النص المفهرس

صفحات 101-120

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
(٩٥٩) حديث
فَإِذَا أَدْرَكَهُ قَتَلَهُ. وَإِنِّي، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَعْلَمُ مَكَانَ وَاحِدٍ
فَعَلَ ذُلِكَ، إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ.
قَالَ يَحْيَىُ: سَمِعْتُ
الراء، وأهل خراسان كانوا يقولون ليحيى بن يحيى في ((الموطأ)) مطرس،
والأصح ما ضبطه الأصيلي لا غير، انتهى. يعني الصواب هو الضبط الذي
جزم به بعض من لقي الحافظ من العجم.
قال الخرقي: من لقي ◌ِلجاً، فقال له: قِفْ أو أَلْقِ سلاحَك فقد آمنه،
قال الموفق(١): والذي ورد به الشرع لفظتان: أجرتك، وأَمَّنْتُك، قال تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾(٢) وقال عليه السلام: ((قد أجرنا من
أجرتِ وأَمَّنَّا من أَمَّنْتِ))، وفي معنى ذلك إذا قال: لا تخف ولا تخش ولا
تذهل، ولا بأس عليك، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: إذا قلتم
لا بأس أو لا تذهل أو مترس فقد أمنتموهم، فإن الله يعلم الألسنة كلها،
وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال للهُرْمُزان: تَكَلَّمْ، ولا بأس عليك، فلما
تكلم أمر عمر - رضي الله عنه - بقتله، فقال أنس: ليس لك إلى ذلك سبيل،
فقد أمنته، فقال عمر: كلا، فقال الزبير: قد قلت له: تكلم ولا بأس عليك،
فدرأ عنه عمر القتل، رواه سعيد وغيره، وهذا كله لا نعلم فيه خلافاً، انتهى.
(فإذا أدركه قتله) يعني قتله بعد أن أمنه بقوله: مترس فكأنه أنكر على
ذلك وحَذَّره بقوله: (وإني والذي نفسي بيده) وهو الله سبحانه بيده ملكوت كل
شيء (لا أعلم مكان أحد) هكذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: ((واحد)) ولفظ
مكان مصدر ميمي أي وجود أحد (فعل ذلك) أي قتل عِلْجاً بعد تأمينه (إلا
ضربت) بصيغة المتكلم (عنقه) أي عنق القاتل بدل العلج (قال يحيى: سمعت
(١) ((المغني)) (١٣/ ١٩٢، ١٩٣).
(٢) سورة التوبة: الآية ٦.
١٠١

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
(٩٥٩) حدیث
مَالِكاً يَقُولُ: لَيْسَ هُذَا الْحَدِيثُ بِالْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ.
مالكاً يقول: ليس هذا الحديث) أي حديث عمر المذكور (بالمجتمع عليه) في
السلف، بل اختلفوا في ذلك (وليس) عندنا (عليه العمل) يعني على قوله: إلا
ضربت عنقه، لأنه لا يقتل من فعل ذلك وإن كان حراماً .
قال أبو عبد الملك: يحتمل أن قسم عمر - رضي الله عنه - تغليظ لئلا
يفعل ذلك أحد، وكذلك تفعل الأئمة تُخَوِّفُ - بأغلظ شيء يكون، ويحتمل أنه
رأى إن قاتله لأخذ سلبه بعد أن أمنه يكون محارباً، فيجب عليه القتل
بالحرابة، لا أنه يقتل المسلم بالكافر، لحديث ((لا يقتل مسلم بكافر))، قاله
الزرقاني(١) .
وقال الباجي: يحتمل أن يكون عمر - رضي الله عنه - رأى قتل المسلم
بالمستأمن، وقد قال به أبو يوسف. ومنع منه مالك وأبو حنيفة والشافعي، ولذا
قال مالك: ليس عليه العمل، يريد أن من قتل من المسلمين مستأمناً، فإنه لا
يقتل به، انتھی.
وفي ((الدر المختار))(٢): إذا صار أي المستأمن ذمياً يجري القصاص بينه
وبين المسلم، قال ابن عابدين: وأما قبل صيرورته ذمياً فلا قصاص بقتله عمداً
بل الدية، قال في ((شرح السير)): الأصل أنه يجب على الإمام نصرةُ المستأمن
ما داموا في دارنا، فكان حكمهم كأهل الذمة إلا أنه لا قصاص على مسلم
أوذمي بقتل مستأمن، ويقتصُّ من المستأمن بقتل مثله، ويستوفيه وارثه إن كان
معه .
وذكر أيضاً، أن المستأمن في دارنا إذا ارتكب ما يوجب عقوبة، لا يقام
عليه إلا ما فيه حق العبد من قصاص أو حد قذف، وعند أبي يوسف يقام عليه
كل ذلك إلا حد الخمر، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٧٤/٣).
١٠٢
--

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
(٩٥٩) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنِ الإِشَارَةِ بِالأَمَانِ، أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ؟ فَقَالَ:
نَعَمْ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ يُتَقَدَّمَ إِلَى الْجُيُوشِ: أَنْ لَا تَقْتُلُوا أَحَدَاً أَشَارُوا
إِلَيْهِ بِالأَمَانِ، لأَنَّ الإِشَارَةَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْكَلَامِ،
وحمل في ((المسوى))(١) أيضاً أثر عمر (٢) - رضي الله عنه - على التخويف
والتشديد، ولم يحك في ذلك خلافاً .
(وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن الإشارة بالأمان) أي إذا أمَّن أحد
بالإشارة هل يصح تأمينه؟ (أهي بمنزلة الأمان) أي لفظاً، وفي النسخ المصرية
بدله ((بمنزلة الكلام)) أي بمنزلة التأمين قولاً (فقال: نعم) يتحقق الأمان
بالإشارة، كما يتحقق بالكلام (وإني أرى أن يتقدم في ذلك إلى الجيوش) هكذا
في النسخ الهندية، والظاهر أن يتقدم ببناء الفاعل أي يسبق الأمير بالقول في
ذلك الأمر يعني أمر الأمان إلى الجيش، وقوله: ((أن لا تقتلوا أحداً))، بيان
لهذا القول الذي يسبق به الأمير، ويحتمل البناء للمجهول أيضاً، ونائب الفاعل
ما سيأتي أن لا تقتلوا، وليس في النسخ المصرية لفظ ((في ذلك))، وضبطه
الزرقاني ببناء المجهول فنائب الفاعل قوله: أن لا تقتلوا إلى آخره أي يأمرهم
بذلك السلطان ومن بمعناه إذا خرجوا .
(أن لا تقتلوا أحداً أشاروا) بصيغة الجمع في جميع النسخ، والضمير إلى
الجيوش (إليه) الضمير إلى أحد (بالأمان) يعني إذا أَمَّنُوا أحداً بالإشارة، فلا
تقتلوه بعد ذلك (لأن الإشارة عندي بمنزلة الكلام) في ذلك الأمر.
قال الموفق(٣): إن أشار المسلم إليهم بما يرونه أماناً، وقال: أردت به
الأمان فهو أمان، وإن قال: لم أرد به الأمان فالقول قوله؛ لأنه أعلم بنيته،
(١) (٣٤٨/٤).
(٢) ((المسوى)) (٣١٣/٢).
(٣) ((المغني)) (١٩٤/١٣).
١٠٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٤) باب
(٩٥٩) حديث
وَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ
فإن خرج الكفار من حصنهم بناءً على هذه الإشارة لم يجز قتلهم، ولكن يردون
إلى مأمنهم، وقال عمر - رضي الله عنه -: والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى
السماء إلى مشرك، فنزل بأمانه فقتله لقتلته به، رواه سعید.
وإن مات المسلم أو غاب، فإنهم يردون إلى مأمنهم، وبهذا قال مالك
والشافعي وابن المنذر، فإن قيل: كيف صححتم الأمان بالإشارة مع القدرة
على النطق بخلاف البيع والطلاق والعتق؟، قلنا: تغليباً لحقن الدم، ولأن
الكفار في الغالب لا يفهمون كلام المسلمين، والمسلمون لا يفهمون كلامهم،
فدعت الحاجة إلى التكليم بالإشارة، بخلاف غيره، انتهى.
وفي ((المحلى)): القتل بعد الإشارة بالأمان نقض للعهد، قال أبو يوسف:
لو أن رجلاً أشار إلى رجل بالأمان، ولم يتكلم بذلك، فإن الفقهاء اختلفوا
فيه، وأحسن ما سمعت في ذلك، أنه أمان، وحدثني بعض المشيخة عن أبان بن
صالح عن مجاهد قال: قال عمر - رضي الله عنه - أي رجل من المسلمين
أشار إلى رجل من العدو لئن نزلت لأقتلنك، وهو يرى أنه أمان فقد أمنه،.
انتهى .
وقال الباجي(١): الإشارة بالأمان على ضربين: أحدهما: أن يشير إلى
ممتنع بالأمان، فهذا يكون آمناً يذهب حيث شاء، والثاني: أن يؤمن أسيراً بعد
أن يأسره فهذا لا يجوز له ولا لغيره قتله حتى يبلغ الإمام، فيرى فيه رأيه لأنه
آمنه بعد أن ثبت فيه حكم النظر للإمام، انتهى (ولأنه) دليل آخر على عدم جواز
القتل، وحاصله: أن الوعيد على نقض العهد شديد، وهذا نقض عهد؛ لأنه
بمنزلة الكلام.
(بلغني أن عبد الله بن عباس) موقوفاً، وقد روي عنه مرفوعاً، كما سيأتي
(١) ((المنتقى)) (١٧٤/٣).
١٠٤
..-
1

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦٠) حديث
قَالَ: مَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَدُوَّ .
(٥) باب العمل فيمن أعطى شيئاً في سبيل الله
٩٦٠/ ١٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَعْطَى شَيْئاً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَقُولُ
قريباً (قال: ماختر) بفتح الخاء المعجمة والمثناة الفوقية آخره راء مهملة على ما
في جميع النسخ المصرية والهندية، وهكذا ضبطه الزرقاني وصاحب ((المحلى))،
قال الأزهري: الختر أقبح الغدر، وفي ((مختار الصحاح)): الختر الغدر، وبابه
ضرب، يقال: ختره فهو ختار (قوم بالعهد) (إلا سلّط) ببناء المجهول في النسخ
الهندية وبعض المصرية، وفي أكثرها ببناء الفاعل بلفظ ((سلّط الله)) (عليهم
العدو) جزاء لما فعلوه من نقض العهد، قال الباجي: يريد أن هذه عقوبتهم
التي تختص بهم في الدنيا مع ما في ذلك من المآثم، انتهى.
وقد روي عن ابن عباس مرفوعاً: ((خمس بخمس ما نقض قوم العهد إلا
سلّط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلَّا فشا فيهم الفقر، ولا
ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت)). الحديث، وسيأتي مفصلاً بيان من
رواه وما في معناه في آخر (باب الغلول)).
(٥) العمل فيمن أعطى شيئاً في سبيل الله
يعني كيف يعمل من أعطى، هل يجوز له الرجوع أو تحتم الإعطاء؟
وترجم شيخنا في ((المصفّى)) (١) على الأثرين الأولين من الباب ((باب إذا جعل
شيئاً في سبيل الله وسلّمه إلى رجل متى يثبت له الملك)).
٩٦٠/ ١٣ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أعطى) لرجل
(شيئاً) كالنفقة والفرس والسلاح (في سبيل الله) أي ليغزو، مع ذلك (يقول
(١) (١٥٥/٣).
١٠٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦٠) حديث
لِصَاحِبِهِ: إِذَا بَلَغْتَ وَادِيَ الْقُرَى، فَشَأْنَكَ بِهِ .
لصاحبه) الذي أعطاه (إذا بلغت) بصيغة الخطاب (وادي القرى) بضم القاف
وفتح الراء مقصور، موضع بقرب المدينة؛ لأنه رأس المغزاة، فمنه يدخل إلى
أول الشام، قاله الزرقاني(١).
وفي ((المحلى)): موضع قرب خيبر فتحه النبي وَّر في جمادى الآخر سنة
سبع عند رجوعه من خيبر، والمقصود المسافرة إلى الجهاد، وذكر الموضع
على سبيل المثال، انتهى.
(فشأنك به) بالرفع في أكثر النسخ أي أمرك وخطبك متلبس به، وأشار
صاحب ((المحلى)) إلى النسب إذ قال: فالزم شأنك بالشيء المعطى، وأما قبل
الارتحال فنرجع به إن نشاء، انتهى.
وعلم منه أنه حمله على البلوغ إلى وادي القرى في الذهاب للغزو، وإليه
أشار الشيخ في ((المصفى))، كما تقدم قريباً من تبويبه على هذا الأثر، وإليه
يشير كلام محمد في ((موطئه))(٢) كما سيأتي من كلامه، وبه جزم الزرقاني إذ
قال: فشأنك به، يعني أنه ملكه له، وإنما قال ذلك خيفة أن يرجع المعطى (٣)،
فتتلف العطية، ولم يبلغ صاحبه مراده فيها، فإذا بلغ الوادي كان أغلب أحواله
أن لا يرجع حتى يغزو، انتهى.
وأيده صاحب ((المحلى)) بما في البخاري: قال عمر رضي الله عنه: إنّ
ناساً يأخذون من هذا المال ليجاهدوا، ثم لا يجاهدون فمن فعل، فنحن أحق
بماله حتى نأخذ منه ما أخذ، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤/٣).
(٢) (ص٣٠٨).
(٣) كذا في الأصل والظاهر: المعطى له، اهــ ((ش)).
١٠٦

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦٠) حديث
وخالفهم الباجي(١) إذا حمل أثر الباب على الرجوع من الغزوة فقال: إذا
بلغت وادي القرى يريد أن هذا نهاية في سفره، ومقتضى غزوه في رجوعه
غازياً من الشام، وقوله: فشأنك به، يعني هو لك.
قال: وفي هذا مسألتان، إحداهما: حكم محل العطية، والثانية: حكم
العطية، أما حكم محل العطية، فعلى ضربين: أحدهما: الإطلاق، والثاني:
التعيين: أما الإطلاق فهو أن يقول: مالي في سبيل الله، فإن منصرفه إلى
الغزاة، ومن في موضع الجهاد؛ لأن إطلاق هذه اللفظة وظاهرها يقتضي
الجهاد، فإن كان في موضع لا جهاد فيه ولا غزو، فلا يعطى منه حاج، ولا
غيره، قاله مالك، وقال سحنون: يعطى منه الصبيان والنساء والأعمى
والمقعد، لا من تعطل عن العمل، كالمفلوج والأعمى.
وأما حكم العطية فإنه على ضربين: أحدهما: أن يجعل العطية في السبيل
خاصة فهذا ليس لمن أعطيها تمولها، ولا إيقافها في غير سبيل الله؛ لأنه عدول
بالعطية عن وجهها، وهل له أن يأكل منها في القفول؟ قال ابن حبيب: ينفق
منها في القفول، وقال مالك: لا ينتفع بها في القفول، وجه ما قاله ابن حبيب
أن القفول من الغزو، كالمسير إلى بلد العدو، ووجه ما قاله مالك أن من
أخرج شيئاً في سبيل الله فقد عينه للغزو والعون على العدو، وليس القفول منه
بسبيل، فمن فضل له منه شيء بعد ذهابه على قول مالك، أو عن قفوله على
قول ابن حبيب، فهو مخير بين أن يرده إلى من أعطاه إياه، أو يعطيه هو في
سبيل الله.
وأما الضرب الثاني: وهو أن يجعل المعطي العطية في سبيل الله ويبتلها
لمن أخذها بأن يقول له: هذا لك في سبيل الله، فهذا يلزم المعطى أن يتزود
(١) ((المنتقى)) (١٧٤/٣).
١٠٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
١٤/٩٦١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب كَانَ يَقُولُ: إِذَا أَعْطِيَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الْغَزْوِ،
فَيَبْلُغُ بِهِ رَأْسَ مَغْزَاتِهِ، فَهُوَ لَهُ.
منه في السبيل بقدر ما يعلم أن تلك العطية تخرج لمثله، ثم يكون له بيعه
والانتفاع بثمنه، وبهذا كان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يشترط عليه إذا
بلغ وادي القرى، يريد بعد قضاء الغزو به، انتهى. وكذا حمله الموفق على
الرجوع من الغزوة، كما سيأتي من كلامه مفصلاً.
١٤/٩٦١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أن سعيد بن
المسيب كان يقول إذا أعطي) بالبناء للمفعول (الرجل) نائب الفاعل (الشيء)
بالنصب مفعول ثان (في الغزو) أي ليغزو بذلك الشيء (فبلغ به)(١) أي بلغ
الرجل المعطى له بذلك الشيء (رأس مغزاته فهو له) قال الحافظ(٢): أخرجه
ابن أبي شيبة وغيره، انتهى. قال صاحب ((المحلى)): المغزى والمغزاة موضع
الغزو، وقد يكون الغزو نفسه، كذا في ((النهاية))، يعني إذا بلغ الرجل بالعطية
رأس الغزو فالعطية له، وإلا فهي على خطر الرجوع، وبه أخذ مالك وجماعة
من أهل العلم، وقال طاووس ومجاهد: إذا دفع إليك شيء تخرج به في
سبيل الله فاصنع به ما شئت، وضعه عند أهلك، انتهى.
قلت: وأثر طاووس ومجاهد أخرجه البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً، وقال
الحافظ: وصله ابن أبي شيبة بمعناه عنهما، وذكرهما البخاري في ((باب
الجعائل والحملان))، وقال الحافظ: الذي يظهر أن البخاري أشار إلى الخلاف
فيما يأخذه الغازي هل يستحقه بسبب الغزو، فلا يتجاوزه إلى غيره أو يملكه
فيتصرف فيه بما شاء؟ وذكر البخاري فيه قصة عمر - رضي الله عنه - إذ حمل
(١) في نسخة ف: فيبلغ به .
(٢) (فتح الباري)) (١٢٥/٦).
١٠٨
. ...---- - --
- --

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
على فرس في سبيل الله، فرآه يباع في السوق، وأراد عمر - رضي الله عنه -
شراءه، فنهاه النبي ◌َّ، قال الحافظ (١): وجه دخول هذه القصة في الباب أن
النبي ◌َ﴾ أقرّ المحمول عليه على التصرف فيه بالبيع وغيره، فدل على تقوية ما
ذهب إليه طاووس من أن للآخذ التصرف في المأخوذ.
وقال ابن المنير: كل من أخذ مالاً من بيت المال على عمل إذا أهمل
العمل يرد ما أخذ، وكذا الأخذ على عمل لا يحتاج، وروى مالك عن ابن
عمر، إذا بلغت وادي القرى، فشأنك به أي تصرف فيه، وهو قول الليث
والثوري، انتهى.
وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد أثر الباب: قال محمد: هذا قول سعيد بن
المسيب، وقال ابن عمر: إذا بلغ وادي القرى فهو له، وقال أبو حنيفة وغيره
من فقهائنا: إذا دفعه إليه صاحبه فهو له، يعني دفعه المعطي إلى المعطى له،
وقبضه فهو له، كما في سائر الهبات والعطيات، كذا في ((التعليق الممجد))(٣).
وحمل الباجي هذا أيضاً على الرجوع من الغزو، إذ قال: يريد ما قلناه
من تبتيله له على وجه الغزو به، وقوله: فبلغ به رأس مغزاة، يريد نهاية الغزو
في القفول وموضع تفرق أهل الجيش إلى مواضعهم وبلادهم، وهكذا كانت
وادي القرى رأس المغزى في الغزو إلى الشام، انتهى.
قال الخرقي: من أعطي شيئاً يستعين به في غزاته فما فضل فهو له، فإن
لم يعط لغزاة بعينها ردّ ما فضل في الغزو، وقال الموفق (٤): جملته أن من
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٣٤/٦).
(٢) (ص٣٠٨).
(٣) (٣٦٦/٣).
(٤) ((المغني)) (٤١/١٣).
١٠٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
أعطي شيئاً من المال يستعين به في الغزو، لم يخل إما أن يعطى لغزوة بعينها،
أو في الغزو مطلقاً، فإن أعطي لغزوة بعينها، فما فضل بعد الغزو فهو له، هذا
قول عطاء ومجاهد وسعيد بن المسيب، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - إذا
أعطى شيئاً في الغزو يقول لصاحبه: إذا بلغت وادي القرى فشأنك به، ولأنه
أعطاه على سبيل المعاونة لا على سبيل الإجارة، فكان الفاضل له، وإن أعطاه
شيئاً لينفقه في سبيل الله، أو في الغزو مطلقاً، ففضل منه فضل، أَنْفَقَه في غزوة
أخرى؛ لأنه أعطاه الجميع لينفقه في جهة قربة، فلزمه إنفاق الجميع فيها .
:
ومن أعطي شيئاً ليستعين به في الغزو، فقال أحمد: لا يترك لأهله منه
شيئاً؛ لأنه ليس يملكه إلا أن يصير إلى رأس مغزاة، فيكون كهيئة ماله، فيبعث
إلى عياله منه، ولا يتصرف فيه قبل الخروج، لئلا يتخلف عن الغزو، فلا يكون
مستحقاً، لما أنفقه إلا أن يشتري منه سلاحاً أو آلة الغزو.
ثم قال الخرقي: وإذا حمل الرجل على دابة، فإذا رجع من الغزو فهي
له، إلا أن يقول: هي حبيس، فلا يجوز أن تباع إلا أن تصير في حال لا
تصلح فيه للغزو، فتباع، وتجعل في حبيس آخر.
قال الموفق(١): يعني أعطيها ليغزو عليها، فإذا غزا عليها ملكها، كما
يملك النفقة المدفوعة إليه، إلا أن تكون عارية، فتكون لصاحبها، أو حبيساً
فتكون حبيساً بحاله، قال عمر - رضي الله عنه -: حملت على فرس في
سبيل الله. الحديث، وفيه قوله وَلجر: ((لا تشتره ولا تعد في صدقتك))، متفق
عليه، وهذا يدل على أنه ملكه لولا ذلك ما باعه، ويدل على أنه ملكه بعد
الغزو؛ لأنه أقامه للبيع بالمدينة ولم يكن ليأخذه من عمر - رضي الله عنه - ثم
يقيمه للبيع في الحال، فدل على أنه أقامه للبيع بعد غزوه عليه.
(١) ((المغني)) (١٤/ ٤٢).
١١٠
---- ----------------- -------

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنْ رَجُلٍ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْغَزْوَ فَتَجَهَّزَ، حَتَّى
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ، أَوْ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: لَا أرى أن
يُكَابِرْهُمَا، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُ ذَلِكَ إِلَى عَامِ آَخَرَ .
وذكر أحمد نحواً من هذا الكلام، وسُئل متى يطيب له الفرس؟ قال: إذا
غزا عليه، قيل له: فإن العدو جاء، فخرج على هذا الفرس في الطلب إلى
خمس فراسخ، ثم رجع؟ قال: لا، حتى يكون غزا، قيل له: فحديث ابن عمر
إذا بلغت وادي القرى؟ قال: كان ابن عمر يصنع ذلك في ماله، ورأى إنما
يستحقه إذا غزا عليه، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم سعيد بن المسيب
وسالم والقاسم ويحيى الأنصاري ومالك والليث والثوري، ونحوه عن
الأوزاعي، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحداً يقول: إن له أن يبيعه في مكانه،
وكان مالك لا يرى أن ينتفع بثمنه في غير سبيل الله، إلا أن يقول له: شأنك به
ما أردت، ولنا، حديث عمر - رضي الله عنه - وليس فيه ما شرطه مالك،
انتھی .
(وسئل) ببناء المجهول (مالك عن رجل أوجب على نفسه الغزو) بنذر أو
قسم (فتجهز) أي تهيأ للخروج (حتى إذا أراد أن يخرج) إلى الغزو (منعه أبواه أو
أحدهما، فقال) مالك: (لا أرى أن يكابرهما) وفي أكثر النسخ المصرية: لا
يكابرهما أي لا يغالبهما، ولابن وضّاح: لا أرى أن يكابرهما (ولكن يؤخر
ذلك إلى عام آخر) قال الباجي(١): وهذا كما قال إن من أوجب على نفسه
الغزو بنذر أو قسم، فتجهّز له، ثم منعه أبواه فليس له أن يكابرهما في ذلك
العام، وليؤخر غزوه إلى العام المقبل، وقد بيّنًّا أن الجهاد على ضربين:
أحدهما: أن لا يتعين على المكلف لقيام غيره به. فهذا يلزمه طاعة أبويه
في المنع منه، مؤمنَيْن كانا أو كافرين، قاله سحنون؛ لأن طاعة أبويه من
فروض الأعيان، والجهاد من فروض الكفاية، وفروض الأعيان آكد.
(١) ((المنتقى)) (١٧٥/٣).
١١١

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
والضرب الثاني: أن يتعين على المكلف الجهاد، وهو يتعين من وجهين،
أحدهما: أن يوجب ذلك على نفسه بنذر أو قسم، والثاني: أن يجب ذلك عليه
بأصل الشرع، ويتعين عليه لقوة العدو وضعف المسلمين عنه، فأما إن أوجب
ذلك على نفسه فلا يمتنع منه (١) لمنع أبويه، وإن كان وجب ذلك عليه بأصل
الشرع لم يمتنع منه لمنع أبويه، والفرق بينهما أن حق أبويه قد وجب عليه،
فليس له أن يسقطه بنذر يلزمه نفسه، وليس كذلك ما ثبت بأصل الشرع، فإنه
يجب بالوجه الذي وجب به حق أبويه، فإذا كان آكد من حق أبويه، لم يكن
لهما المنع منه، انتهى.
قلت: لا يصح النذر بالجهاد عندنا الحنفية، قال صاحب ((البدائع))(٢) في
شرائط صحة النذر: ومنها: أن لا يكون مفروضاً ولا واجباً، فلا يصح النذر
بشيء من الفرائض، سواء كان فرض عين كالصلوات الخمس وصوم رمضان،
أو فرض كفاية، كالجهاد ولا بشيء من الواجبات، سواء كان عيناً كالوتر، أو
على سبيل الكفاية كتجهيز الموتى، انتهى.
وإذا ثبت ذلك فالجهاد إذا لم يكن فرض عين، فلا بد له من إذن
الأبوين، قال ابن رشد(٣): عامة العلماء متفقون على أن من شرط الفريضة إذن
الأبوين فيها، إلا أن تكون عليه فرض عين، واختلفوا في إذن الأبوين
المشرکین، انتهى.
قال الخرقي: إذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما. قال
الموفق (٤): روي نحو هذا عن عمر وعثمان، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري
(١) كذا في الأصل والصواب على الظاهر فليمتنع، اهـ. ((ش)).
(٢) (٤/ ٢٤٠)
(٣) ((بداية المجتهد)) (٣٨١/١).
(٤) ((المغني)) (١٣ /٢٥).
١١٢
كيك -- ----- -----

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
والشافعي وسائر أهل العلم، وقد روى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء
رجل إلى رسول الله و # فقال: يا رسول الله! أجاهد؟ قال: ((ألك أبوان؟))
قال: نعم. قال: ((ففيهما فجاهِدْ))، وعن ابن عباس عن النبي ◌َّ مثله، رواه
الترمذي(١)، وقال حسن صحيح.
وفي رواية قال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبواي يبكيان، قال:
((ارجع إليهما فأضحِكُهما كما أبكيتهما))، وعن أبي سعيد: أن رجلاً هاجر إلى
رسول الله وَل14ه، فقال له رسول الله وَل﴾: ((هل لك باليمن أحد؟)) قال: نعم
أبواي، قال: ((أذنا لك؟)) قال: لا، قال: ((فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك
فجاهد، وإلا فبرها)). رواها أبو داود(٢)، ولأن برّ الوالدين فرض عين،
والجهاد فرض كفاية، وفرض العين يقدم، فأما إن كان أبواه غير مسلمين فلا
إذن لهما، وبذلك قال الشافعي، وقال الثوري: لا يغزو إلا بإذنهما لعموم
الأخبار .
ولنا، أن أصحاب رسول الله وَلول كانوا يجاهدون، وفيهم من له أبوان
كافران من غير استئذانهما، منهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وأبو
حذيفة بن ربيعة - رضي الله عنه -، كان مع النبي 18َّ يوم بدر، وأبوه رئيس
المشركين يومئذ قتل ببدر، وأبو عبيدة قتل أباه في الجهاد، فأنزل الله تعالى:
﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا﴾ الآية. وعموم الأخبار مخصص بما رويناه، ثم قال: وإذا
وجب عليه الجهاد لم يعتبر إذن والديه؛ لأنه صار فرض عين، وتركه معصية،
ولا طاعة لأحد في معصية الله، انتهى.
وفي ((المحلى)): قال الحافظ: مذهب الجمهور أنه يحرم الجهاد إن منع
(١) أخرجه الترمذي في الجهاد (١٦٧١).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٥٣٠).
١١٣

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
فَأَمَّا الْجِهَازُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ بِهِ،
عنه أبواه أو أحدهما بشرط أن يكون مسلماً؛ لأن برَّهم فرض عين، والجهاد
فرض كفاية، وإن صار فرض عين فلا إذن، وقال النووي: يحرم على الرجل
جهاد إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين، انتهى.
وقد عرفت فيما سبق من كلام الباجي أن لا تخصيص بالمسلمين عندهم،
بل يعم الكافرين أيضاً، لكن فصل الدردير(١) في ذلك فقال: أحد الأبوين
الكافر كغيره، فله المنع في غير الجهاد من فروض الكفاية بخلاف الجهاد،
فليس له المنع؛ لأنه مَظِنَّة قصد توهين الإسلام إلا لقرينة تفيد الشفقة ونحوها .
قال الدسوقي: وهذا التفصيل لسحنون، واقتصر عليه المواق وارتضاه
اللقاني، والذي في ((التوضيح)): أن الوالد الكافر ليس له منع ولده من الجهاد
مطلقاً، سواء علم أن منعه كراهة إعانة المسلمين أو شفقة عليه، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): لا يفرض على صبي وبالغ، له أبوان أو
أحدهما؛ لأن طاعتهما فرض عين، قال ابن عابدين: مفاده أنهما لا يأثمان في
منعه، وإلا لكان له الخروج حتى يبطل عنهما الإثم، مع أنهما في سعة من منعه
إذا كان يدخلهما من ذلك مشقة شديدة، وشمل الكافرين أيضاً أو أحدهما إذا
كره خروجه مخافة ومشقة، وإلا بل لكراهة قتال أهل دينه، فلا يطيعه ما لم
يخف عليه الضيعة، إذ لو كان معسراً محتاجاً إلى خدمته فرضت عليه ولو
كافراً، وليس من الصواب ترك فرض عين ليتوصل إلى فرض كفاية، انتهى.
---- -
(فأما الجهاز) بكسر الجيم والزاي المعجمة ما أعدّه من أسباب الجهاد،
كذا في ((المحلى)) (فإني أرى أن يرفعه) أي أن يحفظه عنده (حتى يخرج به) إذا
(١) ((الشرح الكبير)) (١٧٧/٢).
(٢) (٣٠٠/٤).
١١٤
------ --

٢١ - كتاب الجهاد
(٥) باب
(٩٦١) حديث
فَإِنْ خَشِيَ أَنْ يَفْسُدَ، بَاعَهُ وَأَمْسَكَ ثَمَنَهُ، حَتَّى يَشْتَرِيَ بِهِ مَا يُصْلِحُهُ
لِلْغَزْوِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِراً، يَجِدُ مِثْلَ جَهَازِهِ إِذَا خَرَجَ، فَلْيَصْنَعْ بِجِهَازِهِ
مَا شَاءَ .
خرج إلى الجهاد يعني يصرفه في عام آخر وقت خروجه، قال الباجي(١): يريد
أن هذا الأفضل له؛ لأنه مال قد نوى به البر، وسببه الغزو، فيستحب له أن لا
يرجع عن ذلك، فإن أمسكه كذلك فمات قبل الغزو، فإنه ميراث، سواء أمسكه
عنده أو جعله على يد غيره؛ لأنه كصدقة نذرها ولم ينفذها .
فإن أشهد بإنفاذها فهو على ضربين؛ أحدهما: أن يشهد بإنفاذها إن مات
فهذه تكون من الثلث، والثاني: أن يشهد بإنفاذها على كل حال فهذه تكون من
رأس المال، انتهى.
(فإن خشي أن يفسد) بإمساكه كالأزواد والأطعمة (باعه وأمسك ثمنه) لأن
الثمن يقوم مقام الأصل (حتى يشتري به) أي بالثمن (ما يصلحه للغزو) إذا تهيأ
للخروج مرة أخرى (فإن كان موسراً، يجد مثل جهازه إذا خرج) إلى الغزو،
وتيسر له أسباب الخروج (فليصنع بجهازه ما شاء) لقدرته على تحصيله إذا
خرج .
وقد أخرج مسلم وأبو داود واللفظ له عن أنس: أن فتى من أسلم قال:
يا رسول الله إني أريد الجهاد، وليس لي مال أتجهّز به؟ قال: اذهب إلى فلان
الأنصاري، فإنه قد تجهّز، فمرض، فقل له: إن رسول الله ولو يقرؤك السلام،
وقل له: ادفع إليّ ما تجهزت به، فأتاه، فقال له ذلك، فقال لامرأته: يا فلانة
ادفعي إليه ما جهزتني به، ولا تحبسي منه شيئاً، فوالله لا تحبسين منه شيئاً
فليبارك لك فيه، قال الشيخ في ((البذل))(٢) تبعاً للنووي: في الحديث ما نوى
(١) ((المنتقى)) (١٧٥/٣).
(٢) ((بذل المجهود)) (١٢ /٤١٧) والحديث أخرجه أبو داود (٢٧٨٠) باب ما يستحب من
إنفاد الزاد في الغزو إذا قفل .
١١٥

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٢) حديث
(٦) باب جامع النفل في الغزو
١٥/٩٦٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه بَعَثَ
الإنسان صرفه في جهة بر فتعذرت عليه تلك الجهة، يستحب له بذله في جهة
أخرى من البر، ولا يلزمه ذلك ما لم يلتزم بالنذر، انتهى.
(٦) جامع النفل في الغزو
النفل: بفتحتين على المشهور، وقد تسكن الفاء، واحد الأنفال، زيادة
يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، ومنه نفل الصلاة وهو ما عدا الفريضة،
قاله الزرقاني(١)، قلت: وأكثر ما يطلق في الروايات على الغنيمة أيضاً، وفي
((المجمع)): النفل بالحركة الغنيمة جمعه أنفال، وهو بالسكون وقد تحرك،
الزيادة، وفي ((شرح جامع الأصول)): النفل: بالفتح، وقد تسكن، زيادة يخص
بها بعض الغزاة، وقال الراغب: النفل، قيل: هو الغنيمة بعينها، لكن اختلفت
العبارة عنه لاختلاف الاعتبار، فإنه إذا اعتبر بكونه مظفوراً به، يقال له:
غنيمة، وإذا اعتبر بكونه منحة من الله إبتداءً من غير وجوب، يقال له: نفل.
ومنهم من فرّق بينهما من حيث العموم والخصوص، فقال: الغنيمة: ما
حصل مستغنماً بتعب كان أو غير تعب، وباستحقاق كان أو بغير استحقاق،
وقبل الظفر كان أو بعده، والنفل: ما يحصل للإنسان قبل القسمة من جملة
الغنيمة، وقيل: هو ما يحصل للمسلمين بغير قتال، وهو الفيء، وقيل: هو ما
يفضُّل من المتاع ونحوه بعدما تقسم الغنائم، وعلى ذلك حمل قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ
عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. وأصل ذلك من النفل، أي الزيادة على الواجب، انتهى.
١٥/٩٦٢ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَل بعث
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥/٣).
١١٦
------------- -
------
--------------

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٢) حديث
سَرِيَّةً
سرية) ترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب السرية التي قبل نجد))، وذكر فيه
حديث الباب، قال الحافظ (١): هكذا ذكرها البخاري بعد غزوة الطائف،
والذي ذكره أهل المغازي أنها كانت قبل التوجه لفتح مكة، فقال ابن سعد:
كانت في شعبان سنة ثمان، وذكر غيره أنها كانت قبل مؤتة، ومؤتة كانت في
جمادى من السنة، وقيل: كانت هذه السرية في رمضان، قالوا: وكان أبو قتادة
أميرها، وكانوا خمسة وعشرين، وغنموا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير
وألفي شاة، انتهى.
وذكرها صاحب ((الخميس)) (٢) في أحوال السنة السابعة، فقال: وبعث
رسول الله 80# سرية قبل نجد، وفيها ابن عمر، قال: فبلغت سهماننا اثني عشر
بعيراً، انتهى .
وقال القسطلاني في ((المواهب)) (٣): وسرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري
إلى خضرة، وهي أرض محارب بنجد في شعبان سنة ٨هـ، وبعث معه خمسة
عشر رجلاً إلى غطفان، فقتل من أشرف منهم، وسبا سبياً كثيراً، واستاق
النعم، وكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة، وكانت غيبته خمس عشرة
ليلة، انتهى.
قال الزرقاني في ((شرح المواهب)): خضرة ضبطه الشامي بفتح الخاء
وكسر الضاد المعجمتين مخالفاً قول البرهان: بضم الخاء وإسكان المعجمة،
وقوله: هي أرض محارب أشار إلى أنه لا تنافي بين من ترجمها، كالبخاري
بقوله: السرية التي قبل نجد، وبين من قال: سرية محارب، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٦/ ٢٣٧).
(٢) (٦١/٢).
(٣) ((المواهب اللدنية)) (٣٧٠/٣).
١١٧

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٢) حديث
فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ،
وقال ابن سعد في ((طبقاته)): سرية أبي قتادة بن ربعي الأنصاري إلى
خضرة، وهي أرض محارب بنجد في شعبان سنة ٨هـ، قالوا: بعث رسول الله وَ له
أبا قتادة ومعه خمسة عشر رجلاً إلى غطفان، وأَمره أن يَشُنَّ عليهم الغارة،
فسار الليل وكمن النهار، فهجم على حاضر منهم عظيم، فأحاط بهم، فصرخ
رجل منهم يا خضرة، وقاتل منهم رجال، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا
النعم، فكانت الإبل مائتي بعير، والغنم ألفي شاة، وسبوا سبياً كثيراً، وجمعوا
الغنائم، فأخرجوا الخمس فعزلوه، وقسموا ما بقي على أهل السرية، فأصاب
كل رجل منهم اثنا عشر بعيراً، فعدل البعير بعشر من الغنم.
وصارت في سهم أبي قتادة جارية وضيئة، فاستوهبها منه رسول الله وَله،
فوهبها لمحمية بن جزء، وغابوا في هذه السرية خمس عشرة ليلة، انتهى
بلفظه، وهكذا ذكرها السيد أحمد زيني دحلان في ((سيرته))، فقال: سرية أبي
قتادة إلى نجد بعثه رسول الله وَليه إلى خضرة وهي أرض محارب بنجد في
شعبان سنة ٨هـ، وبعث معه خمسة عشر رجلاً، فذكر القصة، وذكر فيها حديث
ابن عمر - رضي الله عنهما - المذكور في الباب أيضاً.
وذكرها في ((السيرة الحلبية)) بسرية أبي قتادة إلى غطفان أرض محارب،
وقال: بعث رسول الله ◌َلّ أبا قتادة إلى غطفان في خمسة عشر رجلاً، فذكر
القصة إلى أن قال: فكانت الإبل مائة بعير، والغنم ألفي شاة، فأصاب كل
رجل بعد إخراج الخمس اثني عشر بعيراً، وعدل البعير بعشرين من الغنم،
انتھی .
وقد عرفت أن كون الإبل مائة، والتعديل بالعشرين خلاف عامة أهل السير
(فيها عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - ولذا سماها بعض أهل السير بسرية
ابن عمر إلى نجد (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (نجد) بفتح النون
وسكون الجيم ما بين حرتين إلى سواد الكوفة، وحدّه من العرب الحجاز،
١١٨

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٢) حديث
فَغَنِمُوا إِبِلاً كَثِيرَةً، فَكَانَ سُهْمَانُهُمُ أُثْنَيْ عَشَرَ بَعِيراً أَوْ أَحَدَ عَشَرَ
ـغِيراً،
وعن يسار الكعبة اليمن، ونجد كلها من عمل اليمامة، كذا في ((لغات
النووي))(١)، وفي ((المحلى)): النجد في بلاد العرب خلاف الغور، والغور هو
التهامة، وكل ما ارتفع من الحجاز إلى أرض العراق فهو نجد، انتهى.
(فغنموا إِبلا كثيرة) وفي رواية لمسلم: ((فأصبنا إيلا وغنماً))، وقال أهل
السير: إنها مائتا بعير وألفا شاة، كذا في ((الفتح))، وبه جزم ابن سعد وغيره،
كما تقدم. (فكان سهمانهم) بضم السين وسكون الهاء جمع سهم أي نصيب كل
واحد من السرية، قال النووي: قيل: معناه سهمان جميع الغانمين اثنا عشر
وهذا غلط، فقد جاء في بعض روايات أبي داود وغيره أن الاثني عشر بعيراً
كانت سهمان كل واحد من الجيش والسرية، انتهى.
(اثني عشر بعيراً) هكذا في النسخ المصرية(٢)، وهكذا في البخاري برواية
مالك، وفي الهندية: ((اثنا عشر))، وهما نسختان عند أبي داود، والمراد مع
تعديل عشرة غنم بإبل، وإلا فقد عرفت أن البعير كانت مائتين، فكيف تأتي
لكل واحد منهم اثنا عشر بعيراً، وفيه أن مع تعديل الغنم تأتي في نصيب كل
منهم إحدى وعشرون لا اثنا عشرة، هذا يؤيد ما قال الحافظ: إن رجال السرية
كانوا خمساً وعشرين، لكن عامة أهل السير حكوا خمسة عشر رجلاً (أو أحد
عشر بعيراً) هكذا رواه البخاري برواية عبد الله بن يوسف عن مالك بالشك.
قال ابن عبد البر (٣): اتفق رواة ((الموطأ)) على راويته بالشك إلا الوليد بن
مسلم، فرواه عن شعيب ومالك جميعاً فقال: اثني عشر، فلم يشك، وكأنه
(١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٧٥/٢/٢).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (١٤/ ٩٧).
(٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (١٥/٣) و((التمهيد)) (٣٥/١٤ -٣٦).
١١٩

٢١ - كتاب الجهاد
(٦) باب
(٩٦٢) حديث
وَنُفِّلُوا بَعِيراً بَعِيراً .
أخرجه البخاري فى: ٥٧ - كتاب فرض الخمس، ١٥ - باب ومن الدليل على
أن الخمس لنوائب المسلمين .
ومسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ١٢ - باب الأنفال، حديث ٣٥.
حمل رواية مالك على رواية شعيب، وهو منه غلط، وكذا أخرجه أبو داود عن
القعنبي عن مالك والليث بغير شك، فكأنه أيضاً حمل رواية مالك على رواية
الليث، والقعنبي إنما رواه في ((الموطأ)) على الشك فلا أدري أمن القعنبي جاء
هذا حين خلط حديث الليث بحديث مالك أم من أبي داود؟ وقال سائر
أصحاب نافع: اثني عشر بعيراً بلا شك، لم يقع الشك فيه إلا من قبل مالك،
انتھی .
(ونفّلوا) بضم النون ببناء المجهول من التنفيل أي أعطي كل واحد منهم
زيادة على السهم المستحق له، هذا هو الظاهر من سياق الروايات، وقال
النووي(١): معناه، أن الذين استحقوا النفل نفلوا بعيراً بعيراً لا أن لكل واحد
من السرية نُفِّلَ، انتهى.
قلت: واحتاج النووي إلى ذلك تأويلاً لمسلكه المرجح عند الشافعية،
كما سيأتي أن النفل يكون من خمس الخمس، وهو ههنا ليس بمقدار ينقسم
على كل السرية، ويأبى هذا التأويل ما في أبي داود وغيره من رواية ابن
إسحاق عن نافع: نفلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان، الحديث.
(بعيراً بعيراً) قال الحافظ (٢): هكذا رواه مالك بالشك والاختصار وإبهام
الذي نَفّلهم، واختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا جميعاً من أمير ذلك
الجيش أو من النبي و 8# أو أحدهما؟ فرواية ابن إسحاق عن نافع عند أبي داود
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٥/١٢/٦).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٣٩/٦).
١٢٠