النص المفهرس

صفحات 1-20

أوْجَن المَالِك
رمزي
إِلى
موظا مالكن
الجُزْءُ التَّاسِعُ
تَألِيفُ
الإِمَامِ المُحُدِّثُّ
محمد زكريًّا الكان حلوي المدني
المتوفى سنة ١٤٠٢ هـ
اعتَنَى بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ
الأستاذ الدكتور في الذي النّوني
دار القلم
دمشق

a-

◌َ المُسَالِك
إلى
موظا مالكن
2

-.
فكــ
الطَّبْعَةُ الأَوْلى
مُحَقّقَةٌ وَمُنَقّحَةٌ
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م
حُقُوقُ الطَّبْعِ مُحَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ
مركز الشيخ أبي الحسن الندوي
للبحوث والدراسات الإسلامية
مظفرفور - أعظم جراه یوبي (الهند).
SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER
For Research & Islamic Studies.
MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA).
Tel: 0091 54622 70104
0091 54622 70317
Fax: 0091 54622 70786

٢١ - كتاب الجهاد
٢١ - كتاب الجهاد
٢١ - كتاب الجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم أولاً: أن النسخ مختلفة في ذكر هذا الكتاب، ففي جميع النسخ
الهندية والمصرية ذكره ههنا بعد ((كتاب الحج))، وفي نسخة ((المنتقى)) ذكره بعد
خمسة كتب بعد ((كتاب الأشربة))، واقتفينا الأول لاتفاق جميع النسخ عليه غير
هذا .
وثانياً: أن النسخ مختلفة في ذكر التسمية أيضاً حذفاً وإثباتاً وتقديماً
وتأخيراً عن الكتاب، ولا ضير في ذلك.
وثالثاً: أن الجهاد بكسر الجيم لغة: المشقة، يقال: جهدت جهداً
بلغت المشقة، وشرعاً: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضاً على
مجاهدة النفس والشيطان والفساق، فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور
الدين، ثم على العمل بها ثم على تعليمها، وأما مجاهدة الشيطان فعلى
دفع ما يأتي به من الشُّبُهات وما يُزَيِّنهُ من الشهوات، وأما مجاهدة الكفار
فتقع باليد والمال واللسان والقلب، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم باللسان
ثم بالقلب، كذا في ((الفتح)) (١).
قال الراغب (٢): الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو،
والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة
النفس، انتهى.
(١) (٦/ ٣).
(٢) ((مفردات القرآن)) (ص٢٠٨).
٥

٢١ - كتاب الجهاد
قلت: وقد قال النبي وَلّ: ((المجاهد من جاهد نفسه)) كذا في
(المشكاة)) (١) برواية ((شعب البيهقي)) قال ابن العربي في ((العارضة)) (٢): هذا هو
مذهب الصوفية أن الجهاد الأكبر جهاد العدو الداخل وهو النفس، قالوا: وهو
المراد بقوله: ﴿وَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنًا﴾(٣) وليس المجاهد من جاهد
العدو المباين، وإنما المجاهد من جاهد العدو المخالط، انتهى.
وقال القاري(٤): الجهاد بكسر أوله لغةً: المشقة، وشرعاً: بذل المجهود
في قتال الكفار مباشرة أو معاونة بالمال، أو بالرأي أو بتكثير السواد أو غير
ذلك، وفي ((المغرب)): جهده حمله فوق طاقته، والجهاد مصدر جاهدت
العدو، إذا قابلته في تحمل الجهد، أو بذل كل واحد منهما جهده أي طاقته في
دفع صاحبه، ثم غلب في الإسلام على قتال الكفار.
قال ابن الهمام: هو دعوتهم إلى الدين الحق، وقتالهم إن لم يقبلوا،
وحاصله: بذل أعزّ المحبوبات وإدخال أعظم المشقات عليه، وهو نفس
الإنسان ابتغاء مرضاة الله وتقرباً بذلك إليه تعالى، وأشقّ منه قصر النفس على
الطاعات في النشاط. ودفع الكسل على الدوام ومجانبة أهويتها، ولذا قال
وقد رجع من غزاة: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))(٥)، انتهى.
ورابعاً: في حكمه في زمان النبي وَل﴾، قال الحافظ(٦): وللناس في
(١) ح (٣٤) من كتاب الإيمان.
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٢٢/٧).
(٣) سورة العنكبوت: الآية ٦٩.
(٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٤/٧).
(٥) أورده الغزالي في (الإحياء)) قال العراقي: رواه البيهقي بسند ضعيف عن جابر، انظر
(كشف الخفاء)) (١/ ٥١١).
(٦) ((فتح الباري)) (٣٧/٦).
٦
...
---

٢١ - كتاب الجهاد
الجهاد حالان: إحداهما: في زمن النبي ون ◌َ﴾، والأخرى بعده، أما الأولى:
فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة اتفاقاً، ثم بعد أن شُرع هل
كان فرض عين أو كفاية؟ قولان مشهوران للعلماء، وهما في مذهب الشافعي،
وقال الماوردي: كان عيناً على المهاجرين دون غيرهم، ويؤيده وجوب الهجرة
قبل الفتح في حق كل من أسلم إلى المدينة لنصر الإسلام.
وقال السهيلي: كان عيناً على الأنصار دون غيرهم، ويؤيده مبايعتهم
النبيِ وَ﴾ ليلة العقبة على أن يُؤْوُا رسول الله وَل وينصروه، فيخرج من قولهما
أنه كان عيناً على الطائفتين كفاية في حق غيرهم، ومع ذلك فليس في حق
الطائفتين على التعميم، بل في حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفي حق
المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع في قصة بدر
فيما ذكره ابن إسحاق فإنه كالصريح في ذلك، وقيل: كان عيناً في الغزوة التي
يخرج فيها النبي ◌ّ- دون غيرها. والتحقيق أنه كان عيناً على من عينه النبي ◌َّ
في حقه ولو لم يخرج، انتهى.
قلت: ويؤيد الماوردي ما رواه مسلم، والأربعة من حديث سليمان بن
بريدة عن أبيه: كان رسول الله وَلَ﴿ إذا أَمَّرَ أميراً على جيش أو سرية أوصاه في
خاصة نفسه بتقوى الله إلى أن قال: ((وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم
إلى ثلاث خصال فأيتهنَّ ما أجابوك، فاقبل منهم وكف عنهم))، الحديث(١)،
وفيه: ((ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن
فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن
يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في
الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين))، وسيأتي في أول الباب
(١) أخرجه مسلم (١٧٣١)، وأبو داود (٢٦١٢)، والترمذي (١٤٠٨)، والنسائي في
((الكبرى)) (١٩٢٩)، وابن ماجه (٢٨٥٨).
٧

٢١ - كتاب الجهاد
الآتي عن الباجي ما قال سحنون: كان في أول الإسلام فرضاً على جميع
المسلمين، والآن هو مرغب فيه، انتهى.
وقال شارح ((الإقناع)) (١): كان الجهاد في عهده وَّل بعد الهجرة فرض
كفاية، قال البجيرمي: قوله: ((بعد الهجرة)) أما قبلها فكان ممتنعاً؛ لأن الذي
أمر به أولاً هو التبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار تألفاً لهم، ثم أذن الله
بعدها للمسلمين في القتال بعد نهيه عنه في نيف وسبعين آية، إذا ابتدأ الكفار،
ثم أباح الابتداء به في غير الأشهر الحرم ثم في السنة الثانية أمر به على
الإطلاق، انتهى.
وقال ابن عابدين(٢): اعلم أن الأمر بالقتال نزل مرتباً، فقد كان ◌َاية
ثم
مأموراً أولاً بالتبليغ والإعراض ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضٍ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
بالمجادلة بالأحسن ﴿آدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ الآية. ثم أذن لهم بالقتال ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَتَلُونَ﴾ الآية. ثم أمروا بالقتال إن قاتلوهم ﴿فَإِن قَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية. ثم
أمروا به بانسلاخ الأشهر الحرم ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ ◌ٌلْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَأَقْنُلُوْ اُلْمُشْرِكِينَ﴾ ثم
أمروا به مطلقاً ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. واستقر الأمر على هذا، انتهى.
وبسط ذلك ابن رشد في ((مقدماته)) .
وخامساً: في حكم الجهاد وبعده وَ﴾، وتقدم في مبدأ المبحث الرابع ما
قال الحافظ: إن له حالين، إحداهما زمنه ◌ّل﴾، والأخرى بعده، قال
الحافظ(٣): الحال الثاني بعده وَّل فهو فرض كفاية على المشهور، إلا أن تدعو
الحاجة إليه كأن يدهم العدو، ويتعين على من عينه الإمام، ويتأدى فرض
(١) (٤/ ٢٥٢) .
(٢) ((رد المحتار)) (١٩٦/٦).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٧/٦).
٨
-----
1
- - -

٢١ - كتاب الجهاد
الكفاية بفعله في السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلاً
عنه. ولا تجب في السنة أكثر من مرة اتفاقاً، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب
كلما أمكن وهو قوي، والذي يظهر أنه استمر على ما كان عليه في زمن
النبي 18 إلى أن تكاملت فتوح معظم البلاد، وانتشر الإسلام في أقطار
الأرض، ثم صار إلى ما تقدم ذكره، والتحقيق أيضاً أن جنس جهاد الكفار
متعين على كل مسلم إما بيده أو بلسانه أو بماله أو بقلبه، انتهى.
وفي ((إعانة الطالبين)) على قول الماتن: هو فرض كفاية في كل عام، ولو
مرة إذا كان الكفار ببلادهم، ويتعين إذا دخلوا بلدنا، قوله: ((كل عام)) أي
بفعله 18َ إياه كل عام منذ أمر به، وكإحياء الكعبة، فإنه فرض كفاية في كل
عام، وقوله: ((ولو مرة)) أي ولو فعل كل عام مرة، فإنه يكفي، والمرة في
الجهاد أقله؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِ كُلِّ عَامٍ مَّزَةً أَوْ
مَرَّتَيْنِ﴾(١) قال مجاهد: نزلت في الجهاد، ولأن الجزية تجب بدلاً عنه،
وهي واجبة في كل سنة فكذا بدلها، انتهى.
وفي ((العناية))(٢): الجهاد فرض على الكفاية. وبه قال أكثر أهل العلم إلا
ابن المسيب، فإنه قال: فرض عين للعمومات في النصوص، وحكي عن ابن
شبرمة والثوري أنه غير واجب، وهكذا روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -،
وسئل عطاء وعمرو بن دينار أن الغزو واجب؟ قالا: ما علمناه واجباً، وقالوا :
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ للندب، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْثُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ الآية، انتهى.
قال الموفق(٣): معنى فرض الكفاية الذي إن لم يقم به من يكفي إثم
(١) سورة التوبة: الآية ١٢٦.
(٢) ((العناية مع فتح القدير)) (١٨٩/٥).
(٣) ((المغني)) (٦/١٣).
٩

٢١ - كتاب الجهاد
الناس كلهم، وإن قام به من يكفي سقط عن سائر الناس، فالخطاب في ابتدائه
يتناول الجميع كفرض الأعيان، ثم يختلفان في أن فرض الكفاية يسقط بفعل
بعض الناس له، وفرض الأعيان لا يسقط عن أحد بفعل غيره، والجهاد من
فروض الكفاية في قول عامّة أهل العلم، وحكي عن ابن المسيب، أنه فرض
عين؛ لقوله عز اسمه: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
ثم قال: ﴿إِلَّا نَفِرُواْ يُعَذِبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ولقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اُلْقِتَالُ﴾ وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي وقّ قال: ((من مات ولم
يغزو، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق))(١).
ولنا، قوله تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ
سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ﴾ الآية.
ولأنه مَل كان يبعث السرايا، ويقيم هو وسائر أصحابه، والآية التي احتجوا بها،
فقد قال ابن عباس: نسخها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ﴾
الآية. رواه الأثرم وأبو داود، ويحتمل أنه أراد حين استنفرهم النبي ◌َّ إلى
غزوة تبوك، وكانت إجابتهم إلى ذلك واجبة عليهم، ولذلك هجر النبي ◌َّ
كعب بن مالك وأصحابه الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم بعد ذلك، وكذلك
يجب على من استنفره الإمام؛ لقوله وَّر: ((وإذا استنفرتم فانفروا)) متفق عليه.
وأقل ما يفعل مرة في كل عام؛ لأن الجزية تجب في كل عام، وهي بدل
عن النصرة، فكذلك مبدلها. وهو الجهاد، فيجب في كل عام مرة إلا من
عذر، مثل أن يكون بالمسلمين ضعف في عدد أو عُدّة، أو يكون ينتظر المدد
ويستعين به، أو يكون الطريق إليهم فيها مانع، أو يعلم من عدوه حسن الرأي
في الإسلام فيطمع في إسلامهم إن أخّر، فيجوز تركه بهدنة، فإن النبي ◌َّ قد
صالح قريشاً عشر سنين، وأخّر قتالهم حتى نقضوا عهده، وأخّر قتال قبائل من
(١) روه أبو داود (٢٦٠٢)، ومسلم (١٩١٠)، والنسائي (٣٠٩٧).
١٠

٢١ - كتاب الجهاد
العرب بغير هدنة، وإن دعت الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرة وجب
ذلك؛ لأنه فرض كفاية، فوجب منه ما دعت الحاجة إليه، انتهى.
وسيأتي في أول الباب الآتي عن الباجي ما قال سحنون: إنه كان فرض
عين في أول الإسلام، والآن هو مرغب فيه، انتهى.
وقال الدردير(١): الجهاد فرض كفاية، ويكون في أهم جهة كل سنة،
ظرف لقوله: الجهاد فرض كفاية، قال الدسوقي: قوله: كل سنة أي بأن يوجه
الإمام كل سنة طائفة ويخرج بنفسه معها، أو يخرج بدله من يثق به ليدعوهم
إلى الإسلام ويرغبهم فيه، ثم يقاتلهم إذا أبوا منه، انتهى.
قلت: واختلفت فروع الحنفية في ذكر التوقيت وعدمه، ففي ((المبسوط)):
وعلى إمام المسلمين في كل وقت أن يبذل مجهوده في الخروج بنفسه، أو
يبعث الجيوش والسرايا من المسلمين، انتهى.
وفي ((البدائع))(٢): إذا كان فرضاً على الكفاية، فلا ينبغي للإمام أن يخلي
ثغراً من الثغور من جماعة من الغزاة فيهم غنى وكفاية لقتال العدو، فإذا قاموا
به يسقط عن الباقين، انتهى.
وقال ابن عابدين(٣) تحت قول صاحب ((الدر المختار)): هو فرض كفاية:
قال في ((الدر المنتقى)): ليس بتطوع أصلاً هو الصحيح، فيجب على الإمام أن
يبعث سرية إلى دار الحرب كل سنة مرة أو مرتين، وعلى الرعية إعانته إلا إذا
أخذ الخراج، فإن لم يبعث كان كل الإثم عليه، وهذا إذا غلب على ظنه أنه
يكافئهم، وإلا فلا يباح قتالهم بخلاف الأمر بالمعروف، انتهى.
(١) ((حاشية الدسوقي على الشرح الكبير)) (١٧٢/٢).
(٢) (٥٩/٦).
(٣) (١٩٥/٦).
١١

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٨) حديث
(١) باب الترغيب في الجهاد
١/٩٤٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ
ثم قال تحت قول المصنف: إن قام به البعض سقط عن الكل وإلّا يقم
به أحد في زمان ما أثموا بتركه)): مفهومه أنه إذا قام به البعض في أي زمان
سقط عن الباقين مطلقاً وليس كذلك، لما تقدم من أنه يجب على الإمام في كل
سنة مرة أو مرتين، وحينئذ فلا يكفي فعله في سنة عن سنة أخرى، انتهى.
(١) الترغيب في الجهاد
قال الباجي(١): معنى الترغيب في الجهاد الإعلام بعظيم ثوابه وجزيل
أجره ليرغب الناس فيه، وأكثر ما يوصف بالرغائب ما قصر عن رتبة الوجوب؛
لأن العمل إنما يوصف بأتم أحواله، إلا أنه لم يقصد ههنا للوصف له
بالوجوب ولا غيره، إنما قصد الحض على فعله بالإخبار عن جزيل ثوابه،
ويحتمل أن يوصف بأنه من الرغائب لمن سقط عنه فرضه، لقيام غيره به،
وبعده عن مكانه مع ظهور المجاورين للعدو عليهم، واستغنائهم عن عون من
بعد عنهم، وقد قال سحنون في مثل هذا: كان في أول الإسلام فرضاً على
جميع المسلمين، والآن هو مرغب فيه، انتهى.
١/٩٤٨ - (مالك، عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة نون عبد الله بن :
ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه -
(أن رسول الله وَل﴾) ولفظ الترمذي(٢) برواية أبي صالح عن أبي هريرة: قيل يا
رسول الله ما يعدل الجهاد؟ قال: لا تستطيعونه، فردوا عليه مرتين أو ثلاثاً،
كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، فقال في الثالثة: ((مثل المجاهد))، الحديث
(١) (١٥٨/٣).
(٢) رواه الترمذي (١٦١٩).
١٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٨) حديث
قَالَ: ((مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ،
الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ،
(قال: مَثَل) بفتحتين (المجاهد في سبيل الله) زاد البخاري برواية ابن المسيب
عن أبي هريرة: ((والله أعلم بمن يجاهد في سبيله))، قال الباجي: السبيل في
كلام العرب هو الطريق، يذكر ويؤنث وجميع أعمال البر هي سبيل الله، إلا أن
هذه اللفظة إذا أطلقت في الشرع اقتضت الغزو إلى العدو (كمثل الصائم) نهاره
(القائم) ليله للصلاة، قال الباجي: المراد بالقائم هاهنا المصلي يقال: فلان
يقوم بالليل إذا كان يصلي فيه، انتهى.
وقال القاري(١): القائم أي بالصلاة والطاعة والعبادة، أو المراد به
الواقف في الصلاة دون القاعد، انتهى.
قال الباجي(٢): وإنما أحال على ثواب الصائم والقائم وإن كنا لا نعرف
مقداره، لما قرر الشارع من كثرته وعرف من عظمته (الدائم) أي مثل ثواب
المستديم للقيام والصيام ولا يفتر عنهما .
قال الحافظ(٣): ولمسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة: ((كمثل الصائم
القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة ولا صيام))، زاد النسائي من هذا
الوجه: ((الخاشع الراكع الساجد))، وفي ((الموطأ)) و((ابن حبان)): ((كمثل الصائم
القائم الدائم الذي لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع))، ولأحمد والبزار
من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم
نهاره القائم ليله)).
(الذي لا يفتر) بضم التاء كينصر أي لا ينكسر ولا يملّ عن العبادة (من
صلاة ولا صيام) تطوعاً ومن كان كذلك فأجره مستمر، فكذلك المجاهد لا
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٦٧/٧).
(٢) ((المنتقى)) للباجي (١٥٩/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٧/٦).
١٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٨) حديث
حَتَّى يَرْجِعَ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ٢ - باب أفضل الناس
مؤمن مجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله.
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٩ - باب فضل الشهادة في سبيل الله،
حديث ١١٠.
تضيع ساعة من ساعاته بلا ثواب (حتى يرجع) إلى أهله أو من جهاده.
قال الحافظ: شبه حال الصائم القائم بحال المجاهد في سبيل الله في
نيل الثواب في كل حركة وسكون؛ لأن من لا يفتر ساعة عن العبادة، أجره
مستمر، فكذلك المجاهد لا تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب، لما ورد من
حديث ((إن المجاهد ليستن فرسه فيكتب له حسنات))(١)، وأصرح منه قوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ﴾ الآيتين، انتهى.
قال الزرقاني (٢): مثّله بالصائم القائم؛ لأنه ممسك لنفسه عن الأكل
والشرب والنوم واللذات، والمجاهد ممسك لها على محاربة العدو، وحابس
لها على من يقاتله، قال البوني: يحتمل أنه ضرب ذلك مثلاً وإن كان أحد لا
يستطيع كونه قائماً مصلياً لا يفتر ليلاً ولا نهاراً، ويحتمل أنه أراد التكثير، ولا
معارضة بين هذا وبين ما تقدم ((ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم، وأرفعها في
درجاتكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير
لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى،
قال: ذكر الله تعالى)).
إما لأن المراد الذكر الكامل، وهو ما اجتمع فيه ذكر اللسان والقلب
واستحضار عظمة الرب، وهذا لا يعدله شيء، وفضل الجهاد وغيره إنما هو
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٧٨٥)، و((فتح الباري)) (٤/٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣/٣).
١٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٩) حدیث
٢/٩٤٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَالهِ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ
بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، أو باعتبار أحوال المخاطبين، وقال ابن دقيق
العيد: القياس يقتضي أن الجهاد أفضل الأعمال التي هي وسائل؛ لأن الجهاد
وسيلة إلى إعلان الدين، ونشره، وإخماد الكفر، ودحضه، ففضله بحسب فضل
ذلك، انتهى .
قلت: أو باعتبار اختلاف الأحوال والأوقات، فإن باعتبار الضرورة
والاحتياج قد يفضل العمل المحتاج إليه على سائر أعمال البر، وأفاد الشيخ
في ((الكوكب الدري))(١) بأن هذا فضيلة جزئية، فإن الرجل بعدما خرج من داره
في إعلاء كلمة الله تعالى ما لم يعد إليها، وهو بهذه الحيثية يفضل على سائر
من صلّى أو صام، وهذا لا ينافي كون الصلاة أو غيرها من الطاعات أفضل
من الجهاد؛ لأنها مع ما فيها من الفضل ليس فيها أن يشتغل بتمامها فيها،
انتھی .
٢/٩٤٩ - (مالك، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة) وتقدم هذا
السند قريباً، وأخرج البخاري هذا الحديث، والذي تقدم بسندٍ واحدٍ من رواية
سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (أن رسول الله ﴿ ل﴾ قال: تكفل الله) الكفالة
الضمان، وإنما أضاف الكفالة إلى الباري في هذا العمل؛ لأنه أوفى كفيل على
سبيل التعظيم لشأن الجهاد، والتصحيح لثواب المجاهدة.
قال الأبي: معناه أوجب له ذلك فضلاً منه، فالضمان والكفالة عبارة عن
أن هذا الجزاء لا بد منه سبحانه وتعالى، لما سبق في علمه، ونافذ حكمه،
والحديث هكذا أخرجه البخاري برواية ابن المسيب عن أبي هريرة بلفظ
((توكل الله)) وبرواية أبي زرعة عن أبي هريرة بلفظ ((انتدب الله)). قال الحافظ:
ولمسلم من هذا الوجه ((تضمن الله)) والكل بمعنى واحد.
(١) (٤٢٧/٢).
١٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٩) حديث
لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ،
ومحصله: تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. وفيها ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَكَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ﴾ وذلك
التحقيق على وجه الفضل منه سبحانه وتعالى، وعبر وَل عن تفضله تعالى
بالثواب بلفظ الضمان ونحوه مما جرت به عادة المخاطبين فيما تطمئن به
نفوسهم، وقد ورد التصريح بأنه من الأحاديث القدسية فيما أخرجه أحمد
والنسائي من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله وَّ فيما
يحكي عن ربه قال: ((أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيلي ابتغاء
مرضاتي ضمنت له إن رجعته ... ))، الحديث، رجاله ثقات، وأخرجه الترمذي
من حديث عبادة بلفظ: ((يقول الله عز وجل: المجاهد في سبيلي هو عليَّ
ضامن إن رجعته))، الحديث، صححه الترمذي، كذا في ((الفتح))(١).
(لمن جاهد في سبيله) الكفار، وهذا هو المراد عند الإطلاق وإن كانت
جميع أعمال البر في سبيله (لا يخرجه من بيته) الجملة حالية أي حال كونه لا
يكون باعث خروجه (إلا الجهاد في سبيله)، يريد أن يكون خروجه في جهاده
خالصاً لله تعالى، لا يشوبه طلب الغنيمة ولا العصبية للأهل والعشيرة، ولا
حب الظهور ولا سمعة، ولا شيء من المعاني غير الجهاد في سبيل الله،
لتكون كلمة الله هي العليا، وإذا كانت نيته وعقده الجهاد، فلا ينقص أجره،
ولا ينقض عقده ما نال من غنيمة، بل هي رزق ساقه الله إليه، وأجره وافر
كامل، وإنما يكره أن يكون سبب خروجه وعقده ومقصده في قتاله الغنيمة أو
إظهار النجدة، كذا في ((المنتقى))(٢).
قلت: وقد ورد هذا المعنى مرفوعاً، فقد أخرجه البخاري من رواية أبي
موسى قال: جاء رجل إلى النبي ◌ّ فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل
(١) (٦ / ٧) .
(٢) (٣/ ١٦٠).
١٦
---

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٩) حديث
وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ .
يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: ((من قاتل
لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
(وتصديق كلمته) وفي المصرية: ((كلماته))، قال النووي: أي كلمة
الشهادتين، وقيل: تصديق كلام الله تعالى في الأخبار بما للمجاهدين من عظيم
الثواب .
وقال الباجي: يحتمل أن يريد الأمر بالقتال في سبيل الله وما وعد الله
عليه من الثواب، ويحتمل أن يريد به الشهادتين وأن تصديقه بهما في نفسه
عداوة من كذبهما والحرص على قتله والمجاهدة له.
(أن يدخله الجنة) إن أصيب بموت أو قتل؛ لأنه ليس في اللفظ ما يختص
بالقتل دون غيره، قاله الباجي.
قلت: ويؤيد العموم ما في ((الفتح)) برواية الطبراني عن أبي زرعة عن أبي
اليمان بلفظ: ((إن توفاه))، وقوله: (يدخله الجنة))، يحتمل وجهين، أحدهما: أن
يدخله الجنة بإثر قتله، ويكون هذا تخصيصاً للشهداء، كما خصوا بأنهم
يرزقون. قال تعالى: ﴿بَلّ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية، والثاني: أن يدخله
الجنة بعد البعث، ويكون فائدة التخصيص أن ذلك يكون كفارة لجميع خطاياه
وإن كثرت، إلا ما خصَّه الدليل، وأنه لا موازنة بين ما اكتسب من الخطايا
وبين ثواب ما خرج له من الجهاد فلم يرجع.
ويؤيد هذا التأويل حديث أبي قتادة في الذي سأل النبي ◌َّ أرأيت إن
قُتِلْت صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر أيكفر الله عني خطاياي؟ فقال بَّ: نعم،
ثم قال له بعد أن ردّ عليه: ((إلا الدَّين، كذلك قال لي جبرئيل))، كذا في
((المنتقى))(١).
(١) ((المنتقى)) (١٦٠/٣).
١٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٩) حديث
أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ. مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرِ أَوْ غَنِيمَةٍ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ٢ - باب أفضل الناس
مؤمن يجاهد بنفسه وماله.
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٨ - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل
الله، حديث ١٠٤.
وبهما فسره عامة الشراح منهم الحافظ في ((الفتح)) (١) إذ قال: يدخله
الجنة أي بغير حساب ولا عذاب، أو المراد أن يدخله الجنة ساعة موته، كما
ورد ((أن أرواح الشهداء تسرح في الجنة)) وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال:
ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالماً؛ لأن حصول الأجر يستلزم
دخول الجنة، ومحصل الجواب: أن المراد بدخول الجنة دخول خاص،
انتھی .
(أو يرده) منصوب بالعطف على ((يدخله الجنة)) (إلى مسكنه الذي خرج
منه) أي يرجعه إلى بيته (مع ما نال) أي أصابه (من أجر أو غنيمة) أي مع أجر
خالص إن لم يغنم شيئاً، أو مع غنيمة معها أجر. فلفظ ((أو)) على سبيل منع
الخلو، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة لنقصه بالنسبة إلى الأجر
الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غنم لا
يحصل له أجر، وليس ذلك مراداً، بل المراد أو غنيمة معها أجر أنقص من
أجر من لم يغنم؛ لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه وأتم
أجراً، عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحاً في نفي
الجمع .
قال الكرماني: معنى الحديث أن المجاهد إما أن يستشهد أو لا، والثاني
لا ينفك من أجر أو غنيمة مع إمكان اجتماعهما، فهي قضية مانعة الخلو لا
(١) (٨/٦).
١٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٩) حديث
الجمع، وقيل في الجواب عن الإشكال: إن ((أو)) بمعنى الواو، وبه جزم ابن
عبد البر والقرطبي، ورجحها التوربشتي، والتقدير بأجر وغنيمة، وقد وقع
ليحيى بن بكير في ((الموطأ))، لكن في رواية ابن بكير عن مالك مقال، ولم
يختلف رواة ((الموطأ)) في أنها بأو، وكذلك وقع لمسلم عن يحيى بن يحيى عن
مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد بالواو، ولكن رواه جعفر الفريابي وجماعة
عن يحيى بن يحيى بأو، ووقع عند النسائي من طريق الزهري عن سعيد بن
المسيب عن أبي هريرة بالواو أيضاً، وكذلك من طريق عطاء بن ميناء عن أبي
هريرة، وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ ((بما نال من
أجر وغنيمة)) بالواو، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعين القول بأن ((أو)) في
حديث الباب بمعنى الواو، كما هو مذهب نحاة الكوفيين.
لكن فيه إشكال صعب؛ لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان
وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع، وقد لا يتفق ذلك، فإن كثيراً من الغزاة
يرجع بغير غنيمة، فما فَرّ منه الذي ادعى أن ((أو)) بمعنى الواو وقع في نظيره؛
لأنه يلزم على ظاهر حديث الباب إن رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم
على أنها بمعنى الواو إن كان غاز يجمع بين الأجر والغنيمة معاً.
وهذا الإشكال لابن دقيق العيد، وأجاب الدماميني(١) بأنه إنما يرد إذا
كان القائل إنها للتقسيم قد فسر المراد بما ذكره هو من قوله: فله الأجر إن
فاتته الغنيمة، وإن سكت عنه فلا يتجه الإشكال، إذ يحتمل أن التقدير أن
يرجعه سالماً مع أجر وحده، أو غنيمة وأجر، كما مر، والتقسيم بهذا الاعتبار
صحيح، والإشكال ساقط مع أنه لو سلم أن القائل بأنها للتقسيم صرح بأن
المراد فله الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت فلا، لم يرد الإشكال أيضاً
لاحتمال أن تنكير أجر لتعظيمه، ويراد به الأجر الكامل، فيكون معنى قوله: إن
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤/٣).
١٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١) باب
(٩٤٩) حديث
فاتته الغنيمة فله الأجر الكامل، وإن حصلت فلا يحصل له هذا الأجر
المخصوص وهو الكامل، فلا يلزم انتفاء مطلق الأجر عنه، وقد روى مسلم
عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً: ((ما من غازية تغزو في سبيل الله،
فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم
يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)).
قال الحافظ(١): وهذا يؤيد التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر لكنه
أنقص من أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خباب في الحديث الصحيح ((فمنا
من مات ولم يأكل من أجره شيئاً))، الحديث، واستشكل بعضهم نقص ثواب
المجاهد بأخذه الغنيمة بمخالفة لما يدل عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتهر تمدح
النبي ◌َله بحل الغنيمة، وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر ما وقع
التمدح بها، وأيضاً فإن ذلك يستلزم أن أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أحد مثلاً
مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق، وسبق إلى هذا الإشكال ابن عبد البر، وحكاه
عياض، وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعّف حديث عبد الله بن عمرو؛ لأنه من
رواية حميد بن هانئ وليس بمشهور، وهذا مردودٌ؛ لأنه ثقة يحتج به عند مسلم،
وقد وثقه النسائي وابن يونس وغيرهما، ولا يعرف فيه تجريح لأحد.
ومنهم من حمل نقص الأجر على غنيمة أخذت على غير وجهها، وظهور
فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في رده، إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم
ثلث الأجر ولا أقل منه، ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة
في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضاً، وفيه نظر؛ لأن
صدر الحديث مصرح بأن المقسم راجع إلى من أخلص لقوله في أوله: ((لا
يخرجه إلا إيمان بي)) إلى آخره في حديث البخاري ((وإلا الجهاد في سبيلي)) في
حديث الباب.
(١) (فتح الباري)) (٩/٦) وانظر: ((شرح الزرقاني)) (٤/٣).
٢٠
:
----
--------
- -