النص المفهرس
صفحات 461-480
٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث واليربوع؛ لأنه لا يجزئ من الهدي في الجزاء، إلا ما يجزئ في الضحايا الثني من المعز فصاعداً، ومن الضأن الجزع فصاعداً، قال ابن حبيب: ففي الأرنب واليربوع عنز مسنة، انتهى. قال الباجي(١): فرق عمر - رضي الله عنه - بين الأرنب واليربوع، فجعل في الأرنب عناقاً، وفي اليربوع جفرة، وهي دون العناق، والذي ذهب إليه مالك: أن كل ما صغُر عن أن يكون له نظير من النعم يهدى، فإنه ليس فيه إلا صيام، وقال مالك في ((المبسوط)): لا يحكم في جزاء الصيد بجفرة ولا عناق، ولا يحكم بدون المسن، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ﴾ الآية. فقيد ذلك بالهدي، فلا يصح أن يخرج في ذلك ما ليس بهدي؛ لأنه ليس من الجزاء الذي تضمنته الآية. ودليلنا، من جهة القياس أن هذا حيوان لا يكون بدله هدياً، فلم يكن له بدل من النعم، أصل ذلك صغار الطير، والحشرات، وإذا ثبت ذلك فقد اختلف أصحابنا في الأرنب واليربوع، ففي (كتاب ابن حبيب)) عن مالك في كل واحد منهما عنز، وروى عنه ابن عبد الحكم: ليس فيما دون الظبي إلا الطعام أو الصيام. وجه قول ابن حبيب أنه إنما يراعى المثل في جزاء الصيد من جهة القدر والصورة، وقد وجد في اليربوع المثل من جهة الصورة، فوجب أن يطلب أقرب المثل إليه من جهة القدر، كما يفعل ذلك في صغار الوحش، فإنه لما كان له مثل من جهة الصورة لم يراع القدر، فحكمنا في صغير النعام بما يحكم فيه بكبيره وهي البدنة مع تفاوت ما بينهما في القدر. ووجه رواية ابن عبد الحكم، أن الصفة والقدر يجب أن يراعيا في (١) ((المنتقى)) (٦٣/٣). ٤٦١ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث الجنس، فإذا كان الشبه يقرب من جهة الصورة، والشبه يقرب من جهة القدر في الجنس، حكمنا فيه بالمثل، وإذا تفاوت في القدر في جملة الجنس، وجب أن لا يحكم فيه بمثل، كما لا يحكم في صغار الطير والحشرات، ولا يدخل على هذا صغار ما له مثل؛ لأن الشبه من جهة الضرورة والقدر قد وجد في الجنس، انتھی. وقال أيضاً في موضع آخر (١): أما الأرنب واليربوع ففي ((كتاب ابن حبيب)) عن مالك في كل واحد منهما عنز، وقال مالك في ((المختصر)): يحكم فيهما بالاجتهاد؛ لأنه لا مثل لهما في الخلقة يريد من النعم، انتهى. وفي ((المحلى)): هذا الحديث رواه الدارقطني عن جابر وابن عمر مرفوعاً ورواته ثقات، وبهذا أخذ مالك والشافعي وأحمد ومحمد بن الحسن، والمماثلة عندهم في قوله تعالى: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ﴾ الآية. باعتبار الخلقة والهيئة، واعتبر الإمام أبو حنيفة المماثلة بالقيمة، فإنه لو اعتبرت بالصورة لما احتاج إلى العدلين؛ لأنه لا يخفى على أحد، ولما احتيج إلى تحكيم جديد في كل مقتول، فقال: يقوّم الصيد حيث صيد، فإن بلغت ثمن هدي يخير بين الهدي والإطعام والصيام، وإن لم يبلغ يخير بين الطعام والصوم، انتهى، قلت: وتقدم البسط في ذلك في تفسير الآية. ومحمل هذه الآثار عند الحنفية أنها كانت على سبيل الإطعام، قال صاحب ((الهداية))(٢): والمراد بما روي التقدير به دون إيجاب المعين، قال صاحب ((العناية)): جواب عن قوله ◌َّ﴾: ((الضبع صيد وفيه شاة)) وعن أثر الصحابة يعني أن إيجاب النبي ◌َلّه والصحابة هذه النظائر لم يكن باعتبار (١) انظر: ((المنتقى)) (٦٤/٣). (٢) (١٦٦/١). ٤٦٢ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٣) حديث ٢٣١/٩٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قُرَيْرِ، أعيانها، إذ لا مماثلة بين الضبع والشاة خلقة، وإنما كان باعتبار التقدير بالقيمة، إلا أنهم كانوا أرباب المواشي، فكان الأداء عليهم منها أيسر، وهو نظير قول علي - رضي الله عنه -: يُفَكُّ الغلام بالغلام والجارية بالجارية، والمراد القيمة، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(١): لا يتصور التكفير بالهدي إلا أن تبلغ قيمته جذعاً عظيماً من الضأن أو ثنياً من غيره، هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد يكفر بالهدي، وإن لم يبلغ ذلك، ومنهم من جعل قول أبي يوسف كقول محمد، ثم قال: ولا تجوز الصغار، كالجفرة والعناق والحمل فما دونه، إلا على وجه الإطعام على خلاف ما سبق، انتهى. أي الخلاف بين الإمام ومحمد - رحمهما الله -. ثم قال: وإن كان الواجب دون طعام مسكين بأن قتل عصفوراً أو يربوعاً إما أن يطعم القدر الواجب، وإما أن يصوم عنه يوماً كاملاً، انتهى. ٢٣١/٩٢٣ - (مالك، عن عبد الملك بن قرير) بضم القاف وفتح الراء وإسكان التحتية ثم راء مهملة العبدي البصري، ولم يصب من زعم أنه الأصمعي، وأن مالكاً غلط فيه بذكره براءٍ في آخره؛ لأن أبا الأصمعي قريب بموحدة آخره، فقد بين صواب ذلك يحيى بن بكير، وأيضاً، فالأصمعي لم يدرك ابن سيرين، وقال أبو عمر (٢): طرح ابن وضّاح اسمه، وقال: عن ابن قرير تبعاً لقول ابن معين: وهم مالك فيه، إنما هو عبد العزيز، وقال يحيى بن بكير: لم يهم مالك في اسمه ولا في اسم أبيه، وإنما هو عبد الملك أخو عبد العزيز ابنا قرير، انتهى. (١) (ص٢١٦). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٦/١٣). ٤٦٣ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٣) حديث عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ؛ أَنَّ رَجُلًا قال الحافظ في ((تهذيبه))(١) في ترجمة عبد العزيز: قال ابن معين: ليس يغلط مالك إلا في رجل يقول: عبد العزيز بن قرير، وإنما هو عبد الملك بن قريب، وهو الأصمعي، قال ابن أبي مريم: فذكرت ذلك ليحيى بن بكير، فقال: إن يحيى بن معين غلط في هذا، وهو كما قال مالك: عبد العزيز بن قرير، وقال علي بن الجنيد: هو أخو عبد الملك الذي روى عنه، انتهى. وقال أيضاً في ترجمة الأصمعي النحوي المشهور: عبد الملك بن قريب، قد روى عنه مالك، ولم يحفظ اسمه ولا اسم أبيه، قال الحافظ: هذا الكلام ذكره البخاري عن ابن معين، وتعقبه غير واحد، قال عبد الملك: الذي روى هو عبد الملك بن قرير، آخره راء، وهو بصري معروف، أخو عبد العزيز بن قرير، روى عن محمد بن سيرين، ووهموا من نسب مالكاً فيه إلى التصحيف، انتهى . قلت: ولم يذكر الحافظ ترجمة عبد الملك بن قرير في ((تهذيبه)) ولا ((التعجيل)) وذكره في النسخ الهندية بالفاء، وبه ضبطه صاحب ((المحلى))، وذكره في النسخ المصرية بالقاف، وبه ضبطه الزرقاني، وهو المؤيد بكتب الرجال. (عن محمد بن سيرين أن رجلاً) قال الأصيلي: هو قبيصة بن جابر الأزدي، وقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) عنه، وفي ((المحلى)): أن الرجل هو جرير بن عبد الله البجلي، رواه يحيى بن سعيد من طريق أبي وائل عن جرير، انتھی . قلت: وبه جزم الحافظ في ((الدراية)) إذ قال عن ابن سيرين: إن عمر - رضي الله عنه - أمر محرماً أصاب ظبياً يذبح شاة عفراء، وأخرجه مالك مطولاً، وروى ابن سعد في ((الطبقات)): أن صاحب القصة مع عمر - رضي الله (١) ((تهذيب التهذيب)) (٣٥٢/٦). ٤٦٤ -- ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٣) حديث جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌّ لِي فَرَسَيْنِ، نَسْتَبِقُ عنه - في ذلك جرير بن عبد الله البجلي، أورده من طريق أبي وائل عن جرير، انتھی . وقال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، عن قبيصة بن جابر قال: حججنا زمن عمر - رضي الله عنه - فرأينا ظبياً، فقال أحدنا لصاحبه: أتراني أبلغه؟ فرمى بحجر، فما أخطأ خششاه(٢) فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب، فسألناه عن ذلك، وإذا إلى جنبه رجل يعني عبد الرحمن بن عوف، فالتفت إليه، فكلمه، الحديث بنحو ما أخرجه مالك وأطول منه. ثم قال: وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن بكير بن عبد الله المزني قال: كان رجلان من الأعراب محرمان، فأجاش أحدهما ظبياً فقتله الآخر، فأتيا عمر، وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له عمر - رضي الله عنه -: وما ترى؟ فقال: شاة، الحديث، بنحو قصة مالك، فالظاهر أن القصة وقعت لرجال عديدة . (جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجريت أنا وصاحب لي) قال الزرقاني(٣): لم يسم (فرسين) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك ((نستبق)) وليس هذه في الهندية، وزاد الزرقاني: ونرمي، انتهى. وعلى هذا فإصابة الظبي كان بالرمي، وما سيأتي في آخر الأثر من كلام الباجي يدل على أنه كان بعدو (١) ((الدر المنثور)) (١٧٥/٣). (٢) في الأصل خششاه، والصواب خشاه - كما في (الاستذكار)) -: هو العظم الناتي خلف الأذن. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٢/٢). ٤٦٥ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٣) حديث إِلَى ثُغْرَةِ ثَنِيَّةٍ. فَأَصَبْنَا ظَبْياً وَنَحْنُ مُحْرِمَانٍ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ لِرَجُلِ إِلَى جَنْبِهِ: تَعَالَ حَتَّى أَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ. قَالَ: فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: هُذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ظَبْيٍ، حَتَّى الفرس، وكلاهما محتملان (إلى ثغرة) بضم المثلثة وإسكان المعجمة أعلى، قاله الزرقاني. وفي ((مختار الصحاح)): الثغرة الثلمة (ثنية) بفتح المثلثة وكسر النون، الطريق الضيق بين الجبلين (فأصبنا ظبياً) أي قتلناه (ونحن محرمان) أي أصبناه في حالة الإحرام (فماذا تري) قال الباجي(١): يحتمل أن يكون مستفتيا، ويحتمل أن يكون طلب الحكم عليه إذا اعتقد أن الواحد يصح حكمه في ذاك. (فقال عمر) - رضي الله عنه - (لرجل إلى جنبه) قال محمد بن أبي بكر في (مختار الصحاح)): الجنب والجانب والجنبة الناحية (تعال) بفتح اللام فعل أمر من تعالى تعاليا، ارتفع، وأصله أن الرجل العالي كان ينادي السافل، ثم استعمل بمعنى هَلُمَّ مطلقاً سواء كان موضع المدعو أعلى أو أسفل أو مساوياً، فهو في الأصل معنى خاص، ثم استعمل بمعنى عام، قاله الزرقاني. قال الباجي: استدعاء عمر - رضي الله عنه - الرجل الذي إلى جنبه امتثال لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ﴾ وهو مذهب مالك أنه لا يجوز أن يحكم فيه أقل من رجلين، قلت: وبه قال الجمهور، كما تقدم مفصلاً في تفسير الآية (حتى أحكم أنا وأنت) زاد الحاكم: ترى شاة تكفيه؟ قال: نعم. (قال: فحكما عليه بعنز) أي أنثى المعز (فولى الرجل) أي أدبر (وهو يقول) الواو حالية (هذا أمير المؤمنين لم يستطع) وفي النسخ المصرية لا يستطيع أي لا يقدر على (أن يحكم في) مسألة (ظبي) بنفسه استقلالاً (حتى (١) ((المنتقى)) (٦٤/٣). ٤٦٦ -------- ---- ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٣) حديث دَعَا رَجُلًا يَحْكُمُ مَعَهُ، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ الرَّجُلِ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ: هَلْ تَقْرَأْ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ هُذَا الرَّجُلَ الَّذِي حَكَمَ مَعِي؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ تَقْرَأْ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لأَّوْجَعْتُكَ ضَرْباً، دعا) أي طلب (رجلاً) آخر (يحكم معه) وفي رواية الحاكم: فقال: إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل، الحديث، فظن أنه إنما استدعى من يحكم معه لعجزه عن الحكم في قضيته مفرداً حتى يعينه عليها الرجل الذي استدعاه للحكم. (فسمع عمر) - رضي الله عنه - (قول الرجل) أي اعتراضه على عمر - رضي الله عنه - (فدعاه فسأله: هل تقرأ سورة المائدة؟) خصها بالسؤال عنها لما كان الحكم فيها دون غيرها من السور، وهو قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ (قال: لا قال: فهل تعرف هذا الرجل الذي حكم معي؟) سأله عنه لما أنه كان مشهوراً بالعدالة والعلم والأمانة. وإن كل من عرف عينه عرف عدالته، قاله الباجي. (فقال: لا فقال عمر) - رضي الله عنه -: (لو أخبرتني أنك تقرأ سورة المائدة لأوجعتك ضرباً) قال ذلك إعلاماً له بأنه عذره لجهله بالسورة التي فيها شأن هذه الحكومة، ويحتمل أنه يوجعه ضرباً لما أظهر من مخالفة التنزيل، إن كان فهم الحكم، أو الإعراضه عن تفهم القرآن والتدبر فيه، وإن كان أعرض عن النظر في الآية والتفهم لها قبل ذلك إذ كان من العرب الذين لا يخفى عليهم معناها مع الاهتبال به، قاله الباجي(١). قال الزرقاني(٢): وفي ((المستدرك)): عن قبيصة فعلاه بالدِّرَّة ضرباً ثم أقبل إليّ ليضربني فقلت: إني لم أقل شيئاً، إنما قاله هو، فتركني، ويجب تأويله بأن (١) ((المنتقى)) (٦٤/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٢/٢). ٤٦٧ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٣) حديث ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وَهُذَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ. المراد أراد أن يعلوه، فأخذ الدرة بيده مريداً ضربه، ثم تمهل حتى استفهمه عن سورة المائدة بدليل رواية ((الموطأ)) فالقصة واحدة، انتهى. قلت: وأما على تعدد القصص فلا إشكال. (ثم قال) عمر - رضي الله عنه - وجه استدعائي الرجل الآخر (إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه) المجيد في آخر سورة المائدة (﴿يَحْكُمُ بِهِ،﴾) رجلان (﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ الْكَمْبَةِ﴾) تقدم تفسيره مفصلاً، وذكر ذلك إعلاماً له بالمعنى الذي أوجب عليه مشاركة عبد الرحمن بن عوف، ثم أعلمه باسمه، لأن السائل إن سمع بذكر عبد الرحمن قبل ذلك فقد عرف عدالته، وإن لم يسمع به قبل ذلك فإنه في أيسر وقت يسأل، فيخبر بعدالته وإمامته واشتهار علمه، ولذا قال: (وهذا) الرجل الذي بجنبي (عبد الرحمن بن عوف) أحد العشرة المبشرة بالجنة. قال الباجي(١): أوجب عمر - رضي الله عنه - عليهما الجزاء، وإن كانا لم يباشرا قتل الصيد، وإنما قتلته خَيْلُهما، لكن لما كانت خَيْلُهما محمولة باختيارهما كانت بمنزلة ما لو رميا سهماً أو حجراً، فقتلاه به، وقد روى ابن المواز عن مالك فيمن قاد دابة أو ساقها أو ركبها إنها ما أصابت في ليل أو نهار فعليه جزاؤه، وكذلك لو ضربها فضربت صيداً، فقتلته، وما أصابت بيدها أو رجلها من غير قياد ولا سياق ولا ركوب، فلا شيء عليه، انتهى. قلت: وكذلك عند الحنفية، ففي ((الغنية)): وبقتله في الإحرام أو الحرم ولو تسبباً أو سهواً أو عدواً يلزم جزاؤه، ثم قال: وكذا لو ركب دابة أو ساقها، أو قادها، فتلف صيداً بوقشها أو عضها أو ذنبها أو روثها أو بولها ضمنه، ولو انفلتت بنفسها فأتلفت صيداً لم يضمن، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٦٥/٣). ٤٦٨ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٤ - ٩٢٥) حديث ٩٢٤/ ٢٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُولُ: فِي الْبَقَرَةِ مِنَ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ، وَفِي الشَّاةِ مِنَ الطِّبَاءِ شَاةٌ . ٢٣٣/٩٢٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: فِي حَمَامِ وقال الموفق(١): كلما يضمن به الآدمي يضمن به الصيد من مباشرة أو سبب، وما جنت عليه دابته بيدها أو فمها من الصيد، فالضمان على راكبها أو قائدها أو سائقها وما جنت برجلها فلا ضمان عليه، لأنه لا يمكن حفظ رجلها، وقال القاضي: يضمن السائق جميع جنايتها، لأن يده عليها ويشاهد رجلها، وقال ابن عقيل: لا ضمان عليه في الرِّجْلِ، لأن النبي ◌َّ قال: الرجل جُبَارٌ، وإن انقلبت فأتلف صيداً لم يضمنه لأنه لا يَدَ له عليها، وقال النبي وَللر: ((العجماء جبار))، انتهى. ٢٣٢/٩٢٤ - (مالك، عن هشام بن عروة أن أباه كان يقول: في البقرة من الوحش) قال الدميري(٢): هذا النوع أربعة أصناف: المها والأيل واليحمور والتيتل، وكلها تشرب الماء في الصيف إذا وجدته، وإذا عدمته صبرت عنه، وقنعت باستنشاق الريح، ويحل أكلها بجميع أنواعها بالإجماع، انتهى. (بقرة) وقد حكم ابن عباس وأبو عبيدة في بقرة الوحش وحماره ببقرة (وفي الشاة من الظباء شاة) من البهائم تماثلها في الجثة عندهم، والقيمة عند الحنفية. ٢٣٣/٩٢٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: في حمام) والحمام عند العرب ذوات الأطواق نحو الفواخت والقماري، وساق حر وهو ذكر القمري، والقطا والوارشين وأشباه ذلك، الواحد حمامة يقع على الذكر والأنثى، والهاء للإفراد لا للتأنيث، وعند العامة (١) ((المغني)) (٤٠٩/٥). (٢) ((حياة الحيوان)) (٢٢٠/١). ٤٦٩ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٥) حديث مَكَّةَ، إِذَا قُتِلَ، شَاةٌ . إنها الدواجن فقط، كذا في ((مختار الصحاح))، وهكذا حكاه الدميري عن الجوهري، وزاد: المراد بالطوق الحمرة أو الخضرة أو السواد المحيط بعنق الحمامة، ونقل الأزهري عن الشافعي أن الحمام كل ما عَبَّ وهدر، وإن تفرقت أسماؤه، والعب بالعين المهملة شدة جرع الماء من غير تنفس، قال ابن سيده: يقال في الطائر: عَبّ، ولا يقال: شرب، ويحل أكله بالإجماع بجميع أنواعه (مكة) خاصة أو جميع الحرم قولان للمالكية، سيأتي بيانهما . ((عجيبة)): قال الدميري(١): روى البزار في ((مسنده)): أن الله تعالى أمر العنكبوت، فنسجت على وجه الغار، وأرسل حمامتين وحشيتين، فوقفتا على أمر الغار، وأن ذلك مما صدّ المشركين عنه وَلّ، وأن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين، وروى ابن وهب: أن حمام مكة أظلّت النبي ◌َّ يوم فتحها فدعا لها بالبركة، وحكمه أن يحل أكله بالإجماع بجميع أنواعه (إذا قتل) ببناء المجهول (شاة) بالرفع مبتدأ مؤخر لقوله: في حمام مكة. قال الباجي(٢): يريد أن حمام مكة مخصوص بذلك لتأكد حرمته، وهذا يمنع أن يكون في اليربوع شاةٌ، لأن ذلك كان يقتضي أن يكون في كل حمامة شاة إذا اعتبر القدر، لأن الحمام أكبر من اليربوع، وأعظم خلقة وأكثر لحماً، وإذا ودي في اليربوع شاة، فبأن يجب ذلك في كل حمام أولى، ولا يجب في سائر الحمام غير حمام مكة، أو الحرام غير الإطعام والصيام، ولم يجب في ذلك هدي، فبأن لا يجب في اليربوع أولى، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر: إن الواجب مثل الصيد في النعامة بدنة، وفي الفيل بدنة، وفي بقر الوحش وحمار الوحش بقرة، وفي الضبع شاة، وفي (١) ((حياة الحيوان)) (١/ ٥٣). (٢) ((المنتقى)) (٦٥/٣). ٤٧٠ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٥) حديث الظبي شاة، وليس فيما دونه من الصغير هدي، هذا حكم الصيد كله إلا حمام مكة، فقد قال مالك: فيه شاة، وبه قال عمر وابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب وقتادة، وقال أبو حنيفة: ليس فيها إلا قيمتها، وبه قال النخعي، والدليل على صحة ما قاله مالك أنه إجماع الصحابة، حكم به عمر، وأفتى به ابن عمر - رضي الله عنهما - في المواسم، ولم ينكر ذلك أحد ولا خالفه، فثبت أنه إجماع، ودليلنا من جهة المعنى أن الشاة في الحمامة ليست من جهة الصورة، ولكن على وجه التغليظ لحرمة مكة، فألحقت بما له مثل من النعم في الهدي، وأقله شاة، وأما حمام الحل فحكمه حكم سائر الطيور يضمن، وبه قال قتادة، وقال الشافعي: في حمام الحل شاة، وبه قال عطاء، والدليل على ما نقوله أن هذا مما لا مثل له من النعمَ ولا له حرمة الاختصاص بالبيت أو بالحرم، فلم تجب فيه شاة كالعصفور. وإذا ثبت ذلك فقد اختلف أصحابنا في حمام الحرم، فقد قال مالك: فيه شاة، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ، وقال ابن القاسم: فيه حكومة، وجه قول مالك أن هذا حمام متحرم بالحرم، فكانت فيه شاة كحمام مكة، وجه قول ابن القاسم أن هذا حمام لا يختص بالبيت كحمام الحل، ثم قماري الحرم، ويمامه عند أصبغ بمنزلة حمام الحرم، وقال ابن الماجشون: إن هذا الحكم يختص بالحکام دون غيره، انتهى. وقال الدردير(١): وفي الضبع والثعلب شاة كحمام مكة والحرم ويمامهما، ومن الحمام الفاخت والقمري، وفي جميع الطير أي طير الحل والحرم، غير حمام الحرم، ويمامه القيمة حين الإتلاف، انتهى. وقال الدميري (٢): إن الشارع أوجب فيه على المحرم إذا قتله شاة. وفي (١) ((الشرح الكبير)) (٨٢/٢). (٢) ((حياة الحيوان)) (٣٦٩/١). ٤٧١ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٥) حديث مستند ذلك وجهان: أحدهما: أن ذلك لما بينهما من الشبه فإن كلا منهما يألف البيوت ويأنس بالناس، والثاني: وهو الأصح أن مستنده توقيف بلغهم فيه، ونقل الرافعي عن الشيخ أبي محمد الخلاف فيما لو قتل طائراً أكبر من الحمام أو مثله هل يتبنى على هذا؟ إن قلنا: إن المستند التوقيف أوجبنا الشاة، وإن قلنا: المستند المشابهة أوجبنا القيمة، وقد أسقط النووي هذه المسألة من ((الروضة))، وكأنه ظن أن الخلاف فيها لفظي، لا فائدة فيه، انتهى. وقال النووي في ((مناسكه))(١): أما الطيور، فالحمام وكل ما عَبَّ في الماء، وهو أن يشربه مصاً بلا جرع يجب فيه شاة، وما كان أكبر من الحمامة أو مثلها. فالصحيح أن له حكمها، وما كان أصغر ففيه القيمة. قال ابن حجر: قوله: ((ما عب)) عطف عام على خاص، لأنه يشمل اليمام والقمري، والدبسي، والفاختة، والقطا، إن نازع فيه الطبري ونحوها من كل مطوق. وقوله: ((شاة)) أي من ضأن أو معز لحكم الصحابة، ومستنده توقيف بلغهم، وإلا فالقياس إيجاب القيمة، والقول بأن مستنده الشبه بينهما، وهو أَلِف البيوت، إنما يأتي في بعض أنواع الحمام بخلاف الفواخت، وقوله: ما كان أكبر من الحمامة وجوب الشاة فيه ضعيف، والمعتمد ما رجحه في ((المجموع)) كالرافعي من وجوب القيمة، انتهى. قال الخرقي: وإن كان طائراً فداه بقيمته في موضعه إلا أن تكون نعامة فيكون فيها بدنة أو حمامة وما أشبهها، فيكون في كل واحد منها شاة، قال الموفق(٢): استثنى النعامة من الطائر، لأنها ذات جناحين، وتبيض فهي كالدجاج والإوَزّ، وفي الحمام شاة حكم بها عمر وعثمان وابن عمر وابن (١) (ص٤٧٩). (٢) («المغني)) (٤١٠/٥ - ٤١٣). ٤٧٢ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٥) حديث عباس، ونافع بن الحارث في حمام الحرم، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وعروة وقتادة والشافعي وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك: فيه قيمته إلا أن مالكاً وافق في حمام الحرم لحكم الصحابة، ففيما عداه يبقى على أصله، قلنا : روي عن ابن عباس في الحمام حال الإحرام كمذهبنا، ولأنها حمامة مضمونة لحق الله تعالى. فضمنت بشاة كحمام الحرم، ولأنها متى كانت الشاة مثلاً لها في الحرم، فكذلك في الحل. وقول الخرقي: ((وما أشبهها)) يعني ما يشبه الحمامة، في أنه يَعُبُّ الماء، أي يضع منقاره فيه، فيكرع كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة قطرة، كالدجاج والعصافير، وإنما أوجبوا فيها شاة، لشبهه بها في كرع الماء، ويدخل فيه القُمْرِيُّ والدُبْسِيُّ والفواخت والقطا، وما كان أكبر من الحمام كالحبارى والحجل، ففيه وجهان: أحدهما فيه شاة؛ لأنه روي عن ابن عباس وجابر وعطاء أنهم قالوا في الحجلة والقطاة والحبارى شاة شاة، ولأن إيجاب الشاة في الحمام تنبيه على إيجابها فيما أكبر منه. والوجه الثاني، قيمته، وهو مذهب الشافعي؛ لأن القياس يقتضي وجوبها في جميع الطير، وتركناه في الحمام لإجماع الصحابة، ففي غيره يرجع إلى الأصل، انتهى. وأما عند الحنفية فقد عرفت مراراً أن العبرة عندهم للقيمة خلافاً لمحمد - رحمه الله - إذ أوجب التنظير فيما له نظير كالأئمة الثلاثة، ومع ذلك فقد أوجب محمد - رحمه الله -، أيضاً في الحمام القيمة، ففي ((الهداية)): وما ليس له نظير عند محمد - رحمه الله - تجب فيه القيمة مثل العصفور والحمام وأشباههما، وإذا وجبت القيمة كان قوله كقولهما، أي أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - والشافعي - رحمه الله - يوجب في الحمامة شاة، ويثبت المشابهة بينهما من حيث إن كل واحد منهما يعبّ ويهدر. ولأبي حنيفة وأبي ٤٧٣ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٥) حديث يوسف أن المثل المطلق هو المثل صورةً ومعنى، ولا يمكن الحمل عليه، فحمل على المثل معنى لكونه معهوداً في الشرع. قال ابن الهمام(١): قوله: المثل صورة ومعنى، وهو المشارك في النوع وهو غير مراد ههنا بالإجماع، فبقي أن يراد المثل معنًى، وهو القيمة، لأن المعهود في الشرع في إطلاق لفظ المثل أن يراد المشارك في النوع أو القيمة، قال تعالى في ضمان العدوان: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(٢) والمراد الأعم منهما أعني المماثل في النوع إذا كان المتلف مثلياً، والقيمة إذا كانت قيمياً، بناء على أنه مشترك معنوي، والحيوانات من القيميات شرعاً إهداراً للمماثلة الكائنة في تمام الصورة فيها تغليباً للاختلاف الباطني بين أبناء نوع واحد، فما ظنك إذا انتفى المشارك في النوع أيضاً، فلم يبق إلا مشاكلة في بعض الصورة كطول العنق والرجلين في النعامة مع البدنة ونحو ذلك في غيره. فإذا حكم الشارع بانتفاء اعتبار المماثلة مع المشاكلة في تمام الصورة، ولم يضمن المتلف بما شاركه في تمام نوعه، بل بالمثل المعنوي، فعند عدمها وكون المشاكلة في بعض الهيئة انتفاء الاعتبار أظهر، ثم قال: ويحمل حكم الصحابة بالنظير على أنه كان باعتبار تقدير المالية أي بيان أن مالية المقتول كمالية الشاة الوسط، لا على معنى أنه لا يجزئ غيره، انتهى. وأجاب في ((البدائع))(٣) عن إيجاب الصحابة النظير بأن المسألة مختلفة بين الصحابة، وروي عن ابن عباس مثل مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف، فلا يحتج بقول البعض على البعض، انتهى. (١) ((فتح القدير)). (٨/٣). (٢) سورة البقرة: الآية ١٩٤. (٣) (٤٣٢/٢). ٤٧٤ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٥) حديث وَقَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُحْرِمُ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَفِي بَيْتِهِ فِرَاخٌ مِنْ حَمَامٍ مَكَّةَ، فَيُغْلَقُ عَلَيْهَا فَتَمُوتُ. فَقَالَ: أَرَى بِأَنْ يَقْدِيَ ذُلِكَ، عَنْ كُلِّ فَرْخِ بِشَاةٍ . قلت: ويشكل على الموجبين بقتل الحمام شاة لمجرد مشابهة العب أن في الجراد مشابهة لعشرة من جبابرة الحيوان الفرس والفيل والثور والإبل والأسد والعقرب والنسر والجمل والنعامة والحية، كما سيأتي في بيان الجراد مفصلاً . (قال مالك في الرجل من أهل مكة) مثلاً (يحرم بالحج أو بالعمرة) قال الباجي(١): إنما خص المحرم بذاك، لأن إحرامه كان سبب تغيبه، فلو سافر عن بيته في غير إحرام وأغلق عليها بابه، فهلكت لوجب عليه مثل ذلك، انتهى. (وفي بيته فراخ) الفرخ ولد الطائر، والأنثى فرخة، وجمع القلة أفرخ وأفراخ، وجمع الكثرة فراخ، كذا في (مختار الصحاح)) (من حمام مكة فيغلق) بفتح اللام وكسرها لغة قليلة، قاله الزرقاني، وفي ((مختار الصحاح)): أغلق الباب فهو مغلق، وغلقه لغة رديئة متروكة، وغلق الأبواب شدّد للكثرة، انتهى (عليها فتموت) لتغيبه عن بيته مدة تهلك الفراخ في مثلها . (فقال) مالك: (أرى أن يفدي) أي يؤدي الجزاء، ولفظ يفدي تظافرت عليه جميع النسخ المصرية والهندية، وفي هامش الهندية على سبيل النسخة بدله يهدي (ذلك) الرجل الذي تسبب لموتها (عن كل فرخ بشاة) وذلك لما تقدم قريباً أن التسبب في قتل الصيد بمنزلة المباشرة، ولا يشتبه ذلك بما تقدم من قول مالك فيمن أحرم وعنده صيد: لا بأس أن يجعله عند أهله، لأن المقصود هاهنا كونه سبباً لقتلها . وفي ((شرح اللباب)) (٢): لو أغلق محرم بابه، وفي البيت طيور محبوسة، (١) ((المنتقى)) (٦٥/٣). (٢) (ص٢٠٨). ٤٧٥ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٦) حديث ٩٢٦ /٢٣٤ - قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ فِي النَّعَامَةِ، إِذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ، بَدَنَةً . وخرج إلى منى مثلاً فماتت الطيور عطشاً فعليه الجزاء؛ لأنه تسبب في موتها، انتھی . ٢٣٤/٩٢٦ - (قال مالك: ولم أزل أسمع) قال الباجي(١): يريد أن ذلك شائع قديم تكرر حكم الأئمة وفتوى العلماء بذلك (أن في النعامة) النعامة من الطير يذكر ويؤنث، والنعام اسم جنس مثل حمام وحمامة وجراد وجرادة، كذا في ((مختار الصحاح)). قال الدميري: وتجمع النعامة على نعامات، ويقال لها: أم البيض وأم الثلثين، قال الجاحظ: الفُرس يسمونها ((شترمرغ))، ويحل أكله بالإجماع (إذا قتلها المحرم) أو الحلال في الحرم (بدنة) اسمُ أَنَّ. قال الدميري(٢): إن الصحابة قضوا فيه إذا قتله المحرم أو في الحرم ببدنة. روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس وزيد بن ثابت ومعاوية - رضي الله عنهم -، رواه الشافعي والبيهقي، ثم قال الشافعي: هذا غير ثابت عند أهل العلم بالحديث، وهو قول الأكثر ممن لقيت، وإنما قلنا في النعامة بدنة بالقياس لا بهذا، انتهى. وهكذا في ((المحلى))، وقال: رواه ابن أبي شيبة عن عطاء ثم قال: قال البيهقي: وإنما قال ذلك الشافعي، لأنه منقطع، وذلك لأن عطاء الخراساني ولد سنة خمسين، قاله ابن معين، فلم يدرك عمر ولا عثمان ولا علياً ولا زيداً - رضي الله عنهم - وكان في زمن معاوية صبياً، ولم يثبت له سماع عن ابن عباس، وإن كان يحتمل أن يكون سمع منه لأن ابن عباس توفي سنة ثمان وستين، وعطاء مع انقطاع حديثه ممن تكلم فيه أهل العلم، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٦٥/٣). (٢) ((حياة الحيوان)) (٤٨٣/٢). ٤٧٦ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنَّ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عُشْرَ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ. كَمَا يَكُونُ، فِي جَنِینِ وهكذا قال الزيلعي في ((نصب الراية))(١) وقال في الأثر المذكور: رواه الشافعي، ومن جهته البيهقي في ((سننه)) عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء الخراساني. قال الخرقي: وإن كان طائراً فداه بقيمته إلا أن تكون نعامة، فيكون فيها بدنة، قال الموفق(٢): استثنى النعامة من الطائر؛ لأنها ذات جناحين، وتبيض فهي كالدجاج والإوَزِّ(٣)، وأوجب فيها بدنة، لأن عمر وعثمان وعلياً وزيداً وابن عباس ومعاوية حكموا فيها ببدنة، وبه قال عطاء ومجاهد ومالك والشافعي وأكثر أهل العلم، وحكي عن النخعي: أن فيها قيمتها، وبه قال أبو حنيفة، واتباع النص والآثار أولى، ولأن النعامة تشبه البعير في خلقته، فكان مثلاً لها فيدخل في عموم النص، انتهى. (قال مالك: أرى) أي أعتقد (أن في بيضة النعامة عشر) بضم المهملة وسكون المعجمة (ثمن البدنة) قال الباجي(٤): وذلك أنه لا يخرج فيها جزاء من النعم، وإن كانت قيمة عشر البدنة أكثر من قيمة عنز، لأنه لا مثل لها في النعم وإنما جزاؤها عشر قيمة البدنة التي هي جزاء النعامة، وَبَيَّنَ مالك سبب اختياره لذلك من أن ما قاله قياس على دية الجنين فقال: (كما يكون في جنين) الجنين الولد ما دام في البطن، كذا في ((مختار الصحاح))، وقال الدميري(٥): هو ما يوجد في بطن البهيمة بعد ذبحها . (١) ((نصب الراية)) (١٣٣/٣). (٢) («المغني)) (٤١٢/٥). (٣) الإوَز: طائر يشبه البط في شكله العام، ولكنه أكبر منه حجماً وأطول عنقاً. (٤) ((المنتقى)) (٦٦/٣). (٥) ((حياة الحيوان)) (٣٠٨/١). ٤٧٧ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٦) حديث الْحُرَّةِ، غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقِيمَةُ الْغُرَّةِ خَمْسُونَ دِينَاراً، وَذُلِكَ عُشْرُ دِيَةٍ أُمِّهِ، (الحرة) احتراز عن جنين الأمة إذ فيه اختلاف وتفصيل (غرة) بضم الغين المعجمة وتشديد الراء المهملة، أصل الغرة بياض في الوجه، ثم عبّر بها عن الجسم كله، كما قالوا: أعتق رقبة (عبداً أو وليدة) أي أمة بيان لغرة. (قال مالك: وقيمة الغرة خمسون ديناراً وذلك) المقدار (عشر) بالضم (دية أمه) لأنها خمسمائة، قال الباجي: بَيَّنَ مالك ذلك بأن ما قاله قياساً على دية الجنين غرة، قيمتها خمسون ديناراً، وهي عشر دية الحرة، لأن ديتها خمسمائة دينار، انتهى . قال الدردير(١): في كل فرد من أفراد الجنين، وفي كل فرد من البيض غير المَذَرِ إذا كسرها المحرم أو من في الحرم عُشْر دية الأم، قال الدسوقي: وأراد بدية الأم قيمتها طعاماً أو عدله صياماً، انتهى. قال الدميري(٢): اختلفوا في بيض النعام إذا أتلفه المحرم أو في الحرم، فقال عمر وابن مسعود والشعبي والنخعي والزهري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: تجب فيه القيمة، وقال أبو عبيدة وأبو موسى الأشعري: يجب فيه صيام يوم أو طعام مسكين، وقال مالك: يجب فيه عُشر ثمن البدنة كما في جنين الحرة، ودليلنا أنه جزء من الصيد لا مثل له من النعم، فوجبت قيمته كسائر المتلفات التي لا مثل لها، وأما حديث أبي المهزم الذي رواه ابن ماجه(٣) والدارقطني عن أبي هريرة ((أن النبي ◌ّل قال في بيض النعامة يصيبه المحرم: ثمنه))، فهو ضعيف باتفاق المحدثين، وبالغوا في تضعيفه حتى قال شعبة: أعطوه فلساً يحدثكم سبعين حديثاً . (١) ((الشرح الكبير)). (٢/ ٨٤). (٢) ((حياة الحيوان)) (٤٨٧/٢). (٣) أخرجه ابن ماجه (٣٠٨٦)، وأبو داود (٣٨٠١) الجزء الأول منه. ٤٧٨ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٦) حديث لكن في ((مراسيل أبي داود)) من حديث عائشة - رضي الله عنها - ((أن النبي ◌ّ﴾ حكم في بيض النعام في كل بيضة: صيام يوم))، ثم قال أبو داود وأسند هذا الحديث: والصحيح إرساله، واستدل له في ((المهذب)) بأنه خارج من الصيد يخلق منه مثله فضمن بالجزاء كالفرخ، فإن كسر بيضاً لم يحِل أكله بلا خلاف، وفي تحريمه على الحلال طريقان أصحهما أنه لا يحرم لأنه لا روح فيه، ولا يحتاج إلى ذكاة، فإن كسر بيضاً مَذَراً لم يضمنه من غير النعامة، لأنه لا قيمة له، ويضمنه من النعامة لأن لقشره قيمة، انتهى. قال الموفق(١): ويضمن بيض الصيد بقيمته أي صيد كان، قال ابن عباس في بيض النعام قيمته، وروي ذلك عن ابن عمر وابن مسعود. وبه قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي مع أن النعام من ذوات الأمثال، فغيره أولى، ولأن البيض لا مثل له فيجب قيمته كصغار الطير، فإن لم يكن له قيمة لكونه مذراً أو لأن فرخه ميِّت فلا شيء فيه، قال أصحابنا: إلا بيض النعام، فإن لقشره قيمة. والصحيح أنه لا شيء فيه لأنه إذا لم يكن فيه حيوان ولا مآله إلى أن يصير له حيوان صار كالأحجار والخشب وسائر مَا له قيمةٌ من غير الصيد، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٢): لو كسر بيض نعامة أو غيرها فعليه قيمة البيض قيمة كاملة ما لم يفسد على ما في ((الهداية))، وأفاد قيد عدم الفساد؛ لأنه لا شيء عليه في المذرة. وفي ((الفتح)) (٣): انتفى هذا ما قال الكرماني: إن كسر بيضة مذرة، فإن كانت بيضة نعامة وجب عليه الجزاء، لأن لقشرها قيمة، وإن كانت غير نعامة (١) ((المغني)) (٤١٠/٥). (٢) (ص٢٠١). (٣) ((فتح القدير)) (١٤/٣). ٤٧٩ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٦) حدیث وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ النسُورِ أَوِ الْعِقْبَانِ لا شيء عليه، وما ذكره الكرماني هو مذهب الشافعية، انتهى. وفي ((مختار الصحاح)): مذرت البيضة فسدت، وبابه طرب، انتهى. (قال مالك: وكل شيء من النسور) جمع نسر، طائر معروف، وفي ((مختار الصحاح)): النسر بفتح النون طائر، وجمع القلة النسر والكثير كنسور، ويقال: النسر لا مخلب له، وإنما له ظفر، كظفر الدجاجة والغراب، زاد الدميري(١): كنيته أبو الأبرد، وأبو الأصبغ، وأبو مالك، وأبو المنهال، وأبو يحيى، والأنثى يقال لها: أم قسعم، وسُمِّي نسراً، لأنه ينسر الشيء، ويبتلعه، وهو عريف الطير، ويقول في صياحه: ابن آدم عِشْ ما شئت، فإن الموت ملاقيك، كذا قاله الحسن بن علي - رضي الله عنهما - ويقال: إنه من أطول الطير عمراً، وإنه يعمر ألف سنة، وهو ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار حداد كالمخالب، وهو حاد البصر يرى الجيفة من أربعمائة فرسخ، وكذلك حاسة شمّه في النهاية، لكنه إذا شم الطيب مات لوقته، وهو أشد الطير طيراناً، حتى إنه ليطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد، ومن أشد الطير حزناً على إلفه، فإذا فارق أحدهما الآخر مات حزناً وكمداً، وحكمه أن يحرم أكله لاستخباثه وأكله الجيف، انتهى. قلت: هذا عند الجمهور، وسيأتي قريباً في بيان البازي، أن الطيور بجميع أنواعها مباحة عند مالك، ولو كانت جَلَّالة. وفي ((المحيط الأعظم)»: بفتح نون وسكون سين مهملة وراى مهملة اسم ((كركس)). وقال أيضاً: ((كركس)) اسم فارسي، يقال له بالتركية: ((فخر)). وبالهندية: ((گده)) و(گچ)»، وهكذا فسره في اللغات القطبية ((بگده)) وفي ((کریم اللغات: ((بکرکس)). (أو العقبان) بموحدة جمع عقاب طائر معروف، قال الدميري(٢): العقاب (١) ((حياة الحيوان)) (٤٧٤/٢). (٢) ((حياة الحيوان)) (٢/ ١٧٢). ٤٨٠