النص المفهرس

صفحات 341-360

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
الشمس، فإن غربت الشمس وهو بها، لم يخرج حتى يرمي من غد بعد
الزوال، قال الموفق: فإن غربت قبل خروجه من منى لم ينفر، سواء كان
ارتحل أو كان مقيماً في منزله، لم يجز له الخروج، وهذا قول عمر وجابر بن
زيد وعطاء وطاوس ومجاهد وأبان بن عثمان ومالك والثوري والشافعي
وإسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم
الثالث؛ لأنه لم يدخل اليوم الآخر، فجاز له النفر.
ولنا، قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ واليوم اسم
للنهار، فمن أدركه الليل فما تعجّل في يومين، قال ابن المنذر: وثبت عن عمر
- رضي الله عنه - أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد،
انتھی .
قال الدردير(١): فإن غربت، وهو بمنى لم يبح له التعجيل، بل لزمه
المبيت. ورمي اليوم الثالث، قال الدسوقي: أشار بهذا إلى أن شرط جواز
التعجيل أن يجاوز جمرة العقبة قبل غروب الشمس من اليوم الثاني من أيام
الرمي، فإن لم يجاوزها إلا بعد الغروب لزمه المبيت بمنى ورمي الثالث، وكأنه
التزم رميه، ثم إن ما ذكره من شرط التعجيل، إذا كان المتعجل من أهل مكة،
وأما إن كان من غيرها، فلا يشترط خروجه من منى قبل الغروب، وإنما يشترط
نية الخروج قبل الغروب من الثاني، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه)) (٢): ومن أراد النفر الأول نَفَرَ قبل غروب
الشمس، ولو لم ينفر حتى غربت وهو بَعْدُ في منَّى، لزمه المبيت بها والرمي
في اليوم الثالث، ولو رحل فغربت الشمس قبل انفصاله من منى، فله
(١) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٤٩/٢).
(٢) (ص٣٧١، ٣٧٢).
٣٤١

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
الاستمرار في السير، ولا يلزمه المبيت ولا الرمي، ولو غربت وهو في شغل
الارتحال، جاز له النفر على الأصح، انتهى.
وجواز الارتحال إذا كان في شغله عند الغروب، هو رأي ابن حجر،
وذكر فيه الاختلاف في هامش ((روضة المحتاجين)).
وفي ((الهداية))(١): له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع، فإذا
طلع الفجر من اليوم الرابع لم يكن له أن ينفر لدخول وقت الرمي، وفيه خلاف
الشافعي .
قال العيني في ((البناية)): فعنده لا يجوز إذا غربت الشمس من اليوم.
الثاني عشر، وبه قال مالك وأحمد، وهو رواية عن أبي حنيفة لما روي عن
عمر - رضي الله عنه - من أدركه المساء، الحديث، قلنا: الليل ليس بوقت
لرمي اليوم الرابع؛ لأن ليلة يوم الرابع ملحقة باليوم الثالث، في حق الرمي
بدليل أنه لو ترك رمي اليوم الثالث، ورمى في هذه الليلة يجوز، وما روي عن
عمر - رضي الله عنه - غير مشهور، ولو ثبت يحمل على الأفضلية، انتهى.
قلت: ولذا قالت الحنفية: يكره له النفر بعد الغروب، قال القاري(٢):
فإن لم ينفر حتى غربت الشمس يكره له الخروج في تلك الليلة عندنا، ولا
يجوز عند الشافعي أن ينفر حتى يرمي في اليوم الرابع، فلو نفر من الليل قبل
طلوع الفجر من اليوم الرابع لا شيء عليه أي من الجزاء، وإنما يكره له، وقد
أساء لتركه السنة، ولا يلزمه رمي اليوم الرابع في ظاهر الرواية، وهو المذكور
في المتون، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يلزمه الرمي إن لم ينفر قبل
الغروب، وليس له أن ينفر بعده حتى لو نفر يلزمه دم، كما لو نفر بعد طلوع
(١) (١٤٦/١).
(٢) ((شرح اللباب)) (ص ١٣٠).
٣٤٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
الفجر، وهو قول الأئمة الثلاثة، ولو نفر بعد طلوع الفجر قبل الرمي يلزمه الدم
اتفاقاً، انتهى.
وأما حكم التعجيل، فقد قال الباجي(١): إن الحاج إمام أو مؤتم، أما
الإمام فقد قال مالك: ما يعجبني ذلك له، رواه ابن عبد الحكم، فإنه يقتدى به
والتأخير له أفضل؛ لأنه إتمام للمناسك، والإتيان بالعبادة والنسك على أكمل
هيآتها، قاله الشيخ أبو بكر. وأما من ليس بإمام، فلا يخلو أن يكون مكياً، أو
غير مكي، فإن كان مكياً، فقد اختلف قول مالك فيه، روى عنه ابن القاسم أنه
قال: لا أرى لهم ذلك، إلا أن يكون لهم عذر من تجارة أو قرض، قال ابن
القاسم: وقد كان قال لي قبل ذلك: لا بأس به، وهو كأهل الآفاق، قال ابن
القاسم: وهو أحبّ قوله إلي، قال تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ الآية. وهذا
عام في أهل مكة وغيرهم.
وجه القول الأول أنه لا عذر لأهل مكة في سرعة النفر، وأما أهل
الآفاق فالمشهور من المذهب أن لهم ذلك، وإن أقاموا بمكة، وقد قال ابن
الماجشون وابن حبيب: إن ذلك لأهل مكة، وليس ذلك لغيرهم، إلا بشرط أن
لا يبيتوا بمكة في اليوم الثالث، وجه القول الأول قوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾
الآية، وجه القول الثاني ما احتج به ابن الماجشون أن المكي يرجع إلى بيته،
وقد انتهى سفره، وغير المكي مقامه بمنى كمقامه بمكة، فإنه يجوز له التعجل
إذا احتاج إلى سرعة السفر، فلا يبيت بمكة، انتهى.
قال الدردير(٢): التعجيل جائز قبل الغروب، ولو بات المتعجل بمكة أو
مكياً، لكن يكره التعجيل للإمام، قال الدسوقي: قوله: التعجيل جائز، أي
(١) ((المنتقى)) (٤٨/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٩/٢).
٣٤٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٦) حديث
جوازاً مستوى الطرفين، لا أنه مستحب، ولا خلاف الأولى، وقوله: ولو بات
المتعجل، مبالغةً، ورُدَّ به قولُ عبد الملك وابن حبيب: إن من بات بمكة، فقد
خرج عن سنة التعجيل، فيلزمه أن يرجع، فيرمي لليوم الثالث، وعليه الدم
لمبيته بمكة، ورُدَّ بقوله: أو مكياً، على ما رواه ابن القاسم عن مالك: لا أرى
التعجيل لأهل مكة، ولا يكون لهم عذر من تجارة أو مرض قاله ابن القاسم
في ((العتبية))، وقد كان مالك قبل ذلك يقول: لا بأس بتعجيلهم، وهم كأهل
الآفاق، وقوله: لكن يكره التعجيل للإمام، أي لأمير الحج، وهذا استدراك
على قوله: والتعجيل جائز، أفاد به أن الجواز بالنسبة لغير الإمام، وأما هو،
فیکره له، انتھی.
قال الموفق (١): أجمع أهل العلم على أن من أراد الخروج من منى
شاخصاً عن الحرم غير مقيم بمكة أن ينفر بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام
التشريق، فإن أحب الإقامة بمكة، فقال أحمد: لا يعجبني لمن ينفر النفر الأول
أن يقيم بمكة، وكان مالك يقول في أهل مكة: من كان له عذر فله أن يتعجل
في يومين، فإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا، ويحتج من ذهب
إلى هذا بقول عمر - رضي الله عنه -: من شاء من الناس كلهم، أن ينفر في
النفر الأول إلا آل خزيمة، فلا ينفر إلا في النفر الآخر. جعل أحمد وإسحاق
معنى قول عمر، - رضي الله عنه - إلا آل خزيمة أي أنهم أهل حرم مكة.
والمذهب جواز النفير في النفر الأول لكل أحد، وهو قول عامة العلماء؛
لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِ يَوْمَيْنِ﴾ الآية، قال عطاء: هي للناس عامة، وروى
أبو داود وابن ماجه، عن عبد الرحمن بن يعمر أن رسول الله وسلم قال: ((أيام
منى ثلاثة، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه))، الحديث. قال ابن عيينة: هذا
أجود حديث، رواه سفيان، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك، ولأنه دفع
(١) ((المغني)) (٣٣١/٥).
٣٤٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٧) حديث
٩٠٧/ ٢١٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا، إِذَا رَمَوُا الْجِمَارَ، مَشَوْا ذَاهِبِينَ
وَرَاجِعِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ رَكِبَ، مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ .
من مكان فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم، كالدفع من عرفة ومن مزدلفة. وكلام
أحمد في هذا أراد به الاستحباب موافقةً لقول عمر - رضي الله عنه -، انتهى.
قال النووي في ((مناسكه))(١): وهذا النفر وإن كان جائزاً، فالتأخير إلى
اليوم الثالث أفضل، قال ابن حجر: قوله: أفضل، أي إلا لعذر، كغلاء أو غيره
سواءٌ في ذلك الإمام وغيره، ولكن في ((المجموع)) عن ((الأحكام السلطانية)):
أنه ليس للإمام النفر الأول؛ لأنه متبوع، فلا ينفر إلا بعد إتمام النسك، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): إن أراد أن يتعجل النفر نفر إلى مكة، وإن أراد أن
يقيم، رمى الجمار الثلاث في اليوم الرابع، والأفضل أن يقيم، لما روي أن
النبي ◌َّ صبر حتى رمى في اليوم الرابع.
٢١٥/٩٠٧ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أن الناس) أي الصحابة (كانوا إذا
رموا الجمار مشوا) على أقدامهم غير راكبين (ذاهبين) إلى الرمي (وراجعين) عن
الرمي، قال الباجي(٣): يريد في أيام التشريق، وأما رمي جمرة العقبة فإن
الراكب يأتي على راحلته فيرميها راكباً، انتهى.
(وأول من ركب) قال الباجي: لعله يريد من الأئمة، وممن يقيم للناس
أمر الحج (معاوية بن أبي سفيان) قال الباجي: ولعله أيضاً ركب لعذر، انتهى.
وقال الزرقاني(٤): لعذره بالسمن، وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: أن
(١) (ص٣٧١).
(٢) (١٤٦/١).
(٣) ((المنتقى)) (٤٨/٣).
(٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٠/٢).
٣٤٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٧) حدیث
ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يمشي إلى الجمار مقبلًا ومدبراً، وروى أبو
داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يرمي الجمار في الأيام الثلاثة
بعد يوم النحر، ماشياً ذاهباً وراجعاً، ويخبر أن النبي ◌َّ كان يفعل ذلك،
ولابن أبي شيبة: أن جابر بن عبد الله كان لا يركب إلا من ضرورة، وفي
((المحلى على الموطأ)): قال ابن المنذر: وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم
یرمون ماشياً، انتهى.
وفي ((العيني(١) على البخاري)) قال: ابن المنذر ثبت أن النبي ◌َّ رمى
الجمرة يوم النحر راكباً، وقال ابن حزم: يرميها كلها راكباً، ويرد قوله ما رواه
الترمذي مصححاً عن ابن عمر: أنه كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهباً
وراجعاً، ويخبر أن النبي ◌َ ◌ّه يفعل ذلك، وقد أجمع العلماء على جواز الأمرين
معاً .
واختلفوا في الأفضل من ذلك، فذهب أحمد وإسحاق إلى استحباب
الرمي ماشياً، وروى البيهقي بإسناده إلى جابر - رضي الله عنه - أنه كان يكره
أن يركب إلى شيء من الجمار إلا من ضرورة، وذهب مالك إلى استحباب
المشي في رمي أيام التشريق، وأما جمرة العقبة يوم النحر، فيرميها على حسب
حاله كيف كان، وقال القاضي عياض: ليس من سنة الرمي الركوب له ولا
الترجل، ولكن يرمي الرجل على هيئته التي يكون حينئذٍ عليها من ركوب أو
مشي، ولا ينزل إن كان راكباً لرمي، ولا يركب إن كان ماشياً، وأما الأيام
بعدها، فيرمي ماشياً؛ لأن الناس نازلون منازلهم بمنى، فيمشون للرمي، ولا
يركبون؛ لأنه خروج عن التواضع حينئذ، هذا مذاهب مالك، انتهى.
وروى البيهقي بإسناده إلى عطاء بن أبي رباح قال: رمي الجمار ركوب
(١) ((عمدة القاري)) (٣٥٦/٧).
٣٤٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٧) حديث
يومين ومشي يومين، وحمله البيهقي على ركوب اليوم الأول والأخير.
وحكى النووي في ((شرح مسلم))(١) عن الشافعي وموافقيه: أنه يستحب
لمن وصل راكباً أن يرمي راكباً، ولو رمى ماشياً جاز، ومن وصلها ماشياً
فيرميها ماشياً، قال: وهذا في يوم النحر، وأما اليومان الأولان من أيام
التشريق، فالسنة أن يرمي فيهما الجمرات الثلاثة ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي
راكباً، وقال أصحابنا الحنفية: كل رمي بعده رمي كالجمرتين الأوليين في
الأيام الثلاثة، يرمي ماشياً، وإن لم يكن بعده رمي، كرمي جمرة العقبة
والجمرة الأخيرة في الأيام الثلاثة، فيرمي راكباً هذا هو الفضيلة، وأما الجواز
فثابت كيفما كان، انتهى.
قال الموفق(٢): ويرميها راكباً أو راجلًا كيفما شاء؛ لأن النبي ◌ّ رماها
على راحلته، رواه جابر وابن عمر وأم أبي الأحوص وغيرهم. وقال نافع: كان
ابن عمر - رضي الله عنهما - يرمي جمرة العقبة على دابته يوم النحر، وكان لا
يأتي سائرها بعد ذلك إلا ماشياً ذاهباً وراجعاً، وزعم أن النبي ◌َّ كان لا
يأتيها إلا ماشياً ذاهباً وراجعاً، رواه أحمد في ((المسند)).
وفي هذا بيان للتفريق بين هذه الجمرة وغيرها، ولأن رمي هذه الجمرة
مما يستحب البداية به في هذا اليوم عند قدومه، ولا يسن عندها وقوف، ولو
سن له المشي، لَشَغَلَه النزولُ عن البداية بها، والتعجيل إليها بخلاف سائرها،
انتهى .
وقال النووي في ((مناسكه))(٣) في جمرة العقبة: يرميها راكباً إن أتى منى
(١) (٤٥/٩/٥).
(٢) ((المغني)) (٢٩٣/٥).
(٣) (ص٣٧٠).
٣٤٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٧) حديث
راكباً، هكذا ثبت في الصحيح عن رسول الله وحملة، ويستحب أن يرمي في
اليومين الأولين من أيام التشريق ماشياً، وفي اليوم الثالث راكباً، لأنه ينفر فيه
عقب رمیه فیستمر علی رکوبه.
قال ابن حجر: هو المعتمد كما في ((الروضة))، وأصلها، ونص عليه في
((الإملا))، ونصه في ((الأم)) على ما يوهم اختصاص الركوب بجمرة العقبة فقط،
مؤول بقرينة نصه الأول. ومقتضى تعليل المصنف الذي ذكره في ((الروضة))
أيضا ندب الركوب عند النفر الأول أيضاً.
وروى البيهقي عن ابن عمر أنه لو كان يرمي في الأيام الثلاثة بعد النحر
ماشياً ذاهباً وراجعاً، وصححه الترمذي، لكن في بعض رواته مقال، قيل: وله
عاضد فهو حسن، وعلى كل فهو إما حسن أو ضعيف، فيكون حجة في ندب
المشي خلاف ما مشوا عليه، وكأنهم فهموا من قول الراوي: ذاهباً وراجعاً،
اختصاصَ ذلك بغير يوم النفر؛ لأن يوم النفر لا رجوع فيه، ويكون التعبير
حينئذ بالأيام الثلاثة لبيان مطلق الرمي لا بقيد كونه مع الركوب أو المشي،
وحكمته إفادة أنه يثير لم يكن ينفر، النفر الأول بل كان يتأخر إلى النفر الثاني،
انتھی .
قال الدردير(١): ندب رميه العقبة حين وصوله منى وإن راكباً، وندب
المشي في غيرها، أي غير جمرة العقبة يوم النحر، فيشمل المشي فيها في غير
يوم النحر، قال الدسوقي: قوله: وإن راكباً، أي يندب أن يرميها حين وصوله
على الحالة التي وصلها من ركوب أو مشي، فلا يصبر حتى ينزل أو يركب؛
لأن فيه عدم الاستعجال برميها، انتهى.
قال الباجي(٢): وقد قال مالك في ((المبسوط)): الشأن يوم النحر أن يرمي
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٥/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٤٨/٢).
٣٤٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٧) حديث
جمرة العقبة راكباً، كما يأتي الناس على دوابّهم، وأما في غير يوم النحر،
فكان يقول: يرمي ماشياً، والأصل في ذلك أنه يرمي جمرة العقبة متصلة
بوروده، وأما في سائر الأيام، فإن المشي إليها تواضع، ويحتاج إلى الدعاء
عند الجمرتين، فلو ركب الناس لضاق بهم المكان، انتهى.
وفي ((شرح اللباب))(١): الأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكباً وغيرها ماشياً
في جميع أيام الرمي؛ لأنه يعقب الرواح إلى الرحل، وهذا مختار كثير من
المشايخ، كصاحب ((الهداية)) و((الكافي)) و((البدائع))(٢) وغيرهم، وهو مروي عن
أبي يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: الرمي كله راكباً أفضل، كما روي أنه مَله
فعل كذلك.
وفي ((الظهيرية)): أطلق استحباب المشي إلى الجمار، ولعله حمل فعله وَل
على بيان الجواز ورفع الحرج عن الأمة أو العذر، كما قيل في الطواف
والسعي، وأما ما ذكره في (الكبير)) من أن هذا هو المروي من فعله وَلّ أيضاً
في غير جمرة العقبة يوم النحر، فإنه رماها راكباً وسائر ذلك ماشياً، على ما
رواه غير واحد من أئمة الحديث مصححاً، ففيه بحث؛ لأنه معارض لما سبق،
فيحتاج إلى الترجيح لعدم إمكان الجمع، فإنه وَّر لم يحج إلّ حجة واحدة،
اللَّهم إلا أن يقال: إنه رمى يوماً راكباً ويوماً ماشياً، وأما ما ذكره في ((مقدمة
الغزنوي)) من أنه يصلي ركعتين عند الجمرات بعد الدعاء، إلا في جمرة العقبة،
فإنه لا يدعو، ولكن يصلي، فليس في المشاهير من الكتب الفقهية، ولا في
الأحاديث المروية، انتهى.
وفي ((الدر المختار)) (٣): جاز الرمي كله راكباً، ولكنه في الأولين ماشياً
(١) (ص١٢٩).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٦١/٢).
(٣) (٥٨٤/٢).
٣٤٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
٢١٦/٩٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ
الْقَاسِمِ: مِنْ أَيْنَ كَانَ الْقَاسِمُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ؟ فَقَالَ: مِنْ حَيْثُ
تَسَّرَ .
أفضل، لا في الأخيرة أي العقبة، لأنه ينصرف، والراكب أقدر عليه، وأطلق
أفضلية المشي في ((الظهيرية))، ورجحه الكمال وغيره.
قال ابن عابدين: والتفصيل قول أبي يوسف، وله حكاية مشهورة ذكرها.
الطحطاوي وغيره، وهو مختار كثير من المشايخ، كصاحب ((الهداية)) وغيره،
وأما قولهما فذكر في ((البحر)): أن الأفضل الركوب في الكل على ما في
(الخانية))، والمشي في الكل على ما في ((الظهيرية))، وقال: فتحصل أن في
المسألة ثلاثة أقوال، قوله: ورجحه ((الكمال)) أي بأن أداءها ماشياً أقرب إلى
التواضع والخشوع، وخصوصاً في هذا الزمان، فإن عامة المسلمين مشاة في
جميع الرمي، فلا يؤمن الأذى بالركوب بينهم بالزحمة، ورميه وَّه راكباً إنما
هو ليظهر فعله، ليقتدى به، كطوافه راكباً، انتهى.
٢١٦/٩٠٨ - (مالك، أنه سأل عبد الرحمن بن القاسم من أين) أي من
أي موضع (كان) أبوك (القاسم) بن محمد بن أبي بكر - رضي الله عنه - (يرمي
جمرة العقبة؟ فقال: من حيث تيسر) ذكر في ((المحلى)): أي من العقبة من
أسفلها وأعلاها وأوسطها كل ذلك واسعٌ، لكن السنة عند الجمهور كونه من
بطن الوادي، انتهى.
وقال الزرقاني(١): من حيث تيسَّرَ أي من بطن الوادي بمعنى أنه لم يعين
محلا منها للرمي، وليس المراد من فوقها أو تحتها أو بظهرها، لما صح أن
النبي ◌َ ◌ّ رماها من بطن الوادي، وفي ((الصحيحين)) عن عبد الرحمن بن يزيد
قال: رمى عبد الله يعني ابن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادي، فقلت: يا أبا
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٠/٢).
٣٥٠
-----
----

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
عبد الرحمن! إن أناساً يرمونها من فوقها، فقال: والذي لا إله غيره هذا مقام
الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
قلت: وفي حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره: ((حتى أتى الجمرة التي
عند الشجرة، فرماها بسبع حصيات، رمى من بطن الوادي، ثم انصرف))،
ولابن أبي شيبة وغيره من حديث عطاء: ((أن النبي ◌َّ كان يعلو إذا رمى
الجمرة)). وجُمع بأن التي ترمى من بطن الوادي هي جمرة العقبة، وما لابن
أبي شيبة في الجمرتين الأوليين، وترجم البخاري في صحيحه ((باب رمي
الجمار من بطن الوادي))، وذكر فيه حديث ابن مسعود المذكور.
قال الحافظ(١): كأنه أشار بذلك إلى رد ما رواه ابن أبي شيبة وغيره عن
عطاء، لكن يمكن الجمع بين هذا وبين حديث الباب بأن التي ترمى من بطن
الوادي هي جمرة العقبة، لكونها عند الوادي بخلاف الجمرتين الأخريين،
ويوضح ذلك قوله في حديث ابن مسعود: ((حين رمى جمرة العقبة))، وكذا روى
ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون عن عمر - رضي الله عنه -:
أنه رمى جمرة العقبة في السنة التي أصيب فيها، وفي غيرها من بطن الوادي،
ومن طريق الأسود: رأيت عمر - رضي الله عنه - رمى جمرة العقبة من فوقها،
وفي إسناد هذا الثاني حجاج بن أرطاة، وفيه ضعف، وقد أجمعوا على أنه من
حيث رماها جاز، سواء استقبلها أو جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو
أسفلها أو وسطها، والخلاف في الأفضل، انتهى.
وفي ((العيني (٢) على البخاري)): قال ابن بطال: رمي جمرة العقبة من
حيث تيسر من العقبة، من أسفلها أو أعلاها أو وسطها، كل ذلك واسعٌ،
(١) (فتح الباري)) (٥٨٠/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٧٣/٧).
٣٥١

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
فالموضع الذي يختار بها بطن الوادي، من أجل حديث ابن مسعود، وكان
جابر بن عبد الله يرميها من بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم، وهو قول
الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك: رميها من أسفلها أحب إليّ،
وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه جاء والزحام عند الجمرة، فصعد
فرماها من فوقها، انتهى.
قال الموفق(١): إذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة، فيرميها بسبع حصيات،
ويستبطن الوادي، ويستقبل القبلة، ثم ينصرف، وهذا بجملته قول من علمنا
قوله من أهل العلم، وإن رماها من فوقها جاز؛ لأن عمر - رضي الله عنه -
جاء والزحام عند الجمرة، فرماها من فوقها، والأول أفضل؛ لما روي عن ابن
مسعود، متفق عليه. قال الترمذي: هذا حديث صحيح، والعمل عليه عند أكثر
أهل العلم، انتهى.
وفي ((الروض المربع))(٢): نُدِب أن يستبطن الوادي، وأن يستقبل القبلة،
وأن يرمي على جانبه الأيمن، وقال في رمي الجمرات بعد ذلك: ويكون
مستقبل القبلة في الكل.
وقال النووي في ((مناسكه)) (٣): الصحيح المختار في كيفية وقوفه ليرميها
أن يقف تحتها في بطن الوادي، فيجعل منى عن يمينه، ومكة عن يساره،
ويستبقل العقبة ثم يرمي. وقيل: يقف مستقبل الجمرة مستدبر الكعبة، وقيل:
يستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه، والحديث الصحيح يدل على الأول
تصريحاً .
(١) ((المغني)) (٢٩١/٥، ٢٩٢).
(٢) (٥١٣/١).
(٣) (ص٣١٢).
٣٥٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
قال ابن حجر في ((شرح المناسك)): محل استحباب الكيفية الأولى في
يوم النحر فقط، أما في رمي أيام التشريق، فيستوي جمرة العقبة وغيرها في
سنِّ استقبال القبلة، كما يفهمه من صنيع ((الروضة))، ومن ثَمَّ قال العز بن
جماعة: إن الشيخين اتفقا على عدم استقبال الجمرة في أيام التشريق، واختلفا
في يوم النحر، انتهى.
وكأن وجه اختصاصها بذلك أنها اختصت بأنها تحية منى، وبانفرادها يوم
النحر هو أفضل مما بعده، وبأن لها دخلًا في التحلل بخلاف غيرها،
فاستحقت أن تميز بصفة عن غيرها في ذلك اليوم خاصة إشعاراً بتفردها فيه
بخصوصيات أخر.
لكن الحديث الصحيح الذي أشار إليه المصنف، هو ما في (الصحيحين))
عن ابن مسعود: ((أنه وُّر جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى سبع
حصيات))، قد يفهم منه استحباب هذه الكيفية في جميع الرمي، إذ لا تعرض
فيه ليوم النحر، إلا أن يقال: إن اقتصاره على رمي سبع حصيات ظاهر في أن
ذلك كان يوم النحر خاصة، وكان هذا هو مستند السبكي في تخصيصه الحديث
بيوم النحر حيث قال: لو قيل: إن الصفة الثابتة عنه وَّر في جمرة العقبة يوم
النحر يتبع فيها بقية الأيام، لم يكن به بأس.
ودليل الكيفية الثالثة في كلام المصنف ما رواه الترمذي، وصححه عن
ابن مسعود أيضاً: ((أنه وَ لّ استبطن الوادي واستقبل الكعبة وجعل يرميها عن
جانبه الأيمن)). لكن قال الحافظ ابن حجر(١): إنه شاذّ مخالف لرواية
((الصحيحين)) وفي إسناده مختلط، انتهى.
وبما تقرر يعلم أنه لا شذوذ ولا مخالفة فيه لرواية الصحيحين؛ لأن تلك
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨٢/٣).
٣٥٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
في يوم النَّحر، وهذه في غيره، وبه يجمع بين الحديثين، انتهى ما قاله ابن
حجر المكي.
وقال أيضاً في ((شرح المنهاج)): يجب رميها من بطن الوادي، ولا يجوز
من أعلى الجبل خلفها، وكثير من العامة يفعلونه، فيرجعون بلا رمي ما لم
يقلدوا القائل به، ويسن أن يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه ويستقبلها حالة
الرمي للاتّباع، ويختص هذا بيوم النحر لتميزها فيه بخلاف بقية أيام التشريق،
فإن السنة استقباله للقبلة في رمي الكل، انتهى.
قال الدردير(١): وأما العقبة فيرميها من أسفلها في بطن الوادي، ومنى
عن يمينه، ومكة عن يساره، انتهى، وفي ((المحلى)) تبعاً للعيني: قال مالك: لا
بأس أن يرميها من فوقها، ثم رجع، فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، وفي
((المدونة)): قلت: أرأيت أن رمي جمرة العقبة من فوقها؟ قال مالك: يرميها من
أسفلها أحب إليّ، قال ابن القاسم: تفسير حديث القاسم بن محمد معناه من
حيث تيسّر من أسفلها، قال مالك: وإن رمى من فوقها أجزأه، قلت: من أين
يرمي الجمرتين في قول مالك؛ قال: يرمي الجمرتين جميعاً من فوقها، والعقبة
من أسفلها، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): لو رماها من فوق العقبة أجزأه؛ لأن ما حولها موضع
النسك، والأفضل أن يكون من بطن الوادي لما روينا، قال العيني في
(البناية)): أي يرمي الجمرة من أسفل الوادي إلى أعلاه، هكذا رواه عمر
- رضي الله عنه - وابن مسعود، ولو رماها من فوق العقبة أجزأه، لأن بعض
الصحابة كانوا يرمونها من فوق العقبة، ألا ترى أن عبد الرحمن بن زيد قال :
(١) ((الشرح الكبير)) (٥٢/٢).
(٢) (١٤٤/١).
٣٥٤
--------
-٠٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ، هَلْ يُرْمَى عَنِ الصَّبِيِّ وَالْمَرِيضِ؟
فَقَالَ: نَعَمْ،
إن الناس يرمونها من فوقها. وأراد بالناس الصحابة والتابعين، وعمر - رضي الله
عنه - رماها من أعلاها للزحام، انتهى مختصراً
وفي (شرح اللباب))(١): إذا أتى منى تجاوز إلى جمرة العقبة، ويقف في
بطن الوادي أي من أسفله حيث يرى موقع الحصاة، ويجعل منى عن يمينه،
والكعبة عن يساره، ويستقبل الجمرة، ثم يرميها بسبع حصيات، ولو رمى من
فوق العقبة جاز، وكره؛ لأنه خلاف السنة إلا من عذر، ثم قال في رمي أيام
التشريق: ويبدأ بالجمرة الأولى، ويصعد إليها حتى يكون ما عن يساره أقل مما
عن يمينه أي عن الشاخص، ويستقبل القبلة، ويجعل بينه وبين مجتمع الحصى
خمسة أذرع أو أكثر، لا أقل، فيرميها بيمينه بسبع حصيات، ثم يأتي الجمرة
الوسطى فيصنع عندها كما صنع في الأولى، ثم يأتي الجمرة القصوى، فيرميها
من بطن الوادي لا من أعلاه كما مرّ في اليوم الأول، انتهى.
(وسُئِل) ببناء المجهول الإمام (مالك هل يُرمَى) ببناء المجهول أيضاً (عن
الصبي والمريض؟ فقال: نعم) يُرمَى عنهما إن لم يمكن حملهما، فإن أمكن
حملا ورميا بأنفسهما، كما قاله الدردير(٢) إذ قال: حمل مريض مطيق للرمي،
ورمى بنفسه وجوباً، قال الدسوقي: وحاصله: أن المريض والصبي إذا كان كل
منهما له إطاقة أي قدرة على أن يرمي بنفسه، فإنه يرمي بنفسه وجوباً إذا وجد
حاملًا يحمله للجمرة، انتهى.
وبه جزم الإمام في ((المدونة))(٣). ونصه: قلت: كيف يصنع في الرمي في
(١) (ص١١٩).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٨/٢).
(٣) (٣٢٦/١).
٣٥٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
وَيَتَحَرَّى الْمَرِيضُ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ فَيُكَبِّرُ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ وَيُهَرِيقُ دَماً، .
قول مالك؟ قال: قال مالك: إن كان ممن يستطاع حمله، ويطيق الرمي، ويجد
من يحمله، فليحمل حتى يأتي الجمرة، فيرمي، وإن كان ممن لا يستطاع
حمله، ولا يقدر على من يحمله أولا يستطيع الرمي رمي عنه، فليتحرِّ حين
رميهم، فيكبر سبع تكبيرات، لكل حصاة تكبيرة، قال مالك: وعليه الهدي،
لأنه لم يرم، وإنما رُمِي عنه.
قلت: فلو صح في آخر أيام الرمي أيرمي ما رمي عنه في قول مالك؟
قال؛ قال لي مالك: نعم، قلت: ويسقط عنه الدم؟ قال: لا، قال مالك: عليه
الدم كما هو.
قلت: فإن رموا عنه جمرة العقبة وحدها، ثم صح من آخر النهار قبل
مغيب الشمس فرمى، أعليه في قول مالك الهدي أم لا؟ قال: لا هدي عليه في
رأيي؛ لأنه صح في وقت الرمي، ورمى عن نفسه في وقت الرمي، قلت: فإن
كان إنما صح ليلًا؟ قال: يرمي ما رُمِيَ عنه ليلًا. ولا يسقط عنه الدم عند
مالك؛ لأن وقت رمي ذلك اليوم قد ذهب، قلت: أرأيت الصبي أيرمى عنه
الجمار؟ قال: قال مالك: أما الصغير الذي ليس مثله يرمي، فإنه يرمى عنه،
وأما الكبير الذي يعرف الرمي، فإنه يرمي عن نفسه، انتهى.
(ويتحرى المريض حين يرمى) ببناء المجهول (عنه) أي عن المريض أي
يتحرى وقت رمي النائب (فيكبر) المريض في هذا الوقت، (وهو في منزله)،
وبه جزم في ((المدونة))، كما تقدم، (ويهريق دماً) وجوباً؛ لأنه لم يرم بنفسه،
وإنما رمي عنه، وهذا حكم المريض.
وأما الصبي فلا دم على وليه بالنيابة. قال الدسوقي(١): والحاصل: أن
الصغير الذي لا يحسن الرمي والمجنون، يرمي عنهما من أحَجَّهما، فإن لم يرم
(١) ((حاشية الدسوقي)) (٤٧/٢).
٣٥٦
-----. . "
---- --- --- --
--

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
فَإِنَّ صَحَّ الْمَرِيضُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رَمَى الَّذِي رُمِيَ عَنْهُ، وَأَهْدَى وُجُوباً.
عنهما وليهما إلى أن دخل الليل فالدم واجب على من أحجَّهما، وإن رمى
عنهما في وقت الرمي، فلا دم عليه، فرمي الولي كرميه. بخلاف رمي النائب
عن العاجز، فإن فيه الدم، ولو رمي عنه في وقت الرمي وهو وقت الأداء إلا
أن يصح قبل الغروب ويرمي عن نفسه بعد أن رمى عنه نائبه، فإنه يسقط عنه
الدم، انتهى .
(فإن صح المريض في أيام التشريق رمى) ببناء الفاعل أي رمى بنفسه
(الذي رمي) ببناء المجهول (عنه) أي يقضي الذي رمى عنه النائب (وأهدى) زاد
في النسخ المصرية بعد ذلك ((وجوباً)) أي لا يسقط عنه الدم الذي وجب لفوت
الوقت، كما تقدم عن ((المدونة)).
قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن الصبي يلزمه الرمي، كما يلزم غيره،
وكذلك المريض، فمن استطاع منهما المشي إليه، أو كان له من يحمله غيره،
فإنه لا يلزمه أن يباشر الرمي بنفسه إن كان الصبي يفهم ما يؤمر به، وكان مع
المريض ذهنه(٢)، وقد روي معنى هذا عن مالك في ((المبسوط))، وروى ابن
عبد الحكم عن مالك في ((مختصره): إن رجا المريض أن يصح في أيام
التشريق، فليؤخر الرمي إلى آخر أيام التشريق، فإن لم يرجُ ذلك، رُمِيَ عنه،
وأهدى.
ويحتمل هذا عندي وجهين: أحدهما، أن يكون قولا واحداً، وذلك أنه
نص أولًا على أنه إن كان له من يحمله، ويطيق ذلك، مضى وعجّل الرمي،
وإن لم يكن له من يحمله، ورجا أن يطيق ذلك في بقية أيام التشريق، أخّر
الرمي، وإن لم يرج ذلك ولم يكن له من يحمله، رمي عنه.
(١) ((المنتقى)) (٤٩/٣).
(٢) كذا في الأصل.
٣٥٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن يكون في ذلك قولان: أحدهما: إن رجا أن
يفيق في أيام الرمي، أخر ذلك ولم يرم عنه أحد، وإن لم يرج ذلك أمر من
يرمي عنه، والرواية الثانية: أنه لا ينظر فيما يرجوه من حاله في أيام التشريق،
وإنما ينظر فيما يطيقه وقت الرمي ويومه ذلك، فإن استطاع الرمي وإلا رمى عنه
غيره، وإن كان يرجو أن يرمي في بقية أيام التشريق، وجه رواية ابن عبد
الحكم أن الرمي له وقتان: وقت أداء، ووقت قضاء، كما سيأتي مفصلًا، فإن
رجى أن يرمي في الوقت فهو أولى، ولا معنى لرمي غيره عنه؛ لأنه يرجو أن
یرمي بنفسه .
ووجه رواية ابن القاسم أن وقت الرمي هو لكل يوم في نفسه، ولذلك
يجب الدم على من أخره عنه، فإذا يئس من أن يرمي بنفسه عن يومه استناب
في ذلك، لما اتفقنا عليه من جواز الاستنابة، وهذا كالوضوء والتيمم، من يئس
من إدراك الوقت المختار تيمم، ولم يؤخر التيمم إلى وقت الضرورة. فإن لم
يطق المريض السير ولم يكن له من يحمله على رواية ابن القاسم، أو ظن أن
لا يطيق الرمي في أيام التشريق، فرمي عنه، ثم صح في أيام التشريق، فإنه
يرمي لما مضى من الأيام ويهدي، رواه ابن القاسم، عن مالك، وابن
عبد الحكم عن مالك، وهذا قول جماعة شيوخنا .
وروى ابن المواز عن أشهب في المريض يصح في أيام التشريق، فيرمي
ما رمي عنه لا دم عليه، وجه القول الأول، قال الشيخ أبو بكر: إنما وجب
عليه لأنه قد يمكن أن يعتقد أنه لا يقدر على الرمي، وهو لو تحامل لاستطاع،
فلذلك وجب عليه الهدي، وإن كان معذوراً، قال القاضي أبو الوليد: هذا
عندي فيه نظر، لأنه قد يكون بحال، لا يشك هو ولا غيره في أنه لا يطيق
ذلك، ومع ذلك فإنه يجب عليه الهدي، وإنما يجب عليه الهدي وإن تيقن
العذر لأنه من ترك شيئاً من سنن الحج لزمه الهدي سواء تيقن عذره أو لم
٣٥٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
يتيقن كان ذلك لعذر أو غيره كترك المبيت بمزدلفة، هذا فيما ليس له مثل من
الأركان التي لا يتم الحج إلا بها .
وأما ماله مثل من الأركان كطواف الورود، فإنه يسقط للعذر، ولا يجب
بذلك دم، ووجه قول أشهب أن الرمي له بدل. وهو رمي غيره عنه، وفي البدل
نقص عن المبدل منه يجبر بالدم، فإذا أدرك الرمي في أيام التشريق فباشره
بنفسه فقد جبر نقص الرمي فسقط عنه، انتهى مختصراً.
قال الدردير(١): ويستنيب العاجز من يرمي عنه، ولا يسقط عنه الدم برمي
النائب، وفائدة الاستنابة سقوط الإثم، فيتحرى العاجز وقت الرمي عنه، ويكبر
لكل حصاة، كما يتحرى وقت دعاء نائبه، ويدعو، وأعاد الرمي إن صح قبل
الفوات الحاصل بالغروب من اليوم الرابع، فإن أعاد قبل الغروب الأول فلا دم
وبعده فالدم.
قال الدسوقي: قوله: وأعاد الرمي أي العاجز كالمريض والمغمى عليه
الرمي، وقوله: بعده فالدم أي إن أعاد بعد المغرب فالدم، كما أنه لو أعاد
رمي اليوم الثاني قبل الغروب فلا دم عليه، وبعده فالدم، وكذا يقال في رمي
اليوم الثالث، انتهى.
قال الموفق(٢): إذا كان الرجل مريضاً أو محبوساً أو له عذر جاز أن
يستنيب من يرمي عنه، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: إذا رمي عنه الجمار
يشهد هو ذاك أو يكون في رحله؟ قال: يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين
يرمى عنه، قلت: فإن ضعف عن ذلك أيكون في رحله ويرمى عنه؟ قال: نعم،
قال القاضي: المستحب أن يضع الحصى في يد النائب ليكون له عمل في
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٨/٢).
(٢) («المغني)) (٤٩٠/٣).
٣٥٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٨) حديث
الرمي، وإن أُغمي على المستنيب لم تنقطع النيابة، وللنائب الرمي عنه، وبما
ذكرنا في هذه المسألة، قال الشافعي: ونحوه قال مالك، إلا أنه قال: يتحرى
المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات، انتهى.
قال النووي في (مناسكه)): من عجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس
يستنيب من يرمي عنه، ويستحب أن يناول النائب الحصى إن قدر، ويكبر
هو، وإنما تجوز النيابة لعاجز بعلة، لا يرجى زوالها قبل خروج وقت
الرمي، ولا يمنع زوالها بعده ولو أغمي عليه، ولم يأذن لغيره في الرمي لم
يجز الرمي عنه، ولو أذن أجزأ الرمي عنه على الأصح، ولو رمى النائب ثم
زال عذر المنيب، والوقت باقٍ فالمذهب الصحيح أنه ليس عليه إعادة
الرمي .
قال ابن حجر: قوله: يستنيب أي وجوباً، وقوله: يكبر هو ظاهره أن هذا
التكبير غير التكبير المشروع عند الرمي، وهو محتمل، فيسن التكبير للمستنيب
عند الاستنابة، وإعطاء الأحجار للنائب عند الرمي. وقوله: قبل خروج وقت
الرمي أي وقت أدائه بأن يغلب على ظنه بمعرفة نفسه أو بإخبار طبيبين عدلين
امتداد المانع إليه، فلو ظن القدرة ولو في اليوم الثالث امتنعت الاستنابة أخذاً
مما في ((المجموع))، لأن أيام التشريق كيوم واحد إذ لا يفوت وقت الأداء إلا
بانقضائها كلها والنص على أنه لا يؤخر رمي لمغيب الشمس، بل يستنيب،
مبني على ضعيف وهو خروج وقت الأداء بانقضاء كل يوم.
ولا يقال ذلك تحصيلًا لفضيلة وقت الاختيار لأنا نقول: القاعدة أن ما
جاز لضرورة يتقدر بقدرها فما دام وقت الجواز باقياً، فأي ضرورة إلى جواز
الاستنابه، وتحصيل الفضائل ليس من الضرورات في شيء، انتهى.
وفي ((روضة المحتاجين)): يسن للمستنيب أن يناول النائب الحجر، ويكبر
عند رمیه أي النائب إن أمكنه، انتھی.
٣٦٠