النص المفهرس
صفحات 361-380
٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٨) حدیث قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى عَلَى الَّذِي يَرْمِي الْجِمَارَ، أَوْ يَسْعِى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مُتَوَضٍ، إِعَادَةً، وَلَكِنْ لَا يَتَعَمَّد ذُلِكَ. وفي ((شرح اللباب))(١): الخامس من الشرائط: أن يرمي بنفسه فلا تجوز النيابة عند القدرة، وتجوز عند العذر، فلو رمي عن مريض لا يستطيع الرمي بأمره أو مغمى عليه، ولو بغير أمره أو صبي غير مميز، أو مجنون جاز، والأفضل أن توضع الحصى في أكفهم فيرمونها، انتهى. زاد في ((الغنية)): ولا يعاد إن زال العذر في الوقت ولا فدية عليهم وإن لم يرموا إلا المريض، انتهى. وهكذا حكى القاري عن ((الغاية)) وعن ((الحاوي)) عن ((المنتقى)) عن محمد: إذا كان المريض بحيث يصلي جالساً رمي عنه ولا شيء علیه، انتھی. (قال مالك: لا أرى على الذي يرمي الجمار) بمنى (أو يسعى بين الصفا والمروة) بمكة (وهو غير متوض) أي يؤدي هذه المناسك محدثاً (إعادة) لأن الطهارة ليست شرط صحة فيهما (ولكن لا يتعمّد ذلك) لتفويت الندب وللاستحباب في ذلك. وفي ((المحلى)): فيكره الرمي والسعي محدثاً، فإن فعل أجزأه، وروى ابن أبي شيبة عن نافع: ما رأيت ابن عمر - رضي الله عنهما - أراد أن يرمي الجمار إلا اغتسل، وعن مجاهد كانوا يغتسلون لذلك، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا كما قال: إن من سعى أو رمى الجمار على غير طهارة، فإنه يجزئه، ولا إعادة عليه، لأن هذه قرب لا تعلق لها بالبيت، فلم تكن الطهارة شرطاً في صحتها، وإنما تكون الطهارة شرطاً في صحة القرب التي لها تعلق بالبيت كالصلاة والطواف، والأصل في ذلك ما روي عن (١) (ص١٣٢). (٢) ((المنتقى)) (٥٠/٣). ٣٦١ ٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٨) حديث النبي ◌ُّ أنه قال لعائشة - رضي الله عنها - حين شكت إليه أنها نفست: ((افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت)). فأباح لها فعل كل قُربة من الحج لا تعلق لها بالبيت، وفي ذلك السعي والرمي، وقوله: لا يتعمد ذلك يقتضي أنه يستحب الطهارة لفعل هذه القرب كلها، وإن لم تكن شرطاً في صحتها، انتهى. وتقدم الكلام على الطهارة في السعي في محله مفصّلا . وقال القاري: ولا يشترط أن يكون الرامي على حالة مخصوصة من قيام واستقبال، وإن كان هو الأفضل وطهارة وهي الأكمل أو قرب أو بعد، بل على أي حال رمی ومن أي مكان رمی صح رمیه، انتهى. وفي ((المغني)): قال أحمد: يستحب له أن يشهد المناسك كلها على وضوء كان عطاء يقول: لا يقضي شيئاً من المناسك إلا على وضوء، انتهى. ومما يقربه اختلافهم في استحباب غسل الأحجار، وهل يجزيء الرمي بالنجس أيضاً أم لا؟ قال الخرقي: الاستحباب أن يغسله، وقال(١): اختلف عن أحمد في ذلك، فروي عنه أنه مستحب لأنه روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه غسله، وكان طاوس يفعله، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يتحرى سنة النبي ◌ُّر، وعن أحمد أنه لا يستحب ذلك، وقال: لم يبلغنا أن النبي ◌َّل* فعله، وهذا هو الصحيح، وهو قول عطاء ومالك وكثير من أهل العلم، فإن النبي ◌ّ لما لقطت له الحصيات يقبضهن في يده، لم يغسلهن، ولا أمر بغسلهن، ولا فيه معنى يقتضيه، فإن رمى بحجر نجس أجزأه، لأنه حصاة، ويحتمل أن لا يجزئ لأنه يؤدي به العبادة، فاعتبرت طهارته كحجر الاستجمار، وتراب التيمم، انتهى. (١) ((المغني)) (٤٢٦/٣). ٣٦٢ ٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٩) حديث ٩٠٩/ ٢١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا تُرْمَى الْجِمَارُ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ. وفي ((الروض المربع))(١): لا يسن غسله، وفي ((مناسك النووي))(٢): قال الشافعي: لا أكره غسل حصى الجمار، بل لم أزل أعمله وأحبه، انتهى. وفيه أيضاً: يستحب أن يكون الحجر طاهراً، فلو رمى بنجس كره وأجزأ، انتهى. وقال الدردير(٣): ورمي وإن بمتنجس لكنه يكره، وندب إعادته بطاهر، انتھی . وفي ((شرح اللباب)): لو رمى نجساً جاز مع الكراهة وندب غسلها أي يستحب أن يغسل الحصاة مطلقاً، انتهى. ٢١٧/٩٠٩ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان يقول: لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة) التي بعد يوم النحر لغير المتعجل واليومين بعد النحر للمتعجل (حتى تزول الشمس) جملة ما يرمي به الحاج سبعون حصاة، سبعة منها يرمي يوم النحر، وتقدم الكلام على وقتها وسائرها في أيام التشريق الثلاثة بعد زوال الشمس كل يوم إحدى وعشرين حصاة لثلاث جمرات. قال العيني(٤): رمي أيام التشريق محله بعد زوال الشمس، قد اتفق عليه الأئمة، وخالف أبو حنيفة في اليوم الثالث منها، فقال: يجوز الرمي فيه قبل الزوال استحساناً، وقال: إن رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد وفي الثالث يجزيه، وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال. (١) (١/ ٥١٢). (٢) (ص٣٠٣). (٣) ((الشرح الكبير)) (٥٠/٢). (٤) ((عمدة القاري)) (٧/ ٣٧٠). ٣٦٣ ٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٩) حدیث وقال الحافظ(١): في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ((كنا نتحيّن، فإذا زالت الشمسُ رمينا)» دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاوس فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقاً، ورخص الحنفية في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث، فيجزئه. وقال الموفق(٢): لا يرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، فإن رمى قبل الزوال أعاد، نص عليه، وروي ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وبه قال مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، وروي عن الحسن وعطاء إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي رخّصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال، ولا ينفر إلا بعد الزوال، وعن أحمد مثله، ورخص عكرمة في ذلك أيضاً، وقال طاوس: يرمي قبل الزوال وينفر قبله، انتهى. وقال أيضاً: إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شيء عليه، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور، قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء لأنه وقت واحد، وإن كان قضاء فالمراد به الفعل، كقوله تعالى: ﴿لَيَقْضُوْ تَفَثَهُمْ﴾ والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخّرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد، انتهى. وقال أيضاً: آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق، فمتى خرجت قبل رميه فات وقته، واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي، هذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة. ثم خرج إلى إبله في ليلة أربع (١) ((فتح الباري)) (٣/ ٥٨٠). (٢) ((المغني)) (٣٢٨/٥). ٣٦٤ ٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٩) حديث عشرة، ثم رمى قبل طلوع الفجر، فإن لم يرم هراق دماً، والأول أولى، انتھی . وفي ((الهداية))(١): إن قدم الرمي في اليوم الرابع قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وهذا استحسان، وقالا: لا يجوز اعتباراً بسائر الأيام، وإنما التفاوت في رخصة النفر، فإذا لم يترخص التحق بها، ومذهبه مروي عن ابن عباس، ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك، فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى بخلاف اليوم الأول والثاني حيث لا يجوز فيهما إلا بعد الزوال، في المشهور من الرواية، لأنه لا يجوز له تركه فيهما فبقي على الأصل. قال العيني في ((البناية)): قوله: مروي عن ابن عباس رواه البيهقي عنه إذا انفتج النهار من يوم النفر فقد حل الرمي والصيد، والانفتاج بالجيم الارتفاع، وفعل النبي مَّ محمول على الأفضل بدلالة جواز النفر بحكم الآية وقياسهما على اليوم الثاني والثالث ضعيف، لأنه لا يجوز ترك الرمي فيهما أصلًا، وقوله: في المشهور من الرواية إنما قيد بالمشهور احترازاً عما ذكره الحاكم في ((المنتقى)) قال: كان أبو حنيفة يقول: الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله جاز، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٢): وقت رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر بعد الزوال، فلا يجوز قبله في المشهور أي عند الجمهور كصاحب ((الهداية)) و((الكافي)) و((البدائع)) وغيرها، وقيل: يجوز الرمي فيهما قبل الزوال لما روي عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن الأفضل أن يرمي فيهما بعد الزوال، فإن (١) (١/ ١٤٦) . (٢) (ص١٢٧). ٣٦٥ ٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٩) حدیث رمى قبله جاز فحمل المروي من فعله ، ﴿ على اختيار الأفضل كما ذكره صاحب ((المنتقى)) و((البدائع)) (١) وغيرهما، وهو خلاف ظاهر الرواية. وفي المسألة رواية أخرى أن اليوم الثاني من أيام التشريق كاليوم الأول منها. لكن لو أراد أن ينفر في هذا اليوم. له أن يرمي قبل الزوال، ولا يجوز لمن لا يريد النفر، كذا روى الحسن عن أبي حنيفة، ذكر صاحب ((الغنية)): هو خلاف ظاهر الرواية وخلاف النص من فعله وَّر وفعل الصحابة بعده. ٠٠٠ قال في (البدائع)) (٢): هذا باب لا يعرف بالقياس، بل بالتوقيف، قال في ((الفتح)): لا يجوز فيهما قبل الزوال اتفاقاً، قال ابن عابدين: الصحيح لا يجوز فيهما إلا بعد الزوال مطلقاً، انتهى. والحاصل أن في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر وقت الجواز من الزوال لا قبله، ثم من الزوال إلى الغروب من هذا اليوم وقت مسنون، وبعد الغروب من كل يوم إلى طلوع الفجر من الغد وقت مكروه لغير معذور، فلو رمى في الليلة اللاحقة لليوم الماضي لا شيء عليه سوى الإساءة، وإذا طلع الفجر من الغد في كل يوم من هذين اليومين فات وقت الأداء عند الإمام، فيجب عليه القضاء مع الجزاء عنده إلى غروب آخر أيام التشريق، ولا جزاء عند صاحبي الإمام، بل يبقى وقت القضاء إلى آخر أيام التشريق. وفي ((الغنية)): لو لم يرم في الليل رماه في النهار، ولو قبل الزوال قضاءً عنده، وعليه الكفارة للتأخير، وأداء عندهما ولا شيء عليه، انتهى. قال القاري(٣): والحاصل أن الرمي موقت عند أبي حنيفة، وعندهما ليس (١) (٣٢٤/٢). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٢٤/٢). (٣) ((شرح اللباب)) (ص١٩٦). ٣٦٦ ٢٠ - كتاب الحج (٧١) باب (٩٠٩) حديث بموقت، فإذا أخر رمي يوم إلى يوم آخر، فعنده يجب القضاء مع الدم، وعندهما يجب القضاء لا غير، لأن الأيام كلها وقت لها، وقال أيضاً: لو أخّر أيام الرمي كلها إلى الرابع مثلًا، قضاها كلها فيه اتفاقاً، وعليه الجزاء عنده، وإن لم يقض حتى غربت الشمس من اليوم الرابع فات وقت القضاء، وعليه دم واحد اتفاقاً، انتهى. هذا بيان رمي اليومين الثاني والثالث من أيام النحر. أما اليوم الرابع، فقد عرفت في كلام صاحب ((الهداية))، وتوضيحه كما في ((شرح اللباب)): أن وقته من الفجر إلى الغروب وليس يتبعه ما بعده من الليل بخلاف ما قبله من الأيام إلا أن ما قبل الزوال وقت مكروه، وما بعده مسنون، وفي ((البدائع))(١): مستحب، ولم يذكر الكراهة قبله هذا عند الإمام، وأما عندهما فلا يجوز قبل الزوال في اليوم الرابع اعتباراً بما قبله، وبغروب الشمس من هذا اليوم يفوت وقت الأداء والقضاء اتفاقاً . قال النووي في ((مناسكه))(٢): لا يصح الرمي في هذه الأيام أي الذي هو الأداء إلا بعد زوال الشمس ويبقى وقته الاختياري إلى غروبها، وقيل: يبقى إلى طلوع الفجر، والأول أصح، ويستحب إذا زالت الشمس أن يقدم الرمي على صلاة الظهر، وإذا ترك شيئاً من الرمي نهاراً، فالأصح أنه يتداركه فيرميه ليلًا أو فيما بقي من أيام التشريق أي ولو قبل الزوال سواء تركه عمداً أو سهواً، وإذا تداركه فيها، فالأصح أنه أداء لا قضاء. وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم الذي يليه، فالأصح أنه يجب الترتيب، فيرمي أولًا عن اليوم الفائت، ثم عن الحاضر، ويفوت كل الرمي بأنواعه بخروج أيام التشريق من غير رمي، ولا يؤدى شيء منه بعدها لا (١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (٣٢٥/٢). (٢) (ص٣٦٥). ٣٦٧ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث (٧٢) باب الرخصة في رمي الجمار ٢١٨/٩١٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِهِ؛ أَنَّ أَبَا الْبَدَّاحِ بْنَ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ، أداء ولا قضاء، ومتى تدارك فرمى في أيام التشريق فائتها أو فائت يوم النحر فلا دم عليه، ومتى فات، ولم يتداركه حتى خرجت أيام التشريق وجب عليه جبره بالدم، انتهى. وقال الدردير(١) في جملة ما يجب فيه الدم: تأخير الرمي حتى خرجت أيام الرمي، وتأخير رمي كل حصاة من العقبة أو غيرها أو تأخير جميع الحصيات عن وقت الأداء وهو النهار لليل، وهو وقت القضاء، فأولى لو فات الوقتان فدم واحد، وقضاء كل من الجمار ولو العقبة ينتهي إلى غروب الرابع، والليل عقب كل يوم قضاء لذلك اليوم، يجب به الدم، ووقت أداء كل من الزوال للغروب، انتهى. (٧٢) الرخصة في رمي الجمار يعني جواز التأخير في الرمي للأعذار. ٢١٨/٩١٠ _ (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن حزم) فنسب أبوه إلى جده (عن أبيه) أبي بكر المذكور (أن أبا البدّاح) بفتح الموحدة والدال المهملة المشددة فألف فحاء مهملة (ابن عاصم بن عدي) بن الجد بفتح الجيم ابن العجلان بن حارثة بن ضبيعة القضاعي البلوي العجلاني الأنصاري (٢) قال الواقدي: أبو البدّاح لقب غُلِب عليه، وكنيته أبو عمرو، انتهى. وكذا قال علي بن المديني وابن حبان: كنيته أبو عمرو، وقيل: كنيته أبو بكر، وقيل: أبو (١) ((الشرح الكبير)) (٤٧/٢). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/٢). ٣٦٨ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث عمر، يقال: اسمه عدي مات سنة ١١٧ هـ فيما ذكره جماعة، وقيل: سنة ١١٠ هـ. قال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) وتبعه صاحب ((رجال جامع الأصول)): اختلف فيه، فقيل: الصحبة لأبيه، وهو من التابعين، وقيل: له صحبة، وهو الذي توفي عن سبيعة الأسلمية، وخطبها أبو السنابل بن بعكك، ذكره ابن جريج وغيره، وهو الصحيح في أن له صحبة، والأكثر يذكرونه في الصحابة، انتھی . وتعقبه الحافظ في ((الإصابة)) (١) بوجوه. وقال: عليه مؤاخذات: الأولى حديث مالك هذا يدل على تأخر أبي البدّاح عن عهد النبي وَّر؛ لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم لم يدرك العهد النبوي، وقد روى أيضاً عن أبي البداح أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وابنه عبد الملك وغير واحد، وأرّخ جماعة وفاته سنة ١١٧ هـ، وقال الواقدي: مات سنة ١١٠هـ؛ وله أربع وثمانون سنة، فعلى هذا يكون مولده سنة ٢٦ هـ بعد النبي ◌َّل بخمس عشرة سنة، وهذا كله يدفع أن يكون له صحبة، ويدفع قول ابن منده: أدرك النبي ◌َّ، وقال ابن فتحون: قول أبي عمر وهمٌّ، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، انتهى. وفي (التقريب))(٢): ثقة من الثالثة، ووهم من قال: له صحبة، انتهى. ثم قال أحمد بن خالد: رواه يحيى فقال: عن أبي البدّاح عاصم ولم يتابع عليه، والصواب ابن عاصم، كما قال جميع الرواة عن مالك، قال ابن عبد البر: والذي عندنا في رواية يحيى أنه كما رواه غيره سواء، انتهى. قلت: وهو كذلك في النسخ التي بأيدينا من المصرية والهندية بزيادة الابن وكذلك في رواية محمد. (١) (٢٣/٧). (٢) ((تقريب التهذيب)) (٣٩٤/٢). ٣٦٩ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حدیث أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ، خَارِجِينَ عَنْ مِنىً، (أخبره) أي أخبر أبو البداح أبا بكر (عن أبيه) عاصم بن عدي كان سيد بني عجلان اتفقوا على ذكره في البدريين، ويقال: إنه لم يشهدها، بل خرج فكسر، فرده النبي وَل من الروحاء، واستخلفه على العالية من المدينة، وهذا هو المعتمد، وبه جزم ابن إسحاق. وأورد الواقدي بسنده: أن رسول الله وَلّ خلفه على أهل قباء والعالية لشيء بلغه عنهم، وضرب له بسهمه وأجره، وقال: شهد أحداً وما بعدها، وله ذكر في قصة اللعان وغاير (١) العجلاني بينهما فوهم، وصرح ابن خزيمة في ((صحيحه)) بأن هذا هو العجلاني. وقال ابن سعد، وابن السكن، وغيرهما: مات سنة ٤٥هـ وهو ابن مائة وخمس عشرة، وقيل: عشرين، كذا في الإصابة. (أن رسول الله (مر أرخص) أي جوّز وأباح (لرعاء الإبل) بكسر الراء والمد جمع راع (في البيتوتة) مصدر بات (خارجين عن منى) هكذا في جميع النسخ المصرية (٢)، وليست في الهندية هذه الزيادة، والمعنى: أباح لهم ترك البيتوتة بمنى ليالي أيام التشريق؛ لأنهم مشغولون برعي الإبل وحفظها، فلو أخذوا بالمقام والمبيت بمنى لضاعت أموالهم، قاله الخطابي، كذا في ((المحلى)) (٣). وقال الباجي: (٤) قوله: ((أرخص)) يقتضي أن هناك منع خص هذا منه؛ (١) هكذا في الأصل وفي ((الإصابة)) (٥/٤) غاير البغوي بين عاصم بن عدي العجلاني وبين عاصم والد أبي البداح فوهم. (٢) كذا في نسخة (الاستذكار)) (١٦/١٣) و((التمهيد)) (٢٥٢/١٧). (٣) انظر: ((المحلى)) (١٩٥/٥). (٤) ((المنتقى)) (٥١/٣). ٣٧٠ -- ------ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث لأن لفظ الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر، وذلك أن للرعاء عذراً في الكون مع الظهر الذي لا بدَّ من مراعاته، والرعي به للحاجة إلى الظهر في الانصراف إلى بعيد البلاد، وقال تعالى: ﴿أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوةً سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾﴾. فأبيح لهم ذلك لهذا المعنى، انتهى. وتقدم اختلافهم في البيتوتة بمنى، هل هو واجب أو سنة؟ لكنهم اتفقوا على سقوطه للرعاء، واختلفوا في أنه يختص السقوط بهم وبالسقاة، أو يعم أهل الأعذار كلها، وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى)) قال الحافظ (١): مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل، كالحطابين والرعاء، ووجوب المبيت قول الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية أنه سنة، ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف، ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل. وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس، أو بغير ذلك من الأوصاف المعتبرة في هذا الحكم؟ فقيل: يختص الحكم بالعباس وهو جمود، وقيل: يدخل معه آله، وقيل: قومه، وهم بنو هاشم، وقيل: كل من احتاج إلى السقاية، فله ذلك، ثم قيل أيضاً: يختص الحكم بسقاية العباس، حتى لو عملت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في المبيت لأجلها، ومنهم من عممه، وهو الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين. وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من الأكل وغيره؟ محل احتمال، وجزم الشافعية بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعاهده بأهل السقاية، كما جزم الجمهور بإلحاق الرعاء خاصة، وهو قول أحمد، واختاره ابن المنذر أعني الاختصاص بأهل السقاية، والرعاء (١) ((فتح الباري)) (٥٧٨/٣). ٣٧١ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث الإبل. والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر صاحب ((المغني))(١) وقال المالكية: يجب الدم في المذكورات سوى الرعاء، انتهى. قال الموفق(٢): يجوز للرعاة ترك المبيت بمنى، ليالي منى، ويؤخرون رمي اليوم الأول، ويرمون يوم النفر عن اليومين، لما عليهم من المشقة في المبيت والإقامة للرمي، وكذلك الحكم في أهل السقاية، إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس، فقد انقضى وقت الرعي، وأهل السقاية يشتغلون ليلاً ونهاراً فافترقا، والرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي، فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى، ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم؛ كالرعاء في ترك البيتوتة؛ لأن النبي ◌َّ رخص لهؤلاء تنبيهاً على غيرهم، أو نقول: نص عليه لمعنَى وُجِدَ في غيرهم، فوجب إلحاقه بهم، انتهى. وقال النووي(٣): من ترك مبيت منى لعذر فلا شيء عليه، والعذر أقسام: أحدها: أهل سقاية العباس يجوز لهم تركه، سواء تولى بنو العباس أو غيرهم، ولو حدثت سقاية للحجاج، فللقيم بشأنها ترك المبيت كسقاية العباس، (هذا هو المعتمد، وإن أطال الأسنوي وغيره في رده). الثاني: رعاء الإبل يجوز لهم ترك المبيت لعذر الرعي (ينبغي حمله على ماذا احتاجوا إليه ليلًا أو كانوا مع الذهاب إليه لا يمكنهم المجيء إلى المبيت وإن لم يحتاجوا إليه ليلًا، فلا منافاة بين هذا، وفرقه الآتي بين السقاة والرعاة) ومتى أقام الرعاء بمنى حتى غربت الشمس، لزمهم المبيت بها تلك الليلة، ولو (١) انظر: ((المغني)) (٣٢٥/٥، ٣٩٥). (٢) المصدر السابق (٣٧٨/٥، ٣٧٩). (٣) ((مناسك النووي)) (ص٣٥٩ - ٣٦٢). ٣٧٢ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث أقام أهل السقاية حتى غربت الشمس فلهم الذهاب إلى السقاية بعد الغروب؛ لأن شغلهم يكون ليلاً ونهاراً. الثالث: من له عذر بسبب آخر، كمن له مال يخاف ضياعه لو اشتغل بالمبيت، أو يخاف على نفسه، أو مال معه، أو له مريض يحتاج إلى تعهده، أو يطلب عبداً آبقاً أو يكون به مرض يشق معه المبيت أو نحو ذلك، فالصحيح أنه يجوز لهم ترك المبيت، ولهم أن ينفروا بعد الغروب، ولا شيء عليهم، انتهى بزيادة من شرحه لابن حجر. وقال الدردير(١): إن ترك المبيت بها جل ليلة فأكثر فدم، ولو لضرورة، ورخص لراع إبل فقط بعد رمي العقبة يوم النحر أن ينصرف إلى رعيه، ويترك المبيت ليلة الحادي عشر والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي فيه لليومين، وكذا يرخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة، فلا بد أن يأتي نهاراً للرمي ثم ينصرف؛ لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلًا، ويفرغه في الحياض. قال الدسوقي: قوله: ولو كان الترك لضرورة، أي لخوف على متاعه، وهو الذي يقتضيه مذهب مالك حسبما رواه عنه ابن نافع، فيمن حبسه مرض فبات بمكة، فإن عليه هدياً، وقوله: لراع إبل فقط؛ لأن الرخصة كما في (الموطأ)) عن أنس عن النبي ول لرعاة الإبل، ومعلوم أن الرخصة لا تتعدى محلها، وفي القياس عليها نزاع، وظاهر المصنف ((أي الشيخ خليل)) وابن شاش وابن الحاجب وابن عرفة الإطلاق، قلت: أي في رعاء الإبل ورعاء غير الإبل. وهو مختار الزرقاني، قوله: فيأتي اليوم الثالث ولا دم عليه لترك المبيت ولا لتأخير رمي اليوم الثاني لليوم الثالث، انتهى. قوله: في ترك المبيت (١) ((الشرح الكبير)) (٤٩/٢). ٣٧٣ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ، وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ، خاصة أي لا في ترك الإتيان يوم الحادي عشر والإتيان في الثاني عشر کالرعاة، انتهى. وفي ((الأنوار)) (١) عن ((حاشية الصاوي)): رخص مالك جوازاً لراعي الإبل فقط بعد رمي العقبة أن ينصرف إلى رعيه، ويترك المبيت ليلة الحادي عشر، والثاني عشر، ويأتي اليوم الثالث من أيام النحر، فيرمي فيه لليومين الذي فاته، والذي حضر فيه، ورخص لصاحب السقاية في ترك المبيت خاصة، فلا بد أن يأتي نهاراً للرمي، ثم ينصرف؛ لأن ذا السقاية ينزع الماء من زمزم ليلًا، ويفرغه في الحیاض، انتهى. وكذا قال الزرقاني(٢): إن أهل السقاية إنما يرخص لهم في ترك البيات بمنى لا في ترك رمي اليوم الأول من أيام الرمي، فيبيتون بمكة، ويرمون الجمار نهاراً، ويعودون لمكة، كما في ((الطراز المذهب))، انتهى. وقد عرفت فيما سبق أن المبيت بمنى سنة عندنا، ولو بات أكثر ليلها في غير منى كره تنزيهاً فضلًا للعذر. (يرمون يوم النحر) جمرة العقبة، قال الباجي: أخبر أن رميهم يوم النحر لا يتعلق به رخصة، ولا يغير عن وقته ولا إضافة إلى غيره (ثم يرمون الغد، أو من بعد الغد ليومين) هكذا في جميع النسخ الهندية من المتون والشروح، وعليه بنى كلامه شيخنا في ((المصفّى)) وصاحب ((المحلي))، وفي جميع النسخ المصرية بالواو، وعليه بنى الشراح المصرية من الزرقاني والباجي، ويؤيد الأول رواية محمد في ((موطئه))(٣) بلفظ ((أو))، وكذا في ((مسند أحمد)) و((المستدرك)) (١) (ص٧٤٩). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٢/٢). (٣) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٠٧/٢). ٣٧٤ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث للحاكم، ونسخة الخطابي على أبي داود المصرية، ويؤيد الثاني ما في أكثر النسخ المصرية (١) والهندية من المتون والشروح لأبي داود. والأوجه عندي رواية ودراية الأول، اختلفوا في تفسير هذا الكلام ومصداق هذين اليومين ويوم الرمي لهما، فقال الباجي(٢): يريد أنه يرمي لليومين الغد ومن بعد الغد، فذكر الأيام التي يرمي لها وهي الغد من يوم النحر وبعد الغد، وهما أول أيام التشريق، وثانيهما، ولم يذكر وقت الرمي، وإنما يرمي لهما في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال. ولذا جمع بينهما في اللفظ، فقال ليومين وقد فسر ذلك مالك، انتهى. وقال الزرقاني(٣): ظاهره أنهم يرمون لهما في يوم النحر وليس بمراد، كما بينه الإمام بعد، انتهى. وفي ((المحلى)): ((ثم يرمون الغد)) من يوم النحر، وهو اليوم الحادي عشر إن شاء، وذلك هو العزيمة، ((أو من بعد الغد ليومين)) لذلك اليوم واليوم الماضي إن لم يرم من الغد من يوم النحر، فقوله: يومين متعلق بقوله: أو من بعد الغد، وهذا المعنى على مذهب مالك والشافعي وغيره ممن لم يُجَوّز تقديم الرمي على يومه؛ لأنه لا قضاء، حتى يجب، وإلا فظاهر الحديث أنهم بالخيار إن شاءوا رموا يوم القَرِّ لذلك اليوم، ولما بعده، وإن شاءوا أخّروا، فرموا يوم النفر الأول ليومين، وبه قال بعضهم، والنسائي: أنه مَ ◌ّ رخص للرعاء في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا بين رمي يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما، انتهى. قلت: وبنحو هذا ذكره الترمذي (٤)، ولفظه ((رخص رسول الله وَل لرعاء (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢١٦/١٣). (٢) ((المنتقى)) (٥١/٣). (٣) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٧٠/٢). (٤) أخرجه الترمذي في الحج (٩٥٥) ((باب ما جاء في الرخصة للرعاء)) إلخ. ٣٧٥ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١٠) حديث ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ . أخرجه أبو داود في: ١١ - كتاب المناسك (الحج)، ٧٧ - باب في رمي الجمار. والترمذيّ في: ٧ - كتاب الحج، ١٠٨ - باب ما جاء في الرخصة للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً. والنسائيّ في: ٢٤ - كتاب الحج، ٢٢٥ - باب رمي الرعاة. وابن ماجه في: ٢٥ - كتاب المناسك (الحج)، ٦٧ - باب تأخير رمي الجمار من عذر. الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر، فيرمونه في أحدهما)) وهكذا لفظ ابن ماجه، وهكذا في رواية لأحمد، فهذه الروايات كلها مؤيدة للتخيير في أي اليومين شاء رمى لليومين، وإلى ذلك ذهب بعضهم، كما حكاه الخطابي، إذ قال: قال بعضهم: هم بالخيار إن شاءوا قدموا، وإن شاءوا أخّروا، انتهى. لكن الجمهور لم يقولوا بجمع التقديم، فأوَّلُوا الحديث إلى جمع التأخير، كما سيأتي في تفسير الإمام مالك، قال الطيبي: أي رخّص لهم أن لا يبيتوا بمنى، وأن يرموا يوم العيد جمرة العقبة فقط، ثم لا يرموا في الغد، بل يرموا بعد الغد رمي اليومين القضاء والأداء، ولم يجوز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي في الغد. قال القاري في ((المرقاة)): وهو كذلك عند أئمتنا، انتهى. أي عدم جواز التقديم. (ثم يرمون يوم النفر) بفتح النون وإسكان الفاء أي الإنصراف من منى، قال الباجي(١): يحتمل وجهين، أحدهما أن يريد أنهم يرمون ليومين، يرمون للأول، ثم يرمون يوم النفر، وهو يوم رميهم؛ لأنه يوم النفر الأول، فيكون (١) ((المنتقى)) (٥٢/٣). ٣٧٦ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١١) حديث ٢١٩/٩١١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاح؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ؛ أَنَّهُ أُرْخِصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ. قوله: ((ثم يرمون يوم النفر)) تفسيراً لأحد اليومين اللذين يرمي لهما، واستغنى عن ذكر الأول بقوله: (يرمون ليومين)) ثم بين اليوم الثاني منهما، فعلم بذلك اليوم الأول، وعلى هذا يكون يوم النفر المذكور في الحديث يوم النفر الأول، لمن أراد أن يتعجل، ويكون فائدة قوله: ((ثم يرمون ليوم النفر)) أنه لا يجوز أن يرمي للثاني حتى يكمل رمي اليوم الأول. والوجه الثاني: إن استأنف بقوله: ثم يرمون يوم النفر لمن لم يرد التعجيل، فالمراد بقوله: يوم النفر الثاني وهو الثالث من أيام التشريق وعلى هذا فسر مالك الحدیث، انتهى. قلت: وعلى هذا فسر الحديث عامة شراحه، قال الطيبي: أراد بيوم النفر هاهنا النفر الكبير، انتهى. وبه جزم الشيخ في ((البذل))، ومولانا عبد الحي في (التعليق الممجد))(١)، وغيرهما في غيرهما . ٢١٩/٩١١ - (مالك، عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه أرخص) ببناء المجهول (للرعاء أن يرموا بالليل) الآتية لما فاتهم من الرمي بالنهار، قال الباجي (٢): إنما أبيح لهم ذلك؛ لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل؛ لأن الليل وقت لا ترعى فيه الإبل، ولا تنتشر، فيرمون في ذلك الوقت. وقال ابن الموّاز: إن رعوا بالنهار، ورموا بالليل، فلا بأس به، ويحتمل أيضاً أن يرموا على هذا في كل ليلةٍ لاستغنائهم في ذلك الوقت عن حفظ الإبل على وجه الرعي، ويحتمل إن كان في ذلك عليهم مشقة أن يكون رميهم بالليل على حكم رميهم بالنهار من الجمع، انتهى. (١) (٤٠٨/٢). (٢) ((المنتقى)) (٥٢/٣). ٣٧٧ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١١) حديث يَقُولُ: فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ . (يقول) عطاء: ثبتت هذه الرخصة (في الزمان الأول) في الباجي: يقتضي إطلاقه في زمن النبي ◌َّ: لأنه أول زمان هذه الشريعة، فعلى هذا هو مرسل، ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء، فيكون موقوفاً متصلًا، انتهى. وفي ((المحلى)): في الزمان الأول أي عهده وَّ، وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه وُّ رخص للرعاء أن يرموا ليلًا، ورواه الدارقطني، وزاد: ((وأية ساعة شاءوا من نهار))، وبه قال الجمهور: إنه يجوز الرمي بالليل، انتهى. وفي ((الهداية)): إن أخره إلى الليل رماه، ولا شيء عليه لحديث الرعاء. قال الحافظ(١) في ((الدراية)): البزار من حديث ابن عمر بلفظ ((رخص لرعاء الإبل أن يرموا بالليل))، وفيه مسلم بن خالد الزنجي مختلف فيه، وأخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وزاد: ((أو أي ساعة شاءوا من النهار))، وفي إسناده أبو عمرو ضعيف. وروى ابن أبي شيبة عن ابن عيينة عن ابن جريج عن عطاء مرسلًا مثله، ووصله في ((مسنده)) بذكر ابن عباس، لكنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن عطاء، ولم يسمعه عبد الرحمن عن عطاء، وإنما رواه عن إسحاق بن أبي فروة أحد المتروكين، وهو عند مسدد والطبراني من طريقه، انتهى. ... وقال الزرقاني(٢): قوله: في الزمان الأول، أي زمان الصحابة وبهم القدوة، وبهذا قال محمد بن المواز، وهو كما قال بعضهم وفاق للمذهب؛ لأنه إذا أرخص لهم في تأخير اليوم الثاني، فرميهم بالليل أولى، انتهى. وقال الدسوقي(٣): قال محمد: يجوز لهم أن يأتوا ليلًا، فيرمون ما فاتهم (١) ((الدراية على هامش الهداية)) (٢٥٢/١) ط - الهند. (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/٢). (٣) ((حاشية الدسوقي)) (٤٩/٢). ٣٧٨ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١١) حديث قَالَ مَالِكٌ: تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَرْخَصَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَه لِرِعَاءِ الإِبل فِي تَأْخِيرِ رَمْي الْجِمَارِ، فِيمَا نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُمْ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَإِذَا مَضى الَّيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ رَمَوْا مِنَ الْغَدِ. وَذُلِكَ يَوْمُ النَّفْرِ الأَوَّلِ، فَيَرْمُونَ لِلْيَوْمِ الَّذِي مَضى. ثُمَّ يَرْمُونَ لِيَوْمِهِمْ ذُلِكَ، رميه نهاراً، واستظهره ح ولكنه ضعيف، كما قال طفي: تقصر الرخصة على موردها ، انتهى. نعم هو موافق لمذهب الجمهور، فإن الوقت الاختياري وإن كان عندهم إلى الغروب، لكنه في حق غير المعذور، أما المعذور فلا إساءة في حقه في الرمي ليلًا، كما تقدمت النصوص. (قال) الإمام (مالك: تفسير الحديث): أي حديث عاصم بن عدي المذكور (الذي أرخص) ببناء الفاعل (فيه رسول الله وَ ل٤- لرعاء الإبل) خاصة، أو رعاء غيرها أيضاً مختلف فيه حتى عند المالكية أيضاً كما تقدم (في رمي الجمار) هكذا في جميع النسخ الهندية. وفي جميع المصرية: ((في تأخير رمي الجمار)) (فيما نرى) بضم النون أي نظن في تفسير قوله وَّر (والله أعلم) بمراد رسوله (أنهم) أي الرعاة (يرمون يوم النحر) جمرة العقبة كسائر الناس، ثم ينصرفون لرعيهم، فيغيبون عن منى في أول أيام التشريق، وهو اليوم الذي يلي يوم النحر. (فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد) أي من غد هذا اليوم الذي يلي يوم النحر، وهو اليوم الثالث من أيام النحر، واليوم الثاني من أيام التشريق، (وذلك يوم النفر الأول فيرمون) بالفاء في النسخ المصرية(١)، وبدونها في الهندية أي يرمون في هذا اليوم (لليوم الذي مضى) أي لليوم الحادي عشر (ثم يرمون ليومهم ذلك) أي لليوم الثاني عشر، والترتيب بين رمي اليومين واجب عند الجمهور. (١) في: ((الاستذكار)) أيضاً (٢١٧/١٣) بالفاء. ٣٧٩ ٢٠ - كتاب الحج (٧٢) باب (٩١١) حديث قال الموفق(١): إذا أخّر رمي يوم إلى ما بعده، أو أخّر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق، ترك السنة، ولا شيء، عليه، إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد رماها، وعليه بكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعاً رماها، وعليه دم. ولنا، أن أيام التشريق وقت للرمي، فإذا أخّره من أول وقته إلى آخره، لم يلزمه شيء، قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاءً؛ لأنه وقت واحد، والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها، كالحكم في رمي أيام التشريق، وإنما قلنا: يلزمه الترتيب بنية، لأنها عبادات يجب الترتيب فيها مع فصلها في أيامها، فوجب ترتيبها مجموعة، كالصلاتين المجموعتين والفوائت، انتھی . وقال النووي في ((مناسكه))(٢): إذ ترك شيئاً من الرمي نهاراً، فالأصح أنه يتداركه، فيرميه ليلاً أو فيما بقي من أيام التشريق، سواء تركه عمداً أو سهواً، وإذا تداركه فيها، فالأصح أنه أداء لا قضاء، وإذا لم يتداركه حتى زالت الشمس من اليوم الذي يليه، فالأصح أنه يجب عليه الترتيب، فيرمي أولًا عن اليوم الفائت، ثم عن الحاضر، ومتى تدارك فرمى في أيام التشريق فائتها، أو فائت يوم النحر، فلا دم عليه، انتهى. وقال الباجي(٣): أما من نسي الجمار كلها في أيام منى، فذكر ذلك في آخر أيام التشريق بعد الزوال، فإنه يرمي لليوم الأوّل على سنته، ثم يرمي لليوم (١) ((المغني)): (٣٣٣/٥). (٢) (ص٢٦٦). (٣) ((المنتقى)) (٥٥/٣). ٣٨٠ ----------