لا تحل، لكن إن أذن الأمير فيها
جاز))، انتهى.
وفي ((تحفة المحتاج)): وللغانمين ولو أغنياء، وبغير إذن الإمام التبسط في
(١) انظر: ((فتح الباري) (١٨٨/٦).
(٢) («المغني)) (١٤٣/١٣).
(٣) ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٤١/٢).
١٥٦

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
الغنيمة قبل القسمة على سبيل الإباحة، لا الملك بأخذ القوت وما يصلح به،
كزيت وسمن ولحم وشحم وكل طعام يعتاد أكله عموماً، وعلف الدواب وذبح
حيوان مأكول للحمه، نعم، ينبغي في خيل الحرب المحتاج إليه المنع بدون
الاضطرار؛ لأن من شأنه إضعافنا، والصحيح جواز الفاكهة، والصحيح أنه لا
تجب قيمة المذبوح للحمه، كما لا تجب قيمة الطعام، والصحيح أنه لا يختص
الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف، بل يجوز أخذ ما يحتاج إليه منهما إلى
وصول دار الإسلام، وإن كانا معه لورود الرخصة بذلك من غير تفصيل، نعم
إن قلّ الطعام، وازدحموا عليه آثر الإمام ذوي الحاجات، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(١): وللغانمين الانتفاع في دار الحرب بعلف وطعام
وحطب وسلاح ودهن بلا قسمة، أطلق الكل تبعاً للكنز، وقَيَّد في ((الوقاية))
السلاح بالحاجة وهو الحق، وقَيَّد الكل في ((الظهيرية)) بعدم نهي الإمام عن
أكله، فإن نهى لم يُبَحْ، فينبغي تقييد المتون به، قال ابن عابدين: قوله: وطعام
أطلقه فشمل المهيأ للأكل وغيره، حتى يجوز لهم ذبح المواشي.
وذكر في ((فتح القدير)) (٢): أن استعمال السلاح والفرس إنما يجوز بشرط
الحاجة، بأن مات فرسه أو انكسر سيفه، أما إذا أراد أن يوفر سيفه وفرسه
باستعمال ذلك، فلا يجوز، ولو فعل أثم ولا ضمان، وأما غير السلاح ونحوه
مما مرّ كالطعام ونحوه، فشرط في ((السير الصغير)) الحاجة، وهو القياس، ولم
يشترطها في ((السير الكبير))، وهو الاستحسان، وبه قالت الأئمة الثلاثة، فيجوز
لكل من الغني والفقير، وهكذا ذكره في ((الشرنبلالية))، ولا يخفى ترجيح
الاستحسان ههنا وهو الحق.
(١) (٤ / ٤٢٠).
(٢) (٢٢٨/٥).
١٥٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
وَلَوْ أَنَّ ذُلِكَ لَا يُؤْكَلُ حَتَّى يَحْضُرَ النَّاسُ الْمَقَاسِمَ، وَيُقْسَمَ بَيْنَهُمْ،
أَضَرَّ ذُلِكَ بِالْجُيُوشِ، فَلَا أَرَى بَأْساً بِمَا أُكِلَ مِنْ ذلِكَ كُلِّهِ، عَلَى
وَجْهِ الْمَعْرُوفِ،
وقوله: فإن نهى لم يبح، قال في ((البحر)): ينبغي أن يقيد النهي عن
المأكول والمشروب بما إذا لم تكن حاجة، فإن كانت حاجة لم يعمل نهيه،
انتھی .
وهكذا حكى الشيخ في ((البذل)) (١) عن ابن الهمام وغيره، فالحاصل أن
ذبح الحيوانات المذكورة يجوز ذبحها وأكلها عند الجمهور، منهم الأئمة
الأربعة، إلا ما حكى الحافظ وغيره عن الشافعي من التقييد بالحاجة، وما مال
إليه الخرقي من المنع بدون الاضطرار.
(قال مالك) هكذا في النسخ الهندية، وليس هذ في النسخ المصرية من
المتون والشروح، بل الكلام الآتي من قوله: ولو أن إلى آخره في نسق الكلام
السابق، والأوجه عندي وجوده، لأنه إن كان في نسق الكلام السابق يختص
ذلك الكلام بالبهائم، والظاهر أنه متعلق بكلا القولين السابقين (ولو أن ذلك)
أي الطعام والحيوان (لا يؤكل) ببناء المجهول (حتى يحضر الناس المقاسم)
ببناء المعروف أي يحضر الناس أنصبائهم وحتى (يقسم) مال الغنيمة ببناء
المجهول (بينهم) أي بين الغانمين (أضر ذلك) التأخير (بالجيوش) لاحتياجهم
إلى الطعام والعلف (فلا أرى بأساً بما أكل) ببناء المجهول (من ذلك كله) أي
سواء كان مهيئاً للأكل كالطعام أولا كالحيوان (على وجه المعروف) إلى المعتاد
والحاجة إليه فلا يجوز بدون الحاجة.
قال الباجي(٢): يريد أن الذي أبيح له من ذلك كله على وجه جرت
(١) ((بذل المجهود)) (١٢ /٢٧٤).
(٢) ((المنتقى)) (١٨٣/٣).
١٥٨

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
وَلَا أَرَى أَنْ يَدَّخِرَ أَحَدٌ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً يَرْجِعُ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ.
العادة بأكله، وأما ذبح الحيوان وإتلافه، أو ذبح الكثير منه الذي يكفي يسيره،
ويخرج فيه عن حد الاقتيات البالغ إلى حد الإفساد والانتهاب والتبذير، فإن
ذلك ممنوع إلا أن يريد إفساده إذا لم يقدروا على العدو، وإذا لم يطيقوا
انتقاله، انتهى. قلت: وهو كذلك عند الجمهور، لم يقل أحد بالذبح على وجه
الإفساد والتبذير.
(ولا أرى أن يَدَّخِر أحد من ذلك) الطعام ونحوه (شيئاً) ذا بال وقيمة،
كما سيأتي في القول الآتي (يرجع به إلى أهله) لأن المباح لضرورة لا يتعداها،
قال الباجي: يريد ماله من ذلك بال وقيمة، وإنما له أن يأكل منه حتى
ينصرف، فإن فضل منه شيء تصدق به إلا أن يكون التافه اليسير كالقديد
والكعك مما يقل ثمنه، انتهى.
قال الدردير(١): ورُدَّ وجوباً الفاضلُ عن حاجته إن كثر، بأن كان قدر
الدرهم، لا أن كان يسيراً بأن لم يكن له ثمن أو أقل من درهم.
قال الموفق(٢): من فضل معه من الطعام، فأدخله البلد طرحه في مقسم
تلك الغزاة في إحدى الروايتين، والأخرى: يباح له أكله إذا كان يسيراً، أما
الكثير. فيجب رده بغير خلاف نعلمه، لأن ما كان مباحاً له في دار الحرب،
فإذا أخذه على وجه يفضل منه كثير إلى دار الإسلام فقد أخذ ما لا يحتاج
إليه، فيلزمه ردّه، لأن الأصل تحريمه، لكونه مشتركاً بين الغانمين، كسائر
الأموال، وإنما أبيح منه ما دعت الحاجة إليه، فما زاد يبقى على أصل
التحريم، ولذا لم يبح له بيعه، وأما اليسير ففيه روايتان:
إحداهما: يجب ردُّه أيضاً، وهو اختيار أبي بكر، وقول أبي حنيفة، وابن
(١) ((الشرح الكبير)) (٢/ ١٨٠).
(٢) («المغني)) (١٣٢/١٣).
١٥٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٨) باب
صَى له
--- -
المنذر، وأحد قولي الشافعي، وأبي ثور لما ذكرنا في الكثير، ولأن النبي
قال: ((أدوا الخيط والمخيط))، ولأنه من الغنيمة، ولم يقسم، فلم يبح في دار
الإسلام كالكثير، والرواية الثانية: يباح، وهو قول مكحول وخالد بن معدان
وعطاء الخراساني ومالك والأوزاعي، قال أحمد: وأهل الشام يتساهلون في
هذا، وقد روى القاسم بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي وَلّر قال: ((كنا
تأكل الجزور في الغزو، ولا نقسمه حتى أن كنا لنرجع إلى رحالنا، وأَخْرِجتُنا
مُمْلأَةٌ))، رواه سعيد وأبو داود(١)، وقال الأوزاعي: أدركتُ الناس يقدمون
بالقديد، فيهديه بعضهم إلى بعض، لا ينكره إمام ولا عامل ولا جماعة، وهذا
نقل للإجماع، انتهى.
وفي ((تحفة المحتاج)): الصحيح أن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية
لزمه ردها إلى المغنم قبل قسمتها، وذلك لتعلق حق الجميع، وقد زالت
الحاجة إليه، أما بعد قسمتها فيرد للإمام ليقسمه إن أمكن وإلا رده للمصالح،
انتھی .
وقال صاحب ((الكنز)): ما فضل رد إلى الغنيمة، قال الزيلعي: أي الذي
فضل في يده من الذي كان أخذه قبل الخروج من الحرب لينتفع به ردّه إلى
الغنيمة بعد الخروج إلى دار الإسلام لزوال حاجته والإباحة باعتبارها، انتهى.
زاد ابن نجيم قيده في ((المحيط)) بأن كان غنياً، وإن كان فقيراً يأكل
بالضمان، لأنه ليس له أخذ الطعام بعد الإحراز، فكذلك الإمساك هذا قبل
القسمة، وأما بعدها باعها، وتصدق بقيمتها، لأنه لا يمكنه القسمة لقلته
فيتصدق كاللقطة، انتهى.
قلت: وما استدل الموفق من قوله وَ الر: ((أدوا الخيط، والمخيط)) سيأتي
(١) ((سنن سعيد بن منصور)) (٢٧٢/٢)، و((سنن أبي داود)) (٢٧٠٦).
١٦٠
- -