النص المفهرس
صفحات 401-420
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
عمرتها أو انتقلت إلى الإفراد وأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وهل
العمرة التي أتت بها من التنعيم كانت واجبة أم لا؟
واختلف الفقهاء في مسألة مبنية على قصة عائشة - رضي الله عنها -،
وهي أن المرأة إذا أحرمت بالعمرة، فحاضت، ولم يمكنها الطواف قبل
التعريف، فهل ترفض الإحرام بالعمرة وتهل بالحج مفرداً، أو تدخل الحج على
العمرة وتصير قارنة؟ فقال بالقول الأول فقهاء الكوفة، منهم أبو حنيفة وأصحابه
- رحمهم الله - وبالثاني فقهاء الحجاز، منهم الشافعي ومالك ـ رحمهما الله -
وهو مذهب أهل الحديث، كالإمام أحمد وأتباعه، انتهى.
وقال الأبي في ((الإكمال))(١): أما إحرامها في نفسها فاختلفت الروايات في
ذلك، ففي رواية عروة عنها: ((أهللنا بعمرة))، وفي رواية القاسم عنها: ((لبينا
بالحج)) وفي روايته الأخرى عنها: ((لا نعرف إلا الحج))، وهذا كله صريح أنها
أهلت بالحج، وفي رواية الأسود: ((ملبين لا نذكر حجاً ولا عمرة)).
واختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة - رضي الله عنها -، فقال
مالك: ليس العمل على حديثها قديماً ولا حديثاً، وقال إسماعيل القاضي: إنها
كانت مهلّة بالحج؛ لأنها رواية الأكثر عن عمرة، والقاسم، والأسود، وغلطوا
رواية عروة، ورجحوا ذلك أيضاً بأن عروة قال في رواية حماد: حدثني غير
واحد أن النبي ◌َّم قال لها: ((دعي عمرتك))، فقد بان أنه لم يسمع الحديث
منها، ولا بيان فيه، لاحتمال أنها أحد(٢) من حدَّثه ذلك، قالوا: وأيضاً فإن
رواية عمرة والقاسم ساقت عمل عائشة في الحج من أوله إلى آخره، ولذا قال
القاسم من رواية عمرة: نبأتك بالحديث على وجهه، انتهى.
(١) (٣٢٤/٣).
(٢) كذا في الأصل، اهـ (ز)).
٤٠١
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
وهو متعقب بما في ((الفتح))(١) إذ قال: ادعى إسماعيل القاضي وغيره أن
هذا غلط من عروة، وتُعُقِّب بأن قول عروة عنها: ((أنها أهلت بعمرة)) صريح،
وأما قول الأسود وغيره عنها: ((لا نرى إلا الحج)) فليس صريحاً في إهلالها
بالحج مفرداً، فالجمع بينهما بأن المذكور في حديثهم ما كانوا يعهدون من ترك
الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلا الحج، ثم بَيَّنَ لهم النبي ◌َّ
وجوه الإحرام، فهو من غير تغليط عروة، وهو أعلم الناس بحديثها، وقد وافقه
جابر بن عبد الله الصحابي، كما أخرجه مسلم عنه، وكذا روى طاوس ومجاهد
عن عائشة رضي الله عنها، انتهى.
قلت: وقد أخرج هذه الروايات كلها مسلم في ((صحيحه))، وفيها تصريح
باعتمار عائشة، فرواية هؤلاء وهي جماعة، ورواياتها صريحة في الاعتمار
أولى من روايات القاسم وغيره المحتملة المجملة. وقال الحافظ وتبعه غيره:
إنه يحتمل في الجمع أيضاً أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفرداً. كما فعل
غيرها من الصحابة، وعلى هذا ينزل حديث الأسود ومن تبعه، ثم أمر النبي وَل
أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متعة،
وعلى هذا ينزل حديث عروة، ((ثم لما دخلت مكة وهي حائض فلم تقدر على
الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج))، انتهى.
قلت: وإلى هذا الجمع مال النووي والأبي وغيرهما، لكنه بعيد بوجوه.
الأول: يأبى عنه ألفاظ روايات عروة التي احتاجوا إلى هذا الجمع
لأجلها، فإنها صريحة في أنها لم تهلل أولًا بغير العمرة، فلفظ البخاري من
رواية عقيل عن الزهري عن عروة عن عائشة: ((خرجنا مع النبي ◌ُّ في حجة
الوداع فمنا من أهلّ بعمرة ومنا من أهل بحج))، الحديث. وفيه: ((ولم أهلل إلا
(١) ((فتح الباري)) (٦٠٩/٣).
٤٠٢
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
بعمرة فأمرني النبي ◌َلّ أن أنقض رأسي وأهلّ بالحج وأترك العمرة، ففعلت
ذلك))، الحديث. فهذا نص في أنها لم تحرم إلا بعمرة.
والثاني: يأبى عنه هذا التقسيم الوارد في الأحاديث الكثيرة، ففي
البخاري أيضاً برواية أبي أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة ((خرجنا موافين
لهلال ذي الحجة قال ◌َّلة: من أحب أن يهل بعمرة فليهل. فأهل بعضهم
بعمرة، وأهل بعضهم بحج، وكنت ممن أهل بعمرة))، الحديث(١).
وقد ورد هذا اللفظ في عدة روايات من الصحاح، فإن كان المراد
إهلالها بالعمرة بعد الفسخ، فكيف يصح تقابله بمن أهل بحج؟ وأوضح منه
لفظ حديث جابر عند مسلم (٢) قال: ((أقبلنا مهلين مع رسول الله وَ ل بحج
مفرد، وأقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف، عُرَكَتْ(٣) حتى إذا قدمنا
طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله وَ﴾ أن يحلّ منا من لم يكن
معه هدي))، الحدیث.
والثالث: أن المهلين بالحج فسخوا إحرامهم بأفعال العمرة، وعائشة
- رضي الله عنها - كانت حائضاً فكيف فسخت إحرامها، فالصواب الذي لا
معدل عنه أنها - رضي الله عنها - كانت معتمرة ابتداء، كما قال به الجمهور مع
الاختلاف بينهم، كما سيأتي في أنها فسخت العمرة أو قرنتها مع الحج.
وحقق ذلك الشيخ ابن القيم في ((الهدي)) (٤)، إذ قال: اختلف الناس فيما
أحرمت به عائشة أولًا على قولين:
(١) أخرجه البخاري (٣١٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٢١٣).
(٣) قوله: عَرَكت، معناه: حاضت.
(٤) ((زاد المعاد)) (١٥٩/٢).
٤٠٣
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
أحدهما: أنه عمرة مفردة، وهذا هو الصواب لما ذكرنا من الأحاديث،
وفي الصحيح عنها: ((خرجنا مع رسول الله وَّر وكان من القوم من أهلَّ بعمرة،
ومنهم من أهلّ بالحج، فكنت أنا ممن أهل بعمرة))، وذكرت الحديث، وقوله
في الحديث: ((دعي العمرة وأهلي بالحج قاله لها بسرف)) وهو صريح في أن
إحرامها كان بعمرة.
القول الثاني: أنها أحرمت أولًا بالحج وكانت مفردة، قال ابن عبد البر:
روى القاسم والأسود وعمرة كلهم عن عائشة - رضي الله عنها - ما يدل على
أنها كانت محرمة بالحج لا بعمرة، قال: وغَلَّطوا عروة في قوله عنها: ((كنت
ممن أهل بعمرة)) قال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء يعني الأسود
وعمرة والقاسم على الروايات التي ذكرنا، فعُلِمَ بذلك أن الروايات التي رويت
عن عروة غلط.
قال ابن القيم: ومن العجب ردّ هذه النصوص الصحيحة الصريحة التي لا
مدفع لها ولا مطعن فيها، ولا تحتمل تأويلا البتة بلفظ مجمل، ليس ظاهراً في
أنها كانت مفردة، فإن غاية ما احتجّ به من زعم أنها كانت مفردة، قولُها: ((لا
نرى إلا أنّه الحج))، فيا لله العجب! أيظن بالمتمتع أنه خرج لغير الحج، بل
خرج للحج متمتعاً، كما أن المغتسل بالجنابة إذا بدأ فتوضأ لا يمتنع أن يقول:
خرجت لغسل الجنابة؟ وصدقت أم المؤمنين إذ كانت لا ترى إلا أنه الحجّ
حتى أحرمت بعمرة بأمره ◌َّر وكلاهما يصدق بعضه بعضاً.
وأما قولها: (لَبَّيْنا بالحج)) فقد قال جابرٌ عنها في «الصحيحين)»: أنها
أهلت بعمرة، وكذا طاووس عنها في ((صحيح مسلم))، وكذلك قال مجاهد
عنها، فلو تعارضت الروايات عنها، فرواية الصحابة عنها أولى أن يؤخذ من
رواية التابعين، كيف ولا تعارض في ذلك البتة، فإن القائل: فعلنا كذا، يصدق
ذلك منه بفعله، وفعل أصحابه.
٤٠٤
-----
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ
الْعُمْرَةِ،
ومن العجب أنهم يقولون في قول ابن عمر: تمتَّعَ رسول اللهِ وََّ، معناه:
تمتع أصحابه، فهلا قلتم في قول عائشة: ((لبينا بالحج)) أن المراد جنس
الصحابة الذين لبوا بالحج، ويتعين قطعاً - إن لم تكن هذه الرواية غلطاً - أن
تحمل على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة أنها كانت أحرمت بعمرة،
وكيف يُنسب عروة في ذلك إلى الغلط، وهو أعلم الناس بحديثها، وكان يسمع
منها مشافهة بلا واسطة.
وأما قوله في رواية حماد بن زيد: حدثني غير واحد أن رسول الله وَ له
قال لها: ((دعي عُمْرتك)) فهذا إنما يحتاج إلى تعليله وردِّه إذا خالف الروايات
الثابتة عنها، فأما إذا وافقها وصدقها وشهد لها أنها أحرمت بعمرة، فهذا يدل
على أنه محفوظ مع أن حماد بن زيد انفرد بهذه الرواية المعللة، وهي قوله:
فحدثني غير واحد، وخالفه جماعة، فرووه متصلًا عن عروة عن عائشة
- رضي الله عنها - فلو قدر التعارض فالأكثرون أولى بالصواب، فيا لله العجب!
كيف يكون تغليط أعلم الناس بحديثها، وهو عروة سائغاً بلفظ مجمل محتمل،
ويُقضى به على النص الصحيح الصريح الذي شهد له سياقُ القصة من وجوه
متعددة إلى آخر ما ذكره.
(ثم قال رسول الله(18) لما دنونا من مكة أو بعد فراغهم من الطواف
والسعي، أو في كلا الموضعين، كما تقدم في النحر في الحج (من كان معه
هدي فليهلل) أي ليحرم (بالحج مع العمرة) ولا يحل من عمرته.
قال الباجي(١): هذا يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون رسول الله الخيل
قال ذلك عند الإهلال بالإحرام والدخول فيه، فقال: من كان معه هدي فلا
(١) ((المنتقى)) (٥٧/٣).
٤٠٥
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعاً)).
عليه أن يقرن إن شاء، ويكون معنى ((من كان معه هدى)) أحد وجهين،
أحدهما: من كان معه الآن، وهو يريد أن يقلده ويشعره، والثاني: من وجد
ثمنه وأمكنه. ويكون فائدة ذلك الحض على الحج من ذلك العام.
والمعنى الثاني أن يكون النبي لم أمر ذلك بعد الإحرام بالعمرة وبعد
تقليد الهدي وإشعاره على أن ينحر بمنى في حجتهم، وأن يحل من عمرته عند
وصوله إلى مكة، ثم يبقى حلالاً، فأمرهم النبي ◌َّ أن يردفوا الحج على
العمرة ويعودوا قارنين، ومعنى ذلك المنع من التحلل مع بقاء الهدي، وذلك
ممنوع لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ الآية. وقوله في حديث حفصة
المتقدم: ((إني لَبَّدْت رأسي، وقلدت هديي))، الحديث. ومقتضى ذلك أن
النبي ◌َّ قال ذلك فيه وقت يمكن فيه إرداف الحج على العمرة، انتهى.
قلت: وتقدم وقت الإرداف في أول القران، وما ذكر الباجي من
الاحتمالات ممكن في قوله ولم بسرف، لكن لا يصح شيء منها في قوله الذي
قال عند المروة بعد فراغهم من الطواف والسعي، فلا يصح فيه إلا منعهم عن
التحلل للهدي.
(ثم لا يحل) من إحرامه (حتى يحل) بالحاء المهملة فيهما (منهما) أي من
إحرام الحج والعمرة (جميعاً). وقال الزرقاني: (١) فيه دلالة على أن السبب في
بقاء من ساق الهدي، على إحرامه أنه أدخل الحج على العمرة لا مجرد سوق
الهدي، كما يقوله أبو حنيفة وأحمد وجماعة متمسكين برواية عقيل عن الزهري
في (الصحيحين)) قال وَل﴾: ((من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة
وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أحرم بحج فليتم حجه))، وهي ظاهرة
في الدلالة لمذهبهم. وقال مالك والشافعي وجماعة: يحلّ بتمام العمرة، قياساً
على الإجماع على من لم يسق الهدي.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٣٧٤).
٤٠٦
--
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
وأجابوا عن هذه الرواية بأن فيها حذفاً بينتها رواية مالك هذه، وتقديره:
من أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج، وحينئذٍ فلا يحل حتى ينحر هديه، وهذا
التأويل متعين؛ لأن فيه جمعاً بين الروايتين؛ لأن القصة واحدة، والمخرج
واحد وهو عائشة، انتهى.
وأنت خبير بأن التأويل بعيد جداً لا يقبله المخالف أصلًا، فإن سائق
الهدي لما كان له جائزاً أن يحل من عمرته عندهم، فأي فاقة له أن يهل بالحج
إذ ذاك، وأيضاً فإن الحكم لما كان عندهم في سائق الهدي وغيره سواء، فأي
ضرورة دعت النبي 18ّ في التفريق بينهما بقوله: ((من أحرم بعمرة وأهدى
فليفعل كذا، ومن لم يهد فليفعل كذا)).
ويأبى عن هذا التأويل أيضاً ما في البخاري من رواية أفلح عن القاسم
عن عائشة بلفظ، فقال عليه السلام: ((من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها
عمرة، فليفعل، ومن كان معه هدي فلا))، وأيضاً ما في ((البخاري)) برواية جرير
عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة بلفظ: (فلما قدمنا تطوفنا
بالبيت، فأمر النبي وَلّل من لم يكن ساق الهدي أن يحل، فحل من لم يكن
ساق الهدي، ونساؤه لم يسقن فأحللن)).
فهذه الروايات كلها صريحة في أن المدار على سوق الهدي، ولذا أقر
الحافظ ابن حجر الشافعي بأن الروايات في ذلك متظافرة، وقال الموفق، بأن
الروايات كثيرة كما تقدم قبيل ((باب قطع التلبية)). قال الشوكاني(١) بعدما استدل
للجمهور بما في البخاري من حديث عائشة بلفظ: ((من أحرم بعمرة فأهدى فلا
يحل حتى ينحر)): تأوّل ذلك المالكية والشافعية على أن معناه: من أحرم بعمرة
فأهدى فأهل بالحج، فلا يحل حتى ينحر هديه، ولا يخفى ما فيه من التعسف،
انتھی .
(١) ((نيل الأوطار)) (٤٠٥/٣).
٤٠٧
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
قَالَتْ: فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطْفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ .
وقال الأبي في ((الإكمال))(١): وجوابنا عن الحديث أنه يحتمل أن يكون
أمرهم بذلك عند الإحرام، فيكونون قارنين، فلا يكون فيه حُجَّةٌ، أو قاله لهم
بعد إحرامهم بالعمرة المفردة، فيكون إردافاً، والإرداف القران، انتهى.
قلت: لكن ثبت كما تقدم في النحر في الحج أنه وَلّ قال لهم بسرف،
وقال لهم أيضاً عند المروة بعد فراغهم من الطواف والسعي، فالتوجيه يتمشى
في الأول دون الثاني.
(قالت عائشة) - رضي الله عنها -: (فقدمت مكة) أي دخلتها مع النبي ◌َيّر
صبحة الأحد رابع ذي الحجة (وأنا حائض) جملة اسمية وقعت حالا، وكان
بدء حيضها بسرف، كما صح عنها، وذلك يوم السبت لثلاث خلون من ذي
الحجة. قال ابن القيم في ((الهدي))(٢): أما موضع حيضها فهو بسرف بلا
ريب، وموضع طهرها قد اختلف فيه، انتهى. قلت: وسيأتي بيان الاختلاف في
طهرها قبيل إفاضة الحج.
(فلم أطف بالبيت) بزيادة الباء الجارة على البيت في النسخ المصرية وفي
الهندية بدونها، ولم تطف به؛ لأن الطهارة شرط للطواف أو واجب، ولأن
الطواف في المسجد والحائض ممنوع عن الدخول فيه (ولا بين الصفا والمروة)
لأن شرطه تقديم الطواف كما تقدم مفصلًا في ((باب ما تفعل الحائض في
الحج)) قال الطيبي: قوله: ((ولا بين الصفا)) عطف على المنفي قبله، على تقدير
ولم أسمع نحو ... ع ((علفتها تبناً وماءً بارداً)).
ويجوز أن يقدر ولم أطف على المجاز لما في الحديث، وطاف بين
(١) (٣٢٥/٣).
(٢) ((زاد المعاد)) (١٦٤/٢).
٤٠٨
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حدیث
فَشَكَوْتُ ذُلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ،
وَامْتَشِطِي،
الصفا والمروة سبعة أشواط، وإنما ذهب إلى التقدير دون الانسحاب؛ لئلا يلزم
استعمال اللفظ الواحد حقيقة ومجازاً في حالة واحدة، أي لأن حقيقة الطواف
الشرعي لم توجد؛ لأنها الطواف بالبيت، وأجيب أيضاً بأنه سمي السعي طوافاً
على حقيقته اللغوية، فالطواف لغةً المشي، قاله الزرقاني(١).
(فشكوت ذلك) أي امتناعي عن الطواف والسعي (إلى رسول الله (وَلا) لما
دخل عليها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: لا أصلي، كما في روايات
عنها كَنَّتْ بذلك عن الحيض، وهي من لطيف الكنايات، واختلفت الروايات
في موضع شكواها ووقته، قال الزرقاني تبعاً للحافظ: وفي مسلم عن جابر أن
دخوله 8# عليها وشكواها كان يوم التروية، انتهى.
قلت: وهو كذلك عند مسلم برواية أبي الزبير عن جابر ولفظها ((ثم أهللنا
يوم التروية ثم دخل رسول الله ﴿ على عائشة، فوجدها تبكي، فقال: ما
شأنك؟ قالت: إني حِضْت، وقد حلَّ الناس، ولم أحلل، ولم أطف بالبيت
والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال: إن هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم))،
الحديث. وفيه أيضاً بطريق عروة عنها: ((فلم أزل حائضاً حتى كان يوم عرفة،
ولم أهلل إلا بعمرة فأمرني رسول الله ﴿ ﴿ أن أنقض رأسي))، الحديث. وفي
رواية: ((فحضت فلما دخلت ليلة عرفة قلت: يا رسول الله! إني كنت أهللت
بعمرة))، الحديث. وجزم ابن القيم أنه وّليّ قاله لها بسرف، انتهى.
(فقال) وَ﴾: (انقضي) بضم القاف وكسر الضاد المعجمة (رأسك) أي
حلّي ضفر شعره (وامتشطي) أي سرحيه بالمشط، قال الخطابي: استشكل بعض
أهل العلم أمره لها بنقض رأسها ثم بالامتشاط. وكان الشافعي يتأوّله على أنه
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/٢).
٤٠٩
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ))
أمرها أن تدع العمرة، وتدخل عليها الحج فتصير قارنة، قال: وهذا لا يشاكل
القصة .
وقيل: إن مذهبها أن المعتمر إذا دخل مكة استباح ما يستبيحه الحاج إذا
رمى الجمرة. قال: وهذا لا يعلم وجهه، وقيل: كانت مضطرةً إلى ذلك،
قال: ويحتمل أن يكون نقض رأسها كان لأجل الغسل، لتهلّ بالحج، لا سيما
إن كانت ملبِّدَة، فتحتاج إلى نقض الضفر، وأما الامتشاط فلعل المراد به
تسريحها شعرها بأصابعها برفق حتى لا يسقط منه شيء، ثم تضفره كما كان،
قاله الحافظ في ((الفتح))(١).
(وأهِلَّي) أي أحرمي (بالحج ودعي) أي اتركي (العمرة) قال الزرقاني(٢):
ظاهره أنه أمرها أن تجعل عمرتها حجاً، ولذا قالت: يرجع الناس بحج وعمرة
وأرجع بحج، فأعمرها من التنعيم، واستشكل إذا العمرة لا ترتفض كالحج.
وقال مالك: ليس العمل على هذا الحديث قديماً ولا حديثاً. قال ابن عبد البر:
ليس العمل عليه في رفض العمرة وجعلها، حجاً، بخلاف جعل الحج عمرة،
فإنه وقع للصحابة، واختلف في جوازه من بعدهم، انتهى.
قلت: ولم تحصل ما أفاده هذه الأجلَّة الكبار، فإن ظاهره ليس أن تجعل
العمرة حجاً، بل نصه أن ترفض العمرة وتجدد إحراماً للحج، كما هو نص
قوله: ((أهلي بالحج))، ولم يأمرها النبي ◌َّ أن تجعلها حجاً.
وقال ابن القيم(٣): أما قوله: ((انقضي رأسك وامتشطي)) فهذا مما أعضل
على الناس، ولهم فيه أربعة مسالك.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤١٦/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/٢).
(٣) ((زاد المعاد)) (١٥٨/٢).
٤١٠
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
أحدها: أنه دليل على رفض العمرة، كما قالت الحنفية.
المسلك الثاني: أنه دليل على أنه يجوز للمحرم أن يمشط رأسه، ولا
دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع على منعه من ذلك ولا تحريمه، وهذا قول
ابن حزم وغيره.
المسلك الثالث: تعليل هذه اللفظة، وردّها بأن عروة انفرد بها، وخالف
بها سائر الرواة، وقد روى حديثها طاوس والقاسم والأسود وغيرهم، ولم
يذكر أحد منهم هذه اللفظة كما تقدم مبسوطاً .
المسلك الرابع: أن قوله: ((دعي العمرة)) أي دعيها، بحالها لا تخرجي
منها، وليس المراد تركها، قالوا: ويدل عليها وجهان، أحدهما: قوله: ((يسعك
طوافك لحجك وعمرتك)). الثاني: قوله: ((كوني في عمرتك)) قالوا: وهذا أولى
من حمله على رفضها لسلامته من التناقض، انتهى. وسيأتي قريباً أنه قال
للمسلك الثالث: إنه أضعف المسالك، وعلم مما سبق أن مسالك الأئمة
الأربعة دائرة في المسلكين الأول والرابع.
وبه جزم الموفق (١) إذ قال: إن المتمتعة إذا حاضت قبل الطواف للعمرة،
لم يكن لها أن تطوف بالبيت؛ لأنها ممنوعة من دخول المسجد، ولا يمكنها
أن تحل من عمرتها ما لم تطف بالبيت، فإن خشيت فوات الحج أحرمت
بالحج مع عمرتها، وتصير قارنة. وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي وكثير
من أهل العلم. وقال أبو حنيفة: ترفض العمرة وتهل بالحج، واحتج بما روي
عن عروة عن عائشة: ((أهللنا بعمرة))، الحديث. متفق عليه، وهذا يدل على
أنها رفضت العمرة وأحرمت بحج من وجوه ثلاثة؛ أحدها: قوله: ((دعي
عمرتك)) والثاني: قوله: ((امتشطي)) والثالث: قوله: ((هذه عمرة مكان عمرتك)).
(١) انظر: ((المغني)) (٣٦٧/٥).
٤١١
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حدیث
ولنا ما روى جابر قال: ((أقبلت عائشة بعمرة)). الحديث، وفيه قال:
((فاغتسلي ثم أهلّي بالحج» ففعلت ووقفت المواقف كلها ثم قال: ((قد حللت
من حجك وعمرتك))، وروى طاوس عن عائشة أنها قالت: ((أهللت بعمرة ولم
أطف حتى حضت ونسكت المناسك كلها، وقد أهللتُ بالحج. فقال لها
النبي ◌َّير: (يسعك طوافك لحجك وعمرتك)) رواهما مسلم، ولأن إدخال الحج
على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات، فمع خشية الفوات أولى،
قال ابن الزبير: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهلَّ بعمرة أن
يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي وَلَو من كان معه
هدي في حجة الوداع أنه يُهلُّ بالحج مع العمرة، ومع إمكان الحج مع بقاء
العمرة، ولا يجوز رفضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَيُِّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾(١)، ولأنها
متمكنة من إتمام عمرتها بلا ضرر، فلم يجز رفضها كغير الحائض، انتهى.
قلت: وأصل الاختلاف مبني، على أن القارن يُؤَخِّدُ الطواف والسعي
عندهم، ويُثني عند الحنفية كما فُصِّلَ في محله، وبناء على ذلك تقدر هي
عندهم على إتمام عمرتها لدخولها في الحج بالقِران، ولا تقدر عند الحنفية
على إتمامها لاحتياجها إلى الطواف والسعي برأسهما للعمرة، ومبنى هذه
الدلائل كلها التي ذكرها الموفق على إتمامها العمرة، فلا ترد هذه على
الحنفية، ثم أجاب الموفق عن رواية عروة بما تقدم في أول الحديث من
انفراده، وتقدم الكلام على ذلك.
وقال الزرقاني(٢) تبعاً للحافظ: وأجاب جماعةٌ، منهم الشافعي باحتمال
أن معنى ((دعي عمرتك)) اتركي التحلل منها، وأدخلي عليها الحج، فتصير
قارنة، ويؤيده قوله في رواية مسلم: ((وأمسكي عن العمرة)) أي عن أعمالها،
(١) سورة الحج: الآية ١٩٦.
(٢) ((شرح الزقاني)) (٣٧٥/٢).
٤١٢
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
٠٠٠
وإنما قالت: وأرجع بِحَجَّةِ لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع
لغيرها من أمهات المؤمنين، قال الحافظ: وأستبعد هذا التأويل لقولها في رواية
عطاء عنها: ((وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة))، أخرجه أحمد، وهذا يُقَوِّي قولَ
الكوفيين: إن عائشة - رضي الله عنها - تركت العمرة وحجت مفردة، انتهى.
وما قال الحافظ: إن في رواية عطاء عنها ضعفاً مدفوعٌ بروايات البخاري
الآتية: ((اعتمرتم ولم أعتمر ويصدرون بنسكين وأصدر بنسك)).
قال الزرقاني: ولمسلم بطريق طاوس عنها فقال ◌َّ: ((طوافك يسعك
لحجك وعمرتك)) فهذا صريح في أنها كانت قارنة، وتعقب بأن قوله: ((انقضي
رأسك وامتشطي)) ظاهر في إبطال العمرة، لأن المحرم لا يفعل مثل ذلك لتأديته
إلى نتف الشعر، وأجيب بجوازهما للمحرم حيث لا يؤدي إلى نتف الشعر مع
الكراهة بغير عذر، أو كان ذلك لأذى برأسها، فأباح لها ذلك لما أباح
لكعب بن عجرة الحلاق لأذى برأسه، أو نقض رأسها لأجل الغسل لتهل
بالحج، ولا سيما إن كانت تلَبّدَت، فتحتاج إلى نقض الضفر، ولعل المراد
بالامتشاط تسريح شعرها بأصابعها برفق، حتى لا يسقط منه شيء، ثم تضفره
كما كان، أو أعادت الشكوى بعد رمي جمرة العقبة، فأباح لها الامتشاط
حينئذ، قال المازري: هو تعسف بعيد من لفظ الحديث، أو كان مذهبها أن
المعتمر إذا دخل مكة، استباح له ما يستبيحه الحاج إذا رمى الجمرة، قال
الخطابي: وهذا لا يعلم وجهه، انتهى.
وقد عرفت مستدلات الحنفية في ما مضى من كلام الموفق وغيره،
وسيأتي الكلام على قوله مَله: ((هذه مكان عمرتك)) في آخر الحديث. وقد ذكر
السندي في ((مسند (١) أبي حنيفة)) برواية الحصفكي: أبو حنيفة عن حماد عن
(١) انظر: ((مسند أبي حنيفة)) مع ((تنسيق النظام)) (ص١١٣).
٤١٣
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
إبراهيم عن الأسود عن عائشة: أنها قدمت متمتعة وهي حائض، فأمرها
النبي ◌َّ، فرفضت عمرتها، زاد في رواية أخرى بهذا السند؛ واستأنفت الحج
حتى إذا فرغت من حجها أمرها رسول الله وَ ◌ّر أن تصدر إلى التنعيم مع أخيها
عبد الرحمن .
أبو حنيفة عن الهيثم عن رجل عن عائشة - رضي الله عنها -: أن
رسول الله ﴾ ذبح لرفضها العمرة بقرة.
أبو حنيفة عن عبد الملك عن ربعي بن حراش عن عائشة - رضي الله
عنها -: أن النبي وَلّ أمر برفضها العمرة دماً.
أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة - رضي الله عنها -
أنها قالت: يا نبي الله! يصدر الناس بحجة وعمرة، وأصدر بحجة، الحديث.
وإلى قول الحنفية مال أبو داود في ((سننه)) (١)، إذ ترجم على قصة عائشة
((باب المهلّة بالعمرة تحيض فيدركها الحج، فتنقض عمرتها، وتهل بالحج هل
تقضي عمرتها))، ثم ذكر فيها حديث اعتمار عائشة - رضي الله عنها -، وقال
ابن دقيق العيد في ((عمدة الأحكام)) بعدما ذكر مسلك الأئمة الثلاثة من أنها
أدخلت الحج على العمرة، فأشكل حينئذٍ قولها: أتنطلقون بحج وعمرة وأنطلق
بحج، إذ هي أيضاً قد حصل لها حج وعمرة؛ لما تقرر من كونها صارت
قارنة، فاحتاجوا إلى تأويل هذا اللفظ، فأوّلوه بأن المراد تنطلقون بحج مفرد
عن عمرة وعمرة مفردة، وأنطلق بحج غير مفرد، هذا حاصل ما قيل في هذا
الموضع مع أن الظاهر خلافه بالنسبة إلى هذا الحديث، لكن الجمع بين
الروايات ألجأهم إلى هذا، انتهى.
وأنت خبير بأن هذا التوجيه على بعده وكونه خلاف الظاهر. كما أقرَّ به
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (١٦٠/٢).
٤١٤
------
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
قَالَتْ: فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ، أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ
•
لو تمشى في ما ذكر من اللفظ لا يتمشى فيما أخرجه البخاري من قولها: كل
أصحابك يرجع بحجة وعمرة غيري، الحديث. فإن كلهم لم يكونوا آتين بحج
مفرد وعمرة مفردة، بل كان جمع منهم قارنين آتين بحج غير مفرد عندهم.
وأوضح منه ما أخرجه البخاري أيضاً من حديث جابر قالت: يا رسول الله
أتنطلقون بحجة وعمرة وأنطلق بالحج؟، الحديث. وبرواية القاسم عن عائشة
قالت: يا رسول الله اعتمرتم ولم أعتمر، الحديث. إذ خاطبت فيه النبي
صَلى الله
وستـ
فهلا أجابها النبي ◌َّ أنا أيضاً أنطلق بحج غير مفرد مثلك يا عائشة، وأيضاً
فإن عمرته وقدر لم تكن مفردة عندهم، وأخرج أيضاً برواية القاسم والأسود
قالا: قالت عائشة: يا رسول الله! يصدر الناس بنُسكين، وأصدر بنسك،
الحديث. ولم ينكر عليها النبي ◌َّ بأنك أيضاً ترجع بنُسكين، وأخرج أيضاً
برواية القاسم عن عائشة قال له: فكوني في حجك عسى الله أن يرزقكها،
الحديث. ذكر لها العمرة بالترجي والحج بالفعل، وأمثال ذلك مما لا يحصى
كثرةً صريحة في أن العمرة لم تكن إذ ذاك مع حجتها .
وأصرح ما قيل في خلافه قوله {وَلّ: ((طوافك يَسَعُك لحجك وعمرتك))
كما تقدم من رواية مسلم، وفيه، أولًا: أن روايات البخاري على أصولهم
مقدمة على روايات مسلم، وثانياً: لعله مبني على أنه ◌ّ لم يتذكر إذ ذاك أنها
لم تطف للعمرة، كما يدل عليه رواية البخاري من طريق الأسود عن عائشة
قلت: يا رسول الله! يرجع الناس بعمرة وحجة وأرجع أنا بحجة، قال: وما
طفتِ ليالي قدِمنا مكة؟ قلت: لا، الحديث.
(قالت) عائشة رضي الله عنها (ففعلتُ) بسكون اللام على صيغة المتكلم
أي ما أمره النبي ◌َّه من النقض والامتشاط وترك العمرة (فلما قضينا الحج) أي
أتممناه بعدما طهرت عائشة، وشكت إلى النبي ◌َّ أني أرجع بحجة وتنطلقون
بحجة وعمرة (أرسلني رسول الله وَيد) ليلة البطحاء، وهي ليلة الربوع رابع عشرة
٤١٥
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حدیث
مَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ، إِلَى التَّنْعِيم، فَاعْتَمَرْتُ.
ذي الحجة (مع) أخي (عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق - رضي الله عنهما -،
وفيه: أن عمرتها هذه كانت بأمره وَّر من التنعيم.
ولأبي داود عنه وَلو قال: ((يا عبد الرحمن أردف أختك عائشة، فأعمرها
من التنعيم))، وفي البخاري: ((أمر أن يُردف أخته، ويُعمرها من التنعيم))، وله
في رواية: ((فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم)) وكلها صريح في أن ذلك كان
بأمره وَ لّر، وما في أحمد أنه وَّر قال: ((احملها خلفك حتى تخرج من الحرم،
فوالله ما قال إلى الجعرانة ولا إلى التنعيم))، فهو ضعيف كذا في ((المحلى))
(إلى التنعيم) تقدم الكلام على ضبطه، وعلى أفضل بقاع الحل لمريد الإحرام
في آخر ((ما جاء في العمرة)).
واختلف في موضع إحرام عائشة - رضي الله عنها - وروى الأزرقي عن
ابن جريج: رأيت عطاء يصف الموضع الذي أحرمت منه عائشة - رضي الله
عنها - فأشار إلى الموضع الذي وراء الأكمة وهو المسجد الخرب، ونقل
الفاكهي عن ابن جريج وغيره أن ثَمَّ مسجدين يزعم أهل مكة أن الخرب الأدنى
من الحرم، وهو الذي أحرمت منه عائشة، وقيل: هو المسجد الأبعد عن
الأكمة الحمراء، ورجحه المحب الطبري، وقال الفاكهي: لا أعلم ذلك إلا
أني سمعت ابن أبي عمير يذكر عن أشياخه، أن الأول هو الصحيح عندهم(١)
انتھی .
(فاعتمرت) ولفظ البخاري برواية القاسم عن عائشة: ((حتى نفرنا من
منى، فنزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن فقال: اخرج بأختك الحرم، فلتهل
بعمرة، ثم أفرغا من طوافكما أنتظركما هاهنا، فأتينا في جوف الليل، فقال:
فرغتما؟ قلت: نعم، فنادى بالرحيل))، الحديث.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٦٠٧/٣).
٤١٦
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
فَقَالَ: ((هُذَا مَكَانُ عُمْرَتِكِ)»
وقال الشيخ ابن القيم(١): وفي (الصحيحين)) عن عائشة: خرجنا مع
رسول الله له ... وذكرت الحديث، قالت: حين قضى الله الحج، ونفرنا من
منى، فنزلنا المحصب، فدعا عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: ((أخرج بأختك
من الحرم، ثم افرغا من طوافكما ثم ائتياني هاهنا بالمحصب))، قالت:
فقضى الله العمرة، وفرغنا من طوافنا في جوف الليل، فأتيناه بالمحصب،
فقال: فرغتما؟ قلنا: نعم، فأذن في الناس بالرحيل، الحديث.
وفي الصحيح أيضاً قال: ((فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلي بعمرة، ثم
موعدك مكان كذا وكذا))، قالت عائشة - رضي الله عنها: فلقيني رسول الله وَال
وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها، أو أنا مصعدة وهو منهبط منها، ففي
هذا الحديث أنهما تلاقيا في الطريق، وفي الأول أنه انتظرها في منزله، فلما
جاءت نادى بالرحيل في أصحابه، واختلف في الجمع بينهما على أقوال بسطها
الحافظان ابن القيم وابن حجر (٢).
(فقال) مَّ (هذه) أي العمرة وفي رواية: هذا، أي الاعتمار والنسخ الهندية
على الأولى والمصرية على الثانية (مكان عمرتك) بالرفع على الخبرية، وبالنصب
على الظرفية، والعامل محذوف وهو الخبر أي كائنة أو مجعولة مكانها، قال
عياض: والرفع أوجه عندي إذ لم يرد به الظرف إنما أراد عوض عمرتك، فمن قال:
كانت قارنة، قال: مكان عمرتك التي أردت أن تأتي بها مفردة، وحينئذٍ فتكون
عمرتها من التنعيم تطوعاً لا عن فرض، ومن قال: كانت مفردة، قال: مكان عمرتك
التي فسخت الحج إليها، ولم تتمكني من الإتيان بها للحيض، وقال السهيلي:
الأوجه النصب على الظرف؛ لأن العمرة ليست بمكان لعمرة أخرى، لكن إن جعلت
مكان بمعنى عوض أو بدل مجازاً جاز الرفع أيضاً، كذا في ((الشرح)).
(١) ((زاد المعاد)) (٢٥٦/٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٦١٣/٣).
٤١٧
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا
مِنْهَا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنْىِ، لِحَجِّهِمْ،
(فطاف الذين أهلوا بالعمرة) وحدها (بالبيت) عند ورودهم بمكة (و) سعوا
أيضاً (بين الصفا والمروة) للعمرة (ثم حلّوا منها) أي خرجوا من العمرة بالحلق
أو القصر ثم أحرموا بالحج من مكة (ثم طافوا طوافاً آخر) للإفاضة، ووقع
لبعض رواه البخاري ((طوافاً واحداً))، والصواب الأول، قاله عياض كذا في
((الفتح)) (١) (بعد أن رجعوا من منى) يوم النحر (لحجهم) أي لركن الحج، وقد
سقط عنهم طواف القدوم إجماعاً، كما تقدم البسط في ذلك في إهلال أهل
مكة، لأن المكي لا طواف عليه للقدوم، إلا ما حكي عن الإمام أحمد: أن
المتمتع يطوف يوم النحر أولًا للقدوم، ثم يطوف طوافً آخر للحج لحديث
الباب.
قال الخرقي: إن كان متمتعاً يطوف بالبيت سبعاً، وبالصفا والمروة سبعاً،
كما فعل بالعمرة، ثم يعود فيطوف طوافاً ينوي به الزيارة، قال الموفق(٢): أما
الطواف الأول الذي ذكره الخرقي هاهنا فهو طواف القدوم؛ لأن المتمتع لم
يأت به قبل ذلك، والطواف الذي طافه في العمرة كان طوافها، ونص أحمد
على أنه مسنون للمتمتع في رواية الأثرم، قال: قلت لأبي عبد الله: فإذا رجع
أعني المتمتع، كم يطوف ويسعى؟ قال: يطوف ويسعى لحجه، ويطوف طوافاً
آخر للزيارة. عاودناه في هذا غير مرة فثبت عليه.
وكذلك الحكم في القارن والمفرد إذا لم يكونا أتيا مكة قبل يوم النحر،
ولا طافا للقدوم، فإنهما يبدءان بطواف القدوم، نص عليه أحمد أيضاً واحتج
بما روت عائشة، قالت: فطاف الذين أهلوا بالعمرة وبين الصفا والمروة ثم
(١) ((فتح الباري)) (٤١٧/٣).
(٢) («المغني)) (٣١٤/٥).
٤١٨
----
-- --
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا
طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً .
حلوا، فطافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وأما الذين جمعوا
الحج والعمرة فإنما طافوا طوافاً واحداً.
فحمل أحمد قول عائشة على أن طوافهم كحجهم هو طواف القدوم،
ولأنه قد ثبت أن طواف القدوم مشروع، فلم يكن تعين طواف الزيارة مسقطاً
له، ولم أعلم أحداً وافق أبا عبد الله على هذا الطواف الذي ذكره الخرقي، بل
المشروع طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فإنه
يكتفي بها عن تحية المسجد.
ولأنه لم ينقل عن النبي وَ ل﴾، ولا عن أصحابه الذين تمتعوا معه في حجة
الوداع، ولا أمر به النبي ◌َ﴾ أحداً. وحديث عائشة - رضي الله عنها - دليل
على هذا؛ فإنها قالت: طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم، وهذا
هو طواف الزيارة ولم تذكر طوافاً آخر، ولو كان هذا الذي ذكرته طواف
القدوم، لكانت قد أخلت بذكر طواف الزيارة الذي هو ركن الحج لا يتم الحج
إلا به، وذكرت ما يستغنى عنه، وعلى كل حال فما ذكرت إلا طوافاً واحداً.
فمن أين يستدل به على طوافين؟ وأيضاً فإن طواف القدوم لو لم يسقط
بالطواف الواجب، لشرع في حق المعتمر طواف القدوم مع طواف العمرة؛ لأنه
أول قدومه إلى البيت، فهو به أولى من المتمتع الذي يعود إلى البيت بعد رؤيته
وطوافه به، انتهى .
(وأما الذين كانوا أهلوا بالحج) مفرداً (أو جمعوا الحج والعمرة) أي قارنوا
(فإنما طافوا طوافاً واحداً) قال الزرقاني(١): لأن القارن يكفيه طواف واحد
وسعي واحد؛ لأن أفعال العمرة تندرج في أفعال الحج، وإلى هذا ذهب مالك
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٦/٢).
٤١٩
٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
والشافعي وأحمد والجمهور، وقال الحنفية: لا بد للقارن من طوافين وسعيين؛
لأن القرآن هو الجمع بين العبادتين، فلا يتحقق إلا بالإتيان بأفعال كل منهما،
والطواف والسعي مقصودان فيهما، فلا يتداخلان، إذ لا تداخل في العبادات،
انتھی .
قلت: وهكذا ذكر حديث الباب مستدلهم غيرُ واحد من الشراح المتبعين
للأئمة الثلاثة، وليت شعري كيف تمسكوا بحديث متروك الظاهر إجماعاً؟ ولا
خلاف ولا ريب لأحد أن ظاهره مؤول، فإنه وَ لّ لم يكتف على طواف واحد
عند أحد من أهل العلم، لأنه ◌َّ طاف بالبيت أول ما قدم مكة.
قال الحافظ في ((الدراية))(١): حديث، أنه * لما دخل مكة ابتدأ
بالمسجد، متفق عليه، من حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي وَلقر أول
شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ولمسلم في حديث جابر:
أن النبي ◌َّ لما قدم مكة دخل المسجد، فاستلم الحجر ثم مضى)).
وفي ((تاريخ مكة)) للأزرقي عن عطاء: لما دخل رسول الله وَّل مكة لم
يلو على شيء ولم يعرج، ولا بلغنا أنه دخل بيتاً حتى دخل المسجد، فبدأ
بالبيت فطاف به، وللشيخين من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: رأيت
النبي ◌َّ حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة
أشواط، الحديث، انتهى. وهو مذكور في حديث جابر الطويل مفصّلًا.
وعن ابن عمر عند النسائي وابن حبان وأحمد بلفظ: ((لما قدم
رسول الله مَّ مكة طاف بالبيت سبعاً، ثم خرج إلى الصفا))، الحديث. قال
الحافظ في ((الدراية)): هو صحيح عن ابن عمر، وهذا أول طوافه مَّر حين قدم
مكة ثم بقي فيها أربعة أيام، واختلف هل طاف في هذه الأيام أم لا؟ ثم خرج
(١) ((الدراية على هامش الهداية)) ط - الهند (١/ ٢٤٠).
٤٢٠
-----