النص المفهرس
صفحات 441-460
٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢٠) حديث ٢٢٨/٩٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ لُهَ ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ. فَقِيلَ لَهُ: قَدْ حَاضَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: ((لَعَلَّهَا حَابِسَتْنَا)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا قَدْ طَافَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّ: ((فَلَا، إِذاً)). أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك (الحج)، ٨٤ - باب الحائض تخرج بعد الإفاضة. ٢٢٨/٩٢٠ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة) رضي الله عنها (أم المؤمنين أن رسول الله وَّل ذكر) أم المؤمنين (صفية بنت حيي) يحتمل أن يكون المراد بالذكر إرادة الوقاع، كما في رواية للبخاري عن أبي سلمة - رضي الله عنه - عن عائشة - رضي الله عنها -، وحاضت صفية، فأراد النبي وَليل منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت: يا رسول الله! إنها حائض، الحديث، وإليه مال الشيخ في ((البذل))(١)، ويحتمل كما قال به الباجي: لعله سأل عن ذلك من حالها إذ خفي عنه من أمرها، انتهى. وإليه يظهر ميل شيخنا في ((المصفّى))(٢). (فقيل له) الظاهر أن القائلة عائشة - رضي الله عنها - كما في رواية أبي سلمة وغيره (إنها قد حاضت، فقال رسول الله وَله: لعلها حابستنا) أي مانعتنا عن السفر (فقالوا) أي النسوة والمحارم، كما تقدم قريباً (يا رسول الله إنها قد طاقت) وفي النسخ الهندية: ((إنها قد كانت طافت)) أي فرغت عن طواف الإفاضة يوم النحر، ولفظ أبي داود برواية القعنبي عن مالك بهذا السند: فقالوا: يا رسول الله! إنها قد أفاضت (فقال رسول الله محمّل) فلا) حبس (إذا) وقد ورد في قصة صفية - رضي الله عنها - ((عقرى حلقى))، قال القرطبي وغيره: (١) (بذل المجهود)) (٣٣٤/٩). (٢) انظر: (٣٣٢/١). ٤٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: قَالَ هِشَامٌ، قَالَ عُرْوَةُ، قَالَتْ عَائِشَةُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذُلِكَ، فَلِمَ يُقَدِّمُ النَّاسُ شتان بين قوله # هذا لصفية وبين قوله لعائشة - رضي الله عنها - لما حاضت معه في الحج: ((هذا شيء كتبه الله على بنات آدم))، لما يشعر به من الميل لها والحنو عليها بخلاف صفية. قال الحافظ: وليس فيه دليل على اتضاع قدر صفية عنده، لكنه اختلف : الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها، وهي تبكي أسفاً على ما فاتها من النّسك، فَسَلّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرجل من أهله، فأيدت المانع، فناسب كلاً منها ما خاطبها به في تلك الحالة، انتهى. قلت: ويُشْكل على جواب الحافظ ما في مسلم برواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة، قالت: لما أراد النبي ◌َ﴿ أن ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: ((عقرى حلقى)) الحديث. وقد قال الحافظ(١): هذا يشعر بأن الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله كان بالقرب من وقت النفر من منى. واستشكله بعضهم بناء على ما فهمه أن ذلك كان وقت الرحيل، وليس ذلك بلازم؛ لاحتمال أن يكون الوقت الذي أراد منها ما أراد سابقاً على الوقت الذي رآها فيه على باب خبائها الذي هو وقت الرحيل، بل ولو اتحد الوقت لم يكن ذلك مانعاً من الإرادة المذكورة، انتهى. - (قال مالك: قال هشام: قال عروة: قالت عائشة) - رضي الله عنها - (ونحن نذكر ذلك) الواو حالية وهو مقول هشام، والمعنى نحن نتكلم ونبحث في هذا الحكم، وهذه المسألة أي المرأة هل لها أن تنتظر لطواف الوداع أم لا؟ ومقولة عائشة - رضي الله عنها -. ما سيأتي من قولها (فلم يقدم) من التقديم (الناس) بالرفع (١) ((فتح الباري)) (٥٨٩/٣). ٤٤٢ ---- ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢٠) حدیث نِسَاءَهُمْ إِنْ كَانَ ذُلِكَ لَا يَنْفَعُهُنَّ. وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَقُولُونَ، لأَصْبَحَ بِمِنِىَ أَكْثَرُ مِنْ سِنَّةِ آلَافِ امْرَأَةٍ حَائِض، كُلَّهُنَّ قَدْ أَفَاضَتْ. فاعله (نساءهم) بالنصب مفعوله (إن كان ذلك) أي التقديم (لا ينفعهن) قال الباجي(١): قول عائشة - رضي الله عنها - إنكار على من يقول: إن تقديم الإفاضة لا ينفعهن، فإنهن لا بد أن يبقين على طواف الوداع، فقالت: ولو لم يستحب الرجوع إلى بلادهن بتقديم الطواف، لا تفق الناس على تقديم النساء من منى يوم النحر لطواف الإفاضة، ولكانوا يقتصرون على تأخير الطواف؛ لأن في تقديم طوافهن يوم النحر تكلفا ومشقة مع ما يلزم من سترهن، ويثقل من حملهن، لكن لما علم الناس أن من حاضت منهن كان لها أن ترجع إلى بلدها، وإن لم تقدر على طواف الصدر؛ لأجل الحيض تكلفوا تلك المشقة، وكانت أخفَّ عليهم من البقاء معهن إذا حضن، انتهى. (ولو كان الذي يقولون) من وجوب طواف الوداع على الحائض أيضاً (لأصبح بمنى) أو بمكة (أكثر من ستة آلاف امرأة حائض كلهن قد أفاضت) قال الزرقاني(٢): أي لو كان طواف الوداع واجباً لأصبح بمنى هذا العدد ينتظر الطهر حتى يطفن للوداع، لكنه لم يكن ذلك، فدل أنه ليس بواجب، انتهى. قال الباجي (٣): يريد أن هذا يكثر على النساء، فلو لم ينفعهن تقديم الإفاضة، لكثر من يقيم من النساء بمكة؛ لأجل الحيض على طواف الصدر، ولو لم ينفعهن ما قدّمن من طواف الإفاضة، ولما عدم ذلك مع اهتبال النساء في ذلك الزمان بأمر الدين وكثرة العلماء، صح وثبت أن ذلك اتفاق من جميعهم على أنه لا يلزمها مقام على طواف الصدر، وإنما يلزم المقام على طواف الإفاضة؛ لأنه ركن من أركان الحج. (١) ((المنتقى)) (٦٢/٣) (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٠/٢). (٣) ((المنتقى)) (٦٢/٣). ٤٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث ٢٢٩/٩٢١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَمَّ سُلَيْم بِنْتَ مِلْحَانَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ، وَحَاضَتْ، أَوْ وَلَدَتْ، وفي ذلك أن عائشة - رضي الله عنها - جوزت الكلام على المسألة، وإظهار وجه الصواب فيها بالرأي، وإن كانت قد حفظت من قول النبي وقَّ في خبر صفية: ((أن الإفاضة قبل الحيض تبيح الانصراف))، لكنها مع ذلك أضافت إلى ذلك بيان المعنى بعد الأثر، انتهى. ٢٢٩/٩٢١ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (أن أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أخبره أن أم سليم) مُصَغّراً (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام الأنصارية والدة أنس بن مالك - رضي الله عنها - قال ابن عبد البر: لا أحفظه من أم سليم إلا من هذا الوجه، وهو منقطع، وأعرفه أيضاً من حديث هشام عن قتادة عن عكرمة أن أم سليم، فذكر بمعناه، وهذا أيضاً منقطع، والمحفوظ في هذا حديث أبي سلمة عن عائشة قصة صفية، انتهى. كذا في ((التنوير)) (١). قال الزرقاني(٢): إن سُلِّم أن فيه انقطاعاً؛ لأن أبا سلمة لم يسمع أم سليم، فله شواهد، انتهى. قلت: وسيأتي بيان الشواهد في كلام الحافظ (استفتت رسول الله ◌َ ﴾. وقد حاضت) ليس في النسخ الهندية لفظ: وقد، والوجه وجوده (أو ولدت) أي نفست، شكٍّ من الراوي على سياق ((موطأ يحيى))، وعلى هذا السياق، فالراجح حيضها، كما يدل عليه ما سيأتي من المتابعات، ويخالفه سياق ((موطأ محمد)) ولفظه: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أم سليم قالت: ((استفتيت رسول الله صل# فيمن حاضت أو ولدت بعدما (١) ((تنوير الحوالك)) (٣٦٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/٢). ٤٤٤ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ، فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ فَخَرَجَتْ. أفاضت يوم النحر، فأذن لها رسول الله مَ لّ فخرجت))، وعلى هذا السياق فلفظة ((أو)) للتنويع أي ليعم السؤال كلا النوعين (بعدما أفاضت) أي طافت طواف الإفاضة (يوم النحر) وقد استفتت فيما يجوز لها من الخروج، أو يلزمها من المقام حتى يكون آخر عهدها الطواف بالبيت. (فأذن لها رسول الله قالهر) أن تخرج (فخرجت) إلى المدينة بلا طواف وداع، وأخرج البخاري في ((صحيحه)) من رواية أيوب عن عكرمة: أن أهل المدينة سألوا ابن عباس عن امرأة طافت ثم حاضت قال لهم: تنفر، قالوا: لا نأخذ بقولك، وندع قول زيد، قال: إذا قدمتم المدينة، فاسألوا، فقدموا المدينة، فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم، فذكرت حديث صفية، رواه خالد وقتادة . قال الحافظ (١): أما رواية خالد، فوصلها البيهقي من طريق معلى بن منصور عن هشيم عنه عن عكرمة، وأما رواية قتادة فوصلها الطيالسي في (مسنده)) قال: حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة، عن عكرمة قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت في المرأة إذا حاضت، وقد طافت بالبيت يوم النحر، فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت، وقال ابن عباس: تنفر إن شاءت، فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيداً، فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم، يعني فسألوها، فقالت: حضت بعدما طفت بالبيت، فأمرني رسول الله ◌َ أن أنفر، وحاضت صفية فقالت لها عائشة: حبستنا، فأمرها النبي ◌َّ أن تنفر. ورواه سعيد بن أبي عروبة في ((كتاب المناسك)) عن قتادة عن عكرمة نحوه، وقال فيه: وأنبئت أن صفية حاضت بعدما طافت بالبيت يوم النحر، (١) ((فتح الباري)) (٥٨٨/٣). ٤٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث فقالت لها عائشة - رضي الله عنها -: الخيبة لك حبستِنا، فذكروا ذلك للنبي ◌َّ، فأمرها أن تنفر، وهكذا أخرجه إسحاق في ((مسنده)) عن عبدة عن سعيد، وفي آخره، وكان ذلك من شأن أم سليم أيضاً، وطريق قتادة هذه هي المحفوظة . وقد شذّ عباد بن العوام، فرواه عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مختصراً في قصة أم سليم أخرجه الطحاوي من طريقه، وقد روى هذه القصة طاوس عن ابن عباس متابعاً لعكرمة، أخرجه مسلم والنسائي والإسماعيلي من طريق الحسن بن مسلم عن طاوس: ((كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت: نفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها وَاخله؟ بالبيت، فقال ابن عباس: أما لا فسل فلانة الأنصارية، هل أمرها النبي قال: فرجع إليه، فقال: ما أراك إلا قد صدقت. وزاد في إسناد للإسماعيلي فقال ابن عباس: سل أم سليم وصواحبها هل أمرهن رسول الله وَ له بذلك؟ فسألهن فقلن: قد أمرنا رسول الله مَ ل بذلك، وقد عرف برواية عكرمة الماضية أن الأنصارية هي أم سليم. وأما صواحبها فلم أقف على تسمیتهن، انتهى . وما تقدم من شذوذ عباد بن العوام، تعقبه العيني (١) فقال: إسناده صحيح ورجاله ثقات، فما باله أن يكون شاذاً، وطريق قتادة لا تنافي أن تكون طريق غيره محفوظة، انتهى. وتعقب الزرقاني(٢) على قول ابن عبد البر إذ قال: وفي هذا كله تعقب على قول أبي عمر، لا أعرفه عن أم سليم إلا من هذا الوجه، ومن حديث هشام عن قتادة عن عكرمة أن أم سليم، فذكره (١) ((عمدة القاري)) (٣٨٦/٧). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٠/٢). ٤٤٦ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْمَرْأَةُ تَحِيضُ بِمِنيَ تُقِيمُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ، لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ذُلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَفَاضَتْ، فَحَاضَتْ بَعْدَ الإِفَاضَةِ، فَلْتَنْصَرِفْ إِلَى بَلَدِهَا، بمعناه، وهما منقطعان، والمحفوظ في هذا حديث أبي سلمة عن عائشة بقصة صفية، انتهى . فقال الزرقاني(١): وكون حديثه عن عائشة بذلك محفوظاً لا يمنع أنه روى حديث أم سليم، وأرسله كيف؟ ولم ينفرد به، بل وافقه عكرمة وطاوس في مسلم وغيره عن ابن عباس، فكيف لا يعرف ابن عبد البر ما في مسلم والنسائي، وهما في يده وقلبه، إن هذا لعجب، انتهى. (قال مالك: والمرأة) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ (التي) وليست الزيادة في المصرية(٢) (تحيض بمنى) يعني قبل طواف الإفاضة (تقيم) أي لا ترجع إلى بلدها (حتى تطوف بالبيت) للإفاضة (لا بُدَّ لها) أي لا فراق ولا محالة لها (من ذلك) لأن النبي و 8* قال لصفية: أحابستنا هي، ولأنه ركن للحج إجماعاً (وإن كانت قد أفاضت) أي طافت للإفاضة قبل الحيض، (فحاضت بعد الإفاضة، فلتنصرف إلى بلدها)، إن شاءت لسقوط طواف الوداع عنها، وبذلك قالت الحنفية. ففي ((موطأ محمد)) (٣) بعد ما أخرج حديث أم سليم وغيرها: قال محمد: وبهذا نأخذ أيما امرأة حاضت قبل أن تطوف يوم النحر طواف الزيارة، أو ولدت قبل ذلك، فلا تنفرنَّ حتى تطوف طوافَ الزيارة، وإن كانت قد طافت طواف الزيارة ثم حاضت أو ولدت، فلا بأس بأن تنفر قبل أن تطوف الصَّدَر، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨١/٢). (٢) وليست في ((الاستذكار)) (١٣ /٢٦٣) أيضاً. (٣) ((التعليق الممجد)) (٣٦٥/٢). ٤٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا فِي ذُلِكَ رُخْصَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وََّ لِلْخَائِضِ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. وتقدم في أول الباب أن ذلك قول جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم. (فإنه) الضمير للشأن (قد بلغنا في ذلك) الأمر (رخصة) فاعل بلغ (من رسول الله ﴿ للحائض) في حديث صفية، وما أذن به لأم سليم، قال الباجي(١): وسمي ذلك رخصة على عرف الفقهاء فيما أبيح لضرورة من جملة ممنوعة، فلما ورد الأمر في الحاج والمعتمر أن يكون آخر عهدهما الطواف بالبيت، واستثنى من ذلك الحائض سمي رخصة، انتهى. وفي ((البخاري)): عن طاوس: ((رخص)) بالبناء للمجهول، وفي (النسائي)): ((رخص رسول الله وَ ل للحائض أن تنفر إذا أفاضت)) (قال) أي طاوس: وسمعت ابن عمر - رضي الله عنهما - يقول: لا تنفر، ثم سمعته يقول بعد: ((أن النبي (وَلّ رخص لهن))، وهذا من مراسيل الصحابة. وكذا ما رواه النسائي والترمذي، وصححه هو والحاكم عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: من حج فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحُيَّضَ، رخص لهن رسول الله صل*، فإن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم يسمعه من النبي ◌ُّر، فللنسائي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس أن ابن عمر كان يقول قريباً من سنتين: الحائض لا تنفر حتى يكون آخر عهدها بالبيت، ثم قال بعد أن رخص للنساء. وله وللطحاوي بطريق الزهري عن طاوس أنه سمع ابن عمر - رضي الله عنه - يسأل عن النساء إذا حضن قبل النفر، وقد أفضن يوم النحر فقال: إن عائشة كانت تذكر من رسول الله و لو رخصة لهن، وذلك قبل موت ابن عمر - رضي الله عنهما - بعام. (١) ((المنتقى)) (٦٣/٣). ٤٤٨ --- ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث قَالَ: وَإِنْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ بِمِنِىَ، قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ، فَإِنْ كَرَبَهَا، ولابن أبي شيبة: أن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يقيم على الحائض سبعة أيام حتى تطوف طواف الوداع، قال الشافعي: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - سمع الأمر بالوداع، ولم يسمع الرخصة، ثم بلغته فعمل بها، قاله الزرقاني(١)، وفي ((المحلى)): قال الخطابي: هذا على سبيل الاختيار في الحائض إذا كان في الوقت مهلة، فأما إذا أعجلها السير، كان لها أن تنفر من غیر وداع، انتهى. (قال) مالك: (وإن حاضت المرأة بمنى) أو ولدت (قبل أن تفيض) أي قبل طواف الإفاضة (فإن كريّها) بالمثناة التحتية في جميع النسخ المصرية، وعليه بنى شرحه(٢) الباجي وغيره، وهو الأوجه عندي، وفي أكثر النسخ الهندية بالموحدة (٣)، وكتب بين سطور الكتاب في نسخة هندية قديمة الكُرُّ ((بازكَشتن))، فمعناه على هذا التفسير: إن رجع بها الدم مرة أخرى، ويؤيد هذه النسخة ما في نسخة أخرى مكتوبة بدل هذه اللفظة فإن استمر بها الدم، ومعنى الكلام على هاتين النسختين أن المستحاضة تحبس أكثر أيام الحيض، إن لم تطف طواف الإفاضة. لكن الأوجه عندي النسخ المصرية بلفظ: ((الكريّ)) على زنة الصبي، والمسألة من باب الإجارة، ووجه الأوجهية أن في ((المدونة)) وغيرها ذكر هاهنا مسألة الكريّ أيضاً، وأيضاً بنى على ذلك الباجي شرحه، وأيضاً على النسخ الهندية يحتاج قوله: تحبس عليه إلى التأويل، بخلاف النسخ المصرية، فسياقها بلفظ: ((يحبس عليها))، لا يحتاج إلى التأويل، لأن ضميره الذي هو نائب الفاعل يرجع إلى الكري بلا تأمل، والكري بوزن الصبي، هو من يكري دابته، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨١/٢). (٢) انظر: ((المنتقى)) (٦٣/٣). (٣) وكذا في نسخة ف. ٤٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث يُخْبَسُ عَلَيْهَا، أَكْثَرَ مِمَّا يَحْبِسُ النِّسَاءَ الدَّمُ. وقد يقع على المكتري فعيل بمعنى مفعول، كذا في ((المجمع))(١). (يحبس) ببناء المذكر في النسخ المصرية، فالضمير إلى الكري، وهو الأوجه، وببناء المؤنث في النسخ الهندية فالضمير إلى المرأة (عليها) أي على المرأة أو على نفسها (أكثر مما) وفي النسخ الهندية أكثر ما (يحبس النساء) بالنصب مفعول يحبس (الدم) بالرفع فاعله. قال الزرقاني(٢): وهو نصف شهر في الحيض، واستشكله ابن المواز، بأن فيه تعرضاً للفساد كقطع الطريق، وأجابه عياض بأن محل ذلك مع أمن الطريق، كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم، وروى البزار وغيره عن جابر والثقفي في ((فوائده)) عن أبي هريرة كلاهما مرفوعاً: أميران، وليسا بأميرين: المرأة تحج مع القوم، فتحيض قبل أن تطوف بالبيت طواف الزيارة، فليس لأصحابها أن ينفروا حتى يستأمروها، والرجل يتبع الجنازة فيصلي عليها، فليس له أن يرجع حتى يستأمر أهلها، لكن في إسناد كل منهما ضعفاً شديداً، انتهى. وقال العيني(٣) تحت حديث صفية: ومن فوائد الحديث ما قال القرطبي: قوله: ((حابستنا)) دليل أن الكريَّ يحبس على التي حاضت، ولم تطف طواف الإفاضة حتى تطهر، وهو قول مالك، وقال الشافعي: لا يحبس عليها كري، ولتكر حملها أو يحمل مكانها غيرها، وهذا كله في الأمن، ووجود ذي المحرم، وأما مع الخوف أو عدم ذي المحرم فلا تحبس باتفاق، إذ لا يمكن أن يسير بها وحدها، ويفسخ الكري، ولا يحبس عليها الرفقة، انتهى. قال الباجي(٤): إن حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض، فإن كريها يحبس (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣٥٨/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٠/٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٣٤٩/٧). (٤) ((المنتقى)) (٦٣/٣). ٤٥٠ ٢٠ - كتاب الحج (٧٥) باب (٩٢١) حديث عليها بقدر ما يحكم للمرأة بأنها حائض، فإذا حكم لها بالاستحاضة اغتسلت وطافت ورجعت، قال ابن وهب عن مالك: تقيم الحائض أكثر ما يحبس النساء الحيض، وتقيم النفساء أكثر ما يحبس النساء دمها، وقوله: ((فإن كريها يحبس عليها)) هذا مذهب مالك، سواء علم بحملها أو لم يعلم، وليس عليها أن تخبره بذلك. رواه أشهب عن مالك في ((العتبية)) و((الموازية)). وإذا ثبت أن الكري يحبس عليها: فقد قال مالك في ((العتبية)): لا أدري هل تعينه النفساء في العلف، وإذا ثبت ذلك فقد قال أبو بكر بن محمد: وقد قيل: إنها إنما يحبس عليها كريها إذا كان الأمن، وأما في هذا الوقت حيث لا يأمن في طريقه، فهي ضرورة ويفسخ الكراء. قال القاضي أبو الوليد: وجه ذلك عندي، أن وقت الأمن يجد الرفاق، ويمكنه إذا طهرت أن يدخل الطريق، ويسافر، وإذا كان الخوف لم يمكنه ذلك، ويحتاج أن ينتظر القوافل، والصحبة، فتلحقه المشقة، انتهى. وفي ((المدونة))(١): قلت لابن القاسم: ما قول مالك في امرأة طافت طواف الإفاضة، ثم حاضت، أتخرج من قبل أن تطوف طواف الوداع؟ قال: نعم، قلت: فإن كانت لم تطف للإفاضة أتخرج؟ قال مالك: لا تخرج حتى تطوف للإفاضة ويحبس عليها كريّها أقصى ما كان يمسك النساء الدم، ثم تستظهر بثلاث ولا يحبس عليها كريّها أكثر من ذلك، قال مالك: وفي النفساء أيضاً يحبس عليها كريّها أكثر ما يمسك النساء دم النفائس من غير سقم، ثم لا يحبس عليها بعد ذلك، إذا كانت لم تطف طواف الإفاضة، انتهى. وأما عند الحنفية: ففي ((شرح اللباب))(٢): عن أبي يوسف - رضي الله (١) (٣٦٥/١). (٢) (ص١٩٠). ٤٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث (٧٦) باب فدية ما أصيب من الطير والوحش ٢٣٠/٩٢٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضى فِي الصَّبُعِ عنه - في امرأة ولدت يوم النحر قبل أن تطوف، فأبى الجمّال أن يقيم معها، قال: هذا عذر من نقض الإجارة، ولو ولدت قبل ذلك، وبقي من مدة النفاس كمدة الحيض، وأقل أجبر الجَمّال على المقام معها، انتهى. (٧٦) فدية ما أصيب من الطير والوحش يعني بيان الأجزية التي تجب بقتل الطير أو الوحش المحرمين في الإحرام والحرم، وتقدم في أبواب الصيد أن لا تأثير للإحرام ولا الحرم في قتل شيء من الحيوان الأهلي؛ لأنه ليس بصيد وهو إجماع، وأجمعوا أيضاً على جواز صيد البحر، وحرمة صيد البر، واختلفوا فيما بينهم فيما يجب على من ارتكب صيد البر، وهو المقصود بالذكر هاهنا . ٢٣٠/٩٢٢ - (مالك، عن أبي الزبير المكي) محمد بن مسلم (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه منقطع، أسنده الشافعي عن مالك عن أبي الزبير عن جابر أن عمر - رضي الله عنه - ثم هو موقوف، ورفعه البيهقي وابن عدي ورواية الثقات الأثبات من قوله كمالك، كذا في ((المحلى)) (قضى في الضبع) بضم الباء لغةُ قيسٍ، وسكونها لغةُ تميم، وهي أنثى، وقيل: يقع على الذكر والأنثى، وربما قيل في الأنثى: ضبعة، بالهاء، والذكر ضبعان، والجمع ضباعين، ويجمع مضموم الباء على ضباع، وساكنها على أضبع، قاله الزرقاني، وفي ((لغات الصراح)): ضبع كفتار، هندطار، وهكذا فسره في ((المصفى)) (١) بكفتار، وفي ((المحيط)): كفتار بفتح كاف وسكون فاء اسم فارسي، وبعربي ضبع وحل، وجفار، وقشاح، وكنيته أم عامرة وأم ختور، (١) (٢٩٥/١). ٤٥٢ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث بِكَبْشٍ. وبسریاني بدنا، وبترکی دهلتو، وبهندي چرگ وچرخ، وزرخ، وهندگار حيوان کبیر کالذئب، انتهى. والمشهور على ألسنة المشايخ في ترجمته بجُو، وبه فسره صاحب ((نفائس اللغات))، وعَرَّبَ صاحبُ ((المحيط)) بجُّو بزبزب، وظاهر كلام الدميري أن الزبزب دُوَيْبَة غير معروفة كالسنَّور، ظهرت مرة ببغداد، وفي ((اللغات القطبية)): الضبع بضم الباء بجُو كفتار، وهكذا في ((كريم اللغات)). وقال الدميري(١): الضبع معروفة، ولا تقل: ضبعة لأن الذكر ضبعان، ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب تكون سنة ذكراً، وسنة أنثى، فتلقح في حال الذكورة، وتلد في حال الأنوثة، وهي مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنساناً نائماً حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه، فتقتله، وتشرب دمه، يحل أكله عند الشافعي وأحمد، ويكره عند مالك، ويحرم عند أبي حنيفة والثوري، انتهى. وفي حاشية ((الكوكب الدري))(٢): يحل أكله عند الشافعي وأحمد، وذهب الجمهور إلى التحريم لتحريم كل ذي ناب من السباع، انتهى. وقال الدردير (٣): المكروه سبع، وضبع إلى آخر ما بسطه (بكبش) قال الدميري: هو فحل الضأن في أيّ سن كان، وقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، والجمع أكبش وكباش، انتهى. وفي ((المحلى)): هو فحل الضأن في أي سن كان، والأنثى نعجة، وواجب الضبع عند الجمهور نعجة، لا كبش، انتهى. قال الموفق(٤): والمتلف من الصيد قسمان: أحدهما: ما قضت فيه (١) ((حياة الحيوان)) (٢/ ١١١). (٢) ((الكوكب الدري)) (١٠٩/٢). (٣) ((الشرح الكبير)) (١١٧/٢). (٤) ((المغني)) (٤٠٣/٥). ٤٥٣ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث الصحابة، فيجب فيه ما قضت، وبه قال عطاء والشافعي وإسحاق، وقال مالك: يستأنف الحكم فيه، والذي بلغنا قضاؤهم في الضبع كبش، قضى به عمر - رضي الله عنه - وعلي وجابر وابن عباس، وفيه عن جابر ((أن النبي وَّ جعل في الضبع يصيدها المحرم كبشا)) رواه أبو داود وابن ماجه، قال أحمد: ((حكم رسول الله وَّر في الضبع بكبش))، وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وقال الأوزاعي: إن كان العلماء بالشام يعدُّونها من السباع، : ويكرهون أكلها، وهو القياس إلا أن اتباع السنة والآثار أولى، انتهى. وتقدم الكلام على اتباع السلف، واستئناف الحكم في البحث الثاني من الأبحاث التي تحت قوله تعالى في آية الصيد: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ الآية، أما الضبع، فيجب فيه الكبش عند الأئمة الثلاثة، كما تقدم عن ((المغني))، وبه صرح أهل الفروع، ففي ((الروض المربع))(١): وفي الضبع كبش، وهكذا في ((مناسك النووي))، و(شرح الإقناع))، ونص الدردير(٢) على أن في الضبع شاة. وفي ((الهداية)) (٣): الجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف أن يقوّم الصيد في المكان الذي قتل فيه، أو في أقرب المواضع فيقومه ذوا عدل، ثم هو مخير في الفداء إن شاء اشترى به هدياً إن بلغته أو اشترى طعاماً وتصدق به، وإن شاء صام، وقال محمد والشافعي: يجب في الصيد النظير فيما له نظير، ففي الظبي شاة، وفي الضبع شاة؛ لأن الصحابة أوجبوا النظير من حيث الخلقة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((الضبع صيد، وفيه الشاة))، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أن المثل المطلق الواقع في الآية هو المثل صورةً ومعنىً، ولا يمكن الحمل عليه، فحمل على المثل معنى لكونه معهوداً في الشرع، كما في حقوق العباد، أو (١) (١/ ٤٩٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٨٢/٢). (٣) (١٦٥/١). ٤٥٤ -------- ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزِ، لكونه مراداً بالإجماع، أو لما فيه من التعميم، وفي ضده التخصيص، والمراد بما روي التقدیر به دون إيجاب المعین، انتهى. قلت: وتقدم البحث في ذلك في البحث الثاني من الأبحاث التي تحت قوله تعالى في آية الصيد: ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَثَلَ﴾ الآية. وسيأتي كلام الباجي في ذلك قريباً في آخر الأثر (وفي الغزال) قال الدميري(١): هو ولد الظبية إلى أن يقوي، ويطلع قرناه، انتهى. وفي ((مختار الصحاح)): هو الشادن حين يتحرك، انتهى. وقال المجد: الغزال، كسحاب، الشادن حين يتحرك، ويمشي، أو من حين يولد إلى أن يبلغ أشد الإحضار (بعنز) هو الأنثى من المعز، والجمع أعنز وعنز، قاله الدميري(٢)، وفي ((مختار الصحاح)): العنز الماعزة، وهي الأنثى من المعز، وقال الدميري أيضاً: في الغزال إذا قتله المحرم أو في الحرم عنزٌ، كذا في ((المحرر)) و((المنهاج)) و((التنبيه)) و((المناسك)) وغيرها. واستدلوا لذلك بقضاء الصحابة، والذي في ((زوائد الروضة)) وصححه في ((شرح المهذب)) تبعاً للإمام: أن الغزال اسم للصغير من ولد الظباء، ذكراً كان أو أنثى إلى أن يطلع قرناه. ثم الذكر ظبي، والأنثى ظبية، ففي الغزال ما في الصغار، فإن كان ذكراً فجدي، وإن كان أنثى فعناق، انتهى. وقال النووي في ((مناسكه))(٣): في الغزال عنز، قال ابن حجر: عبّر به الشافعي في عدة مواضع من ((الأم))، وأطبق عليه جمهور الأصحاب، ونقلوه عن قضاء الصحابة، قال الأوزاعي: ومراد الشافعي بالغزال أخذاً من كلامهم (١) ((حياة الحيوان)) (٢/ ٢٥١). (٢) ((حياة الحيوان)) (٢١٧/٢). (٣) (ص٤٧٩). ٤٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث الظبية الكبيرة، أي لأن الغزال صغير الظباء ما لم يطلع قرناه، ثم الأنثى ظبية، والذكر ظبي، والعنز أنثى التي لها سنة، والكبير لا يجزئ عن الصغير، وعكسه، فاحتيج إلى حمل كلامهم أن مرادهم بالغزال الظبي تسمية له باعتبار ما كان، وقول بعض المتأخرين إنَّ إيجاب عنز في الظبي غلط هو الغلط، لما صححه المصنف من جواز فداء الذكر بالأنثى وعكسه، ويدل له الحديث السابق. وكلام الشافعي والأصحاب إذ الغزال في عبارتهم يشمل الذكر والأنثى، وقد أوجبوا فيه عنزاً، وقول الجرجاني: يُضْمَنُ الظبي بكبش شاذّ، والإمامُ وَهِمَ، انتھی. ولم يذكر الموفق الغزال، نعم ذكر الظبي، فقال: وفي الظبي شاة، ثبت ذلك عن عمر - رضي الله عنه -، وروي عن علي وبه قال عطاء وعروة والشافعي وابن المنذر، ولا نحفظ عن غيرهم خلافهم، انتهى. وفي ((الروض المربع))(١): في الغزال عنز، روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه مَ ل قال: ((في الظبي شاة))، انتهى. ومقتضاه أن هذا الجنس في هذا الجنس، وتقدم في البحث الثالث من الأبحاث في تفسير آية الصيد في لفظ المثل أن الواجب في الكبير كبير، وفي الصغير صغير عندهم خلافاً لمالك، انتھی . وأخرج السيوطي في ((الدر))(٢) برواية ابن أبي شيبة وغيره قال: أوطأ أربد(٣) ظبياً فقتله وهو محرم فأتى عمر - رضي الله عنه - ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي، فحكما فيه جدياً قد جمع الماء والشجر، وبرواية ابن جرير (١) (٤٩٤/١). (٢) ((الدر المنثور)) (١٧٦/٣). (٣) قوله: ((أربد)) هو التميمي المفسر التابعي. ٤٥٦ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث وَفِي الأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وغيره عن أبي حريز البجلي، قال: أصبت ظبياً وأنا محرم فذكرت ذلك لعمر - رضي الله عنه - قال: ائتِ رجلين من إخوانك فليحكما عليك، فأتيت عبد الرحمن بن عوف وسعداً فحكما عليّ تَيْساً أعفر (١). قال الباجي(٢): إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قضى في الضبع بكبش على معنَى أنه عدل له من النعم، وأشبه النعم به قدراً، وقضى في الغزال بعنز على ذلك المعنى أيضاً؛ لأن العنز أشبه النعم بالغزال، وأقربها قدراً إليه، والكبش والعنز مما يصح أن يهدى، فجاز أن يكونا عوضاً عن الضبع، والغزال يهدى كل واحد منهما جزاءً عن إصابة نظيره من الصيد، انتهى. (وفي الأرنب) بفتح همزة وسكون راء مهملة وفتح نون، معرب أرنباً، لفظ سرياني، ويقال له بالهندية: ((خركوش)) كذا في ((المحيط الأعظم)). وقال الدميري(٣): هو واحدة الأرانب حيوانٌ يشبه العناق، قصير اليدين، طويل الرجلين، اسم جنس يطلق على الذكر والأنثى، وتكون عاماً ذكراً وعاماً أنثى، فسبحان القادر على كل شيء، يحل أكله عند العلماء كافة إلا ما حكي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي وابن أبي ليلى أنهما كرها أكلها، انتهى. (بعناق) بفتح العين المهملة والنون أنثى المعز قبل كمال حول، قاله (٤) قال الموفق(٥): في الأرنب عناق قضى به عمر - رضي الله عنه -، وبه الزرقاني (٤). (١) أعفر: الظبي يعلو بياضه حمرة. (٢) ((المنتقى) (٦٣/٣). (٣) ((حياة الحيوان)) (٣٦/١). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٨١/٢). (٥) ((المغني)) (٤٠٤/٥). ٤٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث وَفِي الْيَرْبُوعِ قال الشافعي، وقال ابن عباس: فيه حمل، وقال عطاء: فيه شاة وقضاء عمر - رضي الله عنه - أولى، والعناق الأنثى من ولد المعز في أول سنة، والذكر جدي، انتھی. وجزم النووي في ((مناسكه)) (١) في الأرنب بعناق، قال ابن حجر: فسر في ((الروضة)) العناق بأنثى المعز من حين تولد حتى ترعى، وذلك مقدر بأربعة أشهر، لكن في ((المجموع)) وغيره عن أهل اللغة إطلاق ذلك عليها ما لم تستكمل سنة، والظاهر أنه لا منافاة بينهما؛ لأن ما قاله الشيخان بيان لأقل ما يجزئ عن الأرنب، وإن أوهمت العبارة عند عدم تأملها خلافه، انتهى. وسيأتي كلام الباجي قريباً . وأخرج السيوطي في (الدر))(٢): عن مقاتل بن حيان ما كان من صيد البر مما ليس له قرنٌ الحمار والنعامة، فجزاؤه من البدن، وما كان من ذوات القرون فجزاؤه من البقر، وما كان من الظباء ففيه من الغنم، وفي الأرنب ثنية من الغنم، وفي اليربوع برق، وهو الحمل، وما كان من حمامة أو نحوها من الطير، ففيها شاة، وما كان من جرادة أو نحوها، ففيها قبضة من طعام، وأخرج نحو ذلك عن الضحاك بن مزاحم. إلا أنه قال: وما كان من طير، ففيه أن يقوَّم، ويتصدق بثمنه، وإن شاء صام لكل نصف صاع يوماً . وأخرج برواية ابن أبي شيبة عن جابر: أن عمر - رضي الله عنه - قضى في الأرنب جفرة. (وفي اليربوع) - بفتح المثناة التحتية وسكون راء مهملة وضم موحدة آخره عين مهملة - يقال له بالفارسية: ((كَوشت پشت، وموش دشتي)) وقال صاحب ((المخزن)): يقال له بالهندية: (كَهونس))، وتعقبه صاحب (١) (ص٤٧٩). (٢) ((الدر المنثور)) (١٧٣/٣). ٤٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث بِجَفْرَةٍ . ((المحيط)) فقال: ليس كذلك، بل هو دُوَيْبة يشبه الفأرة إلا أن ذنبها طويل، يُشْبِهُ ذنب السنور، ورجلاه أطول من يديه، ولونه كلون الغزال، انتهى. معرباً . ولم يجزم في ((اللغات القطبية)) بشيء، بل قال: ((جنكلي چوها يا كَهونس))، وبالأول جزم صاحب ((لغات الصراح))، ويؤيده أيضاً أن صاحب ((نفائس اللغات)) عَرَّبَ ((كَهونس)) بـ بلكثة بفتح موحدة وسكون لام وفتح كاف ومثلثة، وعَرَّبَ ((موش دشتي)) بـ يربوع، قال الزرقاني: دويبة نحو الفأرة لكن ذنبه وأذناه أطول منها، ورجلاه أطول من يديه، عكس الزرافة، والعامة تقول: ((جربوع)) بجيم، انتهى. وقال الدميري(١): اليربوع بالفتح، ويسمى الدرص، وذا الرميح حيوان طويل الرجلين، قصير اليدين جداً، وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعداً في طرفه شبه النوارة ليسكن بطن الأرض لتقوم رطوبتُها له مقام الماء، ويؤثر النسيم ويكره البحار، يتخذ جحره في نشر من الأرض ثم يحفر بيته في مهب الرياح الأربع، ويتخذ فيه كُوَّىَّ، فإذا طلب من إحدى هذه الكُوّى خرج من الأخرى. وله كرش، وأسنان وأضراس في الفك الأعلى والأسفل، قال الجاحظ والقزويني: اليربوع من نوع الفأر، وحكمه أن يحل أكله أي عند الشافعية، وبه قال عطاء وأحمد وابن المنذر وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: لا يؤكل؛ لأنه من الحشرات، انتهى. قلت: وبالأول قال مالك، فقد عده الدردير في جملة المباح، وصرح صاحب (الدر المختار)) بأنه لا يحل. (بجفرة) بجيم مفتوحة وفاء ساكنة، الأنثى من ولد الضأن، وقيل: منه (١) ((حياة الحيوان)) (٥٥٨/٢). ٤٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٧٦) باب (٩٢٢) حديث ومن المعز جميعاً، وقيل: من المعز فقط، قاله الزرقاني(١)، وقال الدميري(٢): بفتح الجيم ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز، وفصلت عن أمها، ويفدى بها اليربوع إذا قتله المحرم، انتهى. وبه جزم النووي في ((مناسكه))(٣). قال ابن حجر: فسر في ((الروضة)) الجفرة بأنثى المعز تفصل عن أمها، فتأخذ في الرعي، وذلك بعد أربعة أشهر، ثم قال: يجب أن يراد بالجفرة هاهنا ما دون العناق، فإن الأرنب خير من اليربوع، وهو ظاهر بناء على ما فسر به في ((الروضة)) العناق والجفرة إذ مقتضاه على ما قررته إذا تأملته اتحادهما، فمن اعترضه بأنه يقتضي أن الواجب في اليربوع غير جفرة؛ لأنها بمقتضى التفسير المذكور أي في ((الروضة)) إنما تكون بعد سن العناق. وذلك يخالف الدليل والمنقول، فقد غفل عما ذكرته، وقول ابن عجيل: يجب في اليربوع الصغير القيمة مردودٌ بما ثبت في محله من أنه يجب في الصغير صغير، فيجب هاهنا جدي على حسب جسمه، انتهى. وقال الموفق(٤): في اليربوع جفرة، قال ذلك عمر - رضي الله عنه - وروي ذلك عن ابن مسعود، وبه قال عطاء والشافعي وأبو ثور، وقال النخعي: فيه ثمنه، وقال مالك: قيمته طعاماً، وقال عمرو بن دينار: ما سمعنا أن الضب والیربوع یؤذیان، انتهى. قال الزرقاني(٥): قال مالك: ليس العمل عندنا على قوله في الأرنب (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٨١/٢). (٢) ((حياة الحيوان)) (٢٨٣/١). (٣) (ص٤٧٩). (٤) ((المغني)) (٤٠٤/٥). (٥) ((شرح الزرقاني)) (٣٨٢/٢). ٤٦٠ .----