النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٨٩) حدیث
راحلته؟ فقال: أما الرحل الخفيف، فلا بأس أن يبدأ به قبل الصلاة، وأمّا
المحامل والزوامل، فلا أرى ذلك، وليبدأ بالصلاتين، ثم يحط راحلته، وقال
أشهب: لو حظّ رحله بعد أن يصلّي المغرب أحبّ إليّ ما لم يضطر إلى ذلك،
لما بدابّته من الثقل، أو لغير ذلك من العذر، ووجه ذلك أن تقديم الصلاة
مشروع؛ لأن ذلك فعل النبيّ ◌َّ# غير أن العمل اليسير ليس بفاصل بين
الوصول والصلاة لا سيما إذا كان لعذر، وقد توضّأ النبيّ ◌َل# بالمزدلفة،
انتھی .
وما قال الباجي: ((إن النبيّ ◌َّ تعشّى بعد ذلك)) على رواية ابن مسعود،
وافقه على ذلك صاحب ((الهداية)) وغيره.
لكن تعقبه شراح ((الهداية)) وغيرهم بأنه ثبت ذلك من فعل ابن مسعود
بنفسه لا مرفوعاً إلى النبيّ وَلّ، قال الحافظ في ((الدراية)): حديث ((أن النبيّ ◌َل
تعشّى ثم أفرد الإقامة للعشاء))، لم أجده مرفوعاً صريحاً، وإنما هو عند
البخاري من عمل ابن مسعود، وفيه أنه صلّى الصبح حين طلع الفجر، وفيه
قوله: ((هما صلاتان تحولان عن وقتهما المغرب والفجر))، ثم قال في آخره:
((رأيت النبيّ (﴿ يفعله))، فاحتمل مراده بذلك أصل الجمع، وأصل التحويل
علی ما فهمه، أو جمیع ما صدر منه، انتهى.
قلت: ولعلّ الباجي وصاحب ((الهداية)) ومن وافقهما حملوا الحديث على
هذا الاحتمال الثاني، والجمهور لا سيما الحنفية حملوه على الأوّل، ولذا
ندبوا أن لا يفرد الإقامة أيضاً للعشاء، بل يكفي الإقامة الأولى، كما سيأتي في
محله .
وأوّل الشيخ في ((البذل)) (١) حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - بأن
(١) ((بذل المجهود)) (٩/ ١٩٧).
٢٢١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٨٩) حديث
ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَم يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً.
أخرجه البخاريّ في: ٤ - كتاب الوضوء، ٦ - باب إسباغ الوضوء.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٧ - باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة،
حديث ٢٧٦.
بعض الصحابة تَعَشّوا بينهما بحضرة النبيّ وَ﴿ وبإذنه، وباعتبار ذلك نسبه
إليه ولو، وهذا سائغ في الأحاديث كثير الوقوع فيها.
(ثم أقيمت العشاء فصلاها) بالناس، قال الموفق(١): السنّة التعجيل بين
الصلاتين، وأن يصلّي قبل حطّ الرحال لحديث أسامة، وفي بعض طرقه أن
النبيّ ◌َّ أقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم، ولم يحلّوا حتى أقام
العشاء الآخرة، فصلّى، ثم حَلَّوا، رواه مسلم. (ولم يصلّ بينهما شيئاً) أي لم
يتنفّل بينهما .
قال الموفق: السنّة أن لا يتطوّع بينهما، قال ابن المنذر: ولا أعلمهم
يختلفون في ذلك، وقد روي عن ابن مسعود أنه تطوّع بينهما، ورواه عن
النبيّ ◌َّة، ولنا حديث أسامة وحديث ابن عمر، وحديثهما أصح، انتهى.
قلت: المراد بحديث أسامة حديث الباب، وحديث ابن عمر - رضي الله
عنهما - أخرجه البخاري(٢) في ((باب من جمع بينهما ولم يتطوّع)) بلفظ: ((جمع
النبيّ ◌َّ المغرب والعشاء بجمع، كلُّ واحدةٍ منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما،
ولا على أثر كل واحدة منهما)).
قال الحافظ(٣): يستفاد منه أنه ترك التنفّل عقب المغرب وعقب العشاء،
ولما لم يكن بين المغرب والعشاء مهلة صرّح بأنه لم يتنفل بينهما بخلاف
(١) («المغني)) (٢٨١/٥).
(٢) رقم الحديث (١٦٧٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٢٣/٣).
٢٢٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٨٩) حديث
العشاء، فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل عقبها، لكنه تنفّلَ بعد ذلك في
أثناء الليل، ومن ثَمَّ قال الفقهاء: تُؤخر سنة العشاءين عنهما، ونقل ابن المنذر
الإجماع على ترك التطوّع بينهما؛ لأنهم اتّفقوا على أن السنّة الجمع بين
المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفّل بينهما لم يصح أنه جمع بينهما، انتهى.
ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود عند البخاري بلفظ: ((صلّى
المغرب وصلّى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشّى))، الحديث، واستدلّ به
على جواز التنفّل بينهما لمن أراد الجمع، ولا حجّة فيه؛ لأنه لم يرفعه،
ويحتمل أن لا يكون قصد الجمع، انتهى.
قلت: اشترط الشافعية لصحة جمع التقديم أن لا يتطوّع بينهما .
قال النووي في ((مناسكه)): إن أراد الجمع في وقت الأولى، فله ثلاث
شروط: أن يبدأ بالأولى، وأن ينوي الجمع قبل فراغه منها، وأن لا يفرق
بينهما بصلاة سنة ولا غيرها، وإن أراد الجمع في وقت الثانية، وجب عليه أن
ينوي تأخير الأولى إلى الثانية للجمع، فإن لم ينوِ تأخيرها حتى خرج الوقت
أثم، وصارت قضاء، ويستحب أن يبدأ بالأولى ولا يفرق بينهما، فإن خالف،
وبدأ بالثانية، أو فرق جاز على الأصح، انتهى.
وقال الموفق(١): إن جمع في وقت الأولى اعتبرت المواصلة بينهما،
وهو أن لا يفرق بينهما إلاّ تفريقاً يسيراً، والمرجع في اليسير إلى العرف، ومتى
احتاج إلى الوضوء والتيمّم فعله إذا لم يطل الفصل، وإن صلّى بينهما السنة
بطل الجمع؛ لأنه فرق بينهما بصلاة، فبطل الجمع، كما لو صلّى بينهما
غيرها. وعنه: لا يبطل؛ لأنه تفريق يسيرٌ أشبه ما لو توضأ. وإن جمع في وقت
الثانية جاز التفريق؛ لأنه متى صلّى الأولى فالثانية في وقتها، لا تخرج بتأخيرها
(١) ((المغني)) (١٣٨/٣).
٢٢٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩٠) حدیث
٨٩٠/ ١٩٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
عَدِيِّ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ
عن كونها مؤدّاة، وفيه وجه آخر، أن المتابعة مشترطة؛ لأن الجمع حقيقته ضَمُّ
الشيء إلى الشيء، ولا يحصل مع التفريق، والأول أصح؛ لأن الأولى بعد
وقوعها صحيحة لا تبطل بشيء يوجد بعدها، انتهى.
وقال الدردير(١): ولا تنفل بينهما أي يمنع بمعنى يكره فيما يظهر، إذ
لا وجه للحرمة، وإن وقع التنفل لا يمنع الجمع، ولا تنفل بعدهما أيضاً، أي
يمنع في المسجد.
وأمّا عند الحنفية فيكره التطوّع بينهما، كما صرّح به القاري في ((شرح
اللباب))، وأما بعدهما فيكره في الجمع بعرفة لا المزدلفة، قال القاري (٢): ولا
يتطوّع بينهما، بل يصلّي سنة المغرب والعشاء والوتر بعدهما، انتهى.
وتقدّم عن الدردير: ولا تنفل بعدهما أيضاً، وفي (الأنوار)) من مسالك
المالكية: وليس لمريد الجمع أن يتنفل بين الفرضين ولا بعدهما، انتهى.
وقال ابن حجر في ((شرح المنهاج)): يسنّ بعد صلاة المغرب إناخة كل
جمله، ثم يعقله، ثم يصلون العشاء، ثم يحلّون، ثم يصلّون الرواتب والوتر،
وقال أيضاً في ((شرح المناسك)): السنّة الاقتصار على الرواتب، ولا يتنفلون
تنفّلاً مطلقاً، لئلاّ ينقطعوا به عن المناسك، بل قال جمعٌ: أن لا يسنّ الرواتب
ولا غيرها، انتهى.
١٩٨/٨٩٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن عدي) بالدال
المهملة وشدّ الياء (ابن ثابت الأنصاري) عالم الشيعة وقاضيهم وإمام مسجدهم،
كما في ((المحلى))، (أن عبد الله بن يزيد) بياء قبل الزاي، ابن زيد بلا ياء، ابن
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٧١/١).
(٢) ((شرح اللباب)) (ص١١٤).
٢٢٤

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩٠) حدیث
الْخَطْمِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ
رَسُولِ اللّهِ ﴿ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعاً.
أخرجه البخاريّ في: ٢٥ - كتاب الحج، ٩٦ - باب من جمع بينهما ولم يتطوّع.
ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٤٧ - باب الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة،
حديث ٢٨٥.
حصين بن عمرو بن الحارث بن خطمة الأوسي الأنصاري، أبو موسى
(الخطمي) بفتح المعجمة وسكون المهملة نسبة إلى خطمة، فخذٌّ من أوس،
كذا في ((المحلى))، صحابي صغير، ولي الكوفة لابن الزبير، كذا في
((التقريب))(١)، شهد الحُديبية وهو صغير، وشهد الجمل، وصفّين مع علي
- رضي الله عنه -، من رواة الستة، وكان جدّ عدي لأمّه، كذا في ((المحلّى)).
(أخبره) أي أخبر عبد الله عدياً (أن أبا أيوب) خالد بن زيد (الأنصاري)
الصحابي الشهير (أخبره أنه صلّى مع رسول الله 14 في حجة الوداع المغرب
والعشاء بالمزدلفة جميعاً) أي جمع بينهما جمع تأخير، قال الحافظ(٢):
وللطبراني من طريق جابر الجعفي عن عدي بهذا الإسناد: ((صلّى بجمع
المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين بإقامة واحدة))، وفيه ردّ على قول ابن حزم: أن
حديث أبي أيوب ليس فيه ذكر أذان ولا إقامة؛ لأن جابراً وإن كان ضعيفاً،
فقد تابعه محمد بن أبي ليلى عن عدي على ذكر الإقامة فيه عند الطبراني
أيضاً، فيقوّي كل واحدٍ منهما الآخر، انتهى.
قلت: وورد ذكر الإقامة في حديث أبي أيوب هذا بطرق أُخر، ذكرها
الزيلعي في (نصب الراية)) (٣)، وعنه الشيخ في ((البذل)) (٤).
(١) ((تقريب التهذيب)) (١٣٥/٢).
(٢) (فتح الباري)) (٥٢٤/٣).
(٣) (٦٩/٣).
(٤) (بذل المجهود)) (١٩٦/٩).
٢٢٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩١) حديث
٨٩١/ ١٩٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْن
عُمَرَ كَانَ يُصَلِّ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعاً.
١٩٩/٨٩١ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(كان يصلّي المغرب والعشاء بالمزدلفة جميعاً) اتّباعاً للنبيّ وَّةِ، وعَقَّبَ المصنف
المرفوع بالموقوف إشارةً إلى بقاء العمل به بعده وَّر، ولم يرد في الأثر
المذكور ذكر الأذان والإقامة، واختلفت الروايات عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - في ذلك، حتى قال ابن حزم على ما حكاه عنه العيني: وأشد
الاضطراب في ذلك عن ابن عمر - رضي الله عنهما - فإنه روي عنه من عمله
الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضاً بإقامة واحدة، وروي عنه
موقوفاً بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسنداً بإقامتين، وروي عنه مسنداً
بأذان واحد وإقامة واحدة، انتهى.
قلت: وخرج ابن حزم هذه الرواياتِ في ((المحلى))، وسيأتي ما قال
الحافظ (١) بعد ما ذكر الأقوال المختلفة: وقد جاء عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - كل واحد من هذه الصفات أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه
من الأمر الذي يتخيّر فيه الإنسان، وهو المشهور عن أحمد، انتهى.
واختلف أهل العلم في النداء والإقامة في الصلاتين بجمع على أقوالٍ .
قال العيني(٢): للعلماء فيه ستة أقوال، أحدها: أنه يقيم لكل واحدة
منهما ولا يؤذن لواحدة منهما، وهو قول القاسم وسالم وإحدى الروايات عن
ابن عمر، وبه قال إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في أحد القولين عنه،
وهو قول الشافعي وأصحابه فيما حكاه عنه الخطابي.
الثاني: أن يصلّيهما بإقامة واحدة للأولى، وهو إحدى الروايات عن ابن
(١) ((فتح الباري)) (٥٢٥/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (٢٦٩/٧).
٢٢٦
- --

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩١) حديث
عمر، وهو قول سفيان الثوري فيما حكاه الترمذي والخطابي وابن عبد البر
وغيرهم، انتهى. وقال ابن حزم: هو قول سفيان وأحمد بن حنبل في أحد
قوليهما. وبه أخذ أبو بكر بن داود، انتهى.
الثالث: أنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما، وهو قول أحمد بن
حنبل في أصح قوليه، وبه قال أبو ثور وعبد الملك بن الماجشون من المالكية
والطحاوي، وقال الخطابي: هو قول أهل الرأي، وذكر ابن عبد البرّ أن
الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو
قول زفر من أصحابنا، وقال النووي: هو الصحيح عند أصحابنا، وقال في
((الإيضاح)): إنه الأصح.
الرابع: أنه يؤذّن للأولى ويقيم لها، ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، وهو
قول أبي حنيفة وأبي يوسف، حكاه النووي وغيره، قال العيني: هو مذهب
أصحابنا .
الخامس: أنه يؤذّن لكل منهما، ويقيم. وبه قال عمر بن الخطاب
وعبد الله بن مسعود، وهو قول مالك وأصحابه إلّ ابن الماجشون، وليس لهم
في ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البرّ.
السادس: أنه لا يؤذّن لواحدة منهما، ولا يقيم، حكاه المحب الطبري
عن بعض السلف، انتهى.
قلت: وهذا إحدى الروايات عن ابن عمر - رضي الله عنهما - حكاه ابن
حزم في ((المحلى))، فقال: روينا من طريق حماد بن زيد وحماد بن سلمة، قاله
ابن زيد عن نافع قال: لم أحفظ عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أذاناً ولا
إقامة بجمع، يعني مزدلفة، وقال ابن سلمة عن أنس عن ابن سيرين، قال:
صلّيت مع ابن عمر - رضي الله عنهما - بجمع المغربَ بلا أذان ولا إقامة، ثم
العشاء بلا أذان ولا إقامة، انتهى.
٢٢٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩١) حديث
وقوله: عن أنس عن ابن سيرين هكذا في الأصل، والظاهر عندي أنه من
غلط الناسخ، والصواب أنس بن سيرين، فتأمّل(١).
ثم قال العيني(٢): فإن قلت: ما الأصل في هذه الأقوال؟ قلت: الذي
قال بأذان واحد وإقامتين، قال برواية جابر، والذي قال: بلا أذان ولا إقامة
قال بحديث أبي أيوب وابن عمر، فإنه ليس فيهما أذان ولا إقامة، وكذا رواه
طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما - من فعله،
والذي قال بإقامة واحدة، قال: بحديث الزهري عن سالم عن ابن عمر: ((أن
رسول الله ◌َي جمع بين المغرب والعشاء بجمع بإقامة واحدة))، وكذا رواه ابن
عباس مرفوعاً عند مسلم. والذي قال بإقامة للمغرب وإقامة للعشاء قال بحديث
أسامة، وكذا فعله عمر بن الخطاب، فهذه الأحاديث التي رويت كلها مسندة،
قاله ابن حزم، انتهى.
وأخرج في ((المحلى)) هذه الروايات، وقال الحافظ تحت حديث ابن
مسعود: من عمله من إفراد الأذان والإقامة لكل من الصلاتين، والتعشي
بينهما، في هذا الحديث مشروعية الأذان والإقامة لكل من الصلاتين إذا جمع
بينهما، قال ابن حزم: لم نجده مروياً عن النبيّ ◌َ ◌ّل ﴿ ولو ثبت عنه لقلت به، ثم
أخرج من طريق عبد الرزاق عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق في هذا
الحديث، قال أبو إسحاق: فذكرته لابن جعفر محمد بن علي فقال: أما نحن
أهل البيت فهكذا نصنع، قال ابن حزم: وقد روي عن عمر من فعله.
قال الحافظ: أخرجه الطحاوي بسند صحيح عنه، وقد أخذ بظاهره
مالك، وهو اختيار البخاري، وروى ابن عبد البرّ عن أحمد بن خالد أنه كان
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٩٣/٩ - ٢٠٠).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٢٦٩/٧).
٢٢٨

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩١) حديث
يتعجّب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من رواية الكوفيين مع
كونه موقوفاً، ومع كونه لم يروه، ويترك ما روي عن أهل المدينة وهو مرفوع،
قال ابن عبد البر(١): وأعجب أنا من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل
المدينة، وهو أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا في ذلك
عن ابن مسعود مع أنهم لا يعدلون به أحداً. قال الحافظ (٢): والجواب عن
ذلك أن مالكاً اعتمد على صنيع عمر - رضي الله عنه - وإن كان لم يروه في
((الموطأ))، انتهى.
قلت: والجواب عن الحنفية أنهم أخذوا بعمل ابن مسعود - رضي الله
عنه - أيضاً، ولذا قالوا: إذا تشاغل بشيء أعاد الإقامة فقط لحديث ابن مسعود
كما في ((الهداية)) وغيره، فهم عملوا على الحديثين معاً.
ثم قال الحافظ(٣): واختار الطحاوي ما جاء عن جابر، يعني في حديثه
الطويل الذي أخرجه مسلم، أنه جمع بينهما بأذان واحد وإقامتين، وهو قول
الشافعي في القديم، ورواية عن أحمد، وبه قال ابن الماجشون وابن حزم،
وقوّاه الطحاوي بالقياس على الجمع بعرفة، وقال الشافعي في الجديد
والثوري، وهو رواية عن أحمد: يجمع بينهما بإقامتين فقط، وهو ظاهر حديث
أسامة الماضي قريباً، وقد جاء عن ابن عمر كل واحد من هذه الصفات،
أخرجه الطحاوي وغيره، وكأنه كان يراه من الأمر الذي يتخيّر فيه الإنسان،
وهو المشهور عن أحمد، انتهى.
قال الخرقي (٤): ثم يصلّي مع الإمام المغرب وعشاء الآخرة بإقامة لكل
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٢/١٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٢٥/٣).
(٣)
(فتح الباري)) (٥٢٥/٣).
(٤) ((المغني)) (٢٧٨/٥).
٢٢٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩١) حديث
صلاة، فإن جمع بينهما بإقامة فلا بأس، قال الموفق: السنّة أن لا يصلّي
المغرب حتى يصل مزدلفة، فيجمع بينهما وبين العشاء، لا خلاف في هذا،
ويقيم لكل صلاة إقامة لرواية أسامة، وروي هذا القول عن ابن عمر، وبه قال
الشافعي وإسحاق، وإن جمع بينهما بإقامة الأولى، فلا بأس، يروى ذلك عن
ابن عمر أيضاً، وبه قال الثوري، لرواية ابن عمر عند مسلم.
وإن أذّن للأولى، وأقام، ثم أقام للثانية فحسن، فإنه يروى في حديث
جابر، وهو متضمّن للزيادة، وهو معتبر بسائر الفوائت والمجموعات، وهو قول
ابن المنذر وأبي ثور، والذي اختاره الخرقي إقامة لكل صلاة من غير أذان،
قال ابن المنذر: هو آخر قولي أحمد؛ لأنه رواية أسامة، وهو أعلم بحال
النبيّ ◌َّ؛ لأنه كان رديفه، وإنما لم يؤذن للأولى لههنا؛ لأنها في غير وقتها
بخلاف المجموعتين بعرفة، وقال مالك: يجمع بينهما بأذان وإقامتين، وروي
ذلك عن عمر وابن عمر وابن مسعود، واتّباع السنة أَوْلَى. قال ابن عبد البرّ:
لا أعلم فيما قاله مالك حديثاً مرفوعاً بوجهٍ من الوجوه، انتهى.
وما حكي من مذهب مالك وقع فيه تحريف من الناسخ، والصواب فيه
بأذانين وإقامتين، كما هو المعروف من مذهبه، وعليه يترتّب قول ابن عبد البر،
وإلا فأذان وإقامتان ثابتة من حديث جابر المرفوع، كما تقدم قريباً، وهكذا
حكى مذهب مالك ابن العربي وابن حزم وغيرهما .
وفي ((الهداية))(١): يصلّي الإمام بالناس المغرب والعشاء بأذان وإقامة
واحدة، وقال زفر: بأذان وإقامتين اعتباراً بالجمع بعرفة. ولنا، رواية جابر أن
النبيّ وَّر جمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، ولأن العشاء في وقته، فلا يفرد
بالإقامة إعلاماً بخلاف العصر بعرفة؛ لأنه مقدم على وقته، فأفرد بها الزيادة
للإعلام.
(١) (١/ ١٤٣).
٢٣٠

٢٠ - كتاب الحج
(٦٥) باب
(٨٩١) حديث
قال شراح ((الهداية)) وأصحاب التخريج: رواية جابر هذه أخرجها ابن
أبي شيبة حدّثنا ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمد عن جابر: أن رسول الله وَال
صلّى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامة لم يسبّح بينهما، قالوا: وهو
متن غريب؛ لأن المعروف في حديث جابر عند مسلم وغيره أنه صلاهما
بأذانين وإقامتين.
وفي ((صحيح مسلم)) عن سعيد بن جبير: أفضنا مع ابن عمر - رضي الله
عنهما - فلما بلغنا جمعاً صلّى بنا المغرب ثلاثاً، والعشاء ركعتين بإقامة
واحدة، فلما انصرف قال ابن عمر: هكذا صلّى بنا رسول الله ◌َ* في هذا
المكان، وأخرج أبو الشيخ بسنده عن ابن عباس: أن النبيّ ◌َّ صلّى المغرب
والعشاء بجمع بإقامة واحدة، وأخرج أبو داود عن أشعث بن سليم عن أبيه
قال: أقبلت مع ابن عمر - رضي الله عنهما - من عرفات إلى المزدلفة، فلم
يكن يفتر عن التكبير والتهليل حتى أتينا مزدلفة، فأذّن وأقام، أو أمر إنساناً،
فأذّن وأقام، فصلّى المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا، فقال: الصلاة،
فصلّى العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه.
قال: وأخبرني علاج بن عمرو بمثل حديث أُبَيّ عن ابن عمر - رضي الله
عنهما - فقيل لابن عمر في ذلك، فقال: صلّيت مع رسول الله وَّ هكذا، قاله
ابن الهمام(١)، وأخرج أبو داود أيضاً عن عبد الله بن مالك قال: صلّيت مع
ابن عمر المغرب ثلاثاً والعشاء ركعتين، فقال له مالك بن الحارث: ما هذه
الصلاة؟ قال: صلّيتهما مع رسول الله ◌َ# في هذا المكان بإقامة واحدة،
وتقدم قريباً في حديث أبي أيوب برواية الطبراني وغيره الجمع بينهما بإقامة
واحدة .
(١) ((فتح القدير)) (٣٧٧/٢).
٢٣١

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٢) حديث
(٦٦) باب صلاة منى
٢٠٠/٨٩٢ - قَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ مَكَّةَ:
(٦٦) صلاة منى
هكذا ترجم البخاري في ((صحيحه))، والمراد الصلاة بها أيام التشريق فلا
يشكل بما تقدم قريباً من الصلاة بها يوم التروية، وأيضاً المقصود لههنا حكم
الصلاة بمنى من القصر والإتمام.
قال الحافظ (١): لم يذكر المصنف حكم المسألة لقوّة الخلاف فيها،
وخصّ منى بالذكر، لأنها المحل الذي وقع فيها ذلك قديماً، واختلف السلف
في المقيم بمنى هل يقصر أو يتم بناءً على أن القصر بها للسفر أو للنسك؟
واختار الثاني مالك إلى آخر ما تقدّم من كلامه، تحت قول مالك: إن الصّلاة
يوم عرفة إنما هي ظهر، ولكنها قصرت من أجل السفر. وتقدّم هناك اختلاف
الأئمّة.
وحاصله أن الصلاة بمنى وعرفة والمزدلفة وغيرها تقصر للسفر عند الأئمّة
الثلاثة والجمهور، فيختصّ القصر بالمسافر الشرعي عندهم، ومن لا يكون
مسافراً شرعياً لا يقصر، بل يتمّ أربع ركعات أو القصر لأجل النسك على ما
هو المشهور عن الإمام مالك - رضي الله عنه - وهكذا حكى مذهبه غير واحد
من نقلة المذاهب، لكن الصواب عندي أن القصر عند الإمام مالك للنُّسُك
بشرط السفر، لكن لا للسفر الشرعي، بل لمطلق السفر، ولأجل ذلك يتمّ عنده
أهل منى والمزدلفة وعرفة في مواضعهم، ويقصرون في غير مواضعهم كما تقدم
النص بذلك عن الدردير وغيره.
٨٩٢/ ٢٠٠ - (قال مالك في أهل مكّة) وكذا في غيرها من مواضع النسك
(١) ((فتح الباري)) (٢/ ٥٦٣).
٢٣٢

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حدیث
إِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِمِنَىَ إِذَا حَجُّوا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ، حَتَّى يَنْصَرِفُوا إِلَى
مَكَّةَ .
٢٠١/٨٩٣ - وحدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
عها الله
كالمزدلفة والمحصب (إنهم يصلون بمنى إذا حجّوا ركعتين ركعتين) أي يقصرون
الصلاة الرباعية (حتى ينصرفوا) بعد أداء النسك (إلى مكّة) فيتمّون بها، وكذلك
يتمّون بها إذا دخلوها لطواف الإفاضة.
قال الباجي(١): يريد أنهم إذا حجّوا اقتضى ذلك بلوغاً إلى عرفة ورجوعاً
إلى مكة، ولو كان منتهى سفرهم عرفة لما قصروا الصلاة، واحتسب في هذا
السفر بالذهاب والمجيء؛ لأن من خرج من مكة إلى عرفة محرماً بالحج، فلا
بدّ له من الرجوع إلى مكة بحكم الإحرام الذي دخل فيه؛ لأنه لا يصح أن يتم
عمله الذي دخل فيه إلّا بالرجوع إلى مكّة، وأمّا سائر الأسفار فإن نوى فيه
المسير والمجيء فإنه لا يلزمه الرجوع، وله أن يقيم في منتهى سفره، أو يمضي
منه إلى موضع سواه، فأخبر مالك أن الواجب على أهل مكّة إذا خرجوا للحج
أن يصلوا ركعتين حتى ينصرفوا إلى مكّة، وذلك يقتضي أن يصلّوا بها ركعتين
في البدأة والعودة، ويصلون كذلك بعرفة والمزدلفة وغيرهما، انتهى.
ثم ذكر المصنف الاستدلال على ذلك بالمرفوع والموقوف من الرواية
والآثار، فقال :
٢٠١/٨٩٣ - (مالك، عن هشام بن عروة عن أبيه) مرسلاً (أن
رسول الله (19) قال ابن عبد البرّ: لم يختلف في إرساله في ((الموطأ))، وهو
مسند صحيح من حديث ابن عمر وابن مسعود ومعاوية، كذا في ((التنوير)) (٢)
(١) ((المنتقى)) (٤٠/٣).
(٢) (ص ٣٥٨).
٢٣٣

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حديث
صَلَّى الصَّلَاةَ الرُّبَاعِيَّةَ بِمِنىِّ رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرِ صَلَّاهَا بِمِنى
رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّاهَا بِمِنَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ
صَلَّاهَا بِمِنَّى رَكْعَتَيْنِ، شَطْرَ إِمَارَتِهِ،
و(التقصّي)) (صلّى الصلاة الرُّباعيّة بمنى) وغيره كما زاده في رواية لمسلم عن
سالم عن أبيه (ركعتين) قصراً (وأن أبا بكر) - رضي الله عنه - (صلّها) في
زمان خلافته (بمنى ركعتين، وأن عمر بن الخطاب صلّاها بمنى ركعتين، وأن
عثمان) بن عفان (صلّها بمنى ركعتين).
وفائدة ذكر الخلفاء الراشدين الثلاثة مع قيام الحجّة بالفعل النبوي وحده
:
أن هذا الحكم لم ينسخ، بل استمرّ إلى زمان طويل، إذ لو نسخ ما فعله
الخلفاء الراشدون واحداً بعد واحد، ولم يذكر علياً؛ لأن ابن عمر - رضي الله
عنهما - لعلّه لم يُصَلِّ خلفه بعد في السفر.
وأخرج الطحاوي بسنده إلى عبد الرحمن بن يزيد قال: خرجنا مع عليّ
- رضي الله عنه - إلى صفّين، فصلّى بنا ركعتين بين الجسر والقنطرة، فهذا وإن
لم يدلّ على الصلاة بمنى، لكنه حجّة على القصر في السفر مطلقاً.
(شطر) قال المجد: شطر الشيء نصفه وجزؤه، ومنه حديث الإسراء،
((فوضع شطرها أي بعضها))، (إمارته) بكسر الهمزة أي خلافته، وفي مسلم
برواية حفص بن عاصم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ثمان سنين، أو قال:
ست سنين، قال العيني(١) في ((كتاب الصلاة)): هي ست سنين أو ثمان سنين
على خلاف فيه، انتهى. واقتصر في الحجّ على ست سنين، وفي ((الدراية))
برواية ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين سبع سنين.
وقال الزرقاني(٢) بعد ما فسّر الشطر بالنصف: تبيّن من رواية ((الموطأ))
(١) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٩٧/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٦٢/٢).
٢٣٤
---------
---- -

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حديث
ثُمَّ أَتَمَّهَا بَعْدُ.
أخرجه البخاريّ في: ١٨ - كتاب تقصير الصلاة، ٢ - باب الصلاة بمنى.
ومسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين، ٢ - باب قصرة الصلاة بمنى،
حديث ١٧.
أن الصحيح ست سنين؛ لأن خلافته كانت ثنتي عشرة سنة، انتهى.
وفيه أن الشطر قد يطلق على البعض أيضاً كما تقدم في كلام المجد،
لكن عامّة شراح الحديث ذكروا ست سنين، وذكر الطبري في ((تاريخه)): في
سنة تسع وعشرين حجّ بالناس في هذه السنة عثمان - رضي الله عنه - فضرب
بمنى فسطاطاً، فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى، وأتمّ الصلاة بها وبعرفة.
ثم ذكر الآثار في ذلك، منها ما ذكر برواية الواقدي بسنده أن عثمان
- رضي الله عنه - صلّى بالناس بمنى أربعاً، فأتى آتٍ عبد الرحمن بن عوف،
فقال: هل لك في أخيك صلّى بالناس أربعاً؟ فدخل عليه عبد الرحمن ، فقال:
ألم تصل في هذا المكان مع رسول الله وَل﴿ ركعتين؟ قال: بلى، قال: أفلم
تُصَلّ مع أبي بكر - رضي الله عنه - ركعتين؟ قال: بلى، قال: أفلم تصلّ مع
عمر - رضي الله عنه - ركعتين؟ قال: بلى، قال: ألم تصل صدراً من خلافتك
ركعتين؟ قال: بلى، قال: فاسمع مني يا أبا محمد أني أخبرت أن بعض من
حَجَّ من أهل اليمن، وجُفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إن الصلاة
للمقيم ركعتان، هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين، الحديث بطوله.
(ثم أتمّها بعد ذلك) كذلك في النسخ الهندية، وليس في النسخ المصرية
لفظ الإشارة، فلفظ بعد على ذلك مبنيٌّ على الضمّ، واختلفوا في سبب إتمام
عثمان - رضي الله عنه - على أقوالٍ كثيرة، قال الزرقاني: أتمّها، لأن القصر
والإتمام جائزان للمسافر، فرأى عثمان ترجيح طرف الإتمام، لأن فيه زيادة
مشقّة، انتهى. وهكذا بَيَّن سببه غيرُ واحد من شرّاح الحديث، وهذا المعنى
يتمشّى على قول من رأى القصر جائزاً.
٢٣٥

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حدیث
وأمّا من ذهب إلى وجوبه، فلا يصح عنده هذا المعنى، ويأبى عنه أيضاً
ما في ((الصحيحين)) عن الزهري، قلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ؟ قال: تأوّلت
كما تأوّل عثمان - رضي الله عنه - فإن الأمرين إذا كانا جائزين، فأيّ فاقة إلى
التأويل؟ هل ترى أحداً تأوّل لصومه أو إفطاره في السفر؟ وهل ترى لأحد تأوّل
لاختياره الإفراد والتمتّع أو القران بشيء؟ أو تأول لتعجيله أو تأخيره في النفر
عن منى أو تأوّل لغسله الأرجل أو مسحه الخف بأمر؟ فما بالهم إذا أتمّ أحد
الصلاة أنكروا عليه إلى أن يحتاج إلى تأويل، فهذا أصرح دليل لا سيما
تظافرهم في الإنكار على من أتمّ أن القصر كان معروفاً عندهم بلا نكير،
وأنكروا على من خالف ذلك.
واختلفوا في تأويل عائشة - رضي الله عنها - كما اختلفوا في تأويل عثمان
- رضي الله عنه - أمّا الأقاويل التي حكيت في تأويل عثمان - رضي الله عنه - فمنها:
ما قيل: إنه - رضي الله عنه - كان يراهما جائزين، وأنكر عليه من يرى القصر
واجباً، ومنها: ما قال الزهري على ما رواه الطحاوي وغيره: إنما صلّى أربعاً، لأن
الأعراب كانوا كثيرين في ذلك العام، فأحبّ أن يُخبرهم بأن الصلاة أربع.
وتعقّب بما قال الطحاوي: الأعراب كانوا بأحكام الصلاة أجهل في زمن
الشارع، فلم يتمّ بهم لتلك العلّة، ولم يكن عثمان ليخاف عليهم ما لم يخفه
الشارع، لأنه بهم رؤوف رحيم، ورد بأنه تحقّق وقوع ذلك في زمن عثمان
- رضي الله عنه - ولم يتحقّق في زمنه بَّر، فقد روى البيهقي من طريق
عبد الرحمن بن حميد بن عوف عن أبيه عن عثمان أنه أتمّ بمنى ثم خطب،
فقال: إن القصر سنّة رسول الله وَل﴾ه وصاحبيه، ولكنه حدث طغام(١) فخفت أن
يستنّوا، أو عن ابن جريج أن أعرابياً ناداه في منى: يا أمير المؤمنين ما زلت
أصليها منذ رأيتك عامَ أولٍ ركعتين.
(١) قوله: طغام بفتح الطاء والمعجمة، هم أوغاد الناس وأراذلهم.
٢٣٦
---- --

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حديث
قال الحافظ (١): وهذه طرق يقوي بعضها بعضاً، ولا مانع أن يكون هذا
أصل سبب الإتمام، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته بل يقوّيه، انتهى ..
قلت: وسيأتي مختار الحافظ قريباً.
وتعقّب الشيخ في ((الكوكب الدريّ))(٢) هذا التوجيه بأنه يلزم بذلك فساد
صلاة كل من خلفه من أهل هذه الناحية، لأنهم صلّوا خلفه فرائضهم، وهو
متطوّع في شفعته تلك.
قلت: ويمكن أن يقال: لعلّ عثمان - رضي الله عنه - رأى صحة صلاة
المفترض خلف المتنفل لمسلك الشافعي - رحمه الله -، ومنها: ما قال ابن
حزم: إن عثمان - رضي الله عنه - كان أمير المؤمنين فحيث كان في بلد فهو
عمله، وللإمام تأثير في حكم الإتمام كما له تأثير في إقامة الجمعة، إذا أمر
يقوم أنه يجمع بهم الجمعة، وفيه أنهم كانوا أمراء المؤمنين أو مع ذلك لم
يتمّوا الصلاة لا سيما الشارع عليه الصّلاة والسّلام كان أوْلى بذلك.
ومنها: ما روى معمر عن الزهري أنه - رضي الله عنه - أتمّ الصلاة لأنه
أجمع الإقامة بعد الحج، رواه الطحاوي وغيره، وهذا مختار الطحاوي وقوّاه،
وتُعُقِّبَ بأن الإقامة بمكّة على المهاجرين حرام لحديث العلاء بن الحضرمي
عند البخاري وغيره، قال: قال رسول الله وَّر: ((ثلاث للمهاجر بعد الصدر))،
ورُدَّ بأنه أجازه جماعة بعد الفتح كما أقرّ به الحافظ، فحملوا هذا القول على
الزمن الذي كانت الهجرة واجبة، واتفق الجميع على أن الهجرة كانت قبل
الفتح واجبة .
ثم لما ورد قوله ◌َ﴾: ((لا هجرة بعد الفتح)) لم تبق واجبة من مكة،
(١) (فتح الباري)) (٥٧١/٣).
(٢) (٤٣٨/١).
٢٣٧

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حديث
وأجاب عنه الشيخ في ((البذل)) (١) بأن الممنوع والمحرم الاستيطان بمكة،
لا القيام بها عدّة أيام، وقد أقام رسول الله يوليو بمكّة زمن الفتح خمس عشرة
ليلة أو أكثر، وأقام ابن عباس في الطائف أميراً، وتوفي بها، وكذا علي
بالكوفة، انتھی.
ومنها: ما روى يونس عن الزهري: لما اتّخذ عثمان الأموال بالطائف،
وأراد أن يقيم بها صلّى أربعاً، ومنها: ما روى مغيرة عن إبراهيم قال: صلّى
أربعاً، لأنه كان اتّخذها وطناً، وقال البيهقي: ذلك مدخول، لأنه لو كان
إتمامه لهذا المعنى لما خفي ذلك على سائر الصحابة، ولما أنكروا عليه ترك
السنّة. ومنها: ما قيل: لأنه استجدّ له أرضاً بمنى، ومنها: ما قيل: إنه كان
يسبق الناس إلى مكّة.
وتعقبهما الحافظ بأنهما لم ينقلا، وتعقب الأول منهما العيني، بأنه لم
يقل أحد: إن المسافر إذا مرّ بما يملكه من الأرض، ولم يكن له فيها أهل، أن
حكمه حكم المقيم، ومنها: ما قيل: إنه أتمّ، لأن أهله كانوا معه بمگّة، وردّ
بأن الشارع عليه السّلام كان يسافر بزوجاته وكنّ معه بمكة، ومع ذلك كان
يقصر .
ومنها: ما اختاره الحافظ أن سبب الإتمام أنه كان يرى القصر مختصّاً
بمن كان شاخصاً سائراً، وأمّا من أقام بمكان في أثناء سفره، فله حكم
المقيم، فيتمّ، والحجّة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبد الله بن
الزبير، قال: لما قدم علينا معاوية حاجّاً صلّى بنا الظهر ركعتين، ثم انصرف
إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن
عمّك، لأنه كان قد أتمّ الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتمّ الصلاة إذا قدم
(١) ((بذل المجهود)) (٢٧٦/٩).
٢٣٨
-
..--- -

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حديث
مكة صلّى بها الظهر والعصر والعشاء أربعاً أربعاً، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة
قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحجّ، وأقام بمنى أتمّ الصلاة، انتهى.
وأخرج الطحاوي(١) هذا المعنى بألفاظ مختلفة وطرق عديدة، وقال
الحافظ(٢) بعد ما ذكر: أن أعرابياً ناداه في منى ما زلت أصلّيها ركعتين
منذرأيتك عام أول: وهذه طرق يقوّي بعضها بعضاً، ولا مانع من أن يكون هذا
أصل سبب إتمام عثمان، وليس بمعارض للوجه الذي اخترته، بل يقوّيه من
حيث إن حالة الإقامة في أثناء السفر أقرب إلى قياس الإقامة المطلقة عليها
بخلاف السائر، هذا ما أدّى إليه اجتهاد عثمان، انتهى.
ومنها: ما روى عبد الله بن الحارث بن أبي ذئاب عن أبيه، وقد عمل
الحارث لعمر بن الخطاب، قال: صلّى بنا عثمان أربعاً، فلما سلّم أقبل على
الناس فقال: إنّي تأَهَّتُ بمكّة، وقد سمعت رسول الله وَل﴿ يقول: ((من تأَهَّلَ
ببلدة فهو من أهلها فليصلّ أربعاً))، وعزاه ابن التين إلى رواية ابن شخير أن
عثمان - رضي الله عنه - صلّى بمنى أربعاً، فأنكروا عليه، فقال: يا أيها الناس
إني لما قدمت تأهّلت بها، وإني سمعت رسول الله وَل* يقول: ((إذا تأهّل الرجل
ببلدة فليصل بها صلاة المقيم)) (٣)، قال العيني(٤): وهذا منقطع أخرجه البيهقي
من حديث عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف عن ابن أبي ذئاب عن أبيه، قال:
صلّی عثمان، انتهى.
قلت: ومع ذلك فالحديث حجّة لجماعة من الفقهاء، قال الموفق(٥):
(١) ((شرح معاني الآثار)) (٢٤٦/١).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٧١/٢).
(٣) أخرجه أحمد (٦٢/١، ٧٥)، والحميدي (٣٦).
(٤) ((عمدة القاري)) (٣٧٧/٥).
(٥) ((المغني)) (١٥١/٣).
٢٣٩

٢٠ - كتاب الحج
(٦٦) باب
(٨٩٣) حديث
وإن مرّ في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال، فقال أحمد في موضع: يتمّ،
وقال في موضع: إلّا أن يكون مارّاً، وهذا قول ابن عباس، وقال الزهري: إذا
مرّ بمزرعة له أتمّ، وقال مالك: إذا مرّ بقرية فيها أهله أو ماله أتمّ، إذا أراد أن
يقيم بها يوماً وليلة، وقال الشافعي وابن المنذر: يقيم ما لم يُجْمِعْ على إقامة
أربع.
ولنا، ما روي عن عثمان - رضي الله عنه - صلّى بمنى أربع ركعات،
فأنكر الناس عليه، فقال: يا أيها الناس إنّي تأهلت بمكة منذ قدمت، وإنّي
سمعت رسول الله وَل يقول: ((من تأهّل)) الحديث، رواه الإمام أحمد في
((المسند))، وقال ابن عباس: ((إذا قدمت على أهل لك أو مال فصلّ صلاة
المقیم))، انتهى.
قال الدردير (١): وقطعه أي السفر دخول وطنه أو دخول مكان زوجة دخل
بها، انتهى. قال الدسوقي: قوله: ((دخل بها)) أي فيه، ولو لم يتخذه وطناً إلى
محل إقامة على الدوام، انتهى.
والعجب من العلّامة الزرقاني كيف ردّ على هذا التأويل تبعاً للحافظ مع
كونه موافقاً لمذهبه، وتعقبه الحافظ أيضاً، فقال: هذا الحديث لا يصح، لأنه
منقطع، وفي رواته من لا يحتجّ به، ويردّه قول عروة: إن عائشة - رضي الله
عنها - تأوّلت ما تأوّل عثمان، ولا جائز أن تتأهل عائشة - رضي الله عنها -
أصلاً، فدلّ على وهن ذلك الخبر، ثم ظهر لي أنه يمكن أن يكون مراد عروة
التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتّحاد تأويليهما، ويقوّيه أن الأسباب
اختلفت في تأويل عثمان، فتكاثرت بخلاف تأويل عائشة - رضي الله عنها ،
انتھی .
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٦٣/١).
٢٤٠
.---