النص المفهرس
صفحات 541-560
٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث ثور وداود وابن المنذر: لا يضمن، لأن المحرم لا يضمنه في الحل، فلا يضمن في الحرم كالزرع. وقال ابن المنذر: لا أجد دليلاً أوجب به في شجر الحرم فرضاً من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: نستغفر الله تعالى . ولنا ما روى أبو هشيمة، قال: رأيت عمر بن الخطاب أمر بشجرة كانت في المسجد يضر بأهل الطواف، فقُطِعَ، وقُدِي، قال: وذكر البقرة. رواه حنبل في ((المناسك))، وعن ابن عباس أنه قال في الدوحة: بقرة، وفي الجزلة: شاة، والدوحة الشجرة الكبيرة، والجزلة الصغيرة. وعن عطاء نحوه، ولأنه ممنوع من إتلافه لحرمة الحرم، فكان مضموناً كالصيد، ويخالف المحرم فإنه لا يمنع من قطع شجر الحل، ولا زرع الحرم إذا ثبت هذا فإنه يضمن الشجرة الكبيرة بالبقرة والصغيرة بالشاة، والحشيش بقيمته، والغصن بما نقص، وبهذا قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يضمن الكل بقيمته، لأنه لا مقدّر فيه فأشبه الحشيش، ولنا قول ابن عباس وعطاء، ولأنه أحد نوعي ما يحرم إتلافه، فكان فيه ما يضمن بمقدر كالصيد، انتهى. وفي ((الروض المربع))(١): تضمن شجرة صغيرة عرفاً بشاة، وما فوقها ببقرة، ويفعل فيها كجزاء صيد، ويضمن حشيش وورق بقيمته، وغصن بما نقص، انتهى. وفي ((مناسك النووي)): يضمن المحرم والحلال شجر حرم مكة، فمن قلع شجرة كبيرة ضمنها ببقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة، ثم يتخير بين البقرة والشاة والطعام والصيام كما سبق في جزاء الصيد، وإن كانت صغيرة جداً أوجبت القيمة ثم يتخير بين الطعام والصيام، وكذا حكم الأغصان، ويحرم قطع حشيش الحرم، فإن قلعه لزمه القيمة، وهو مخير بين الطعام والصيام، انتهى. (١) (٤٩٦/١). ٥٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث وفي ((الهداية))(١): إن قطع حشيش الحرم أو شجرة ليست بمملوكة، وهو مما لا ينتبه الناس فعليه قيمته إلا ما جَفَّ، لأن حرمتهما تثبت بسبب الحرم، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يختلى خلاها، ولا يعضد شوكها))، ولا يكون للصوم في هذه القيمة مدخل، لأن حرمة تناولها بسبب الحرم لا بسبب الإحرام، فكان من ضمان المحال، والصوم يصلح جزاءً للأفعال، لا ضمان المحال، ويتصدق بقيمته على الفقراء، انتهى. قال الباجي (٢): وأما المسألة الثانية في المنع من قطع شجر الحرم فهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، والأصل في ذلك ما روي عن النبي وَ له أنه قال: ((لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها))، انتهى. وقال الموفق(٣): أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم وإباحة الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزروع والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر، والأصل فيه ما روينا من حديث ابن عباس. وروى أبو شريح وأبو هريرة نحواً من حديث ابن عباس، وكلها متفق عليها، انتهى. قلت: وكذلك حكى الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة المذاهب. وأما المسألة الثالثة: فقال الباجي (٤): أما تبيين ما يستباح قطعه من شجر الحرم أو تمييزها مما هو ممنوع، فإن الممنوع منه ما هو من شجر البادية مما لا يملك غالباً، وجرت العادة بأن ينبت من غير عمل آدمي، كالطلح، والسمر والسعدان، وما جرى مجرى ذلك، وكذلك سائر أنواع الحشيش، والأصل في (١) (١٧١/١). (٢) ((المنتقى)) (٧٥/٣). (٣) ((المغني)) (١٨٥/٥). (٤) ((المنتقي)) (٧٥/٣). ٥٤٢ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث ذلك ما روي عنه والر أنه قال: ((لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها))، فقال العباس إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لصاغتنا وقبورنا، فقال ◌َله: ((إلا الإذخر)). قال الباجي(١): والسنا عندي مثله، ولم أر فيه نصاً لإصحابنا غير أن الحاجة إليه عامة، لأنه لم يزل يؤخذ وينقل إلى البلاد على سبيل التداوي، ولم ينكره أحد فصح أنه مباح، وهذا فيما ينبت بنفسه. وأما ما غرس منه واتخذ بالعمل، وملكه العامل، فعندي يجوز أخذه، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله -، وقال الشافعي: لا يجوز، ووجه الإباحة عندي أنه بمنزلة ما يأنس من الوحش، فإن الحرم لا يمنع منه، وأما ما جرت العادة بأنه يملك، ويغرس، ويعمل كالنخل والرُّمَّان والجوز وما أشبهها فإنه غير ممنوع قطعه، وكذا ما كان يتخذ من البقول سواء نبت بنفسه أو بصنع آدمي لأنه على أصله، ويجري ذلك مجرى الحيوان ما كان أصله التأنيس، فإنه لا يمنع من اصطياده في الحرم وإن توحش، انتهى. وفي ((المدونة)) (٢): لا يقطع في الحرم من الشجر شيء يبس أو لم بيبس، وقال مالك: كل شيء أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النخل والرُّمان وما أشبهها فلا بأس بقطع ذلك. وكذلك البقل كله مثل الكُرَّاثِ والخس والسلق وما أشبه ذلك، ولا بأس بالسنا والإذخر أن يقلع في الحرم، انتهى. وبعد تصريح ((المدونة)) بالسّنا يتعجب من قول الباجي: لم أر فيه نصاً لأصحابنا. وقال الدردير(٣): حرم بالحرم قطع ما ينبت بنفسه من غير علاج كالبقل البري وشجر الطرفاء، ولو استنبت نظراً لجنسه، وكما يأتي في عكسه إلا الإذخر (١) ((المنتقى)) (٧٥/٣). (٢) (٣٣٩/١). (٣) ((الشرح الكبير)) (٧٩/٢). ٥٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث والسنا ومثلهما العصا والسواك وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه أو قطعه لإصلاح الحوائط (كما يستنبت) من خس وسلق وكراث وبطيخ وخوخ وإن لم يعالج نظراً لأصله، انتهى. قال الدسوقي(١): قوله: ((ما ينبت بنفسه)) أي ولو كان قطعه لإطعام الدواب على المعتمد ولا فرق بين الأخضر واليابس، وقوله: ((كما يستنبت))، أي كما يجوز قطع ما يستنبت كالحنطة والقثاء والعناب والنخل والرمان، انتهى . وقال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على تحريم قطع شجر الحرم وإياحة أخذ الإذخر وما أنبته الآدمي من البقول والزرع والرياحين، حكى ذلك ابن المنذر، وأما ما أنبته الآدمي من الشجر، فقال أبو الخطاب وابن عقيل: له قلعه من غير ضمان كالزرع، وقال القاضي: ما نبت في الحل ثم غرس في الحرم فلا جزاء فيه، وما نبت أصله في الحرم ففيه الجزاء بكل حال، وقال الشافعي في شجر الحرم الجزاء بكل حال أنبته الآدميون أو نبت بنفسه لعموم قوله عليه السلام: ((لا يعضد شجرها)). وقال أبو حنيفة: لا جزاء فيما ينبت الآدميون جنسه كالجوز واللوز والنخل ونحوه. ولا يجب فيما ينبته الآدمي من غيره كالدوح والسلم، لأن الحرم يختص تحريمه ما كان وحشياً من الصيد كذلك الشجر. ثم قال: ويحرم قطع الشوك والعوسج. وقال القاضي وأبو الخطاب: لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء ومجاهد وعمر وابن دينار والشافعي، لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان، ولنا؛ قوله وَ لجر: ((لا يعضد شجرها)). وفي (١) ((حاشية الدسوقي)) (٧٩/٢). (٢) ((المغني)) (١٨٥/٥). ٥٤٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث حديث أبي هريرة: ((لا يختلى شوكها))، وهذا صريح، ولأن الغالب في شجر الحرم الشوك، فلما حرم النبي ◌َّ قطع شجرها، والشوك غالبه كان ظاهره التحريم . ولا بأس لقطع اليابس من الشجر والحشيش؛ لأنه بمنزلة المَيِّتِ، ولا بقطع ما انكسَرَ، ولم يَبْنِ، لأنه قد تَلِف، فهو بمنزلة الظُّفِرْ المُنْكَسِر. ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا ما سقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافاً، لأن الخبر ورد بلفظ القطع، وهذا لم يقطع، وليس له أخذ ورق الشجر. وقال الشافعي: له أخذه لأنه لا يضرّ به، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يُسْتَمْشَى به، ولا يُنْزَعُ من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار، ولنا أن النبي وَّل قال: لا يُخبط شوكُها، ولا يُعَضد شجرُها، ولأن ما حُرِّمَ أخذُه حُرِّم كل شيء منه. كريش الطائر، وقولهم: لا يضرّ به لا يصلح فإنه يُضْعِفُها، وربما آل إلى تَلَفِها . ويحرَّم قطع حشيش الحرم إلا ما استثناه الشارع من الإذخر، وما أنبته الآدميون واليابس، لقوله وَل#: ((لا يختلى خلاها))، وفي لفظ: ((لا يحتش حشیشھا)) . وفي جواز رعيه وجهان: أحدُهما: لا يجوز، وهو مذهب أبي حنيفة لأن ما حُرِّمَ إتلافُه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد. والثاني: يجوز وهو مذهب عطاء والشافعي لأن الهدايا كانت تدخل الحرم، فتكثر فيه، ولم ينقل أنه كانت تسد أفواهها، ولأن بهم حاجة إلى ذلك أشبه قطع الإذخر. ويباح أخذُ الكَمْأَةِ(١) من الحرم، وكذلك الفَقْعُ(٢) لأنه لا أصل له فأشبه (١) الكمأة: فطر أرضية تنتفخ، فتجنى وتؤكل مطبوخة. (٢) الفقع من الكمأة: أردأ أنواعها . ٥٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث الثمرة، وروى حنبل قال: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس(١) والعشرق(٢)، وما سقط من الشجر، وما أنبت الناس، انتهى. وقال أيضاً(٣) في حرم المدينة: إنه يفارق حرم مكة في شيئين: أحدهما: أنه يجوز أن يؤخذ من شجر حرم المدينة ما تدعو إليه الحاجة للمَسَانِد والوسائد والرَّحْل، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه لِلْعَلْفِ بخلاف حرم مكة. والثاني: من صاد خارج المدينة فأدخله فيه لم يُلزمه إرساله بخلاف مكة، انتھی . وفي ((الروض المربع)) (٤): يحرم قطع شجر الحرم وحشيشه الأخضرين اللذين لم يزرعهما آدمي، ويجوز قطع اليابس والثمرة وما زرعه الآدمي والكمأة والفقع، والإذخر، ويباح الانتفاع بما زال أو انكسر بغير فعل آدمي ولو لم يَبِنْ ويضمن حشيش وورق بقيمته، وغصن بما نقص، انتهى. وفي ((نيل المآرب)»: يحرم قطع شجرة حتى ما فيه مضرة كعوسج وشوك وسواك ونحوه إلا اليابس، انتهى. وفي ((مناسك النووي)) (٥): يضمن المحرم والحلال شجر الحرم، فمن قلع شجرة كبيرة ضمنها ببقرة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة، وإن كانت صغيرة جداً وجبت القيمة، وكذا حكم الأغصان. وأما الأوراق فيجوز أخذها، لكن لا يخبطها مخافة أن يصيب قشورها، (١) الضغبوس: القثاءة الصغيرة. (٢) العشرق: نبت يخالط الحنطة وغيرها في الزراعة. (٣) ((المغني)) (١٩٣/٥). (٤) ((الروض المربع)) (٤٩٦/١). (٥) (ص٤٨٣). ٥٤٦ --------------------- ---- ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث ويحرم قطع حشيش الحرم، فإن قلعه لزمه القيمة، وإن كان يابساً فلا شيء في قطعه، فلو قلعه لزمه الضمان لأنه لو لم يقلعه لنبت، ويجوز تسريح البهائم في حشيش الحرم لترعى، فلو أخذ الحشيش لعلف البهائم جاز على الأصح، بخلاف من يأخذ للبيع، ويستثنى من البيع الإذخر ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء جاز قطعه على الأصح. قال ابن حجر: قوله: ((يضمن شجر الحرم))، أي بالقلع، والقطع سواءٌ الذي في ملكه والمثمر والمستنبت وغيره، وقوله: ((فمن قلع شجرة)) أي رطبة غير مؤذية كالشوك، وقوله: ((يحرم قطع حشيش الحرم))، أي ليس من شأنه أن يستنبت سواء نبت بنفسه أو استنبت، أما إذا كان من شأنه ذلك، وإن نبت بنفسه كالحنطة والشعير والبقول والخضراوات فيجوز أخذه. وقوله: ((لأنه لو لم يقلعه لنبت محله)) ما إذا لم يفسد منبته وإلا جاز قلعه أيضاً، وقوله: ((يستثنى الإذخر)) ألحق به ما يتغذى به كالرجلة والنبات المسمى بالبقلة ونحوهما لأنهما في معنى الزرع، وكالإذخر غيره إذا احتاج إليه للتسقيف، انتهى، وبسط ابن حجر اختلاف أصحابهم في جواز المساويك و عدمه . وفي ((شرح اللباب))(١): أشجار الحرم ونباته أربع أنواع: الأول: كل شجر أنبته الناس حقيقة، وهو من جنس ما ينبته الناس عادة كالزرع. الثاني: ما أنبته الناس، وهو ليس مما ينبتونه عادة كالأراك وهو شجر المسواك. الثالث: ما نبت بنفسه وهو من جنس ما ينبته الناس، فهذه الأنواع الثلاثة يحل قطعها وقلعها والانتفاع بها ولا جزاء فيها . وأما النوع الرابع، فهو كل شجر نبت بنفسه وهو من جنس ما لا ينبته (١) (ص٢١١). ٥٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث الناس عادة كأم غيلان فهذا محظور القلع والقطع مملوكاً كان. بأن كان في أرض مملوك أو غير مملوك إلا اليابس، لعدم إطلاق الشجر والنبات عليه حينئذ، فإنه صار حطباً، وإلا الإذخر، فيجوز قطعه رطباً ويابساً. ويجوز أخذ الكمأة، وما اجتنى من الزهر والثمر، وما انكسر من الشجر بغير فعل آدمي. ويحرم قطع الشوك والعوسج ولا ضمان فيه، ولا يجوز اتخاذ المساويك من أراك الحرم وسائر أشجاره إذا كان أخضر، ويجوز أخذ الورق ولا ضمان فيه إذا كان لا يضر بالشجر، ولا يجوز رعي الحشيش في قول أبي حنيفة ومحمد وأحمد، وقال أبو يوسف ومالك والشافعي: لا بأس به، ولو ارتعت دابته حالة المشي، لا شيء عليه لوقوع رعيها من غير اختياره، وهذا مما اتفق عليه، انتهى. زاد في ((الغنية)): يحل قطع الشجرة المثمرة، لأن أثماره أقيم مقام إنبات الناس، انتهى. زاد ابن عابدين(١): وإن لم يكن من جنس ما ينبته الناس، انتهى. وفي ((الهداية))(٢): قال أبو يوسف: لا بأس بالرعي لأن فيه ضرورة، فإن منع الدواب عنه متعذر، ولنا ما روينا، والقطع بالمشافر كالقطع بالمناجل، قال العيني في ((البناية)): قوله: ((قال أبو يوسف)) وبه قال الشافعي ومالك، وقوله: ((القطع بالمشافر)) جواب عما يقال: إن النص في القطع لا في الرعي، انتهى. قلت: وهكذا حكى عن مالك جواز الرعي غير واحد، لكن قال الحافظ في ((الفتح))(٣) في حديث ((لا يختلى خلاها)): استدل به على تحريم رعيه لكونه أشدّ من الاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيون، واختاره الطبري: وقال (١) ((رد المحتار)) (٦٢٤/٢). (٢) (١٧١/١). (٣) (فتح الباري)) (٤٨/٤). ٥٤٨ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث الشافعي: لا بأس بالرعي لمصلحة البهائم، وهو عمل الناس بخلاف الاحتشاش، فإنه المنهي فلا يتعدى إلى غيره، انتهى. والصواب على الظاهر الأول لما في ((المدونة))(١): قال مالك: لا بأس بالرعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشجر، وقال أيضاً: أكره الحلال والحرام أن يحتشا في الحرم مخافة أن يقتلا الدواب، فإن سلما فلا شيء عليه وأنا أكره ذلك انتهى. وسيأتي في آخر ((جامع الحج)): سئل مالك، هل يحتش الرجل لدابته؟ فقال: لا، وقال الباجي(٢): لا بأس أن يرعى الإبل في الحرم، والفرق بينه وبين الاحتشاش، أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش، وإرسال البهائم للرعي ليس بتناول لذلك، هذا: وقد عرفت مما سبق من مسالكهم أنهم اتفقوا في بعض مسائل الباب، واختلفوا في آخرها . وإجمال المباحث في ذلك عشرة مسائل: الأولى: اختلافهم في مصداق المنهي عنه من الشجر وغيره، فقال مالك: يحرم ما ينبت جنسه بنفسه وإن استنبته أحدٌ نظراً لجنسه، وقالت الحنفية: يحرم ما ينبت جنسه، ولم يستنبته أحد، وقال أحمد: يجوز ما زرعه الآدمي من الشجر والحشيش لا ما لم ينبته أحد، وعند الشافعي - رحمه الله - يحرم شجر الحرم وحشيشه مطلقاً إلا الحشيش الذي من شأنه أن يستنبت كالبقول والخضراوات. الثانية: أجمعوا على أن ما زرعه الآدمي من الزروع والبقول والرياحين يجوز قطعه ولا خلاف في ذلك. الثالثة: لا فرق في الأخضر واليابس عند مالك خلافاً للأئمة الثلاثة إذ أباحوا قطع اليابس. (١) (٣٣٩/١). (٢) ((المنتقى)) (٧٥/٣). ٥٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يَجْهَلُ، أَوْ يَنْسِى صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، الرابعة: الشوك وغيره سواء في الحرمة عند مالك وأحمد، ويجوز قطعه عند الشافعي وبعض الحنابلة، ويحرم قطعه عند الحنفية بدون الضمان. الخامسة: أجمعوا على إباحة قطع الإذخر رطباً ويابساً. السادسة: لا يجوز القطع لإطعام الدواب عند مالك على المعتمد، وبه قال أحمد والحنفية، ويجوز في الأصح عند الشافعية. السابعة: في رعي الدواب وجهان عند أحمد، ويجوز عند الشافعي ومالك وأبي يوسف، ولا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، ولو ارتعت بنفسها يجوز إجماعاً. والثامنة: أجمعوا على جواز الانتفاع بالأوراق الساقطة. والتاسعة: يجوز السواك من شجر الحرم عند مالك: ولا يجوز عند أحمد والحنفية، واختلفت فيه الشافعية. والعاشرة: لا يجوز قطع الورق عند أحمد، ويجوز عند الشافعي والحنفية. (قال مالك: في الذي يجهل أو ينسى). قال الباجي(١): نص مالك على حكم من جهل أو نسي صيام ثلاثة أيام في الحج، ويحتمل قوله: ((أو جهل)) وجهين: أحدهما: أن يكون جهل الحكم. والثاني: أن يكون معنى جهل فعل ما لا يجوز، فيكون جهل هاهنا بمعنى تعمد، فإن قلنا: إن ((جهل)) بمعنى تعمد فقد استوعب حكم العامد والناسي. وإن قلنا: ((جهل)) بمعنى لم يعلم الحكم، فإنه ترك ذكر العامد، وإن كان حكمه حكم الناسي والمخطئ إعظاماً لفعله وتغليظاً لحكمه، والأفضل أن تجعل لفظ ((جهل)) على الوجهين لاحتمالها لهما، انتهى. (صيام ثلاثة أيام في الحج) على ما تقدم في أبواب التمتع من أن صيام المتمتع الذي لم يجد الهدي ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع. قاله الباجي. (١) ((المنتقى)) (٧٥/٣). ٥٥٠ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث أَوْ يَمْرَضُ فِيهَا فَلَا يَصُومُهَا حَتَّى يَقْدَمَ بَلَدَهُ. قَالَ: لِيُهْدِ إِنْ وَجَدَ هَذْياً وَإِلَّا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي أَهْلِهِ، وَسَبْعَةً بَعْدَ ذُلِكَ . قلت: ولا تخصيص بالمتمتع، بل هذا حكم الدماء الواجبة في الحج غير فدية الأذى وجزاء الصيد كما سيأتي في كلام الدردير، نعم يدخل فيه صيام المتمتع أيضا . (أو يمرض فيها) أي في هذه الأيام الثلاثة نص على المرض ليستوعب أقسام التاركين بذكر النسيان والعمد لغير عذر، والعمد للعذر الغالب، (فلا يصومها) لهذه الوجوه المتقدمة (حتى يقدم) بفتح الدال (بلده) عادماً الهدي. (قال) مالك: (ليهد إن وجد هدياً وإلا فليصم ثلاثة أيام في أهله) بعد الرجوع (وسبعة بعد ذلك) قال الباجي: ومعنى ذلك الفصل بين الثلاثة والسبعة، وقال أصبغ: إن ذلك شرط في صحتها، ويدل قول مالك على أن الترتيب قد سقط وجوبه . وقال الدردير(١): لما كان دماء الحج ثلاثة بعضها على التخيير وهي دماء الفدية وجزاء الصيد، وبعضها على الترتيب أشار له بقوله: ((وغيرُ الفدية وجزاء الصيد)) وذلك الغير ما يجب لترك واجب أو لمذي أو قُبلة بفم أو غير ذلك (مرتَب) مرتبتين لا تنتقل عن أولاهما إلا بعد عجزه عنها لا ثالث لهما (هَديٌ) أو هو المرتبة الأولى (ثم) عند العجز عنه (صيام ثلاثة أيام في الحج) وهو المرتبة الثانية، وأول وقته من إحرامه بالحج إلى يوم النحر، وإن فاته صومها قبل يوم النحر صام أيام منى، وإن أَخَّرها عن أيام التشريق صامها متى شاء وصلها بالسبعة أولاً (وسبعة إذا رجع)، انتهى. وقال الباجي (٢): في صيام المتمتع: إن فاته صوم الثلاثة الأيام قبل يوم (١) ((الشرح الكبير)) (٨٤/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٠/٢). ٥٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث النحر صام أيام منى، فإن لم يصم صامها بعدها، وبهذا قال الشافعي، وهو قول عائشة وابن عمر، وقال أبو حنيفة: لا يصوم بعد عرفة، ويستقر الهدي في ذمته، انتهى. قلت: ما حكي عن أبي حنفية كذلك هو مذهبه، صرح بذلك في الفروع. قال صاحب ((الهداية))(١): إن فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم، وقال الشافعي - رحمه الله -: يصوم بعد هذه الأيام، لأنه صوم موقت فيقضي كصوم رمضان. ولنا النهي المشهور عن الصوم في هذه الأيام، فيتقيد به النص أو يدخله النقص، فلا يتأدى به ما وجب كاملاً، ولا يؤدي بعدها لأن الصوم بدل، والأبدال لا تنصب إلا شرعاً والنص خصه بوقت الحج، وجواز الدم على الأصل، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه أمر في مثله بذبح الشاة، انتهى. وقال الموفق (٢): إن المتمتع إذا لم يصم الثلاثة أيام في الحج، فإنه يصومها بعد ذلك، وبهذا قال علي وابن عمر وعائشة والزهري ومالك والشافعي، ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد إذا فاته الصوم في العشر وبعده استقر الهدي في ذمته. ولنا أنه صوم واجب فلا يسقط بخروج وقته كصوم رمضان، وإذا ثبت هذا فإنه يصوم أيام منى، وهو قول ابن عمر وعائشة وعروة ومالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في القديم، وعن أحمد رواية أخرى: لا يصوم أيام منى. روي ذلك عن علي والحسن وعطاء، وهو قول ابن المنذر بأنه ولّلل نهى عن صوم ستة أيام، ذكر منها أيام التشريق، فعلى هذه الرواية يصوم بعد ذلك عشرة أيام. (١) (١/ ١٥٢). (٢) ((المغني)) (٣٦٣/٥). ٥٥٢ ٢٠ - كتاب الحج (٨٠) باب (٩٣٣) حديث وكذلك الحكم إذا قلنا بصوم أيام منى، فلم يصمها، واختلفت الرواية عن أحمد في وجوب الدم عليه، فعنه عليه دم، لأنه أخر الواجب من مناسك الحج عن وقته، فلزمه دم كرمي الجمار، ولا فرق بين المؤخر لعذر أو لغيره. وقال القاضي: إن أخّره لعذر ليس عليه قضاؤه، وعن أحمد رواية أخرى: لا يلزمه مع الصوم دم بحال، وهذا اختيار أبي الخطاب، ومذهب الشافعي، لأنه صوم واجب يجب القضاء بفوته كصوم رمضان، فإذا صام العشرة لم يلزمه التفريق بين الثلاثة والسبعة. وقال أصحاب الشافعي: عليه التفريق، لأنه وجب من حيث الفعل، وما وجب التفريق من حيث الفعل لم يسقط بفوات وقته كأفعال الصلاة من الركوع والسجود، ولنا أنه صوم واجب في زمن يصح الصوم فيه، فلم يجب تفريقه كسائر الصوم، انتهى. في ((الهداية)) (١): إن فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم، وقال الشافعي: يصوم بعد هذه الأيام، قال العيني في ((البناية)): للشافعي في ذلك ستة أقوال: أحدها: لا صوم، وينقل إلى الهدي، الثاني: عليه صوم عشرة أيام مطلقا، الثالث: عليه صوم عشرة، ويفرق بيوم، الرابع: يفرق بأربعة أيام، الخامس: يفرق بمدة إمكان السير، السادس: بأربعة أيام ومدة إمكان السير، وهو أصحها عندهم ذكر ذلك كله النووي في ((شرح المهذب))، انتهى. وقال أيضاً تحت قول ((الهداية)): لم يجزه إلا الدم: روي ذلك عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس ومجاهد والحسن وعطاء، انتهى. وقد عرفت التعارض في نقل الموفق والعيني، ولا يبعد تعدد الرواية عنهم، لو صحت الحكايتان. (١) (١/ ١٥٢). ٥٥٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث (٨١) باب جامع الحجّ ٩٣٤ / ٢٤٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسىُ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ؛ (٨١) جامع الحج أي الروايات المتفرقة من كتاب الحج. ٢٤٢/٩٣٤ - (مالك، عن ابن شهاب)، هكذا أخرجه البخاري في الحج(١). قال الحافظ: وللنسائي من طريق يحيى القطان عن مالك حدثني الزهري، وقد اختلف أصحاب الزهري عليه في سياق الحديث، وأتمهم سياقاً عند صالح بن كيسان، أخرج حديثه البخاري، لكن لم يسق لفظه، وهو عند أحمد في ((مسنده)) عن يعقوب وفيه زيادة على سياق ابن جريج ومالك، انتهى. (عن عيسى بن) أحد العشرة المبشرة (طلحة بن عبيد الله) وليس في النسخ المصرية ابن عبيد الله. وفي رواية ابن جريج عند مسلم وصالح بن كيسان عند البخاري كلاهما عن ابن شهاب قال: حدثني عيسى بن طلحة (عن عبد الله بن عمرو) بفتح العين (ابن العاص). وفي رواية ابن جريج وصالح بن كيسان عند البخاري أن عبد الله حدثه . قال الحافظ(٢): عبد الله بن عمرو، هو ابن العاصي كما في رواية البخاري، بخلاف ما وقع في بعض نسخ ((العمدة))، وشرح عليه ابن دقيق العيد، ومن تبعه على أنه ابن عمر - بضم العين - أي ابن الخطاب، وأورده البخاري من أربعة طرق عن الزهري عن عيسى بن طلحة عن عبد الله، ولم أره من حديثه إلا بهذا الإسناد، انتهى. (١) رقم الحديث (١٧٣٦، ١٧٣٧، ١٧٣٨). (٢) ((فتح الباري)) (٥٦٩/٣). ٥٥٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث أَنَّهُ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَه لِلنَّاسِ بِمِنْىَّ، (أنه قال: وقف رسول الله ◌َّلجر في حجة الوداع) أي على ناقته، كما في رواية صالح عند البخاري ويونس عند مسلم بلفظ ((على راحلته))، ولذا ترجم عليه البخاري: (باب الفتيا على الدابة)) واعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في شيء من الروايات عن مالك أنه كان على دابة، بل في رواية يحيى القطان عنه أنه جلس في حجة الوداع، فقام رجل، ثم قال الإسماعيلي: فإن ثبت في شيء من الطرق أنه كان على دابة، فيحمل قوله: ((جلس)) على أنه ركبها، وجلس عليها، قال الحافظ: وهذا هو المتعين لرواية صالح بن كيسان بلفظ ((وقف على راحلته)) وهي بمعنى جلس، انتهى. وقال النووي رحمه الله: هذا دليل لجواز القعود على الراحلة للحاجة، ثم قال الإسماعيلي: إن صالح بن كيسان تفرّد بقوله: ((وقف على راحلته)) قال الحافظ: وليس كذلك فقد ذكر ذلك أيضاً يونس عند مسلم، ومعمر عند أحمد والنسائي كلاهما عن الزهري، وقد أشار إليه البخاري بقوله: تابعه معمر أي في قوله: ((وقف على راحلته))، انتهى. (للناس بمنى) قال الباجي(١): يحتمل أنه وقف ليعلم الناس دينهم ويجيبهم عن مسائلهم، فقد علم أنه وقت سؤال يسأله في ذلك الوقت السائل عما فاته من حجه، وعما أدرك، وعما قدم وأَخَّرَ ويسأله قوم عن المستقبل، انتھی . ولم يعين في الحديث اليوم ولم يعين في أكثر الروايات المكان أيضاً، ووقع في رواية ابن جريج عن الزهري عند البخاري بلفظ: ((يخطب يوم النحر))، وفي رواية: ((وقف عند الجمرة)). قال عياض: جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد، وإن معنى ((خطب)) أي علم الناس لا أنها من خطب الحج المشروعة . (١) ((المنتقى)) (٧٦/٣). ٥٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث قال: ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين. أحدهما: على راحلته عند الجمرة، ولم يقل في هذا: خطب، وإنما فيه وقف وسأل. والثاني: في يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلم الإمام الناس ما بقي عليهم من مناسكهم. قال النووي: هذا الاحتمال الثاني هو الصواب. قال الحافظ (١): فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوَّبَه، وبين الذي قبله، فإنه ليس في شيء من طرق الحديثين، حديث ابن عباس وحديث عبد الله بن عمرو بيان الوقت الذي خطب فيه من النهار، قلت: نعم لم يقع التصريح بذلك، لكن في رواية ابن عباس أن بعض السائلين قال: رميت بعدما أمسيت، وهذا يدل على أن القصة كانت بعد الزوال، لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال، وكان السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى، فلما أخّرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك على أن حديث عبد الله بن عمرو من مخرج واحد، لا يعرف له طريق إلا طريق الزهري عن عيسى عنه، والاختلاف فيه من أصحاب الزهري، وغايته أن بعضهم ذكر ما لم يذكره الآخر، واجتمع من مرويهم. ورواية ابن عباس أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال، وهو على راحلته يخطب عند الجمرة، وإذا تقرر أن ذلك كان بعد الزوال يوم النحر تعين أنها الخطبة التي شرعت لتعليم بقية المناسك، فليس قوله: خطب، مجازاً عن مجرد التعليم، بل حقيقة، ولا يلزم من وقوفه عند الجمرة أن يكون حينئذ رماها، ففي (البخاري)) من ابن عمر: ((أنه وجَّ﴾ وقف يوم النحر بين الجمرات)) فذكر خطبته فلعل ذلك وقع بعد أن أفاض، ورجع إلى منى، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٥٧٠/٣). ٥٥٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث قلت: لكن يشكل عليه حديث الباب وما في معناه، فإن وقوفه وَ لا كان للناس، والمتبادر منه أنه كان لتعليمهم وسؤالهم لا الخطبة، وأوضح منه لفظ مسلم بهذا السند ((وقف رسول الله ﴾ في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه))، الحديث. وما أثبت الحافظ كونها بعد الزوال يأبى عنه ما في ((أبي داود)) من حديث رافع بن عمرو المزني قال: ((رأيت رسول الله وؤل يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء))، الحديث. ويؤيده أيضاً ما في ((أبي داود)) (١) من حديث عبد الرحمن بن معاذ التيمي قال: خطبنا رسول الله وَل# ونحن بمنى إلى أن قال: ثم أمر المهاجرين، فنزلوا في مقدم المسجد، وأمر الأنصار، فنزلوا من وراء المسجد، فهذا يدل على أنها كانت في أول ما قدم منى قبل تنزيل الناس منازلهم. ويؤيده أيضاً ما في ((مسند أحمد))(٢) من حديث أبي أمامة قال: ((لما كان في حجة الوداع قام رسول الله مَ ◌ّ وهو يومئذ مردف الفضل بن عباس على جملٍ آدَمَ، فقال: يا أيها الناس خذوا من العلم قبل أن يقبض العلم))، الحديث بطوله. ومعلوم أن إرداف الفضل كان من المزدلفة إلى منى، فهذا أيضاً يشير إلى أن هذه الوصايا كانت في مبدأ قدومه وَ ل﴿ بمنى. فالظاهر أن لفظ ((خطب)) بمعنى عَلَّمَ، أقرب إلى الروايات، ولا أقل من التعدد كما حكاه عياض احتمالاً، ويؤيد الأول أن البخاري ترجم: ((باب الفتيا على الدابة عند الجمرة)) وأورد فيه حديث ابن جرير بلفظ ((يخطب يوم النحر))، وهذا يشعر بأنه لم يحمله على الخطبة بل على الإفتاء، ولذا قال الأبيّ كما حكاه الزرقاني (٣): ترجم البخاري ((الفتيا على الدابة))، فهو يدل على أنها لم تكن خطبة، انتهى. (١) أخرجه أبو داود (١٩٥٧). (٢) (٢٦٦/٥). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٠/٢). ٥٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ، (والناس يسألونه) وفي رواية ((فجعلوا يسألونه))، وأخرى ((فطفق ناس يسألونه)) وتقدم عن مسلم، ((وقف رسول الله وّل في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه)) (فجاءه رجل). قال الحافظ(١): لم أقف على اسمه بعد البحث الشديد، ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة وكانوا جماعة، وفي حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي وغيره كان الأعراب يسألونه، فكان هذا هو السبب في عدم ضبط أسمائهم، انتهى. قلت: ويدل على كونهم جماعة متفرقين اختلاف أنواع أسئلتهم من التقديم والتأخير، كما سيأتي. (فقال له: يا رسول الله إني لم أشعر) بضم العين أي أفطن، يقال: شعرت بالشيء شعوراً إذا فطنت له، وعلى هذا، فيكون مودى الاعتذار النسيان، وذكره الباجي(٢) احتمالاً فقال: يحتمل وجهين: أحدهما أن يريد به نسيت فقدمت الحلاق وهو الأصح، انتهى. وقد وقع التخليط في كلامه في ذكر الاحتمال الثاني، وهو أن الشعور بمعنى العلم، وعلى هذا فالمعنى لم أعلم المسألة قبل ذلك، ويؤيده لفظ يونس عند مسلم (٣) ((لم أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل أن أرمي))، وأوضح منه لفظ ابن جريج: ((كنت أحسب أن كذا قبل كذا)). وإلى الاحتمالين معاً أشار البخاري في ((صحيحه)) إذ ترجم على الحديث ((باب إذا رمى بعدما أمسى ناسياً أو جاهلاً)). قال العيني(٤): فإن قلت: قيد الترجمة بكونه ناسياً أو جاهلاً، وليس في الحديث ذلك؟، قلت: جاء فيه ((ولم (١) ((فتح الباري)) (٥٧٠/٣). (٢) ((المنتقى)) (٧٦/٣). (٣) (١٣٠٦). (٤) ((عمدة القاري)) (٣٥١/٧). ٥٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّمَ: ((انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ)) ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَشْعُرْ، أشعر))، وعدم الشعور أعم من أن يكون ناسياً أو جاهلاً، انتهى. وبالاحتمالين معاً فسره القاري كما سيأتي قريباً، وكذا الموفق. (فحلقت) شعر رأسي (قبل أن أنحر). وفي رواية ((قبل أن أذبح))، والفاء سببية جعل الحلق مسبباً عن عدم الشعور اعتذاراً (فقال رسول الله وَ ل: انحر). هكذا في النسخ المصرية وهو الأوجه، وفي النسخ الهندية ((اذبح)). وجعله الزرقاني رواية، فقال: وفي رواية ((اذبح)) أي الآن (ولا حرج) عليك أي لا ضيق عليك، ثم هو نفي للإثم والفدية معاً عند من قال بعد الفدية في هذه الأمور، ونفي للإثم فقط عند القائلين بوجوب الدم، كما سيأتي مفصلاً من بيان المذاهب . أما الأول فقد قال عياض: ليس في الحديث أمر بالإعادة، وإنما هو إباحة لما فعل؛ لأنه سأل عن أمر فرغ منه، فالمعنى افعل ذلك متى شئت، ونفي الحرج بَيِّنٌ في رفع الفدية عن العامد والساهي، وفي رفع الإثم عن الساهي، انتهى. وأما الثاني فقد قال الباجي(١): يحتمل أن يريد لا إثم عليك لأن الحرج الإثم، ومعظم سؤال السائل إنما كان عن ذلك خوفاً من أن يكون قد أثم، فأعلمه النبي وَلّ أن لا حرج، إذ لم يقصد المخالفة، وإنما أتى ذلك عن غير علم ولا قصد مع خفة الأمر، انتهى. (ثم جاءه) رجل (آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر) أي ما عرفت تقديم بعض المناسك وتأخيرها، فيكون جاهلاً لقرب وجوب الحج، أو فعلت ما ذكرت عن غير شعور لكثرة الاشتغال فيكون مخطئاً، كذا في ((المرقاة)) (٢). (١) ((المنتقى)) (٧٦/٣). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٦٢/٥). ٥٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٤) حديث فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: ((ارْمِ، وَلَا حَرَجَ)) (فنحرت) الهدي (قبل أن أرمي) الجمرة (فقال رسول الله وَّيقول: ارم) الآن (ولا حرج) أي لا إثم أو لا فدية أيضاً. وفي رواية ابن جريج عن الزهري عند البخاري، فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا، ثم قام آخر فقال: كنت أحسب أن كذا قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي، وأشباه ذلك فقال النبي ◌َّ: ((افعل ولا حرج، لهن كلّهن))، فما سُئل يومئذ عن شيء إلا قال: ((افعل ولا حرج)). وفي رواية محمد بن أبي حفصة عن الزهري عند مسلم، قال آخر: ((أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: ارم ولا حرج))، وفي رواية معمر عند أحمد زيادة الحلق قبل الرمي أيضاً. فحاصل ما في حديث عبد الله بن عمرو السؤال عن أربعة أشياء: الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، والأوليان في حديث ابن عباس أيضاً. وعند الدارقطني من حديث ابن عباس أيضاً السؤال عن الحلق قبل الرمي، وكذا في حديث جابر وأبي سعيد عند الطحاوي، وفي حديث علي عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق. وفي حديثه عند الطحاوي السؤال عن الرمي والإفاضة معاً قبل الحلق، وفي حديث جابر الذي علّقه البخاري، ووصله ابن حبان وغيره السؤال عن الإفاضة قبل الذبح، وفي حديث أسامة بن شريك عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف، قاله الحافظ (١). وقال ابن القيم في ((الهدي))(٢) بعد ذكر حديث أسامة بن شريك: قوله: (سعيت قبل أن أطوف)) في هذا الحديث ليس بمحفوظ، والمحفوظ تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها على بعض، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٥٧١/٣). (٢) ((زاد المعاد)) (٢٢٩/٢). ٥٦٠