النص المفهرس

صفحات 581-600

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٥) حديث
ثُمَّ يَقُولُ: ((لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ
ء
الحَمْدُ
في رواية علي بن عبد الله الأزدي عن ابن عمر في أوله من الزيادة: ((كان إذا
استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً، ثم قال: سبحان الذي سَخَّرَ لنا
هذا))، فذكر الحديث إلى أن قال: ((وإذا رجع قالهن، وزاد آيبون تائبون))،
الحديث.
(ثم يقول: لا إله إلا الله) بالرفع على الخبرية بلا ((أو)) على البدلية من
الضمير المستتر في الخبر المقدر، أو من اسم لا باعتبار محله، قال
الحافظ(١): يحتمل أنه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان
المرتفع، ويحتمل أن التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده، إن كان متسعاً
أكمل الذكر المذكور فيه، وإلا فإذا هبط سبَّحَ، كما دل عليه حديث جابر،
يعني ما أخرجه البخاري في ((الجهاد)): ((كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبَّحنَا))،
ويحتمل أن يكمل الذكر مطلقاً عقب التكبير، ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط.
قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنه المنفرد بإيجاد
جميع الموجودات وأنه المعبود في جميع الأماكن، انتهى.
(وحده) حال أي منفرداً (لا شريك له) عقلاً لاستحالته، ونقلاً وإلهكم إله
واحد ولو كان فيهما آلهة إلا الله في آيات أخر. وهو تأكيد لوحده؛ لأن
المتصف بها لا شريك له (له الملك) بضم، السلطان والقدرة وأصناف
المخلوقات (وله الحمد).
قال الباجي (٢): الألف واللام في كل واحد منها للجنس، فجعل جنس
الملك، وهو جميعه لله تعالى؛ لأنه لا ملك لأحد على الحقيقة إلا له، وجعل
(١) (فتح الباري)) (١٨٩/١١).
(٢) ((المنتقى)) (٧٧/٣).
٥٨١

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٥) حدیث
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ،
جميع الحمد لله عز وجل، فإن أحداً لا يستحق الحمد على الحقيقة سواه،
وإنما يحمد غيره لما أمر الله أن يحمد، انتهى.
زاد في رواية للطبراني: ((يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير))،
(وهو على كل شيء قدير) إعلام أنه هو القدير على ما كان بعدهم به من نصر
عبده وإظهاره على الدين كله، وإذكار لهم بما أخبرهم به من عظيم قدرته
تعالى، وإنه لا يغلب من ينصره ولا ينصر من حاربه (آيبون) بالرفع خبر مبتدأ
محذوف أي نحن آئبون جمع آئب بوزن راجع معناه أي راجعون إلى الله،
وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في
حالة مخصوصة، وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف
المذكورة، كذا في ((الفتح)).
وقال العيني(١): فيه إيهام معنى الرجوع إلى الوطن، وفي ((المعاني)) عن
أبي زيد: آب يؤوب إياباً، وقال غيره: آب يئيب إياباً، انتهى. وفسره عامة
الشراح، كالقاري والباجي وغيرهما بالرجوع إلى الوطن فقط.
(تائبون) من التوبة، وهي الرجوع عما هو مذموم شرعاً إلى ما هو محمود
شرعاً، وفيه إشارة إلى التقصير في العبادة، فيكون في حق كل رجل بحسب
مرتبته، كما أشير إليه في قوله وَ له: ((إنه ليغان على قلبي، وإني أستغفر الله في
اليوم مائة مرة))، رواه مسلم عن الأغر المزني، وأخرج البخاري وغيره بطرق
عن عائشة مرفوعاً: ((لا يدخل أحداً الجنّةَ عَمَلُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني بمغفرة ورحمة))، أو قاله وسلّل تواضعاً، أو تعليماً
لأمته، أو المراد الأمة، وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة.
(عابدون) أي لمعبودنا خاصة دون من سواه (ساجدون) أي لمقصودنا،
(١) ((عمدة القاري)) (٤٣٣/٧).
٥٨٢
---- -

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٥) حديث
لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ
وَحْدَهُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٢٦ - كتاب العمرة، ١٢ - باب ما يقول إذا رجع من
الحج أو العمرة أو الغزو.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٧٦ - باب ما يقول إذا قفل من سفر، حديث
٤٢٨.
وفي رواية الترمذي: ((سائحون)) بدل ((ساجدون)) جمع سائح من ساح الماء
يسيح، إذا جرى على وجه الأرض أي سائرون لمطلوبنا ودائرون لمحبوبنا، كذا
في ((المرقاة)) (لربنا حامدون) كلها مرفوع بتقدير نحن، ولربنا إما خاص بقوله
ساجدون أو عام لسائر الصفات على سبيل التنازع كذا في ((العيني)).
(صدق الله وعده) أي فيما وعد به من إظهار دينه في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ
مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ وقوله عز اسمه: ﴿وَعَدَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ﴾(١) الآية. وهذا في سفر الغزو، ومناسبته لسفر الحج أو
العمرة قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ﴾(٢) الآية. (ونصر عبده)
يريد نفسه النفيسة (وهزم الأحزاب وحده) أي من غير فعل أحد من الآدميين.
واختلف في المراد من الأحزاب هاهنا، فقيل هم كفار قريش، ومن
وافقهم من اليهود والعرب الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق، ونزلت
في شأنهم سورة الأحزاب، وقيل: المراد الأعم من ذلك، وقال النووي:
المشهور الأول، وقيل: فيه نظر؛ لأنه يتوقف على أن هذا الدعاء شرع بعد
الخندق، والجواب أن غزوات النبي ◌َّ التي خرج فيها بنفسه محصورة،
والمطابق منها لذلك غزوة الخندق، والأصل في الأحزاب أنه جمع حزب،
(١) سورة النور: الآية ٥٥.
(٢) سورة الفتح: الآية ٢٧.
٥٨٣

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
...
٢٤٤/٩٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةً،
وهو القطعة المجتمعة من الناس، فاللام إما جنسية، والمراد كل من تحزّب من
الكفار، وإما عهدية، والمراد من تقدم، وقال القرطبي، يحتمل أن يكون هذا
الخبر بمعنى الدعاء، أي الّلهم اهزم الأحزاب، والأول أظهر، قاله الحافظ.
وقال القاري (١): هزم الأحزاب أي القبائل المجتمعة، وكانوا اثني عشر
ألفاً توجهوا من مكة إلى المدينة، واجتمعوا حولها سوى من انضم إليهم من
اليهود، ومضى عليهم قريب من شهر لم يقع بينهم حرب، إلّا الترامي بالنبل أو
الحجارة زعماً منهم أن المؤمنين لم يطيقوا مقابلتهم، فلا بد أنهم يهربون،
فأرسل الله عليهم ريحاً ليلةً سفت التراب على وجوههم، وأطفأت نيرانهم
وقلعت أوتادهم، وأرسل الله ألفاً من الملائكة، فكبرت في معسكرهم، فهاصت
الخيل، وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا، ونزل فيهم قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾(٢) الآية، انتهى.
وقال العيني(٣): في الحديث بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء على غير
التحريم لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، ويحتمل أن يكون نهيه عن
السجع مختصاً بوقت الدعاء خشية أن يشتغل الداعي بطلب الألفاظ المناسبة
للسجع، ورعاية الفواصل عن إخلاص الدعاء، وإفراغ القلب في الدعاء
والاجتهاد فيه، انتهى.
٢٤٤/٩٣٦ - (مالك، عن إبراهيم بن عقبة) بالقاف ابن أبي عياش
الأسدي، قال ابن عبد البر في (التجريد)) (٤): مولى الزبير بن العوام، وقيل: بل
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٠٣/٥).
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٩.
(٣) ((عمدة القاري)) (٤٣٤/٧).
(٤) (ص١١).
٥٨٤

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
عَنْ كُرَيْبِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ ...
مولى لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاصي زوج الزبير سمع جماعة من
التابعين، وروى عنه جماعة من أئمة أهل الحديث، وهو ثقة حجة عندهم فيما
حمل، وقال في ((التمهيد))(١): هم ثلاثة إخوة إبراهيم ومحمد وموسى، وإبراهيم
أسنُّ من موسى، ومحمد أسنّ منه، مدنيون موالي الزبير بن العوام، وكان
يحيى بن معين يقول: هم موالي أم خالد، ولم يتابع يحيى على ذلك،
والصواب أنهم موالي الزبير كذا قال مالك وغيره، وكذا قال البخاري، انتهى.
من رواية مسلم والأربعة إلا الترمذي قال ابن المديني: له عشرة أحاديث،
وقال ابن عبد البر: له في «الموطأ)» مرفوعاً هذا الحديث الواحد.
(عن كريب مولى عبد الله بن عباس) زاد في النسخ المصرية(٢) بعد ذلك: عن
ابن عباس، وليس بصحيح، فإن الرواية مرسلة عند يحيى كما سيجئ (أن رسول الله وَله)
هكذا مرسلاً عند يحيى وغيره من رواة ((الموطأ)). قال ابن عبد البر في ((التمهيد)):
مرسل عند أكثر رواة ((الموطأ)) منهم معن بن عيسى، وعبد الله بن مسلمة القعنبي،
ويحيى بن بكير، وعبد الله بن يوسف التنيسي، ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن
إسماعيل السهمي أبو حذافة، وكذلك رواه إسحاق بن الطباع مرسلاً، وقد أسنده عن
مالك عبد الله بن وهب والشافعي ومحمد بن خالد بن عثمة وأبو المصعب الزبيري
قالوا فيه: عن مالك عن إبراهيم عن كريب عن ابن عباس، انتهى.
وذكر في ((التجريد))(٣) فيمن وصله مطرفاً وعبد الله بن يوسف التنيسي،
زاد في ((التنوير)) (٤): قد أسنده عن مالك الشافعي وغيره، قالوا فيه: عن كريب
عن ابن عباس وهو الصحيح، انتهى.
(١) (٩٨/١ - ١٠٣).
(٢) كذا فى نسخة ((الاستذكار)) (٣٢٨/١٣) زاد ((عن ابن عباس)).
(٣) (ص١٢).
(٤) ((تنوير الحوالك)) (٣٦٨).
٥٨٥

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
قلت: وقد ذكره مسلم برواية أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن
أبي عمر جميعاً عن ابن عيينة عن إبراهيم بن عقبة موصولاً، وكذلك برواية أبي
كريب عن أبي أسامة عن سفيان عن محمد بن عقبة عن كريب عن ابن عباس
موصولاً، وذكره برواية ابن المثنى عن عبد الرحمن عن سفيان عن إبراهيم بن
عقبة عن کریب مرسلاً.
وبسط طرقه البيهقي موصولاً ومرسلاً وأكثر منه ابن عبد البر في ((التمهيد))
وقال بعد ذكر طرقه: ومن وصل هذا الحديث وأسنده فقوله أولى، والحديث
صحيح مسند ثابت الاتصال، لا يضر تقصير من قصر به، لأن الذين أسندوه
حفاظ ثقات، انتهى.
وقال الزرقاني (١): هذا الحديث رواه النسائي من طريق محمد بن خالد
وابن وهب والطحاوي وغيره من طريق الشافعي، وابن عبد البر من طريق ابن
أبي مصعب، الأربعة عن مالك به متصلاً، وتابعه سفيان بن عيينة عند مسلم
وأبي داود والنسائي وغيرهم، ولم يختلف عليه في اتصاله، وعبد العزيز بن أبي
سلمة وإسماعيل بن إبراهيم كلاهما عند البيهقي موصولاً، وأخوه موسى بن
عقبة ومحمد بن إسحاق رواهما ابن عبد البر متصلاً، وسفيان الثوري مرسلاً
في رواية ابن مهدي عنه عند مسلم، وموصولاً في رواية أبي نعيم عنه عند
النسائي، فاختلف عليه في وصله وإرساله، كما اختلف على مالك في ذلك.
والظاهر أن كلا من مالك وشيخه إبراهيم حدث به على الوجهين، فإن
الرواة عن كل منهما بالوصل والإرسال حفاظ ثقات، ويقوي ذلك أنه اختلف
على ابن القاسم، فرواه سحنون عنه عن مالك مرسلاً، ورواه يوسف بن عمرو
والحارث بن مسكين عنه عن مالك متصلاً، فكأنه سمعه عن مالك بالوجهين.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/٢).
٥٨٦

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مَحَفَّتِهَا،
وقد أخرجه مسلم بالوجهين من طريق السفيانين، وكأن البخاري ترك
تخريجه في ((صحيحه)) لهذا الاختلاف، لكن قال ابن عبد البر: من وصله
وأسنده فقوله أولى بالصواب، كما تقدم، وسبقه إلى ذلك الإمام أحمد فصحح
وصله، انتهى. وأخرجه الترمذي من حديث جابر واستغربه.
(مر بامرأة) ولمسلم وغيره: ((أنه ◌َّ لقي راكباً بالروحاء، فقال: من
القوم؟ فقالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت، قال: رسول الله، فرفعت إليه
امرأة صبياً))، الحديث.
وأفاد والدي - نور الله مرقده - فيما حكاه عن شيخه وشيخ مشايخنا
القطب الكُنكوهي - قدس سره - في ((تقرير النسائي) (١) ما نصه: والذي يحكم
به ملاحظة الروايات أن المسألة كانت عند مقدمه إلى البيت، فالصدور هاهنا
من المدينة، انتهى. والمراد هاهنا رواية النسائي بلفظ: صدر رسول الله وَ ل
فلما كان بالروحاء لقي قوماً، الحديث.
وجزم الشيخ ابن القيم في ((الهدي)»(٢) وتبعه شيخنا في ((البذل))(٣): أن
القصة كانت في الرجوع من مكة، ونصه: ثم ارتحل وَل#س راجعاً إلى المدينة،
فلما كان بالروحاء لقي ركباً، فذكر قصة الصبي، ويؤيده ما تقدم من لفظ
النسائي، ويؤيده أيضاً ما في ((مسند الشافعي)) و((البيهقي)) أيضاً بطريق الشافعي
عن ابن عيينة عن إبراهيم بلفظ: ((أن النبي ◌ّ قفل فلما كان بالروحاء لقي
ركباً))، الحديث.
(وهي في محفتها) بكسر الميم كما جزم به الجوهري وغيره، وحكي في
(١) قد طبع الجزء الأول من هذا التقرير بتعليق الشيخ محمد عاقل المظاهري.
(٢) ((زاد المعاد)) (٢٧٥/٢).
(٣) ((بذل المجهود)) (٣١٩/٨).
٥٨٧

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
فَقِيلَ لَهَا: هُذَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ. فَأَخَذَتْ بِضَبْعَيْ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا،
فَقَالَتْ: أَلِهِذَا حَجِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
((المشارق)) الكسر والفتح بلا ترجيح، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): هي شبيه
بالهودج، وقيل: المحفة لا غطاء عليها، وفي ((البذل)) عن ((القاموس)): بالكسر
مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب، انتهى.
(فقيل لها: هذا رسول الله وَ﴾) وتقدم ما في مسلم وغيره فقال: ((من
القوم؟ فقالوا: المسلمون. فقالوا: من أنت؟ قال: رسول الله))، قال القاضي
عياض: يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلاً، فلم يعرفوه ◌َّ، ويحتمل نهاراً لكنهم
لم يروه ◌َّ قبل ذلك، لعدم هجرتهم، فأسلموا في بلدانهم، ولم يهاجروا قبل
ذلك، كذا في ((النووي)) (١). قال الباجي(٢): فقد كانت فيمن آمن به، ولم تره،
ولم تعرف عينه، فلذلك أخبرت به.
(فأخذت بضبعي صبي) بفتح الضاد المعجمة وسكون الموحدة وفتح العين
المهملة مثنى باطنا الساعد، وفي ((المحلى)) عن ((النهاية)): بسكون الباء وسط
العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط باطن الساعد (كان معها) وفي أبي داود:
ففزعت امرأة، فأخذت عضد صبي، فأخرجته من محفتها، وهو بكسر الزاي
أي ذعرت خوفاً أن يفوته المصطفى، ويتعذر عليها سؤاله، ويحتمل أن المراد
بالفزع هاهنا الاستغاثة والالتجاء، أي استغاثت به أو بادرت أو قصدته وليه،
قاله الزرقاني(٣).
(فقالت: ألهذا حج) فاعل الظرف لاعتماده على الهمزة، كذا في
((المحلى))، ويجوز أن يكون مبتدأ مؤخراً. (ولهذا)) خبر مقدم (يا رسول الله)
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٩٩/٦).
(٢) («المنتقى)) (٧٧/٣).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/٢).
٥٨٨

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
قَالَ: (نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ)).
أخرجه مسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٧٢ - باب صحة حج الصبيّ وأجر من
حج به، حديث ٤٠٩.
سؤال عن حكم الصبي هل تصح منه هذه العبادة؟ وإنما أرادت به الحج
المشروع (فقال) في الجواب (نعم) وزاد (ولك أجر) ترغيباً لها، قال عياض:
والأجر لها فيما تتكلفه من أمره في ذلك وتعليمه وتجنيبه ما يجتنب المحرم،
انتھی .
وفي الحديث مسألة حج الصبي، والكلام في ذلك في عدة فصول:
الفصل الأول: في مشروعية الحج بالصغار، وبه قالت الأئمة الأربعة
والجمهور، وقال عياض: لا خلاف بين العلماء في جواز الحج بالصبيان،
وإنما منعه طائفة من أهل البدع، لا يلتفت إليهم، بل هو مردودٌ بفعل النبي ◌َّ
وأصحابه، وإجماع الأمة، وإنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه،
ويجب فيه الفدية ودم الجُبْران وسائر أحكام البالغ أم لا؟ قاله النووي(١)،
وباستحباب الحج بالصغير جزم ابن حزم في ((المحلّى))، كما سيأتي في أول
الفصل الثاني.
وقال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢): في الحديث الحج بالصبيان الصغار،
واختلف العلماء في ذلك، فأجازه مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز من
أصحابنا وغيرهم، وأجازه الثوري وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفة، وأجازه
الأوزاعي والليث فيمن سلك مسلكهما من أهل الشام ومصر، وكل من ذكرناه
يستحب الحج بالصبيان، ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء في
كل قرن .
(١) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (٩٩/٩/٥).
(٢) (١٠٣/١).
٥٨٩

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به، ولا يعرج
عليه، لأن النبي وسم حج بأغيلمة بني عبد المطلب، وحج السلف بصبيانهم،
ولحديث الباب، وروينا عن أبي بكر الصديق، أنه طاف بعبد الله بن الزبير في
خرقه، وذكر عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال:
((كانوا يحبون إذا حج الصبي أن يجردوه وأن يجنبوه عن الطيب، وأن يلبي عنه
إذا كان لا يحسن التلبية))، انتهى.
-------
وقال الباجي(١): الصبيان على ضربين: ضرب: يفهم ما يؤمر به،
وضرب: يصغر عن ذلك، فلا يفهم ما يؤمر به، ولا ينتهي عما نهي عنه، فأما
الأول، فروى ابن المواز وابن وهب عن مالك: لا يحج بالرضيع، وأما ابن
أربع سنين وخمس فنعم، وهذا إنما هو على الاستحباب، فإن أحرم به وألزم
الإحرام لزمه، وإن كان صغيراً جداً لا يفهم، انتهى.
:
وقال الأبي في ((الإكمال))(٢): أما سن من يحج به الصبيان اختلف قول
مالك في الحج بالرضيع ومن لا يفهم، وحمل أصحابه قوله بالمنع على
الكراهة. وفي ((المدونة)): يحج بالصبي وإن لم يبلغ أن يتكلم، وفي ((كتاب
محمد)): لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع فنعم. اللخمي، ولا أرى أن يحج
إلا بمن يعقل القُربة، وأما الرضيع فهو كالبهيمة، قال: وعلى هذا فلا يحج
بالمجنون، انتهى.
الثاني: هل ينعقد حجه أم لا؟ وتقدم في كلام النووي الاختلاف في
ذلك، وتمامه؛ إنما خلاف أبي حنيفة في أنه هل ينعقد حجه ويجري عليه
أحكام الحج، ويجب فيه الفدية، ودم الجبران وسائر أحكام البالغ؟ فأبو حنيفة
(١) ((المنتقى)) (٧٨/٣).
(٢) (٤٣٣/٣).
٥٩٠

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
يمنع ذلك كله، ويقول: إنما يجب ذلك تمريناً على التعليم، والجمهور
يقولون: يجري عليه أحكام الحج في ذلك، وحجه منعقد يقع نفلاً، انتهى.
ووافق الجمهور في ذلك ابن حزم في ((المحلى)) إذ قال: ويستحب الحج
بالصبي وإن كان صغيراً جداً أو كبيراً، وله حج وأجر، وهو تطوع، وللذي
يحج به أجر، وكذلك ينبغي أن يدربوا ويعلموا الشرائع من الصلاة والصوم إذا
أطاقوا ذلك، انتهى.
وهكذا حكى غير واحد من شراح الحديث مذهب الحنفية في ذلك، منهم
الحافظ في ((الفتح))(١) إذ قال: قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط
الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به كان له تطوعاً عند الجمهور،
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام،
وإنما يحج به على جهة التدريب، انتهى.
والصحيح أن إحرام الصبي ينعقد نفلاً عند الحنفية، وإنما خلافهم في
وجوب الكفارات، وإن حكي في المذهب الخلاف في ذلك أيضاً، لكن
الجمهور على الأول.
قال القاري في ((شرح اللباب)) (٢): ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل لا
للفرض. ويصح أداؤه بنفسه. ولا يصح من غيره في الأداء، ولا الإحرام، بل
يصحان من وليه له نيابة، وهذا كله مبني على انعقاده نفلاً. لكن في ((شرح
المجمع)): وعندنا إذا أهلَّ الصبي أو وليه لم ينعقد فرضاً ولا نفلاً.
وفي ((الهداية)) ما يدل على انعقاده نفلا، ثم قال صاحب ((الهداية)):
واختلف المتأخرون، فمنع بعضهم انعقاده أصلاً. وقيل: ينعقد، ويكون حج
تمرين واعتياد. انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٧١).
(٢) (ص٤٨).
٥٩١

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
ويمكن الجمع بأنه لا ينعقد انعقاداً ملزماً، وينعقد نفلاً غير ملزم؛ لأنه
غير مكلف، ويتفرع عليه أنه لم يفعل شيئاً من المأمورات أو ارتكب شيئاً من
المحظورات لا يجب عليه شيء من القضاء والكفارات.
ويقوي ما ذكرنا في اختلاف المسائل اختلفوا في حج الصبي، قال
أبو حنيفة: لا يصح منه، قال يحيى بن محمد: معنى قول أبي حنيفة: لا يصح
منه على ما ذكره أصحابه، أنه لا يصح صحة يتعلق بها وجوب الكفارات، لا
أنه يخرجه من ثواب الحج، وكذا يؤيد ما قلنا في ((الغاية)) من أن اعتكاف
الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف، انتهى ما في ((شرح اللباب)).
وصرح بانعقاد حجه نفلاً صاحب ((الدر المختار))(١) و((الهداية)) و((الغنية))
وابن نجيم وابن عابدين وغيرهم، وفي ((المبسوط)): الصبي لو أحرم بنفسه وهو
يعقل أو أحرم عنه أبوه صار محرماً، انتهى.
وقال الطحاوي راداً على من ذهب بحديث الباب إلى أن حج الصبي
يجزئ عن حجة الإسلام، فقال: وخالفهم آخرون، وكان لهم من الحجة على
أهل المقالة الأولى أن هذا الحديث إنما فيه أن رسول الله وسلم أخبر أن للصبي
حجاً، وهذا مما قد أجمع الناس جميعاً عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجاً
كما أن له صلاة، انتهى.
وفي ((المحلى على الموطأ)): المذكور في معتبرات الفقه قول أبي حنيفة
مثل قول الجمهور، انتهى. وفي ((المحلى)) عن ((العالمكيرية)): لو أن الصبي
حج قبل البلوغ لا يكون من حجة الإسلام، ويكون تطوعاً، انتهى.
فهذه النصوص وغيرهما صريحة في صحة حجه وانعقاده نفلاً، وإنما خلاف
الحنفية في وجوب الكفارات، وليسوا بمنفردين في ذلك كما سيأتي قريباً .
(١) ((الدر المختار)) (٥١٢/٢).
٥٩٢

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
الثالث: هل يجب عليه الجزاء والكفارات أم لا؟ وتقدم في أول الفصل
الثاني ما حكى النووي من مذهب الجمهور وجوب ذلك خلافاً لأبي حنيفة،
قال الزرقاني(١): في الحديث انعقاد حج الصبي، وأنه مثاب عليه، فيجتنب ما
يجتنبه الكبير، ويلزمه من الفدية والهدي ما يلزمه، وبه قال الأئمة الثلاثة
والجمهور خلافاً لأبي حنيفة، انتهى.
قال ابن عبد البر(٢): قال مالك: ما أصاب الصبي من صيد أو لباس أو
طيب فُدِيَ عنه، وبذلك قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا جزاء عليه ولا
فدية، انتهى .
وقال الموفق(٣): محظورات الإحرام قسمان: ما يختلف عمده وسهوه
كاللباس والطيب، وما لا يختلف كالصيد والحلق وتقليم الأظفار، فالأول: لا
فدية على الصبي فيه، لأن عمده خطأ، والثاني: عليه الفدية وإن وطئ أفسد
حجه ويمضي في فاسده.
وفي القضاء عليه وجهان: أحدهما: لا يجب لئلا تجب عبادة بدنية على
من ليس من أهل التكليف.
والثاني: يجب لأنه إفساد موجب للفدية فأوجب القضاء كوطء البالغ، ثم
قال فيما يلزمه من الفدية، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن جنايات
الصبيان لازمة لهم في أموالهم، وذكر أصحابنا في الفدية التي تجب بفعل
الصبي وجهين: أحدهما: في ماله؛ لأنها وجبت بجناية أشبهت الجناية على
الآدمي، والثاني: على الولي، وهو قول مالك، لأنه حصل بإذنه أو بعقده،
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٤/٢).
(٢) ((التمهيد)) (١٠٤/١).
(٣) ((المغني)) (٥٣/٥).
٥٩٣

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
فكان عليه كنفقة حجه، فأما النفقة فقال القاضي: ما زاد على نفقة الحضر ففي
مال الولي؛ لأنه كلفه ذلك ولا حاجة به إليه، وهذا اختيار أبي الخطاب.
وحكي عن القاضي أنه ذكر في الخلاف أن النفقة كلها على الصبي؛ لأن
الحج له فنفقته عليه كالبالغ، ولأن فيه مصلحة له بتحصيل الثواب له، ويتمرن
عليه، فصار كأجر المعلم والطبيب، والأول أولى، فإن الحج لا يجب في
العمر إلا مرة، ويحتمل أن لا يجب، فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة
إليه للتمرن، انتهى.
وفي ((مناسك النووي)) (١): يمنع الصبي المحرم من محظورات الإحرام،
فإن تطيب أو لبس ناسياً فلا فدية، وإن كان عامداً وجبت الفدية على الأصح،
سواء كان بحيث يلتذّ بالطيب واللباس أم لا . وإن حلق الشعر أو قلم الظفر أو
أتلف صيداً، وجبت الفدية عمداً كان أو سهواً، ومتى وجبت الفدية، فهي في
مال الولي على الأصح، إن كان أحرم بإذنه، وإن أحرم بنفسه - وصححناه -
ففي مال الصبي، وإن جامع الصبي أو جومعت الصبية إن كان ناسياً أو مكرهاً
لم يفسد حجه، وإن كان عامداً فسد على الأصح، ويجزئه القضاء في الصبا
على الأصح، وقال أيضاً: الزائد من نفقة الصبي بسبب السفر يجب في مال
الولي على الأصح، وقيل: في مال الصبي انتهى.
قال ابن حجر: قوله: وإن كان عامداً وجبت الفدية، محله في المميز،
أما غير المميز فلا فدية عليه، ولا على وليه، ويؤيده قولهم: إنما يكون عمد
المجنون والصبي عمداً، إن كان لهما نوع تمييز، وقال أيضاً: الأصح في
((المجموع)): أن المغمى عليه والمجنون والصبي إذا لم يكن لهم تمييز، لا فدية
عليهم، ولا على وليهم. وإن خالف قاعدة الإتلاف لنسبته نحو الناسي لتقصيره
(١) (ص ٥٠٧).
٥٩٤
---

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
لشعوره بفعله، بخلاف نحو المجنون، وأيضاً فكل من الحلق والقلم ليس إتلافاً
محضاً بل يتردد بينه وبين الاستمتاع، فغلب في نحو الناسي شبه الإتلاف، وفي
نحو المجنون شبه الاستمتاع؛ لما ذكروا الفرق بأن نسك نحو المجنون ناقص
أي فلا يحتاج للجبر، فلا تأثير له، انتهى.
وقال الدردير (١): زيادة النفقة في السفر على المحجور من صبي أو غيره
على المحجور، أي في ماله إن خيف بتركه ضيعة عليه، لعدم كافل غير من
سافر به، وإلا يخف عليه، فوليه الغارم لتلك الزيادة، كما إذا لم يكن
للمحجور مال، كجزاء صيد صاده الصبي محرماً في غير الحرم، فعلى وليه
مطلقاً، وأما صيده في الحرم محرماً أولا، فكزيادة النفقة في التفصيل، وفدية
وجبت عليه للبس أو طيب مثلاً، فعلى وليه خاف عليه أو لا بلا ضرورة،
وكذلك إن وجبت لضرورة.
قال الدسوقي(٢): قوله: فكزيادة النفقة في التفصيل؛ لأنه لا تأثير للإحرام
في جزاء الصيد حينئذ، وإنما الذي أَثَّر فيه الحرم، فلذا أجرى فيه التفصيل
بخلاف الصيد في الحل محرماً، فإن الإحرام هو الذي أَثَّر فيه، فلذا كان فيه
الجزاء على الولي من غير تفصيل؛ لأنه هو الذي تسبب في إحرامه،
والحاصل: أن كل ما لزمه بسبب الإحرام، فهو على الولي، مطلقاً ولو خشي
ضياعه .
وقوله: كذا إن وجبت أي الفدية لضرورة كما إذا استعمل الطيب بقصد
المداواة أو لبس الثياب لحِرٍّ أو برد، وما ذكره من لزوم الفدية للولي مطلقاً،
سواء لزمته لضرورة أو لغيرها، هو ظاهر ((المدونة))، وهو المذهب، وما في
(١) ((الشرح الكبير)) (٤/٢).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٥/٢).
٥٩٥

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
((تت)) من أنها إذا كانت لضرورة، فهي في مال الصبي تبعاً لبهرام والبساطي
ونسبة بهرام ((للجواهر)) فقد رده ح بأن صاحب ((الجواهر)» لم يقل إذا كانت
لضرورة، ففي مال الصبي انظر بن، انتهى.
وفي (شرح اللباب))(١): ولو أفسد أي الصبي نسكه أو ترك شيئاً من
أركانه وواجباته لا جزاء عليه ولا قضاء حيث شروعه ليس بملزم له لأنه غير
مكلف في فعله، انتهى.
وقد عرفت من ذلك أن الحنفية ليست بمتفردة في إسقاط الكفارات عن
الصبي، بل أسقطتها عنه المالكية أيضاً في أكثر أحواله، وأوجبوها على الولي،
وكذا الشافعية أسقطوها في التطيب واللبس ناسياً مطلقاً، وكذا أسقطوها عن
غير المميز مطلقاً عن الصبي وعن الولي معاً، وفي المواضع التي أوجبوا الفدية
أوجبوا أكثرها على الولي، وكذا الحنابلة أسقطوها في بعض الأنواع كما تقدم
تفصيله، ولا قضاء عليه إذا أفسد في قول لهم.
فمن حكى تفرد الحنفية في ذلك فلقلة النظر على تفاصيل مذاهب الأئمة
في ذلك، ووافق الحنفية أيضاً ابن حزم مع ظاهريته، فقال في ((المحلى)) (٢).
وإذا الصبي قد رفع عنه القلم، فلا جزاء عليه في صيد إن قتله في الحرم أو في
إحرامه، ولا في حلق رأسه لأذى به، ولا عن تمتعه، ولا لإحصاره؛ لأنه غير
مخاطب بشيء من ذلك، ولو لزمه هدي لزمه أن يعوض منه الصيام، وهو في
المتعة وحلق الرأس وجزاء الصيد، وهم لا يقولون بذلك هذا، ولا يفسد حجه
بشيء مما ذكرنا، إنما هو ما عمل، أو عمل به أجر، وما لم يعمل، فلا إثم
عليه، انتهى.
واستدل الحنفية ومن وافقهم في ذلك بالحديث المشهور ((رفع القلم عن
(١) (ص٤٩).
(٢) (٣٢١/٥).
٥٩٦

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
ثلاث عن الصبي حتى يبلغ))، الحديث. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن
ماجه والحاكم وابن حبان من حديث عائشة، ورواه أبو داود والنسائي وأحمد
والدارقطني والحاكم وابن حبان وابن خزيمة من طرق عن علي، وروى
الطبراني من طريق برد بن سنان عن مكحول عن أبي إدريس الخولاني أخبرني
غير واحد من أصحاب رسول الله و 18 ثوبان ومالك بن شداد وغيرهما، فذكره،
واختلف في رفع الحديث ووقفه ووصله وإرساله، كما بسطه الحافظ في
((تلخيص الحبير))(١) وقال: الرفع مجاز عن عدم التكليف؛ لأنه يكتب لهم فعل
الخير، قاله ابن حبان، انتهى.
والرابع: هل يثاب الصبي على حسناته؟ وتقدم قريباً ما قال ابن حبان:
يكتب لهم فعل الخير، وقال العيني (٢): استدل بالحديث بعضهم على أن الصبي
يثاب على طاعته، ويكتب له حسناته، وهو قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك
عن عمر بن الخطاب فيما حكاه المحب الطبري، وحكاه النووي في ((شرح
مسلم))(٣) عن مالك والشافعي وأحمد والجمهور، انتهى.
وفي ((التمهيد))(٤): قال أبو عمر: فإن قيل: فما معنى الحج بالصغير،
وهو عندكم غير مجزئ عنه من حجة الإسلام، وليس ممن تجري الأقلام له
وعليه، قيل له: أما جري القلم له بالعمل الصالح، فغير منكر أن تكتب للصبي
درجة وحسنة في الآخرة بصلاته وزكاته وحجه وسائر أعمال البر التي يعملها
على سنتها تفضلاً من الله عز وجل، كما تفضل على الميت، بأن يؤجر لصدقة
الحي عنه .
(١) (١٨٣/١، ١٨٤).
(٢) ((عمدة القاري)) (٥٥٣/٧).
(٣) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٩٩/٩/٥).
(٤) (١ / ١٥).
٥٩٧

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
ويلحقه ثواب ما لم يقصده ولم يعمله مثل الدعاء والصلاة عليه، ونحو
ذلك، ألا ترى أنهم أجمعوا على أن الصبي إذا عقل الصلاة يصلي، وقد صلى
رسول الله وَّر بأنس واليتيم معه، وأكثر السلف على إيجاب الزكاة في أموال
اليتامى، ويستحيل أن لا يؤجروا على ذلك، والذي يقوم بذلك عنهم أجر، كما
الذي يحجهم أجر فضلاً من الله عز وجل ونعمة، فلأي شيء يحرم الصغير
التعرض لفضل الله، وقد روي عن عمر بن الخطاب معنى ما ذكرنا، ولا
مخالف له أعلمه ممن يجب اتباع قوله، ثم ذكر بسنده إلى عمر - رضي الله
عنه - قال: تكتب للصغير حسناته، ولا تكتب عليه سيئاته، انتهى.
وبذلك جزم ابن حزم في ((المحلى)) إذ قال: والله تعالى يتفضل بأن
يأجرهم ولا يكتب عليهم إثماً حتى يبلغوا، فإن قيل: لا نية للصبي، قلنا :
نعم، ولا تلزمه، إنما تلزم النية المخاطب المأمور المكلف، والصبي ليس
مخاطباً ولا مكلفاً، وإنما أجره تفضل منه تعالى، كما يتفضل على الميت بعد
موته ولا نية له ولا عمل بأن يأجره بدعاء ابنه له بعده، وبما يعمله غيره عنه من
حج أو صيام أو صدقة، ولا فرق، ويفعل الله ما يشاء، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)) (١): انعقدت الأئمة الأربعة على أن الصبي يثاب على
طاعته وتكتب له حسناته، سواء كان مميزاً أو غير مميز، لكن اختلف أصحابنا
هل تكون حسناته له دون أبويه أو يكون الأجر لوالديه من غير أن ينقص من
أجر الولد شيء؟ ففي ((قاضيخان)): قال أبو بكر الإسكاف: حسناته تكون له
دون أبويه، وإنما يكون للوالد من ذلك أجر التعليم والإرشاد إذا فعل ذلك،
وفي ((الغاية)): أن اعتكاف الصبي وصومه وحجه صحيح شرعي بلا خلاف
وأجره له دون أبویه، انتهى.
(١) (ص٤٩).
٥٩٨

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
وقال بعضهم: تكون حسناته لأبويه أيضاً بناء على التسبب، والأحاديث
تدل عليه، فقد روي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: من جملة ما ينتفع به
المرء بعد موته إن ترك ولداً تعلم القرآن والعلم، فيكون لوالده أجر ذلك من
غير أن ينقص من أجر الولد شيء، انتهى.
والخامس: في حج الصبي والصبية هل يجزئ عن حجة الإسلام؟ قال
القاضي عياض: وأجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام، إلا
فرقة شذت، فقالت: يجزئه، ولم تلتفت العلماء إلى قولها، انتهى. كذا قاله
النووي. قال العيني(١): وفي ((أحكام ابن بزيزة)): أما الصبي فقد اختلف
العلماء هل ينعقد حجه أم لا؟، والقائلون بأنه منعقد، اختلفوا هل يجزئه عن
حجة الفريضة؟ فقال داود وغيره يجزئه، وقال مالك والشافعي وغيرهما : لا
یجزئه، انتھی.
وفي ((التمهيد)): اختلف العلماء أيضاً هل يجزئه من حجة الإسلام؟ فالذي
عليه فقهاء الأمصار الذين قدمنا ذكرهم في هذا الباب أن ذلك لا يجزئه.
وذكر أبو جعفر الطحاوي في ((معاني الآثار)) (٢) حديث الباب ثم قال:
فذهب قوم إلى أن الصبي إذا حج قبل بلوغه أجزأه عن حجة الإسلام،
واحتجوا بهذا الحديث وخالفهم آخرون، فقالوا: لا يجزئه عن حجة الإسلام
وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، وكان لهم من الحجة عندنا على أهل المقالة
الأولى أن في هذا الحديث أن للصبي حجاً، وهذا مما قد أجمع الناس عليه،
ولم يختلفوا فيه أن للصبي حجاً، وليس ذلك عليه بفريضة، ومن جهة القياس
فكما له صلاة وليست بفريضة، فكذلك قد يجوز أن يكون له حج وليس
بفريضة .
(١) ((عمدة القاري)) (٥٥١/٧).
(٢) (٤٣٥/١) ط الهند.
٥٩٩

٢٠ - كتاب الحج
(٨١) باب
(٩٣٦) حديث
وإنما هذا الحديث حجة على من زعم أنه لا حج له، وأما من يقول: إن
له حجاً، وإنه غير فريضة، فلم يخالف شيئاً من هذا الحديث، وهذا ابن عباس
هو الذي روى هذا الحديث عن رسول الله وَّل، ثم قد صرف حج الصبي إلى
غير الفريضة، ثم ذكر بسند الطحاوي حديث ابن عباس يقول: ((أيما غلام حج
به أهله فمات، فقد قضى حجة الإسلام، وإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد
حج به أهله فمات، فقد قضى حجة الإسلام، وإن عتق فعليه الحج)).
قال أبو عمر (١): على هذا جماعة فقهاء الأمصار وأئمة الأثر، إلا أن
داود بن علي خالف في المملوك فقال: تجزئه حجة الإسلام، ولا تجزئ
الصبي، وفَرَّق بين المملوك والصبي بأن المملوك مخاطب عنده بالحج، فلزمه
فرضه، وليس الصبي ممن خوطب به؛ لقوله وق لم: ((رفع القلم عن الصبي حتى
يحتلم)) وفيه دليل واضح على أن حج الصبي تطوع ولم يؤد به فرضاً، انتهى.
وقد عرفت التعارض في نقل مذاهب داود بين ابن بزيزة وابن عبد البر،
وقال الشوكاني (٢): وشذّ بعضهم، فقال: إذا حج الصبي أجزأه ذلك عن حجة
الإسلام لظاهر قوله ◌َي: ((نعم)) في حديث الباب، وقال الطحاوي: لا حجة
في قوله: نعم على أنه يجزئه عن حجة الإسلام، بل فيه حجة على من زعم أنه
لا حج له؛ لأن ابن عباس راوي الحديث قال: أيما غلام حج به أهله ثم بلغ،
فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح، وقد أخرج هذا الحديث مرفوعاً
الحاكم، وقال: على شرطهما، والبيهقي وابن حزم وصححه، وقال ابن
خزيمة: الصحيح موقوف، وأخرجه كذلك، وقال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن
المنهال، ورواه الثوري عن شعبة موقوفاً، ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على
(١) «التمهيد)) (١٠٧/١).
(٢) انظر: ((نيل الأوطار)) (٢٩٣/٣) رقم الحديث (١٨١٠).
٦٠٠